تاريخ وتراث

بداية لابد من الإشارة إلى أن الخطاب الشرعي نزل في واقع مغاير لواقعنا، وفي ظروف ليست كظروفنا ، ما يحتم علينا ضرورة الرجوع للبحث في أسباب النزول بالنسبة للقرآن، وأسباب الورود بالنسبة للحديث، لأن الخطاب الشرعي نزل مخاطبا أفرادا وجماعات لهم عادات وتقاليد وأعراف، ويحكمهم واقع زماني وجغرافي مختلف.

و"رغم أن التشريع مصدره خطاب علوي متنزل من سماء التجرد والإطلاق إلى عالم الطبيعة والتجدد؛ إلا أنه مع ذلك لم يتعال على الواقع ولم يصادره ولم يسلب حقيقته المتغيرة"[1]، ولعل أقوى ما يعضد هذا القول أن القرآن نزل منجما حسب الوقائع والأسئلة التي كانت تطرح على النبيﷺ فينزل القرآن مجيبا عنها، هذا بغض النظر عن تصرفات النبيﷺ وبعض تقريراته التي تدل على أنه هو الآخر يستحضر الواقع في التشريع للأحكام.

من هنا يمكننا القول بأن للمآل إرهاصات أولية بدأت منذ عصر النبوة وزمن التشريع، إلا أنه لم تكن الحاجة ماسة للبوح به كقاعدة وأصل يرجع إليه، إذ أنه كان يؤخذ سليقة فقط، وحتى بعد عصر النبوة، مع الخلفاء والتابعين إلى عصر التدوين وتطوير الفقه وأصوله، لم يكن هؤلاء الكبار في حاجة لإفراد المآل بالبحث والدراسة، ولكنهم أدرجوه ضمن قواعد أخرى وأذابوه فيها كقاعدة ( الاستحسان، و الذرائع، و المصلحة...) إلى أن جاء عصر الشاطبي، وهو أول من نبه – فيما أحسب -  على ضرورة الاعتناء بالمآلات كقاعدة مستقلة ومنفردة.

إلى هنا يمكن أن نطرح السؤال؛ ماذا يقصد الشاطبي بالمآل؟

لعل الشاطبي لم يقدم لنا تعريفا واضحا للمآل، لكن استقراء كلامه يعطي أنه أراد به كل ما يؤول إليه فعل المكلف من أعمال تكون " مقدمات لنتائج المصالح، فإنها أسباب لمسببات هي مقصودة للشارع، والمسببات هي مآلات الأسباب"[2]

فالمآل إذا حسب الشاطبي، هو ما يؤول إليه فعل المكلف من نتائج إما أن تكون إيجابية (المصلحة)، أو سلبية (المفسدة)، فيكون بذلك النظر في المآل هو نظر في المقاصد، أي ما يوافق مقصد الشارع من أفعال المكلفين.

مقدمة
تُعتبر الفلسفة العربية الإسلامية إحدى أبرز الإسهامات الفكرية في تاريخ الفكر الإنساني، حيث جمعت بين التراث الديني الإسلامي والإرث الفلسفي اليوناني والعقلانية. في هذا السياق، برز علم الكلام وعلم أصول الفقه كتيارين رئيسيين شكلا إطارًا للتفكير الفلسفي في العالم الإسلامي. يركز علم الكلام على الدفاع عن العقيدة الإسلامية باستخدام العقل والمنطق، بينما يسعى علم أصول الفقه إلى وضع قواعد لاستنباط الأحكام الشرعية من النصوص الدينية. تهدف هذه الدراسة إلى تحليل العلاقة بين علم الكلام وعلم أصول الفقه في إطار الفلسفة العربية الإسلامية، مستخدمة مقاربة تأويلية تركز على تفسير النصوص وفهم السياقات التاريخية والفكرية لكلا العلمين

.1. إطار الدراسة والمنهجية

تعتمد الدراسة على مقاربة تأويلية مستمدة من مناهج التفسير الفلسفي، ولا سيما أفكار هانز-غادامر حول التأويلية (Hermeneutics)، التي تركز على فهم النصوص في سياقاتها التاريخية والثقافية. يتم تحليل النصوص الكلامية (مثل أعمال المعتزلة والأشاعرة) ونصوص أصول الفقه (مثل كتابات الشافعي والغزالي)، مع التركيز على كيفية تشكيل هذين العلمين للفلسفة العربية الإسلامية. تنقسم الدراسة إلى ثلاثة أقسام: علم الكلام، علم أصول الفقه، ومقارنة تأويلية بينهما

.2. علم الكلام: الفلسفة العقلية في خدمة العقيدة

علم الكلام هو العلم الذي يهتم بمناقشة قضايا العقيدة الإسلامية باستخدام المنطق والعقل للدفاع عنها وتفسيرها. نشأ هذا العلم في القرن الثاني الهجري (الثامن الميلادي) كرد فعل على التحديات الفكرية التي واجهت الإسلام، مثل الجدل مع أتباع الأديان الأخرى والفرق الإسلامية المختلفة.

الأسس الفلسفية: استلهم علم الكلام من الفلسفة اليونانية، وخاصة أرسطو وأفلاطون، من خلال ترجمات النصوص الفلسفية إلى العربية. المعتزلة، على سبيل المثال، ركزوا على العقل كأداة لفهم العقيدة، مؤكدين على مبدأ العدل الإلهي وحرية الإرادة الإنسانية. في المقابل، تبنى الأشاعرة موقفًا وسطيًا يوازن بين العقل والنقل.

القضايا المركزية: تناول علم الكلام قضايا مثل وجود الله، صفاته، القدر والإرادة الحرة، وطبيعة القرآن (مخلوق أم غير مخلوق). على سبيل المثال، ناقش الإمام الغزالي في تهافت الفلاسفة حدود الفلسفة العقلية في تفسير العقيدة.

    التشريع القانوني للمجتمعات، بما هي بنيات متحركة بل ودائبة الحركية، وجب أن يواكب القضايا والمستجدات التي تفرزها باستمرار ومن دون انقطاع، بما يضمن تطورها الطبيعي، وتوازنها المستمر، وانخراطها في العصر الذي تنتمي إليه. إن أي خلل في تحيين التشريعات بما يضمن كل ذلك، تترتب عنه بالضرورة اختلالات مجتمعية عميقة، ومشاكل بالجملة ولا حصر لها، تفضي إلى تخلف المجتمع، وعجزه عن مسايرة إيقاع ركب الحضارة الإنسانية. وهذا ما ينطبق تمام الانطباق، على المجتمعات التي أوكلت فيها مهمة التشريع لفقهاء الإسلام، كنتيجة طبيعة للاختلالات التشريعية الكثيرة، والتي ترتبت عن عدم قدرتهم على مسايرة دينامية المجتمع وحركيته غير المتوقفة، وهو ما يفسر اليوم، كيف أن المسلمين أضحوا في وضع أشبه بأطرش في حفلة غنائية صاخبة، لا هم قادرون على استيعاب حجم التطور المتسارع الذي شهدته وتشهده البشرية، ولا مسايرة إيقاع التحولات السريع الذي تسير وفقه، ولا الانخراط في عصرهم وهم يحملون عقلية ماضوية غير محينة، ما كان من نتائجه المباشرة أن تخلفوا عن ركب الحضارة الإنسانية، وظلوا تبعا لذلك في مؤخرة الأمم من حيث مؤشرات التنمية والتقدم.

