آخر مقالات علمي الاجتماع والنفس
المزيد
علما الاجتماع و النفس
"نَحْنُ لا نُمارِسُ النَّقْدَ مِنْ أَجْلِ النَّقْدِ، بَلْ مِنْ أَجْلِ التَّحَرُّرِ مِمَّا هُوَ مَيِّتٌ أَوْ مُتَخَشِّبٌ فِي كِيانِنا العَقْلِيِّ، وَإِرْثِنا الثَّقافِيِّ" . — مُحَمَّدُ عابِدُ الجابِرِيّ
" إِنَّ عَصْرَنا هُوَ عَصْرُ النَّقْدِ، وَإِنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَنْبَغِي أَنْ يَخْضَعَ لِلْفَحْصِ النَّقْدِيِّ بِهَدَفِ قَبُولِهِ أَوْ رَفْضِهِ، وَبِالتَّالِي إِصْدارِ حُكْمٍ عَقْلانِيٍّ عَلَى ذَلِكَ." — إيمانويل كانْط.
1- مُقَدِّمَةٌ:
الفِكْرُ النَّقْدِيُّ يَخْدِشُ، يُهاجِمُ، يَكْتَسِحُ، يُدَمِّرُ، يَتَوَغَّلُ فِي الأَعْماقِ، يُفَكِّكُ، يَحْفِرُ، يَثِبُ إِلَى الأَعْلَى وَإِلَى الأَدْنَى وَالأَسْفَلِ، يَتَحَرَّكُ يَمِينًا وَشَمالًا، يَهُبُّ كَالْعاصِفَةِ حِينًا، وَكَالإِعْصارِ أَحْيانًا، يَنْفَجِرُ كَالْبُرْكانِ مَرَّةً، وَيَتَحَرَّكُ كَالاهْتِزازاتِ الأَرْضِيَّةِ مِرارًا. إِنَّهُ مَفْهُومٌ دِينَامِيٌّ مُتَحَرِّكٌ، غاضِبٌ، يُزَمْجِرُ، يُهَدِّدُ، يَتَحَرَّكُ بِقُوَّةٍ، يُفَجِّرُ التَّقالِيدَ السَّاكِنَةَ، وَيَهُزُّ الأَفْكارَ الجامِدَةَ. إِنَّهُ هَدِيرُ العَقْلِ الَّذِي لا يَتَوَقَّفُ عَنِ النَّقْدِ، وَزَمْجَرَةُ الوَعْيِ الَّذِي لا يَتَوَقَّفُ عَنِ التَّفْكِيكِ وَالتَّحْلِيلِ غَوْصًا فِي الطَّبَقاتِ الأَعْمَقِ لِلْوُجُودِ الاجْتِماعِيِّ. وَالنَّقْدُ، فِي كُلِّ الأَحْوالِ، يَهُزُّ أَرْكانَ الأَنْظِمَةِ الاسْتِبْدادِيَّةِ الاغْتِرابِيَّةِ الجامِدَةِ المُتَحَجِّرَةِ، وَيُحاوِلُ تَفْكِيكَها وتفنيدها والكشف عن خفاياها الأعمق، وَهُوَ، إِنْ لَمْ يَكُنْ قادِرًا عَلَى أَنْ يُفَكِّكَ الظَّواهِرَ الاجْتِماعِيَّةَ وَيَهُزَّ الوَعْيَ، فَإِنَّهُ لا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ نَقْدًا.
