لا يجب التعويل على الفلاسفة لإيجاد أسبابٍ للعيش" كليمن روسي
ليس شوبنهاور هو الفيلسوف الكلاسيكي الأخير مثلما يحلو للبعض تسميته، لكنه أول فيلسوف حداثي، وأول من خلخل بنية الفكر الكلاسيكي فيما سيعرف لاحقًا بموجة "فلاسفة الشك" كما سمّاهم بول ريكور: شوبنهاور، نيتشه، ماركس وفرويد. اشترك هؤلاء في براديغم ينطلق من كون الظواهر والموجودات والمنظومات ليست في ماهيتها كما تظهر للحواس والعقل وكما تشكلت سردياتها عبر التاريخ، بل هناك آليات غير ظاهرة تتحكم فيها، يتطلب الأمر نظرًا حفريًّا للكشف عن قوانينها المخفيّة ولحظات انبثاقها في اللغة وتطبيقاتها في الحياة.
سمَّى نيتشه منهجه في كشف طبقات المعنى التي تكتسبها المفاهيم والمبادئ -الأخلاقية خصوصًا- الجينالوجيا، أي منهج البحث في الأصول انطلاقًا من الشك في ما وراء ما هو ظاهر وما هو مُعطى في سرديات اللغة والسلطة القائمة بكل تجلياتها، بحثًا خلف ظاهر الأشياء المعلومة والواعية. انخرط ماركس في كشف حقيقة المجتمع والتراتبية الاجتماعية، إذ قبله كان القدر الاجتماعي والاعتقاد بتراتبية من أصل إلهي (الحق الإلهي) سائدًا، لكنه كشف أن الأمر مرتبط بشبكة من علاقات الإنتاج والسلطة، أما فرويد فقد اعتبر أن تحت المظهر البسيط للعقل كما تصورته التأملات الفلسفية الكلاسيكية هناك جزء غارق من الجبل الجليدي لا يخضع للمقولات، وأكد أن الغرائز التي لا يتم التعبير عنها تنحو إلى التراكم في بنية لاواعية عميقة، هي ما يُشكل الهوية غير المدركة للذات، وبالرغم من كل الاعتراضات اللاحقة في علم النفس الإكلينيكي وعلم نفس الأعصاب والعلوم المعرفية على طرح فرويد التأملي، ورغم كل النقد الليبرالي لما اعتبر طوباوية ماركس، والنقد السيكولوجي لمأساة نيتشه التي انعكست آثارًا واضحة في نسقه الفكري، إلا أن كل هؤلاء شكلوا "إبستيميا" جديدًا يقطع مع إبستيمي العصر الكلاسيكي المتّسِم بالتماثل L’analogie، وفتحوا الباب أمام مباحث جديدة تُعيد تعريف الإنسان والمجتمع والطبيعة والوجود، ليس انطلاقًا من تراكم التصورات التأملية المتوارثة والتي تتفاعل بمبدأي القياس والأضداد (التطابق والديالكتيك)، بل بحثًا في ما أهمله التأمل والسّبر الفلسفي القديم: مناطق الظل: طبقات النفس ومفاتيح الاقتصاد وأصل الأخلاق ودوافع الفعل الإنساني. وذلك عبر محاولة سكّ المفاهيم القادرة على استيعاب واقع نسبي ومنفلت ومُخاتل ومتحرّك بشكل دائم، واحتمالية وجود أشياء غير قابلة للتعريف الحدّي أو مطابقة الهوية لذاتها، بل هي مناط التناقض والتعدد حسب اختلاف زوايا النظر والشروط التاريخية واختلاف البيئة والدوافع، البحث في ما لم تكن لغة السابقين قادرة على احتوائه، ومن ثمة لم تكن أُطُر الذهن تستوعب وجوده ... غير أنه قبل كل هؤلاء، كان شوبنهاور....
كان شوبنهاور قد أنتج إرهاصات أولى لفلسفة غير مكتملة، لكنها شقّت طريقًا جديدًا للبحث في ماهية الإنسان ودوافعه دون التسليم بكل الإرث اليهودي المسيحي الإغريقي المركب، والذي شكل أطر وعي أوروبا عبر التاريخ.