  لقد عرفت المجتمعات "المسلمة" منذ أن أوكَلَت السلطة السياسية مهمة التشريع فيها للفقهاء، اختلالات تشريعية عميقة، كنتيجة مباشرة وطبيعية لعدم قدرة التشريع الفقهي على الإجابة على مختلف النوازل والمستجدات التي كان يفرزها المجتمع باستمرار، وعجزه على ابتكار الحلول الواقعية والعملية للإجابة عنها. لقد كان هم السلطة السياسية الأول، هو الحفاظ على الاستقرار المجتمعي، المفضي إلى الاستقرار السياسي، فكانت تلك هي الغاية التي حددت معالم الخط التشريعي، الذي سار على منواله الفقهاء باعتبارهم المشرعين الذين أوكلت لهم السلطة السياسية مهمة التشريع للمجتمع. وهكذا، لم يكن من الغريب أبدا، أن يتبنى فقهاء الإسلام، منهجية تشريعية تستهدف ضمان الثبات والسكون والاستمرارية، بأن نبذت الاجتهاد والخلق والإبداع بما هم وقود عملية التغيير ومحفزها.

  لقد حرم الفقهاء التفكير خارج الصندوق الذي وضعه الحاكم إطارا إيديولوجيا للسلطة الحاكمة، وهو الإطار المفروض بمنطق الغلبة وحد السيف، والذي لم يكن سوى ترجمة حرفية لمقاصد الحاكم المستبد الدنيوية لا لمقاصد الدين. لذلك؛ فلم يكن من الغريب أبدا، أن يلبسه فقهاء السلطة لباس القداسة، فأضحت تبعا لذلك، كل محاولة للتفكير خارجه، تصنف دينيا على أنها مروق وخروج عن صحيح الدين، حتى أنهم جاؤوا بحكم الردة كتهمة دينية مرعبة ومفزعة، قدموها هدية ثمينة على طبق من ذهب للحاكم الطاغية، ليتسنى له تصفية كل معارضيه السياسيين، من دون حتى أن يكلف نفسه تبرير فعله الإجرامي ذاك.  لقد أضحت كنتيجة لذلك كل محاولة للتفكير خارج ذلك الصندوق، تصنف سياسيا كرغبة في زعزعة الاستقرار الضامن لاستمراريته الحاكم على رأس السلطة السياسية، وتصنف دينيا على أنها مروق وخروج عن صحيح الدين، بل وردة وجب دينيا على ولي الأمر، أن يقيم حد القتل على من وجهت له.

  إن أخشى ما كان يخشاه الحاكم المستبد، هو قدوم رياح التغيير التي قد يجئ بها التطور الطبيعي للمجتمعات، والتي من شأنها أن تعصف به وبحكمه، لذلك؛ فقد ظلت رغبته دوما، هي إيقاف عجلة التاريخ في الوضع الذي يضمن بقاءه على رأس السلطة السياسية، وهي الرغبة التي ترجمها فقهاء السلطة دينيا حينما جاءوا بالقاعدة المنهجية القائلة: " كل مستحدثة بدعة، وكل بدعة ظلالة، وكل ظلالة في النار"، وهي القاعدة غير العلمية، التي كانت من وراء كل الاختلالات التشريعية، التي عرفتها المجتمعات المسلمة على مر العصور، والتي ترتب عنها اختلالات عميقة على جميع الأصعدة.

ما من شكّ أنّ قضية "التراث والمعاصَرة" أو "التراث والحداثة"، أو ما يرد بمسمّيات رديفة أو شبيهة، هي من القضايا الدورية، المطروحة في الفكر العربي. والتطرّق إليها بالحديث قد يغري بموالاة هذا الطرف أو ذاك، والأمر كذلك مدعاة إلى حنين مفرط أو إلى توتّر مزعج. ولذلك لا نتعاطى غالبا مع هذه الثنائية باعتدال ورويّة، ولا نتمالك أنفسنا جراء حاضر ضاغط وآتٍ داهم. ومن ثَمّ تُعَدّ تلك الثنائية -التراث والمعاصرة- من أكثر الثنائيات إحراجًا بين العرب، محافظين وحداثيين، على مدى القرن الفائت وإلى الحاضر الحالي، دون حسم واضح بشأنها.

ولو شئنا تعريفا جامعا مانعا لتلك البؤرة الإشكالية لتعدّدت بنا السّبل، مع أن التراث يظلّ "من المعلوم من المعارف والصنائع والمنجزات". ومع ذلك فالإشكال ليس في التعريفات، لأنها قد تتحول إلى نقيض ما نصبو إليه، وليس في رسم الحدود لهذا التراث، وليس في تعداد مجالاته وبيان حقوله، بل في المنهج السويّ الذي نعي به هذا التراث، ونقصد به تحديدا "التراث والوعي التاريخي". حتى لا نتحول بِدورِنا إلى كائنات تراثية، غير واعية بما تستهلك وغير مدركة لما تريد.

ذلك أنّ الوعي التاريخي بالتراث هو عملية جدلية مركّبة، تتروّى في الماضي، وتتملّى في الراهن، وتتشوّف نحو المستقبل. وأن اختلال التوازن بين هذه العناصر الثلاثة، أو تغليب عنصر على غيره، من شأنه أن يُدخل ارتباكا على عملية الانتفاع بهذا الموروث. فالوعي التاريخي المفترض أن يرافق التراث، هو تلك العملية الذهنية التي تستلهم الماضي، وتتفهّم الحاضر، وتقود السير نحو المستقبل. وهو تلك القدرة على الوعي بالأصول التي يتجذّر فيها واقعنا من أجل خلقِ فعل حضاري، لتضعنا العملية برمّتها أمام تعامل سويّ. وبالتالي فإنّ التراث هو ذاكرة الكيان الجمعي الواعي بحضوره في التاريخ، وأنّ هذا الرصيد كلّما انفصل عن الجماعة وغدا منجزا مستقلا بذاته، أو بات استهلاكا عرضيا يخضع للمناسبات والمواعيد، كلّما غرق في عملية التشييء والمتْحَفَة، وهو أخطر ما يتهدّد التراث.

مقدمة

يُشكل محمد أركون (1928-2010) واحدًا من أبرز المفكرين العرب والمسلمين في القرن العشرين، حيث قدم إسهامات فكرية عميقة في دراسة التراث الإسلامي والفكر الديني من منظور نقدي ومعاصر. يتمحور مشروعه الفكري حول إعادة قراءة التراث الإسلامي بمنهجية نقدية تاريخية، تسعى إلى تحرير الفكر الإسلامي من التقليدية والجمود، وإعادة بنائه في ضوء التحديات المعاصرة. يهدف هذا البحث إلى تحليل منهجية محمد أركون ومشروعه الفكري، مع التركيز على أسسه النظرية، أهدافه، أدواته، وتأثيراته.

العنصر الأول: الإطار النظري لمنهجية محمد أركون

السيرة الفكرية لمحمد أركون

وُلد محمد أركون في الجزائر عام 1928، ونشأ في بيئة ثقافية متنوعة تجمع بين التراث الأمازيغي والإسلامي والاستعماري الفرنسي. درس الفلسفة في جامعة الجزائر ثم انتقل إلى فرنسا حيث حصل على الدكتوراه في الفلسفة من جامعة السوربون. تأثر أركون بمفكرين مثل ميشيل فوكو، جاك دريدا، ولويس ماسينيون، مما ساعده على صياغة منهجية نقدية تجمع بين التاريخانية والسيميائية والأنثروبولوجيا[1]

 أسس منهجية أركون

تعتمد منهجية أركون على ثلاث ركائز أساسية:النقد التاريخي: يدعو أركون إلى دراسة النصوص الدينية والتراث الإسلامي في سياقها التاريخي والاجتماعي، لفهم الظروف التي أنتجتها. يرى أن النصوص الدينية ليست ثابتة، بل هي نتاج تفاعل مع الواقع التاريخي[2].

التحليل السيميائي: يركز أركون على تحليل اللغة والرموز في النصوص الدينية، معتبرًا أن المعاني ليست مطلقة، بل متغيرة حسب السياقات الثقافية والاجتماعية.

الأنثروبولوجيا التاريخية: يستخدم أركون الأنثروبولوجيا لفهم العلاقة بين الدين والمجتمع، مع التركيز على كيفية تشكل الوعي الديني في سياقات ثقافية محددة.