لَقَدْ أَفْضَتْ حَرَكَةُ التَّفْكِيرِ النَّقْدِيِّ إِلَى تَوْلِيدِ مَنْظُوماتٍ فِكْرِيَّةٍ نَقْدِيَّةٍ جَدِيدَةٍ فاعِلَةٍ فِي مَجالِ التَّفْكِيرِ السُّوسِيُولُوجِيِّ، تَعْتَمِدُ عَلَى أَنْظِمَةٍ فِكْرِيَّةٍ خارِقَةٍ، وَنَماذِجَ تَحْلِيلِيَّةٍ عَمِيقَةِ الأَغْوارِ، وَأَنْماطٍ مَعْرِفِيَّةٍ قادِرَةٍ عَلَى التَّوَغُّلِ فِي عُمْقِ المَفاهِيمِ، وَأَنْ تَتَوَغَّلَ فِي غَوْرِ الأَشْياءِ، وَنَماذِجَ مَعْرِفِيَّةٍ مُتَطَوِّرَةٍ قادِرَةٍ عَلَى التَّحْلِيلِ الأَعْمَقِ لِخَفايا الأُمُورِ وَالقَضايا الاجْتِماعِيَّةِ. لَقَدْ تَمَّ التَّرْوِيجُ لِلتَّفْكِيرِ النَّقْدِيِّ بِوَصْفِهِ وَسِيلَةً لِتَعْزِيزِ التَّفْكِيرِ مِنَ الدَّرَجَةِ العُلْيا، وَالبَحْثِ الأَعْمَقِ فِي القَضايا الاجْتِماعِيَّةِ الأَخْلاقِيَّةِ، بِطَرِيقَةِ الكَشْفِ عَمَّا خَفِيَ مِنَ الأُمُورِ، وَما كَمَنَ خَلْفَ السُّطُورِ، وَإِعْدادِ مُواطِنِينَ أَكْثَرَ وَعْيًا وَقُدْرَةً عَلَى الفَهْمِ وَاسْتِيعابِ الأُمُورِ عَلَى حَقِيقَتِها، وَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ المُقارَباتِ المُخْتَلِفَةَ لِلتَّفْكِيرِ النَّقْدِيِّ فَإِنَّها تَخْتَلِفُ فِي اتِّجاهاتِها وَفِي تَعَيُّناتِها الفِكْرِيَّةِ.
2- مِنَ الرُّؤْيَةِ السَّطْحِيَّةِ إِلَى الرُّؤْيَةِ النَّقْدِيَّةِ:
كَثِيرٌ مِنَ الأَبْحاثِ وَالدِّراساتِ المُنْجَزَةِ، الَّتِي يَزْعُمُ كُتَّابُها بِأَنَّهُمْ يُمارِسُونَ المَناهِجَ النَّقْدِيَّةَ فِي أَعْمالِهِمْ، لا تَعْدُو أَنْ تَكُونَ نَمَطًا مِنَ المُمارَساتِ الفِكْرِيَّةِ السَّطْحِيَّةِ الَّتِي تَعْتَمِدُ أَنْساقًا مُحَدَّدَةً مِنَ المَهاراتِ تَحْتَ عُنْوانِ التَّفْكِيرِ النَّقْدِيِّ، وَهِيَ مَهاراتٌ فِكْرِيَّةٌ قابِلَةٌ لِلتَّطْبِيقِ عَلَى أَيِّ مَسْأَلَةٍ تَقْرِيبًا. وَمَهْما بَلَغَتْ أَهَمِّيَّةُ هَذِهِ المَهاراتِ، فَإِنَّها تُمَثِّلُ نُسْخَةً وَهْمِيَّةً مِنَ الفِكْرِ النَّقْدِيِّ الَّذِي يُخْتَزَلُ إِلَى تِقْنِيَّةٍ سَطْحِيَّةٍ طافِيَةٍ. وَبِالقَدْرِ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ الأَمْرُ كَذَلِكَ، يُصْبِحُ التَّفْكِيرُ النَّقْدِيُّ شَكْلًا مِنْ أَشْكالِ العَقْلانِيَّةِ الأَداتِيَّةِ الَّتِي تَخْتَزِلُ المَعْرِفَةَ إِلَى مُجَرَّدِ أَداةٍ فِي سَبِيلِ أَهْدافٍ أَيْدِيُولُوجِيَّةٍ مَرْسُومَةٍ مَعْلُومَةٍ، وَعَلَى هَذا النَّحْوِ يُخْتَزَلُ النَّقْدُ إِلَى تِقْنِيَّةٍ بِلا جَسَدٍ، وَإِلَى جَسَدٍ بِلا رُوحٍ أَوْ مَعْنًى، فِي خِدْمَةِ مَصالِحِ الهَيْمَنَةِ الطَّبَقِيَّةِ وَالاجْتِماعِيَّةِ. وَلَكِنَّنا، عَلَى خِلافِ هَذِهِ الرُّؤْيَةِ التِّقْنِيَّةِ المَهارِيَّةِ لِلنَّقْدِ، نَجِدُ أَنَّ النَّقْدَ السُّوسِيُولُوجِيَّ هُوَ الفاعِلِيَّةُ الَّتِي تَأْخُذُنا مِنْ وَضْعِيَّةِ التَّفْكِيرِ السَّطْحِيِّ إِلَى فَهْمٍ أَعْمَقَ لِلسُّوسِيُولُوجيا النَّقْدِيَّةِ بِوَصْفِها تَخَصُّصًا مَعْرِفِيًّا عَمِيقَ الجُذُورِ ([1]).
