mahmoudiتوطئة:
إن مقاربة انخراط الكائن البشري في عملية التواصل، سواء مع الآخر أو مع موضوعات العالم، وما تتطلبه هذه العملية التواصلية من انصهار وتفاعل للذات مع تجارب اليومي الممتدة في الزمان والمكان، قد حتم على الدرس السيميائي في خضم التطورات المعرفية الطارئة والمتلاحقة، توسيع جدول أعماله، ليطال لغات أخرى ينتظمها جدول أعمال خفي، يبطن عملية التواصل التي ليست دائما لفظية وصريحة، فقد تكون حركية وقد تكون إيمائية، وقد تكون وجدانية داخلية، تتمظهر أحيانا في بعض المشاعر أو السلوكات أو من خلال لعبة الأشكال والألوان والأنغام التي "تتكلم معنا، وتولد فينا إحساسات أو ذكريات")[i]( ما أن نعقد "بينها وبين السياق صلة فإنها ستبعث في الذهن أشياء أخرى، فتغدو علامات")[ii]( من بين أخرى، راسمة تمايز الإنسان وهويته وسط مسكنه البيولوجي والطبيعي، بخطوط وأصوات وأشكال وألوان ثقافية متعددة، مثل "الكلمات والسلوكات والوضعيات والإشارات ورنة الصوت وتعبيرات الوجه، و طريقة استعمال الزمان، والفضاء والمادة وطريقة العمل، واللعب، وممارسه الحب والدفاع عن الذات. كل هذه العناصر وغيرها، وليست هي وحدها تشكل نظما للتواصل التام حيث لا يمكن فهم الدلالة دون معرفة سلوك ما داخل سياقه التاريخي، و الاجتماعي الثقافي")[iii](

digniteانضم الشاعر الكبير الراحل محمود درويش في الربع الأخير من القرن العشرين إلى لائحة كبار شعراء العالم من أمثال: ((بابلو نيرودا (1904-1973م)، ولوركا (1898-1936م)، وأودن (1907-1973م)، وليوبولد سيدار سنغور (1906-2001م)، وأوجينيو مونتالي (1896-1981م)، ورافائيل ألبرتي (1902-1999م)، ويانيس ريتسوس (1909-1990م) وسواهم)).
ولأن درويش كان وفياً لمحبيه وأصدقائه ورفاق دربه فقد خصَّ الكثير من الشعراء والكتّاب والقادة الشهداء من فلسطينيين وعرب وشخصيات عالمية، منذ بداياته الشعرية، بنصوص رثائية، فقد أعار صاحب «الجدارية» إيقاعه لمأساة شعبه وشعوب الأرض المقهورة، الثائرة. فبقي يرصد موت الشهداء وظل يحرسهم من هواة الرثاء. وفي كثيرٍ من نثره وشعره رسم لنا درويش صوراً قلمية للأحبة والأصدقاء ورفاق الدرب من شعراء وقادة وكتّاب وفدائيين.. وحدثنا في مراثيه عن حكايات الأيام، مع الوجوه التي عرفها وآنسه وجودها، ورافقته دروب الإبداع والعطاء والنضال، تلك الحكايات التي تثير في النفوس أشجان الحزن على فراق شهداء فلسطين الكبار، وفراق أحبته من صناع التاريخ العربي والعالمي المعاصر.

evettes-anfasseكلّكم يعرف أن المشهد النقدي عَرف ويَعرف شلالات من التيارات النقدية التي تدرس النص الأدبي من زوايا مختلفة، ومن خلال طرائق تداولها للنص، فاحتفتْ مناهج كثيرة بالنص وببنياته ومكوناته الداخلية والخارج-نصية، تمثلت في: سوسيولوجيا الأدب أو المنهج الاجتماعي، والمنهج النفساني، والمنهج البنيوي، والمنهج الكولدماني[1]، والسيميائيات[2]، واللسانيات البنيوية[3]، والتفكيكية[4]، والمنهج الأسطوري الأنثروبولوجي[5]، والشعرية[6]، والأسلوبية[7]، لكن الذي لا تعرفون أنني يعتصرني الأسى وتصيبني لسعةُ حزنٍ حارقة وأنا أضطرّ لسماع كلامٍ كهذا الكلام:"يجب أن نلاحظ أن النقد العربي المعاصر الذي احتفى بما يسمى التركيب أو البنية داخل اللغة، نسي ما يموج به المجتمع من تدافع غريب قاسٍ، ولم يستطع أن يقيم جسرا بين الجانبين، ولذلك بدا الاحتفال بداخل اللغة هربا من المسؤولية أو عجزا من مواجهة اللغة في نشاطها الحيوي.لقد عاملت البنيوية اللغة معاملة قاسية، ومن ثم اعتبرت الأعمال الأدبية جسماً ساكنا تقرّر أمره واكتمل قبل البدء في تلمسه.وراح البنيويون يقيمون بين هذه الوحدات علاقات أو تقابلات، وفُتنوا بالتقابل الثنائي وأوهمونا أنهم عثروا على نظام العمل الأدبي المؤلف من هذه الأزواج المفترضة.."[8].