مقدمة
يُمثل هشام جعيط (1935-2021) أحد أبرز المؤرخين والمفكرين العرب في القرن العشرين، حيث قدم إسهامات فكرية عميقة في دراسة التاريخ الإسلامي، متميزًا بمنهجه النقدي الذي يجمع بين التحليل التاريخي والأنثروبولوجي والفلسفي. تتمحور أعماله حول فهم الظواهر التاريخية الإسلامية، لا سيما في سياق نشأة المدينة العربية الإسلامية وتاريخية الدعوة المحمدية، كما يتضح في مؤلفاته مثل الكوفة: نشأة المدينة العربية الإسلامية وثلاثيته عن السيرة النبوية، وخاصة الجزء الثاني تاريخية الدعوة المحمدية في مكة. يهدف هذا المقال إلى تحليل فكرة التاريخ عند جعيط من خلال مقارنة رؤيته لنشأة المدينة العربية الإسلامية وتاريخية الدعوة المحمدية، مع التركيز على منهجه النقدي وتأثيره على فهم التاريخ الإسلامي. الإطار النظري: فكرة التاريخ عند هشام جعيط

يرى هشام جعيط أن التاريخ ليس مجرد سرد للأحداث، بل هو عملية استقراء وفهم عميق للديناميكيات الاجتماعية والثقافية والدينية التي شكلت المجتمعات. في كتابه الكوفة: نشأة المدينة العربية الإسلامية، يقدم جعيط رؤية شاملة لنشأة المدينة الإسلامية كنتاج لتفاعل الحضارة العربية مع الحضارات السابقة مثل البابلية والفارسية والهلنستية. يعتمد جعيط على منهج تاريخي تفهمي يسعى إلى فهم المناخ الذهني والعقلي للعصر، مع التركيز على القيم والأفكار التي هيمنت على المجتمع . في سياق تاريخية الدعوة المحمدية، يتبنى جعيط منهجًا نقديًا يعتمد على فحص المصادر التاريخية بعين عقلانية، متجنبًا الروايات الأسطورية أو غير المثبتة. في الجزء الثاني من ثلاثيته عن السيرة النبوية، تاريخية الدعوة المحمدية في مكة، يركز على تحليل السياق الاجتماعي والثقافي لمكة قبل وبعد الإسلام، معتبرًا أن الدعوة المحمدية لم تكن مجرد ظاهرة دينية، بل نتاج تفاعل معقد بين الفرد (النبي محمد) والمجتمع . يتميز منهج جعيط بالجمع بين التحليل التاريخي والأنثروبولوجي، حيث يرى أن التاريخ يجب أن يُفهم من خلال البنى الاجتماعية والثقافية التي تحكم سلوك الأفراد والجماعات. هذا المنهج يتضح في مقاربته للمدينة العربية الإسلامية كنموذج حضاري، وللدعوة المحمدية كظاهرة تاريخية متجذرة في سياقها الاجتماعي.

     القواعد المنهجية التي تحكمت في تحديد معالم الخط التشريعي، الذي سار على منواله فقهاء الإسلام، كما القاعدة التي قال بها الإمام مالك: " لن يصلح امر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها "، وكذا قاعدة: " كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة"، وكذا القاعدة القائلة بــ: " لا اجتهاد مع نص "... هي قواعد منهجية، فرضتها طبيعة مهمتهم في تخريج الأحكام الشرعية، الضامنة للاستقرار المجتمعي، الذي كان يبتغيه الحاكم الطاغية.

    لقد اتسمت منهجية الفقهاء بنزعتها النكوصية الماضوية، كنتيجة طبيعية لطبيعة المهمة التي أسندت لهم على مر العصور، في تخريج الأحكام التي كانت تأمر بها السلطة السياسية، ضمانا لاستقرارها واستمراريتها. لقد كان أخشى ما يخشاه الحاكم المستبد، هو التحولات التي قد يجئ به التطور الطبيعي للمجتمع، والتي قد تحمل معها بوادر التغيير التي قد تعصف به وبحكمه، لذلك فقد ظلت غايته القصوى دوما، هي محاولة الحد ما أمكنه ذلك، من وتيرة التغيير بداخل المجتمع، بأن يجعله منه ساكنا وجامدا، وهي الغاية التي ترجمها فقهاء السلطة أحكاما "شرعية"، من خلال تبنيهم لمنهجية تشريعية تعتبر كل محدثة ضلالة.

   لقد كان من الطبيعي بالنظر إلى طبيعة مهمة الفقهاء تلك، أن يتبنوا منهجية في التشريع، تنتج أحكاما شرعية، غايتها التحكم في وتيرة التغيير بداخل المجتمع، بما يضمن وضعية من السكون والجمود تضمن استمرارية الوضع على ما هو عليه، وذلك من خلال الدعوة إلى السمع الطاعة والخنوع لولي الأمر، والقبول والرضا بالظلم والجور الذي يمارسه في حق " الرعية " على أنه قدر إلهي، وبالتالي؛ فليس من الدين في شيء العمل على تغييره أو انتقاده حتى، وهذا ما لخصه فقيه كبير كابن حنبل حين قوله: "والسمع والطاعة للأئمة وأمير المؤمنين البر والفاجر، ومن ولى الخلافة واجتمع الناس عليه ورضوا به، ومن ظهر عليهم بالسيف حتى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين " ليضيف " ولا يحل قتال السلطان ولا الخروج عليه لأحد من الناس فمن فعل ذلك فهو مبتدع على غير السنة والطريق." (انظر دراستنا المعنونة بـ: " الفقه الإسلامي ومقاصد الدين").

مثلت المسائل اللغوية أبرز ما أهتم به الفكر المعاصر لما لها من الأهمية الكبر ى، فقد جسدت وضعية نظرية دقيقة، حيث أصبحت اللغة المركز الذي تدور عليه اهتمامات متعددة في مجالات مختلفة. فانفتاح الثقافات على بعضها البعض ولد الحاجة إلى هذا الاهتمام المتزايد باللغة داخل كل أمة، وداخل كل ثقافة، ذلك أن اللغات لا تختلف باختلاف الشعوب فحسب وإنما تختلف أيضا باختلاف الاهتمامات الفكرية. إذ لا محيد للفكر عن اللغة والخطاب، أو لعل الفكر هو بالأساس لغة. إذا التفكير في بنية خطابات اللغة هو مرتبط بالعالم وبالإنسان. فكم من كلمة أشعلت حروبا وأقامت الدنيا ولم تقعدها. وكم من كلمة تبركنا على أعتابها في أوقات الضيق لتزيل عنا كربنا وغمنا، وقد تأتي هذه الكلمة على لسان علامة أو مفتي، كما قد تأتي على لسان نبي.  وكم للكلمات الفواتح من فتح مبين. فوطن كل أمة أو شعب هي لغته التي بها تكلم، ذلك أن اللغة هي الأفق الذي فيه تتحدد علاقتنا بالعالم وبالآخر.

 واللغة ، التي نحن بصدد تناولها، لغة ربانية ومعطى سماوي مقدس، إذ نحن بصدد انزياح أو عروج عن وثنية تأصلت في وجدان الأمة العربية الإسلامية. إذ لعلنا اليوم أشد حاجة من أي وقت مضى إلى التفكر في اللغة وباللغة وفي إعادة طرح مسألة الخطاب القرآني، وحل كل رابطات حقوق الله وما تمثله من الرابطات من غطرسة على بنية القول والتفكير. 

فباسم المقدس ننسلخ عن آدميتنا، وباسم الدين تتعالى الأصوات لانتهاك ما هو بشري وتطويعه و تركيعه. وصار من الوجوب أن نعيد طرح "جهازنا " المفاهيمي من داخل النص القرآني وفق رؤية تكون مرجعيتها العقل والدين لأنه آن الأوان لرفع كل وصاية على ما هو مقدس، أو لرفع وصاية الأرض عن السماء. 