لا توجد حياة صحيحة داخل حياة زائفة." تيودور أدورنو
1- مقدمةٌ في الأَعْمَى والبَصيرِ:
منذُ القِدَمِ ركَّزتِ الآدابُ والفلسفاتُ على الطابعِ الاستبداديِّ للعاداتِ والتقاليدِ والنُّظُمِ الاجتماعيَّةِ التي تقمعُ النَّزعاتِ الفرديَّةَ والنقديَّةَ بوصفِها تُشكِّلُ تهديدًا للنظامِ الاجتماعيِّ. وما تزالُ وضعيَّاتُ القمعِ قائمةً منذُ القِدَمِ حتَّى اليومِ، وتأخذُ هذه الوضعيَّاتُ أشكالًا متعدِّدةً وآليَّاتِ اشتغالٍ متنوِّعةً، ففي الأيَّامِ الغابرةِ كانَ القمعُ للنَّزعاتِ الفرديَّةِ والنقديَّةِ عنيفًا قاسيًا ساحقًا، وعلى خلافِ القمعِ الصُّلبِ في الماضي نجدُ في الحصارِ قمعًا ناعمًا سلسًا خفيًّا يُدمِّرُ النُّفوسَ والعقولَ من الداخلِ دونَ أن يشعرَ صاحبُه بما يُصابُ به من أدواءٍ مدمِّرةٍ للعقلِ والإنسانِ، فالإنسانُ اليومَ يتمُّ ضبطُه وتعييرُ سلوكِه وهندسةُ تفكيرِه بطرائقَ مبتكرةٍ تعتمدُ غسلَ الأدمغةِ وتطهيرَ العقلِ من القدرةِ على الإبصارِ والاستبصارِ والنقدِ.
ومن أقدمِ ما وصلَنا من صورِ القمعِ الاجتماعيِّ للفردِ المختلفِ أو للمفكِّرِ الناقدِ ما جاءَ في وصيَّةِ الملكِ الفرعونيِّ (خيتي) لابنِه (مريكارع) حوالي (2000ق.م)، التي تقولُ: «يا بُنَيَّ، إذا وجدتَ في المدينةِ رجلًا خطِرًا يتكلَّمُ أكثرَ من اللازمِ ومثيرًا للاضطرابِ، فاقتُلْه وامحقْه واسحقْه، ولا تتركْ له أثرًا، وامحُ اسمَه، وأزِلْ جنسَه وذِكراه وأنصارَه، فرجلٌ يتكلَّمُ أكثرَ من اللازمِ خطرٌ على المدينةِ» ([1]). وهذا مثالٌ واضحٌ للقمعِ الرهيبِ لكلِّ مظاهرِ الاختلافِ والفردانيَّةِ في المجتمعاتِ القديمةِ. وفي الفلسفةِ تُقدِّمُ لنا أسطورةُ الكهفِ لأفلاطونَ مثالًا حيًّا على رفضِ المجتمعِ لكلِّ من لا يتجانسُ معه في رؤيتِه وعاداتِه وتقاليدِه، فالرجلُ الحكيمُ الذي حطَّمَ قيودَه وخرجَ إلى عالمِ النورِ وجدَ نفسَه منبوذًا مرفوضًا من قِبَلِ أصحابِ الكهفِ الرافلينَ في قيودِهم وأصفادِهم الفكريَّةِ المظلمةِ. وعلى هذه الصورةِ حكمتْ أثينا على حكيمِها الأكبرِ سقراطَ بالإعدامِ؛ لأنَّه خالفَ أعرافَهم وتقاليدَهم المظلمةَ ([2]).
