المقدمة
تبدو كلمة الحداثة لكثرة استعمالها بين المثقفين وغيرهم لا معنى لها ، فهي تعني كل شيء أحيانا ولا شيء أحيانا أخرى ، إذ يستسهل بعض الناس استخدامها وتداولها ـ بحكم بريقها ـ ويتم بها توصيف مفكرين وسياسيين ومبدعين ، ويزداد الأمر غموضا إذا رافقتها كلمات مصاحبة دالة كالحداثوية والحداثانية ، الأمر الذي يجعل دراستها علميا أمرا ملحا .
والحداثة ليست كتلة مصمتة أو كيانا معلقا في فراغ ، ولكنها ـ دون شك ـ لبنة في منظومة اشمل ، وظاهرة بالغة التعقيد ، لا تعرف الاستقرار والثبات ، بمعنى أنها ليست مطلقة بحسب مفاهيم فكرية وافدة ، وإنما هي نبت تاريخي متغير تتحدد في ضوء السياقات التاريخية والاجتماعية ، فهي لا تولد فجأة ، دون إرهاصات سابقة تمهد لها ،وتساعد على نشأتها وتطورها ، الأمر الذي يدفع إلى دراسة التصورات والمفاهيم التي سبقت الحداثة ومهدت لها ، وان كانت على نحو خلافي .
ويعنى هذا البحث بدراسة :
1 ـ محاكاة الخارج .
2 ـ معاناة الداخل .
3 ـ تأسيس الحداثة .
ويكشف المحوران الأول والثاني عن أبرز وأهم التصورات الإحيائية والرومانسية التي أسهمت بشكل أو بآخر في التمهيد لتأصيل الحداثة ، أما المبحث الثالث فتتركز العناية فيه بتأصيل مفهوم الحداثة في ضوء التصورات والتجليات المختلفة التي تعرض له الحداثيون العرب .
الحجاج في العصر الحديث ـ سليمة محفوظي
لقد شهد الحجاج في العصر الحديث انبعاثه من خلال مؤلّفين صدرا في السّنة نفسها,مؤلّف حاييم برلمان و لوسي أولبرتيتكاه " مصنّف في الحجاج -الخطابة الجديدة" Traité de l’argumentation :la nouvelle rhétoriqueومؤلّف ستيفان تولمان " استعمالات الحجاج" Les usages de l’argumentation [1]
و قد عدَّ المصنّفان عمادَ تصور جديد ما فتىء و أن تتطوّر ليقود الحجاج إلى تصوّر لسانيّ محض تزعّمه بصفة خاصّة ديكروO. Ducrot وأوسكمبر J.C.Anscombre في كتابهما المشترك" الحجاج في اللّغة".] 2] والطّريف في هذه التّصوّرات الجديدة النزوع إلى جعل الحجاج مستقلاّ في الجمل و الخطابة بريئا من تهمة الدّعاية والمغالطة[3] مرتبطا بمفاهيم جديدة انتظمتها اتجاهات ردّت في الغالب إلى أعلامها المنشئين فكيف تمّ تصوّر الحجاج عندهم؟
الحجاج عند برلمان و تيتيكاه : [4]
مرتكزات الحجاج ـ سليمة محفوظي
يرتكز الخطاب الحجاجي على عناصر أوّلها المقدّمات des prémisses ، تؤخذ عل أنّها مسلّمات يقبلها الجمهور ومنها الوقائع والحقائق والافتّراضات والقّيم، والمواضع les lieux وسنفصّل القولّ في كلّ منها.
1.1 – الوقائع : les événements
تمثّل ما هو مشترك بين عدّة أشخاص أو بين جميع النّاس، إنّ الوقائع لا تكون عرضة للدّحض أو الشّك وهي تشكّل نقطة انطلاق ممّكنة للحجاج، و تنقسم الوقائع إلى وقائع مشاهدة معاينة من ناحية ووقائع مفترضة والتّسليم بالواقعة من قبل الفرد ليس إلاّ تجاوبا منه مع ما يفرض نفسه على جميع الخلق إذ الواقع يقتضي إجماعا كونيّا() وبهذا نرى أنّ الوقائع تعتبر من ركائز الحجاج الهامّة، التّي يستغّلها المحاجّ للإقناع والتّأثير في متلقي.