من المعروف أن النص القرآني لا زال يلهم الكثير من القراءات المتعددة، وما تتعرض إليه حضارتنا من هجوم خارجي وداخلي على الإسلام، خارجي وهي نظرة الغرب الصليبية للعرب والإسلام بما هو رمز للإرهاب والتطرف، وداخلي يتمثل في احتكار أو محاولة احتواء النص القرآني من طرف قلة ارتأت لنفسها المشروعية في التكلم باسم الإله، وأنها نخبة الله المختارة على الأرض وما عداها فهو ضلال مبين. فمن الواجب أن يعيد المفكر العربي والمسلم إعادة تفكير الإسلام كمنظومة دينية وفكرية، أي لابد من قراءة جديدة للخطاب الديني بما هو نص شديد الثراء وكثيف المعاني، نص قصصي البنية ورمزي المقاصد، والقطع مع التأويلات الأيديولوجية المسيسة للإسلام. وتجاوز القراءات الدغمائية السطحية للنص القرآني. وفضح كل قراءة تدعي أنها قادرة على معرفة كلام بشكل متطابق مع غاياته النهائية والأخيرة. هذه الضرورة إلى أعادة قراءة النص الأصلي أو الأم سمح بتعدد التفاسير واختلاف الرؤى في تفكيك الخطاب المقدس وهو منهج اشتهر به جاك دريدا1.إذ يطور دريدا منهج التأويل في حواره مع النص الصامت والذي يشكل مصدر لغط وغلو. ولم يبق الخطاب القرآني كوحي أو كحديث للآلهة بل قد ارتبط بالإنسان والنسيان وقد كانت دائما هناك محاولات للهيمنة على هذا الخطاب والسيطرة عليه. وما تميزت بالسطحية في تناولها وتفسيرها للخطاب القرآني والوقوف عند تخوم العبارة وذلك بالتداخل بين المقدس والدنيوي وتظهر الذات الإلهية متجسدة في صورة هي أقرب للبشر منها للآلهة، ويتبدى الخطاب مفعما بروح التضاد والتوتر بين السماء والأرض، خطاب عمودي متعالي أساسه الوعد والوعيد. في هذا التداخل والتشابك بينما هو إلهي فينا وما هو دنيوي بما أننا قد نفخ فينا من روحه.

   لا يمكن اختصار منزلة السّؤال في كونه شكلاً وحيداً ومستقلاًّ من أشكال الخطاب الأدبي في مدوّنة التوحيدي، فهو يخترقُ أكثر من شكل فنجده في التّناظر كما في المنافرة وقد يكون أيضاً مُنطلقاً للرّواية والتّذاكر وغيرها. وليس المقصود هنا بالسّؤال مجرّد السّؤال العاديّ ذي البُعد التّواصلي بالأساس وإنّما السّؤال المُولّد للتّفكير ذي البعد التبصّري، فهو آليّة تفكير وأكثر منه مجرّد أداة تواصل وتبليغ، وهو الحامل لمُشكل معرفي قد يتجاوز الاستخبار ولا يتطلّب بالضّرورة إجابة مُحدّدة أو إجابة واحدة. هو تقريباً شبيه بالسّؤال التّوليدي* بالمعنى السّقراطي أي في معنى المُساءلة المستمرّة لتوليد المعارف والوصول إلى نتيجة مفادها أنّه لا توجد إجابة نهائيّة. وفي الكتاب الثامن من "المواضع " لأرسطو والمُخصّص لـ"ممارسة المُحادثة الجدليّة "نجدُ تنظيراً مخصوصاً بمنطق الأسئلة وتمشّياتها باعتبارها آليّة ضروريّة تسبق الفهم وإطلاق الأحكام وسمّاه "علم السّؤال*" وهو علمٌ واصفٌ للطّرق والآليات التي تُطرحُ بها الأسئلة على المُحاور.

   ولا يخفى أيضاً أهميّة السّؤال بالنّسبة للمفكّرين والفلاسفة ما بعد أرسطو، فـ"كارل يسبرز" مثلاً اعتبر الأسئلة أهمّ من الأجوبة في عمليّة التّفلسف، دون اعتبار طبعاً أنّ كلّ إجابة مفترضة تتحوّل بدورها إلى سؤالٍ فلسفيّ جديد، ومنه يُستنتج أنّ السّؤال الحامل لمشكل معرفي، بالقدر الذي يبعثُ فينا الدّهشة والتّفكير، يظلّ حاملاً في نفس الوقت لقوّته وحيويّته ومُتأبّياً عن الانغلاق والفناء في الإجابة. "والقُدرة على السّؤال تعني القُدرة على الانتظار ولو كان ذلك مدى الحياة كلّها"([1]) على حدّ عبارة هايدغر، ويقصد بذلك أنّ السّؤال الأصيل يظلّ متجذّراً في الجواب إلى ما لانهاية وهو ما يؤكّده في سياقٍ آخر مشابه قائلاً: "كلّما زاد اقترابنا من الخطر تبدأ الطّرق إلى المُنقذ تلمعُ بجلاء أكبر، ونُصبحُ أكثر تساؤلاً، ذلك أنّ التّساؤل هو قمّة التّفكير"([2]). ويذهبُ "موريس ميرلوبونتي" بعيداً في تناول فلسفة السّؤال بأن يمنحه بُعداً أنطولوجيّاً، أي أنّ الوجودَ الإنساني في حدّ ذاته سؤالٌ ومنذ أوّل سؤال يبدأ الإنسان في تخطّي عتبة الحيوانيّة ففي "المرئي واللاّمرئي" يقول: "إنّ الأسئلة مُحايثة لوجودنا، لتاريخنا، فهي تولد بداخلها، وتموت بداخلها كلّما حصلتْ إجابةٌ ما، وفي غالب الأحيان فإنّها تتحوّل بداخلنا"([3]).فكأنّما الأسئلة لا تموت باعتبارها جوهر الإنسان، وحتّى الإجابات لا تُنهي المساءلة بل تظلّ مستكنّة فيها، فهي في النهاية أسئلة مُقنّعة وإن ظهرتْ بمظهر الإجابات.

في قلب النقاشات المعاصرة حول الإنسان والمجتمع، يبرز سؤال الهوية والاختلاف كأحد أكثر الأسئلة إلحاحًا في الفكر الأنثروبولوجي الحديث. فالهوية لم تعد تُفهم بوصفها جوهرًا ثابتًا أو معطىً طبيعيًا، بل باعتبارها بناءً اجتماعيًا وثقافيًا يتشكل عبر التفاعل المستمر بين الذات والآخر، وبين المحلي والعالمي. أما الاختلاف، فقد تحول من كونه مجرد علامة على التباين إلى أداة معرفية أساسية لفهم الإنسان في سياقاته المتعددة، حيث يُنظر إليه كنافذة لفهم التنوع البشري بدلًا من كونه تهديدًا للوحدة أو الانسجام.

لقد أسهمت التحولات الكبرى التي شهدها العالم منذ منتصف القرن العشرين – من انهيار الاستعمار إلى صعود العولمة والرقمنة – في إعادة صياغة مقاربات الأنثروبولوجيا للهوية والاختلاف. فبينما كان التركيز في الأنثروبولوجيا الكلاسيكية منصبًا على دراسة "الآخر البعيد" في المجتمعات التقليدية، أصبح الفكر الأنثروبولوجي الحديث ينظر إلى الهوية باعتبارها عملية تفاوض وتأويل مستمرة، تتأثر بالهجرة، والاندماج، والتهجين الثقافي، وبروز فضاءات جديدة مثل العالم الافتراضي.

في هذا السياق، لم يعد السؤال الأنثروبولوجي مقتصرًا على "من نحن؟" أو "من هم الآخرون؟"، بل أصبح يتجاوز ذلك إلى مساءلة آليات إنتاج الهوية، والسلطة الكامنة في تعريف الذات والآخر، والكيفية التي يُعاد بها تشكيل الاختلاف في ظل التوترات السياسية والاجتماعية والاقتصادية. وهكذا، فإن الهوية والاختلاف لم يعودا مجرد موضوعين للدراسة، بل أصبحا محورين لفهم أعمق للعلاقات الإنسانية في عالم متغير، حيث تتقاطع الثقافة مع السلطة، والمعرفة مع التجربة، والذات مع الآخر في شبكة معقدة من المعاني والدلالات.