وفي الأدبِ الحديثِ تُطالِعُنا، في مجالِ الدلالةِ على كونيَّةِ الامتثالِ في المجتمعاتِ، قصَّةُ «بلد العميان» لمؤلِّفِها هربرت جورج ويلز (Herbert George Wells) ([3]) ، التي نُشِرتْ للمرَّةِ الأولى عامَ 1904، في لحظةٍ تاريخيَّةٍ كانَ فيها الغربُ يعيشُ ذروةَ الثقةِ بالعلمِ والعقلِ والتقدُّمِ الإمبرياليِّ، وقد جاءتِ القصَّةُ نقدًا معقَّدًا لفكرةِ «التفوُّقِ» نفسِها. تتحدَّثُ القصَّةُ عن «مَرَضٍ غريبٍ يَجتاحُ سُكَّانَ وَادٍ مَعزولٍ بَيْنَ الجِبالِ، يَتسبَّبُ في فِقدانِ الناسِ أبصارَهُم شَيئًا فشَيئًا، ويُورثُه كلُّ جِيلٍ للجِيلِ الذي يَلِيه، إلى أنْ يأتيَ عليهم زَمنٌ لا يَكونُ فِيهِ مُبصِرٌ واحِدٌ، وتُصبحُ كلمةُ «الإبصارِ»، وكلُّ ما يَتعلَّقُ بها مِن كلماتٍ تَصِفُ ما تَرَاه العَيْنُ، بَعِيدةً تَمامَ البُعدِ عَن قاموسِ هؤلاءِ الناسِ، ولا يَعرِفونَ لها أيَّ مَعنًى، بَلْ أيضًا يُصبِحُ وادِيهِمُ البَعيدُ عَن عالَمِ البَشرِ هو الكَونَ بأَسْرِه بالنِّسبةِ إليهم، ولا شيءَ سِواهُ. وذاتَ يَومٍ تُلقِي الأقدارُ بأحدِ الغُرَباءِ المُبصِرينَ إلى بَلدِ العُمْيانِ، فماذا تُراهُ يَفعَلُ؟ وماذا تُراهُم يَفعَلونَ به؟ وهلْ تَصدُقُ في حقِّه المَقولةُ القَدِيمةُ: «في بلدِ العُمْيانِ يَكونُ الأَعْورُ مَلِكًا»؟ ([4]) .
تعرفتُ إلى أعمال محمد عابد الجابري تقريباً عام 1996، وأنا طالب في البكالوريا، في سنٍّ يظن فيها المرء أنه بدأ يفهم العالم لأنه أنهى لتوّه كتاباً صعباً. لم أكن قد قررت ماذا سأدرس، لكنني كنت أعرف أن سؤال العقل والنهضة يشغلني بعمق، أو هكذا كنت أظن. المفارقة أن تلك السنوات نفسها كانت تشهد في الحقل الأكاديمي الغربي البدايات الأولى لما سيُعرف لاحقاً بسوسيولوجيا الانفعالات، بينما كنت أنا غارقاً في "نقد العقل" غير مدرك أنني سأعود بعد عقدين لأبحث عن الرابط بين الاثنين. بعد سنوات، حين درستُ علم الاجتماع في إسبانيا، أدركت أن حضوره لم يكن مجرد قراءة عابرة، بل أثّر في توجّهاتي البحثية ذاتها. من عملي على انتشار فلسفة ابن رشد بين اليهود في الفضاءات المسيحية الوسيطة، إلى انشغالي المنهجي بسؤال الأصالة والتراث والعلاقة بين السياق والمفاهيم والنظريات الغربية، ظلّ هاجسه الفكري رفيقاً غير معلن لمساري العلمي.
قرأتُ كتابه الأخير في سلسلة نقد العقل العربي، العقل الأخلاقي العربي: دراسة تحليلية لنظم القيم في الثقافة العربية، في طبعته الأولى عام 2001. كانت البلاد تعيش آنذاك ما سُمّي لاحقاً بربيع دمشق، بعد بيان الـ99 ثم الـ1000، قبل أن تنتهي تلك اللحظة القصيرة بحملة اعتقالات واسعة. كنت أستعد لمغادرة البلاد نهائياً. ما زلت أذكر ذلك الكتاب في آخر غرفة سكنتها في حي الميدان بدمشق، كأن القراءة كانت جزءاً من وداعٍ صامت لزمن كامل.
عودتي إليه ليست على طريقة جورج طرابيشي، أي لا بوصفها مراجعة تفكيكية تبحث عن مواطن الخلل، بل أقرب إلى روح الياس مرقص حين كتب عن الجابري: "الجابري مفكر كبير، عالم كبير، خادم كبير لهذه الأمة، للوعي الذي ننشده، للمعرفة الميدانية والمعرفة الحقة. وأنا في جانب هام، تلميذ، وتلميذ لهذا الرجل." هذا الصوت أقرب إليّ اليوم. قراءة من الداخل: استكمال لا نقض، توسيع لا تصحيح. لا أبحث عمّا أخطأ فيه، بل عمّا لم يكن أفقُ زمنه يسمح له بأن يقوله صراحةً. مع مرور الوقت، بدأت أقدّر أكثر وضوح موقعه الفلسفي. فبينما كان بعض معاصريه يميلون إلى التنقل بين الحقول المعرفية وتوسيع المرجعيات النظرية، وكان نقاده يطالبونه بالأمر ذاته، ظل هو متمسكاً بأداته الإبستمولوجية، كما لو أنه يكرر: أنا فيلسوف، وأشتغل من داخل هذا الأفق تحديداً.