jalibertيظل زمن الشعر رهين تبعثر وتشتت بين الذاكراتية والآنية، حيث الاقتراب من النص يعتبر مخاطرة يلفها الجنون ،وذلك اعتبارا من التعدد الذي ينبني عليه النص العربي المعاصر، إنه ينحو نحو تشكيل هوية متداخلة إذ سيجد كل قارئ فيها انوجاده الأصيل كما يبدو له لا هو كما حاضر وماثل حقيقي،هذا ما وجدته في نص الشاعر العراقي الأستاذ ماجد الكعبي الموسوم بـ"سأترك العالم وحيدا بلوعتي" من ديوانه "كعب الغزال".فما يقوله النص؟
العنوان:"سأترك العالم وحيدا بلوعتي" يتخذ العنوان شكل جملة فعلية تهرب من صفة الانفراد،حيث تؤصل للحظة مؤجلة"سأترك" وتعد بزمن يرحل فيه النص عن انوجاده الأصيل،باحثا عن ممكناته في الزمن البعدي أو معوضا ذلك التواجد بصفة التبعثر ،حيث يتم اختلاق زمن آخر محايث "زمن الوحدة"،ومن هنا يتأسس راهن النص على بوح ذاتي صريح بالتخلي عن عالم الشعر الموجود ،ليعوضه بالحضور المنفرد المتأسس على الألم والوجع ولوعة الانفصال ،ومن هنا فالعنوان يحتفي بالهوية اللغوية المنجزة آنيا أو المتحقق اللغوي المؤجل الباحث عن صفة اكتمال لا يعثر على لحظتها .

tableau-abstrait-0102يتسابق النقاد في البحث عن أنجع طريقة لتفجير النص الشعري و استكشاف خباياه فأي محاولة في البحث و التنقيب  في ضوء مقاربات عديدة اعتمدت المناهج السياقية (كالمنهج التاريخي و النفسي و الاجتماعي) ,أو المناهج النصانية (من البنيوية إلى التفكيكية) و النظر إليه في كل هذا على انه بنية من الكلام الدال,تختلف طرائق التعبير فيه من جنس إلى أخر و هو لا يقبل الانغلاق عند فريق  و لا يقبل الانفتاح عند فريق أخر.
و لعل مفهوم الحداثة دفع النقاد إلى استثمار علوم الإنسان و النقد الأدبي من اجل مقاربة النص الإبداعي بمنهج يسمح بتحديد شعرية الخطاب و نقطة الفعل الشعري في كل نص إبداعي.
إذا كان الشاعر المبدع يخلق كونا تخيليا يطفح بأبعاد كونية و رؤيوية ,فعلى المتلقي الحصيف أن يكون محملا بترسانة من الأدوات الإجرائية  التي تمكنه ,عن طريق التنقيب في سطح النص, من اكتشاف البؤر النورانية التي من خلالها يستطيع استكشاف و تأويل   ماورائية النص.

danckaert-bea-abstract-day-2407715لا ريب بأن فن الكتابة هو أصدق مجال تتجلى فيه المشاعر والأحاسيس، والمواقف...،  من  منطلق  أن الكلمات ليست أشياء، بل دلالة على أشياء، ومن ثم فإن الكاتب يبحث في الكلمات عن أفكار، وفي الأفكار يبحث عن معاني، وفي المعاني يبحث عن رؤى، وصور، وحقائق.
فالكاتب يتعرف أكثر وأعمق، عبر الكتابة الروائية، على الإحداث الاجتماعية.
فالرواية أداة للمعرفة العميقة، والجميلة..، إنها تجعلنا أكثر إدراكا، وإحساسا بكل ما حولنا.
فالكتابة الروائية تتيح للكاتب أن يتعرف على أحوال المجتمع بصورة أعمق،و تمكنه أن يقدم للقراء المعرفة الأصدق والأدق عن حجم الصراعات الاجتماعية وأبعداها وتشكلاتها، الأمر الذي يمكن القارئ من القدرة الإدراكية والتخيلية لاستشراف أو الإيحاء بكل ما قد يحدث من أحداث، نتيجة حركة الانتقال العاصفة من عصر إلى عصر.