مفهوم الهوية في الفكر الأنثروبولوجي

في الفكر الأنثروبولوجي الحديث، لم تعد الهوية تُفهم كجوهر ثابت أو كيان مغلق، بل كعملية اجتماعية وثقافية متحركة تتشكل باستمرار عبر التفاعل مع السياقات التاريخية والسياسية والاقتصادية. فهي ليست بطاقة تعريف جامدة، وإنما بناء اجتماعي يتغير مع الزمن، يتأثر بالهجرة، بالعولمة، وبالتحولات الرمزية التي تعيد صياغة معنى الانتماء. الأنثروبولوجيون يرون أن الهوية ليست معطى طبيعيًا يولد مع الفرد، بل هي نتاج للتفاعل مع الآخرين، تُنتج من خلال الخطاب والممارسات اليومية والرموز الثقافية، ما يجعلها عملية تفاوض وتأويل دائم بين الذات والآخر. بهذا المعنى، الهوية ليست ماهية، بل سيرورة، وليست جوهرًا بل شبكة من العلاقات التي تُعيد إنتاج نفسها باستمرار. العلاقة بين الفرد والجماعة هنا تأخذ طابعًا جدليًا؛ فالفرد يعرّف نفسه من خلال الجماعة، والجماعة تُعيد إنتاج هويتها عبر أفرادها، مما يجعل الهوية دائمًا في حالة إعادة تعريف بين "نحن" و"هم". ومن ثم، فإن الهوية في الأنثروبولوجيا الحديثة تُفهم كحقل للتوتر بين الثبات والتحول، بين الاستمرارية والانقطاع، وبين الذات والآخر، حيث يصبح الاختلاف جزءًا من عملية البناء نفسها لا مجرد عنصر خارجي يهددها.

يضم المغرب، ولاسيما مناطقه الجبلية، عددًا مهمًا من المواقع السياحية والمناظر الطبيعية التي تتميز بمقومات بيئية وإيكولوجية ذات قيمة عالية. غير أن هذه المؤهلات لا تحظى جميعها بنفس الدرجة من التثمين والاستثمار؛ فبعض المواقع يحتاج أساسًا إلى تعزيز التسويق الترابي والتعريف بمؤهلاته الطبيعية والثقافية، في حين أن مواقع أخرى تتطلب، قبل ذلك، توفير البنيات التحتية والخدمات الأساسية الكفيلة باستقبال الزوار في ظروف ملائمة، ثم مواكبة ذلك باستراتيجيات فعالة للتسويق الترابي.

وفي هذا الإطار، نحاول من خلال هذا المقال المتواضع التعريف ببحيرة أكلمام ن سيدي علي باعتبارها إحدى أبرز المعالم الطبيعية بالأطلس المتوسط، لما تزخر به من مؤهلات بيئية ومناظر طبيعية خلابة تجعلها وجهة سياحية واعدة. ورغم ما تحظى به من أهمية طبيعية وإيكولوجية، فإنها ما تزال في حاجة إلى مزيد من العناية والتأهيل، وإلى اعتماد مقاربة فعالة للتسويق الترابي من شأنها التعريف بهذه المعلمة الطبيعية وإبراز قيمتها السياحية والبيئية، بما يسهم في تحقيق تنمية محلية مستدامة تعود بالنفع على الساكنة والمجال على حد سواء.

تُعد بحيرة أگلمام ن سيدي علي (1)واحدة من أجمل البحيرات الطبيعية بالمغرب وأكثرها حضوراً في الذاكرة الجماعية لسكان الأطلس المتوسط. تقع هذه البحيرة ضمن النفوذ الترابي لجماعة إيتزر التابعة لإقليم ميدلت، على مقربة من الحدود الإدارية لإقليم إفران، وترتفع بحوالي 2100 متر عن سطح البحر. وتغطي مساحة تقارب 500 هكتار، بينما يصل عمقها في بعض أجزائها إلى نحو 36 متراً(2)، مما يجعلها من أكبر البحيرات الجبلية بالمملكة. وتحيط بها المراعي الواسعة وغابات الأرز والبلوط  والتكوينات الجبلية التي تضفي على المكان جمالاً استثنائياً، وتجعله وجهة مفضلة لعشاق الطبيعة والهدوء والتصوير. وأقرب المدن إلى البحيرة تمحضيت وإيتزر.

وتشير الدراسات الجيولوجية إلى أن البحيرة تشكلت نتيجة التحولات الطبيعية التي عرفتها منطقة الأطلس المتوسط عبر آلاف السنين، في ارتباط بالبنية الجيولوجية والبركانية للمنطقة(3). وقد ساهمت هذه الخصائص الطبيعية في ظهور نظام بيئي غني ومتنوع يحتضن العديد من أنواع الطيور المهاجرة والنباتات الجبلية والكائنات الحية التي وجدت في البحيرة ومحيطها موطناً ملائماً للاستقرار والتكاثر. كما شكلت البحيرة على امتداد التاريخ مورداً مائياً أساسياً للرعاة والقبائل التي كانت ترتاد المنطقة خلال مواسم الانتجاع.

غير أن أگلمام ن سيدي علي ليست مجرد مجال طبيعي أو جغرافي، بل هي أيضاً فضاء ثقافي ورمزي غني بالأساطير والحكايات التي نسجها الإنسان المحلي في محاولته لفهم المكان وتفسير نشأته(4). ويحمل الموقع اسم الولي الصالح سيدي علي أومحند الذي يوجد ضريح منسوب إليه بالقرب من البحيرة، وهو ما يعكس العلاقة الوثيقة التي ربطت المجتمعات الجبلية المغربية بالأولياء والزوايا باعتبارها مؤسسات روحية واجتماعية ساهمت في تأطير حياة السكان عبر قرون طويلة.

لقد مرّت أكثر من ثلاثة عقود على ظهور نظريّة صراع الحضارات، للبروفيسور الأمريكي المعروف صامويل هانتنغتون، ضمن محاولة للبحث عن بديل للعدوّ الشيوعي الذي انهار أمام الغرب في مطلع التسعينات. غير أنّ تلك النظريّة ربما كانت مقدّمة لبروز تصوّرات أسوأ، توحي بعودة التفكير العنصري ولو بشكل جديد يقوم على الاعتقاد في وجود تراتب بين الحضارات والأعراق دون إعلان ذلك صراحة. غير أنّ مثل هذه الأفكار لا تعدو أن تكون أيديولوجيا في خدمة أغراض لا علاقة لها بالعلم. فقد تبيّن اليوم للجميع، من خلال التوتّر الكبير الحاصل بين الولايات المتحدة من ناحية، وأوروبا وكندا من ناحية ثانية، أو على إثر هيمنة التيارات السياسية الشعبويّة في أكثر من بلد أوروبي، أنّ ما يسمّى بالحضارة الغربيّة المستندة إلى قيم حضاريّة ومبادئ أخلاقية مشتركة، ليست أكثر من غطاء يُستَخدَم كلّما دعت الحاجة إليه. أمّا الوقائع التاريخية والأنثروبولوجيّة فليس من السهل التلاعب بها.

ففي عصر التنوير الأوروبي، أثناء القرن الثامن عشر، أكّد هردر، وهو أحد كبار مفكري ذلك العصر، أنّ "كلّ ثقافة شمال وشرق وغرب أوروبا" هي "نبات من بذور رومانيّة، يونانيّة وعربيّة". وربما يمكن أن نضيف أنّ الثقافة اليونانيّة والرومانية تدينان بدروهما إلى ثقافة الشرق القديم أي بلاد ما بين النهرين وبلاد الشام وشمال إفريقيا. ولا ينبغي أن ننسى أنّ العرب، بالمعنى الثقافي وليس العنصري، فضلا عما يمتلكونه من حضارة، فهم الورثة الشرعيّون لأقدم الحضارات التي عرفتها البشريّة وبلادهم مهد الديانات السماوية الثلاث وأصل نشأة الحضارة الأوروبية الحديثة ثمّ تفوقها. إنّنا كثيرا ما نردّد ذلك أو نقتصر على ذكر الفترة العربية الإسلامية، ولكن دون السعي إلى استخلاص نتائج نظرية وعمليّة، كأساس لتفكير استراتيجي سياسي واضح المعالم.