2.1 الحقائــــق:
هي أنظمة أكثر تعقيدا من الوقائع، وتقوم على الرّبط بين الوقائع والحقائق وقد يعمد الخطيب إلى الرّبط بين الوقائع والحقائق من حيث هي موضوعات متّفق عليها لتحدث موافقة الجمهور على واقعة معيّنة غير معلومة والمثال الذي ضربه أرسطو من كتاب (الخطابة المقالة1 الفصل 2) الواقعة (أ) (واقعة جزئيّة) وهي أنّ بايستراتوس وقبله ثياجنيس الميغارى كانا قد طلبا حرسّا خاصّا وحين حصلا على ذلك تحوّلا إلى طاغيتّين. القضيّة(ب) وهو الرّأي الّذي يريد الخطيب حمل السّامعين على التّصديق به وديونوسيوس طاغية لأنّه يطلب حرسا خاصا، فقد تضافرت على تأييد القضية(ب) الواقعة (أ) فالنّظرية (س)() فالحقائق إذا ما زكّيت بوقائع كانت أكثر إقناعا.
الخطاب الأدبي ومقتضيات التلقي ـ سليمة محفوظي
يتميز الخطاب الشفوي بفرص ليست متاحة للخطاب المكتوب.
فالشفوي فيه حضور متحدثين ويمكن أن يستعان فيه بالحركات والاشارات ويمكن تبادل الأدوار بين المتكلم ومستمع فضلا عن أنه يمكن التحقق من آثار الخطاب وتصحيحها فورا إن وجب التصحيح.
بينما تعترض القارئ جملة من الصعوبات نحاول أن نتبينها لاحقا.
إن الموضوع نظرية القراءة وآليات التلقي يجعلنا ننصرف مباشرة إلى الخطاب الأدبي بسبب ما يميز الإنتاج الأدبي من خصوصية بلغت درجة من التعقيد تستدعي البحث والمساءلة وقد ذهب "فيني جيرار"إلى أن العلاقة بين المنشئ والمتلقي هي العلاقة مبنية على عدم اليقين، بحيث إن الكاتب وهو ليس متأكد من نوايا القارئ، كما أن القارئ وهو يقرأ ليس متيقنا من مقاصد الكاتب، فالعلاقة بين الطرفين تقوم على الشك والاحتمال أصلا وهذا يعود إلى طبيعة الخطاب الأدبي من جهة ثانية إلى عملية التلقي.
إن الخطاب الأدبي من طبيعته، بل من شروط أدبيته ان يجعل الأشياء المألوفة تبدو وكأنها غير مألوفة، وهذا الفعل الذي يتجه نحو خرق المألوف هو ما يخلق الغرابة وما يغلف العمل الأدبي بهالة من السر قد تستعصي على التفسير ولعل هذه الظاهرة هي التي جعلت قدماء اليونان ينسبون الشعر إلى ألهةالأولمب وقدماء العرب ينسبونه إلى شياطين واد عبقر.