modernismeيستدعي التّأّثير والإقناع في التّخاطب "آليّات فاعلة لتحقيقه ولذا نجد الحجاج ميزة من مميّزات هذا التّخاطب بمواقفه المتعددّة وأشكاله المتنوّعة بين الشّفويّة والكتابيّة،لذا  يعدّ ركيزة  النّصوص الموجهّة المتضمّنة للمقصديّة والنّقاش والنّقد والتّي منها النّصوص القرآنيّة والفلسفيّة والفقهيّة والأدبيّة ..." ()
تعود دراسة النّص الحجاجي إلى أزمنة بعيدة ابتداء من مؤلّفات أرسطو في الخطابة وانتهاء إلى أعمال كبار المفكرين ”كبير لمان " و " مايير" و ديكرو التّي أحاطت بكلّ ما يمكن  أن يطرأ على هذا النّص من خلال عدّة نظريّات
والحجاج الذّي نتناوله بالدّراسة يتمثّل في معرفة ما "تشمل عليه اللّغات البشريّة عامة واللّغة العربيّة خاصة من وسائل لغويّة ومن إمكانيّات صرفيّة ومعجميّة وتركيبّة ودلاليّة يوظّفها المتكلّم لتحقيق أهدافه وغايته الحجاجيّة والاقناعيّة " ()

الحجـــاج:
أ- الحجاج لغة:تجمع المعاجم اللّغوية الأساسيّة في تعريفها للحجاج على ما جاء في لسان العرب لـ "ابن منظور" "يقال حاججّته أحاجّه حجاجّا حتىّ حاججته أي غلبّته بالحجج التّي أدليت بها [....] و الحجّة البرهان و قيل الحجّة  ما دافع به الخصم  وقال الأزهري الحجّة و الوجه الذّي يكون به الظّفر عند الخصومة وهو رجل محجّاج أي جدل، وحجّه يحجّه حجّا: غلبه على حجّته، وفي الحديث فحجّ أدم موسى أي غلبه بالحجّة»()

abstrait_3_bandesقد لا يلتفت كثير من الدارسين إلى طبيعة المصطلح الذي يتعاملون معه حين المعالجة النظرية أو التطبيقية للأدب تحليلا وتفسيرا وتأويلا..  وكأنهم ألفوا المصطلحات التي يستعملونها وخبروا دلالتها ، وعلموا أنهم يريدون منها ما تحمله أصالة في كلماتها، سواء عدنا بها إلى المعجم تأثيلا، أو بحثنا في أمرها استعملا واصطلاحا. غير أن المطب الأكبر في مثل هذه الاستنامة لما نألفه من معان درجت بيننا وكأنها تامة الدلالة بيِّنة الحد، واضحة المقاصد. ومن ثم يغدو استعمالها مثار التوجس والتخوف وعدم الفهم والخلط. بل إن كثير منها حين يُقلب في وجوه استعماله يكشف عن حقائق خطيرة يجب التنبيه عليها، لكونها تتصل بمستقبل هذا الفن أو ذاك، أو هي ترسم في تلونها جملة التحولات التي اعتورته في تاريخه الخاص والعام.
إننا حين نراجع مصطلحي: "البطل" و"الشخصية" في الرواية والقصة والمسرحية والسينما، تنتابنا الدهشة حيال الاستعمال أولا، وحيال المعاني التي يراد تمريرها من خلال كل مصطلح على حدة. والناظر اليوم إلى كافة الدراسات النقدية يجد هذين المصطلحين يتبادلان المواقع من غير تحقيق ولا تدقيق. وكأن الشخصية هي البطل، وأن البطل هو الشخصية في الوقت ذاته. صحيح أن البطل شخصية من شخصيات القصة والرواية والفيلم والمسرحية.. بل قد تتسع الشخصية لتشمل الحيوان والجماد في بعض الأعمال، ولكن "البطل" "مهمة" وليس "دورا" لذلك يصح لنا الآن أن نعتبر الشخصية مصطلح يغطي "الأدوار" التي تكون في القصة والفيلم والمسرحية. سواء اتجه الدور اتجاها إيجابيا فوافق الأعراف والقيم، أو سلبيا فخالفها وانتهك حرمتها. وليس للبطل في الدور إلا أن يتجه الوجهة التي ترتضيها القيم ويحتفل بها العرف وتزكيها الأخلاق.