أما بالنسبة لإفريقيا ففضلها على أوروبا والعالم ثابت بأكثر من وجه. فمن المعروف أنّها مهد الإنسانية بكلّ بساطة، حيث ظهر أقدم أثر للبشر ومنها انتشر إلى أطراف الأرض. وربما حصل ذلك الانتشار المنبثق من شرق إفريقيا، انطلاقا من الجزيرة العربية، وفقا لبعض الفرضيات الجادّة. ثم إنّ أوروبا الحديثة قد تشكّلت في علاقة ما بمستعمراتها ولا سيما الإفريقية. فالثروات المنهوبة لعبت دورا لا يمكن إنكاره في التوسّع الاقتصادي غير المسبوق لأوروبا. كما أنّ تجارة العبيد، سيّئة الذكر، بين أوروبا وإفريقيا و"العالم الجديد"، كانت أساسا للنموّ الاقتصادي سواء في أوروبا أ و في أمريكا. وقد صدق فرانز فانون حين قال إنّ أوروبا هي صنيعة العالم الثالث. وما يصحّ على ما كان يسمّى بالعالم الثالث، ينطبق من باب أولى على إفريقيا، فلعلّها الأكثر تعرّضا للظلم وللنهب والهيمنة. كما أنّ الكثيرين ينسون أنّ تحرير أوروبا من الفاشية والنازية، خلال الحرب العالمية الثانية، قد تمّ بفضل تضحيات الملايين من جنود المستعمرات العربية والإفريقية. والمقصود هنا ليس استعادة ذلك الصراع الاستعماري بالضرورة، حتّى وإن كانت تبعاته لا تزال قائمة. فقد مرت عقود على تحرّر البلدان الإفريقية وربما أمكن اليوم مناقشة القضايا الشائكة المتعلقة بالماضي الاستعماري في سياق أقلّ اشتعالا. بل ربما مثّلت هذه اللحظة التاريخية فرصة ينبغي انتهازها.

ثمّة قطاع واسع في الدراسات الدينيّة، لا يزال التعامل معه في الثقافة العربية ضمن أدوات المفاضَلة، والمناكَفة، والبكائيات، وما شابهها. وهي أدوات مضلِّلة ومشوِّهة لا تمتّ بصلة للدراسات العلمية للأديان. فهي عائدة إلى ضعف التكوين في حقل معرفي يقوم أساسا على فصل ما هو ذاتي عمّا هو موضوعي، وما هو لاهوتي عمّا هو علمي. حتى أنّ كتاباتنا حول اليهودية والمسيحية، على سبيل المثال، لا يُعتدّ بها في المدوَّنة العالمية ولا تلقى حظوة لضعف بنيتها المعرفية وارتباك منهجها. ما يجعلنا في هذه المساحة المتاحة من عرض المؤلفات الغربية نشير إلى الإنجازات المقدَّرة في مجالات الدراسات العلمية للأديان في اللسان الإيطالي. وقد آثرنا في هذه المقالة تناول كتاب على صلة بتاريخ المسيحية الفلسطينية تحديدا.

فبهذه الكلمات تستهلّ الباحثة الإيطالية باولا بيزّو كتابها "الصليب والكوفيّة.. تاريخ المسيحيّين العرب في فلسطين" "يبدو الصليب والكوفية رمزين متنافرين، أو لنقل الواحد على نقيض الآخر، في المخيال الغربي، بينما يفصح التاريخ عن تلاحم وثيق وحيّ، بين أرض فلسطين والإيمان المسيحي". فقد سكن المسيحيون العرب فلسطين ومنطقة الهلال الخصيب، منذ عهود المسيحية الأولى بدون انقطاع وإلى اليوم. في هذا المؤلّف تتتبّع الباحثة باولا بيزّو تاريخ أتباع المسيح (ع) في أرض فلسطين، من البدايات إلى وقائع التاريخ المعاصر، في مسعى لصياغة خلاصة جامعة.

توزّعَ البحث على ستّة محاور أساسية، غطّت مختلف أطوار التاريخ الفلسطيني وجاءت معنونَة على النحو الآتي: "بدايات التاريخ الأولى"، وذلك منذ ظهور المسيح (ع) إلى احتضان الإسلام هذا الدين، وانضمام المسيحيين إلى مكوَّن حضاري جامع؛ "المسيحيون والنهضة العربية"، تناول أبرز إسهامات الكتّاب والمفكرين الفلسطينيين في بلورة مشروع النهضة العربية؛ "الهوية الفلسطينية بين الدين والقومية"، وقد تركّز فيه الحديث على الطابع التعدديّ للهوية الفلسطينية وعلى دور المسيحيين إبان الانتداب البريطاني، فضلا عن مظاهر مقاومة المدّ الصهيوني في صفوف المسيحيين؛ "تأجّج أوضاع فلسطين"، تناول أحداث الثلاثينيات في القرن الماضي التي عصفت بفلسطين، حيث تعرّض للنشاط التبشيري الهائل وللهجمة الصهيونية الغاشمة ولمواقف مسيحيّي فلسطين وتجذّرهم في حركة المقاومة؛ "1948.. المسيحيون والنكبة"، ركّز بالأساس على أوضاع المسيحيين قبل النكبة وأثناءها، وأبرز ما حاق بهم من اجتثاث وما لحق بالمتبقّين منهم من تضييق وتنكيل؛ "تحديات المستقبل"، انشغل هذا المحور بما هزّ أوضاع المسيحيين من تحوّلات في الحقبة الراهنة، فضلا عن تعرّضه للنزيف المسيحي في ظلّ أوضاع الاحتلال، ثم عرّج البحث على علاقة المسيحيين بالكيان الإسرائيلي وبالسلطة الفلسطينية.

تُعَدُّ فكرة " الدَّورة الحضارية " من أبرز المفاهيم التي شغلتْ عقول المفكرين عبر التاريخ، حيث حاولوا تفسيرَ نشوء الحضارات وازدهارها ثُمَّ سقوطها. ومن بين أبرز من تناول هذا الموضوع بعمق وتحليل، المفكر الجزائري مالك بن نبي ( 1905 _ 1973 )، والفيلسوف الألماني أوسفالد شبنغلر ( 1880_ 1936 ). ورغم اختلاف السياقات الثقافية والفكرية بينهما، إلا أنَّ كليهما قدَّم رؤية تفسيرية متماسكة لمسار الحضارات.
تشير الدورة الحضارية إلى أن الحضارات لا تنشأ عشوائيًّا، ولا تستمر إلى الأبد، بل تمرُّ بمراحل متتابعة: النشأة، النمو، النضج، الانحدار. وقد تختلف تسميات هذه المراحل وتفاصيلها، لكنَّ الفكرة العامَّة تقوم على أن الحضارة كائن حَي له عُمر مُحدَّد ، وسَيرورة داخلية تَحكمه.
يرى مالك بن نبي أن الحضارة نتاج تفاعل ثلاثي بين : الإنسان ، والتراب ، والوقت ، في ظِل فكرة دافعة ( الفكرة الدينية غالبًا ). ويؤكد أن المشكلة الأساسيَّة في العالَم الإسلاميِّ لَيست نقص الموارد، بل " قابليَّة الاستعمار"، أي الاستعداد الداخلي للانحطاط.
يُقَسِّم بن نبي الدَّورةَ الحضارية إلى ثلاث مراحل رئيسية:
1_ مرحلة الروح: حيث تكون الفكرة الدينية في أوجها، فتولد طاقة أخلاقية هائلة تدفع المجتمعَ نحو البناء.
2_ مرحلة العقل: يبدأ فيها التنظيم والعقلانية، وتتوسَّع الحضارة في الإنتاج والإنجاز.
3_ مرحلة الغريزة: تضعف القِيَم، وتُسيطر المصالح الفردية، فتبدأ الحضارة في الانهيار.