المقاربة البنيوية كاختيار منهجي لقراءة النص ـ سعيد موزون
الكتابة الأدبية الراهنة:
إن المتأمل في الكتابة الأدبية الراهنة وما يواكبها من حركة نقدية تتيح للمنجز النصي إمكانيات جديدة للتأويل والتحليل والتنظير والاستنطاق المختلِف لعالمالنص يَلفى أن إعفاء النقد من آلياته الكلاسيكية و"المطلقة" ، والانفتاح علىالمناهج الأدبية والدراسات النقدية المعاصرة بات ضرورة ثقافية وأدبية تفرضهاالمثاقفة الإبداعية العالمية لخلقِ أفقٍ جديد للتحليل والتأويل، وحوارٍ تناصيّ مع النصوص، وانفتاحِ النص الأدبي على آليات نقدية جديدة وقراءات جديدة ممكنة، ( ولهذا لا مناص من الانفتاح على المناهج الحديثة، وما مِنْ مناصٍ من خلخلة نظرة التقليدانيّين للأدب بشكل عام وآليات تلقّيه، ولنا في التاريخ أُسوة حسنة في الانفتاح، لعل خير مثال لذلك في تراثنا: انفتاح المعتزلة الذين استفادوا من التحليل اليوناني للدرس البلاغي والنقدي والشعري ثم أقاموا صرح البلاغة والنقد المتميز عن ذلكم التحليل) وهذا لا يعني - أثناء انفتاحنا - أن نُبعد النص عن خصوصياته الثقافية والاجتماعية التي تميزه عن غيره/ الفرنسي والانجليزي والألماني والروسي وو.. ونُخضع النص قسراً كفأر تجارب لمختبرات ستراوس وفوكو وبارت ولاكان وألتوسير وبروب وسوسير وآليات التحليل النفسي أو البنيوية أو التفكيكية أو السيميائيات العامة أو الشكلانية أو الواقعية ..إلخ، فَنُقَوِّل بعض النصوص ما لم تقل، وإنما أقول ما قال إمبرتو إيكو:"النص كونٌ مفتوح (open-end)"[1]، قابل للمساءلة والتأويل والنقد والتداول والانحراط في إعادة تشكيله وصياغته، على اعتبار أن النقد إبداع مُوَازٍ لإبداع الكاتب أو الشاعر.
حكايات "شوقي" على ألسنة الحيوان والطير ـ د. ناصر أحمد سنه
بعد أربعين متفرقات ما بين السياسة والتاريخ والاجتماع، تقابلك "خصوصيات" الجزء الرابع من الشوقيات. هذه "الخصوصيات" تضم ستة وسبعين قصيدة، خصّ منها "أحمد شوقي" الحيوان والطير، وغيرهما، بثلاثة وخمسين "حكاية شعرية". حكايات ـ تستوحي نمط قصص كليلة ودمنة، وقصص "لافونتين" ـ نظمها "شوقي" بأسلوب تستشف منه جوانب "الحكمة، والخبرة، والتوظيف الرمزي للتأديب والتهذيب". كما يكتسي ـ أحياناًـ بمسحة "طريفة، سّاخرة، ضاحكة".
لقد حظي "الثعلب" (بنصيب الأسد)، فكان أكثر الحيوان ذكراً في قصصه (9 قصائد). ذلك أن أمير الشعراء "شوقي" (1868-1932م) يراه (وأمثاله ممن ينتهجون نهجه من البشر) رمزاً للخبث والمكر والخديعة. تلي الثعلب "الحمار" (6 قصائد)، ثم "الأسد، والكلب، والشاة" (5 حكايات لكل). ومن الطير كان للديك/ الدجاج، في "حكايات "شوقي" (3 عناوين)، أما "الغراب، والحمام، والعصافير" (قصيدتان لكل)، بينما ذُكرت "النملة" في ثلاثة حكايات (أحمد شوقي: الشوقيات، الجزء الرابع، المكتبة التجارية الكبرى بمصر، 1983م). ومُبيناً الغاية من وراء هذه القصص يقول "شوقي" في مقدمة قصيدة "الصياد والعصفورة":
حكــاية الصيـــاد والعصفوره صـارت لبعض الزاهدين صوره
مـــا هَزءُوا فيهــــا بمستحقَّ ولا أرادوا أوليــــاء الحَـــــــــق
محمد الخولي:عيد ميلادي والبحث عن زمن التحقق - غزلان هاشمي
هو اقتحام لزمن التمكين ....هو ارتحال هامس بالوطن....هو وجع مسيج بالانتظار...أو انتظار مسيج بالوجع...وأنا أصاحب بوحه المفلت من صفة التطابق والباحث عن هويته ضمن مسارات التعدد ...قابلني الألم الكامن في حرفه وذلك الحلم بالاسترجاع والتحقق ...هذا ما وجدته في نص الشاعر المصري الأستاذ محمد الخولي والموسوم بـ"عيد ميلادي"،فما يقوله النص؟
العنوان:"عيد ميلادي" يتشكل العنوان من ملفوظين ،فعيد تحمل دلالة الفرح والتجدد والسرور والبهجة...،وترد نكرة لتترك للمعنى الملحق أن يحدد هويتها ،وأما لفظة "ميلادي" فتدل على الانبعاث والتجدد والبدء....،إذ النسبة دلالة اعتراف بأن الهوية اللغوية في طور الإنجاز ،حيث تسعى الذات/النص لتجديد محدداتها وخصائصها وفق انفتاحات زمنية مختلفة،وكأن بالمنجز النصي يعلن ارتهانه للتشكل القبلي/البعدي حيث التحقق في الزمن الماضي ثم الاحتفاء بذاكرة لغوية ومحاولة استرجاعها في لحظة الذكرى حينما تلتقي أو تلامس تجدد الإعتبار التاريخي في راهنه المعاش ،ومن ثمة يعترف النص باحتوائه لعناصر الزمن المنقضي والزمن القادم في الوقت ذاته،حيث الهوية هي خليط متجانس بينهما،ومن ثمة فالنص يلتقي بهما من خلال المتعالقات الواقعية الآنية والتاريخية معا.
المبدعون المغاربة والنقد... أية علاقة؟ - استطلاع:هشام بن الشاوي
النقد في عالمنا العربي دائماً مدان ومتهم، و لا تثبت براءته أبداً.. فإن كتب الناقد اتهم بالتحيز حيناً أو المعاداة حيناً آخر، وإن لاذ بالصمت صار متعالياً و إقصائياً.. ويتهم النقاد دوماً بإهمال النصوص الحقيقية، والتركيز على أسماء معينة، حتى تكاد تتخيل أن النقاد يتنافسون في ما بينهم في تناولهم للنص المحتفى به لكاتب لا تنقصه الشهرة ولا جوقة مطبلين، كلما نشر كتاباً جديداً، في حين نجد كتابات وأسماء لا يكتب عنها سطر واحد، والضحية دائماً هو النص...
القاص والمترجم المغربي المقيم في فرنسا (محمد المزديوي) يرى بأن هذه الحالة المَرَضية أمر واقعٌ حتى في فرنسا، ولعل الأسباب كثيرة ومتضافرة. من بينها، ولعله أخطرها، العلاقة الملتبسة بين النقد و الإبداع، وأيضاً العلاقات التي تربط النقاد بالمنابر المتعددة، من جرائد ومجلات متخصصة... ربما كان الخلاص في النقد الأكاديمي ولكنه بطيء، وأحياناً يغرق في شكليات لا تفصح عن مضمون يستطيع القارئ العادي أن يتفهمه... إذاً لا مفرّ من النقد الصحفي، السريع والمواكب لظهور النصوص الإبداعية.. في فرنسا تطبع في كل دخول أدبي ما يناهز 700كتاباً لا يحتفي النقد إلا بعشرة إلى عشرين كتاباً فقط... دون نسيان الخط التحريري للمجلة والصحيفة (التي يكون مسؤولوها، وهم عادة مبدعون ونقاد، مرتبطين بكُتّاب مُكرَّسين معروفين) له دور حاسم في تقبل النصوص النقدية، أو في القذف بها في سلة المهملات.... ويضيف المزديوي: "جميل أن ننشر ونحتفي بالشباب ولكن حذار من أي نزوع شبابويّ أو من تلهّف لدفن الكبار الذين لا يزالون ينزفون إبداعا"ً.