في خضم الجدل المتصاعد حول الهوية والانتماء في الدنمارك، جاء تصريح عالم الوراثة الدنماركي البارز إيسكه فيلرسليف ليقلب الموازين: "مفهوم العِرق انتهى علمياً". هذا الإعلان لا يقتصر على كونه حقيقة بيولوجية، بل يمثل نقطة تحول في النقاش العام، إذ يضع المجتمع أمام سؤال جوهري: إذا كانت الجينات لا تحدد الهوية، فما الذي يصوغ الانتماء الوطني؟ بين الدم والثقافة، بين الوراثة والتجربة الإنسانية، يتكشف صراع قديم يتجدد اليوم في سياق سياسي واجتماعي معقد، حيث يواجه الدنماركيون – ومعهم العالم – ضرورة إعادة تعريف الهوية بعيداً عن الأساطير العرقية التي فقدت أساسها العلمي. ويتجدد جدل الانتماء في بلد يواجه تحديات التعددية والاندماج، ويعيد التفكير في معنى أن تكون "دنماركياً".

الهوية تعيد تعريف نفسها

تصاعدت خلال السنوات الأخيرة النقاشات العالمية حول الهوية والانتماء، لتتجاوز حدود السياسة والاجتماع وتدخل عمق العلم الحديث. وفي الدنمارك، أثار تصريح فيلرسليف جدلاً واسعاً بعد تأكيده أن مفهوم العِرق قد انتهى علمياً، مشدداً على أن الجينات لا تحدد الثقافة أو الهوية الوطنية. هذا الموقف لا يمثل مجرد رأياً فردياً، بل يعكس تحولات جذرية في علم الوراثة والأنثروبولوجيا، حيث باتت الأبحاث الحديثة تكشف أن التنوع البشري لا يمكن اختزاله في تصنيفات عرقية جامدة، وأن ما يُسمى "العرق" ليس سوى بناء اجتماعي وسياسي فقد أساسه العلمي.

إن هذا الطرح يضع المجتمع أمام تحديات فكرية عميقة: كيف يمكن إعادة تعريف الهوية الوطنية بعيداً عن الدم والجينات؟ وكيف يمكن للعلم أن يُسهم في تفكيك الصور النمطية التي غذّت قروناً من التمييز والصراعات؟ فبينما يرى بعض المعلقين أن الانتماء يُحدد بالوراثة، يوضح العلم أن الثقافة، اللغة، التاريخ، والتجارب المشتركة هي العناصر الحقيقية التي تصوغ هوية الشعوب.

من هنا، يصبح النقاش حول "الدم والدنماركية" مثالاً صارخاً على التداخل بين العلم والسياسة، وعلى خطورة إساءة استخدام النتائج العلمية في الخطاب العام. فالعلم، كما يؤكد فيلرسليف، لا يبرر تقسيم البشر إلى أعراق، بل يكشف أن الإنسانية وحدة متصلة، وأن الاختلافات الجينية بين الأفراد أقل بكثير مما يُتصور، ولا تصلح لتحديد الانتماء أو الهوية.

دَرَجَت كُتب التاريخ، الوسيط منها والحديث وحتى المعاصر، على القول بأن سكان بلاد المغرب (شمال إفريقيا) "الأولين" هم "البربر". وهو القول الذي قد لا يُستشكل إذا أخذنا بأن أصل كلمة "البربر" يوناني يُقصد بها الأقوام الخارجون عن نطاق الحضارة اليونانية، وقد يقابلها معنى "الأعاجم" (أو "إكناون" بلسان البربر)، أي الذين لا يتكلمون اليونانية. ولا يهمنا هنا إشكال ربط هذه الكلمة بالمعنى اللاحق الذي انزاح بها إلى معنى "الهمج" و"المتوحشين". فلفظة "البربر" بمعنى "العجم"، تحتمل إذن شعوبا مختلفة حول الحوض المتوسطي ممن كانت خارج نفوذ الحضارتين اليونانية والرومانية، بما فيها حتى شعوب أوربية.

كما أن لفظة البربر هنا، التي يتم ربطها كذلك بمن يتكلمون "اللسان البربري" بلهجاته المختلفة في بلاد المغرب، قد لا تطرح أي إشكال لكون النِّسبة إلى البربر بمن يتكلمون البربرية تشمل كل من يتكلمها في المنطقة: فنجد مثلا أنه إلى جانب قبائل بربرية تعرّبت فنُسبت إلى العرب نِسبةَ لسانٍ، هناك قبائلٌ عربية تبربرت فنُسبت إلى البربر نِسبةَ لسانٍ. وفي نفس هذا السياق، وقياسا عليه، فإنه لا إشكال في نسبة المغرب إلى العرب فنقول "المغرب العربي"، هذا لأنها نسبة لسانِ وليس بالضرورة نسبةَ عِرق، كأننا نقول بتعبير آخر "المغرب العربوفوني" قياسا على الدول التي توصف بأنها "فرنكوفونية" أو"أنجلوفونية"...

منذ التاريخ الوسيط إذن، ظهرت ثنائية "العرب" و"البربر" في بلاد المغرب، واستمرت كذلك إلى بداية القرن العشرين، حيث إنه ظهرت بوادر حركة شبابية رفعت لواء "مراجعة وتصحيح تاريخ بلاد المغرب"، فتشكل لديها نفور من كلمة "البربر" بحكم المراجع الحديثة التي اعتمدت عليها، وهي في معظمها مراجع الإرث الذي خلفه الاحتلال الفرنسي. هؤلاء الشبان الذين درسوا تاريخ بلادهم بلغةٍ وبمنظورٍ فرنسيين، لم يقتنعوا بالمعاني التي قدمها مؤرخو العصر الوسيط لكلمة "بربر"، ورسَخَ في أنفسهم المعنى السلبي الذي خلفه عنها الرومان: "الهمج والمتوحشون". و هكذا، اجتهد بعضهم في البحث عن اسم جامع لسكان المنطقة في إطار "نزوع قومي" واضح، فاستحبوا اسم "أمازيغ".

ـ فهل تنحصر تشكيلة سكان بلاد المغرب في ثنائية "العرب" و"الأمازيغ" فقط؟
ـ وهل توفقت الحركة الأمازيغية في اختيارها؟

حرص الأمازيغ خلال العقود الأخيرة على النزول إلى الساحات للاحتجاج والترافع من أجل مطالب مشروعة تتعلق بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية، خاصة لدى ساكنة المناطق الجبلية، إضافة إلى قضايا الهوية وإعادة قراءة التاريخ. غير أن الاحتفال بـتيفسا (تافسوت) ليس حدث معاصر مرتبط بأحداث 1980، بل يمتد بجذوره في عمق التاريخ الأمازيغي، حيث شكّل دائمًا مناسبة للاحتفاء بتجدد الحياة وارتباط الإنسان بالأرض عبر طقوس وعادات متوارثة. لذلك، فإن من يعتقد في كونه “بدعة” معاصرة يتجاهل هذا الامتداد الثقافي والرمزي العريق. وانطلاقًا من هذا المعطى، يسعى هذا المقال إلى تسليط الضوء على طقوس الاحتفال بتيفسا كما عايشتها في مسقط رأسي، قرية أفراسكو بمنابع زيز، خلال أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات، باعتبارها تجربة محلية تعكس غنى وتنوع الممارسات الأمازيغية المرتبطة بهذا الفصل.
ارتبطت الاحتفالات والمناسبات الأمازيغية بالأرض وتعاقب الفصول؛ فكل المحطات السنوية المحددة بدقة تعني الكثير بالنسبة للأمازيغ، وتحمل رموزًا ودلالات عميقة. وينطلق ذلك من الطقوس المرافقة لها، فمنها ما له ارتباط وثيق بالأمجاد التاريخية، وفي الآن نفسه بالدورة الزمنية المرتبطة بالمناخ ودورة الطبيعة، مثل رأس السنة الأمازيغية؛ ومنها ما يرتبط مباشرة بالطبيعة وتجددها، مثل تيفسا، التي ستكون موضوع هذا المقال المتواضع.
تيفسا تعني فصل الربيع. وانطلاقًا من التداول اليومي للكلمات المشتقة من «تافسوت» ـ التي تحيل في الاستعمال الدارج إلى معاني الشياكة والجمال ـ نجد أن الأمازيغ يقولون أيضًا «إفسا إمندي» أو «فسانت تمزين» عندما تخرج السنبلة. وباختصار، فالفعل «إفسا» يحيل دلاليًا إلى الجمال وروعة الحياة وانبثاقها؛ لذلك أُطلق هذا الاسم على الفصل الذي يلي الشتاء، المعروف بالعربية بالربيع، أي زمن نمو النبات وتفتح البراعم والأزهار. وفي الأمازيغية لا يختلف المعنى كثيرًا عن هذا التصور، بل يتجاوزه إلى حمولة رمزية أعمق تتصل بفكرة الانبعاث وتجدد الوجود.

برحيل المستشرق فرانشيسكو غابريالي (1904-1996) طَوت الدراسات العربية في إيطاليا مرحلة مهمّة من تاريخها، ودخلت طورًا جديدًا صار يُعرَف بـ "الاستعراب" (L’arabismo)، طرأت عليه مستجدّات ودبّ فيه نوع من التفرّع. لماذا شَكّل الرجل مرحلة فاصلة رغم أن السابقِين واللاحِقين العاملين في مجاليْ الاستشراق والاستعراب كثيرون؟ أوّلا لانهماكه بحزم في تطوير الدراسات العربية بحثًا وتدريسًا وترجمةً؛ وثانيا لطبعه الأجيال اللاحقة بمنهج التعاطي العلمي والتخصّصي مع الدراسات العربية. ففي مرحلة مبكرة كان الإتيان بفرانشيسكو غابريالي لتولي مهام "معهد الشرق" في روما (IPO)، الذي أسّسه المستشرق كارلو ألفونسو نللينو سنة 1921، والذي مثّل أهم بؤرة في دراسة الحضارة العربية في إيطاليا، بغرض تطهير المعهد من النظرة الفاشية للشرق والعبور به نحو رؤية جديدة تجاري أوضاع إيطاليا ما بعد الفاشية. لكن غابريالي لم ينحصر عمله بتولي مقاليد المؤسسة البحثية المعنية بالشرق والعالم العربي، بل أشرف أيضا على كرسي اللغة العربية وآدابها في جامعة روما "لاسابيينسا"، كبرى جامعات أوروبا التي يفوق عدد طلابها في الوقت الحالي المئة ألف. ولِثقل المهام التي تولاها فرانشيسكو غابريالي مثّلَ الرجل مرجعية للعديد من المستشرقين والمستعرِبين الإيطاليين ممن تتلمذوا على يديه وتشرّبوا منهجه في دراسة الحضارة العربية، وكذلك لوفرة الأعمال التي أنجزها حتى باتت من المرجعيات الكلاسيكية في إيطاليا. نذكر من بينها "تاريخ الأدب العربي" (1951)، "الإسلام في التاريخ.. دراسات في التاريخ" (1966)، "محمد والفتوحات العربية الكبرى" (1967).

فمنذ أواخر الألفية الثانية، وتحديدا منذ العشرية الأخيرة، بدأ يدبّ في ساحة الاستشراق الإيطالي حراك، ستتّضح ملامحه وسيرسو عند الاهتمام بالعربية وآدابها، وهو ما سيُعرَف لاحقا بالاستعراب. توزّعت انشغالاته على ثلاثة محاور رئيسة: تدريس العربية، وتقديم الأدب العربي بوجهيه القديم والحديث، وترجمة الأعمال الأدبية. وشكّل تدريس العربية وآدابها محور نشاط عدد من الجامعات الإيطالية مثل "الأورِيِنتالي" في نابولي، وجامعة روما "لاسابيِينسا"، وجامعة البندقية، وجامعة باليرمو، أبرز المؤسسات الجامعية في إيطاليا وأعرقها. ليغدو تدريس العربية وآدابها، في الوقت الحالي، شائعا في العديد من الجامعات في شمال إيطاليا وجنوبها.

ذاع صيت أسماء إيطالية في مجال الترجمة من العربية لارتباطها أساسا بترجمة الأعمال الأدبية. نذكر على سبيل المثال عَلَمين بارزين: إيزابيلا كاميرا دافليتو وفرانشيسكا كورّاو، لريادتهما في المجال ولنشاطهما الحثيث في الترويج للأدب العربي، حيث انشغلت الأولى بترجمة الأعمال الروائية بشكل رئيس، واهتمت الثانية بترجمة الشعر. تقاسم الثنائي الساحة الإيطالية ولم يخل عملهما من التنافس والتدافع، وكوّنت كل منهما فريقا من الأتباع والمريدين صبّ في مصلحة ترويج الأدب العربي واللغة العربية. واستطاعت كلتاهما تقديم سلسلة من الروائيين والشعراء العرب للقارئ الإيطالي، تسنّى بمقتضاه إخراج الدراسات العربية من حيز الجامعات الضيق إلى الساحة الثقافية الرحبة. وهي رحلة شاقة وممتعة كما روت لي كاميرا دافليتو وكورّاو بعضا من فصولها، أخرجت المنتوج العربي من العتمة إلى النور، حتى باتت أسماء عربية مثل غسان كنفاني، وإميل حبيبي، وصنع الله إبراهيم، ورشيد ضيف، ونجيب محفوظ، ولطيفة الزيات، وعبد الرحمان منيف، وإبراهيم الكوني، والطيب صالح، وأبو القاسم الشابي، والسياب، ومحمود درويش، وعبد العزيز المقالحي، وأدونيس متداوَلة على ألسنة الطلاب والمثقفين الإيطاليين.

آخر الأنشطة الثقافية والعلمية

  • مولَّفان نقديّان تحت المجهر بالدار البيضاء: نحو أسئلة جديدة في الخطاب والمرجع - متابعة: حنان النبلي
    مولَّفان نقديّان تحت المجهر بالدار البيضاء: نحو أسئلة جديدة في الخطاب والمرجع - متابعة: حنان النبلي        افتتح مختبر السرديات موسمه الثقافي الجديد بلقاء نقدي احتضنه فضاء الحرية بعين الشق، يوم السبت 18 أكتوبر 2025، تحت عنوان: "الخطاب والمرجع: قراءات في كتب نقدية"، وذلك بتنسيق مع مؤسسة الأعمال الاجتماعية للتعليم. وقد عرف اللقاء حضور ثلة من الأكاديميين والأساتذة والطلبة الباحثين والقراء المهتمين بالسرد والمرويات. أدارت الجلسة الكاتبة والباحثة لطيفة هدان، التي أكدت في كلمتها الافتتاحية أن هذا اللقاء يأتي في سياق الاحتفاء والانفتاح على الدراسات والأبحاث الأكاديمية التي انتقلت من مرحلة البحث الجامعي إلى فضاء النشر النقدي، من خلال مناقشة كتابين صدرا حديثاً عن تجربتين أكاديميتين هما: "الرواية العربية والعرفان في الألفية الثالثة" للباحث محمد أعزيز، "العجائبي في قصص الأنبياء" للباحثة سارة الأحمر.  وأوضحت هدان أن كتاب "الرواية العربية والعرفان في الألفية الثالثة" لمؤلفه محمد أعزيز…