بَدْءًا من سنة 2003 توالت إصدارات أعمال الأستاذ محمد جسوس الفكرية* ضمن كتب تنهل موادها من حوارات صحفية تثقيفية؛ أومن مداخلات مُعَمَّقة خلال ندوات علمية تستند إلى خلفية سوسيولوجية مَتِينَة، ومُحْكَمَة في مقاربتها لأعقد قضايا المجتمعات العربية عموما، والمجتمع المغربي على وجه الخصوص، وأشدها حساسية انطلاقا من أسس ثابتة يعتبرها محمد جسوس حدودا دنيا للمعرفة السوسيولوجية.(جسوس:2003، تقديم:إدريس بنسعيد، ص:8)
فكما هو معلوم، ظل منحى المشافهة الذي لاَزَمَ محمد جسوس من الأمور التي استمر طلبته وزملاؤه في تسجيلها عنه، وهو ما حَمَلَه على رَدِّ تَرْجِيحِه ل"السوسيولوجيا الشفوية"(شراك:1998، ص:27-28) لسببين اثنين:
1-أنه لايتوفر على منظومة فكرية عامة، وليستدْرِكَ قائلا على الأثر: "ولكن السؤال المطروح هُوَ هَلْ من الممكن الوصول إلى منظومة فكرية أو منظومة نظرية، بدون الاعتماد على مختلف أشكال التطفل، والشعوذة، والدوغمائية والأحكام السريعة"(جسوس:2024.ص:146)
2- وعدم توفره على نسق فكري جعله يُقَدِّرُ كل ما يقدم من رؤى، وأفكار وطروحات، ومايَعْرِضُ من تحليلات واستنتاجات، لايعدو أن يكون توجيهات عامة، وفرضيات لأجل التداول والتطارح، واقتراحات يُرِيدها مَرِنَة، منفتحة على النقاش غايةً لتعديل منطلقاتها، وَغَرَضًا في نقد أسسها، وتَخْطِئَة مرتكزاتها على نَحْوٍ مُطَّرِدٍ وفاءً لقواعد التفكير السليم، والتزاما بمقتضيات مناهج العلوم المعاصرة التي تَحُضُّ على الشك المُقَوِّض لأركان الاطمئنان اليقيني، والمُهَدِّم للمُطْلَقَات القطعية، وتنتصر لمبدإ الاحتمال، ومقولات التطور، ومنطق التقدم.(جسوس:2026،ص:36 وص:39)
ويُحْتَمَلُ أن يندرجَ بعضُ هذا ضِمْن السَّبَبِيات الرئيسية التي ترتب عليها تَوَقُّف محمد جسوس عن ممارسة الكتابة بُعَيْدَ عودته الأخيرة من رحلته الطويلة، طلبا للعلم في أميركا الشمالية، واقتصاره، مُنْذُئِذٍ، على"المشافهة" أسلوبًا في التواصل الأكاديمي.
في كندا، وجامعة لافال تحديدا، ثم في الولايات المتحدة الأميركية أنجز محمد جسوس أربعةَ بحوثٍ علميةٍ (جسوس،2024.ص:96) ظلت حبيسة رفوف مكتبته الخاصة إلى أن عثر الدكتور عمر بنعياش، بَعْدَ لَأْيٍ وَجُهْدٍ طبعا، على النسخة الأصلية لأطروحته لنيل شهادة الدكتوراه من جامعة برينستون بعنوان: "نظرية التوازن وتفسير التغير الاجتماعي" فانبرى لعرض قضاياها الكبرى، ومفاصلها المركزية مبرزا أهميتها وراهنيتها في الوقت ذاته.
كلمة شكر:
بسم الله الرحمن الرحيم، السّيدات والسّادة، زملائي الأعزّاء، ضيوفنا الكرام، يسرّني في بداية هذا اللّقاء أنْ أحيّيكم أجمل تحيّةٍ، شاكراً لكم حضوركم المظفّر لهذه النّدوة المتميّزة حول مسألة الكمّ والكيف في مناهج البحث العلميّ السّوسيولوجيّ في العالم العربيّ، ويسرّني في بداية هذا المداخلة أن أتوجّه بخالص الشّكر والتّقدير والعرفان للأستاذ الدكتور يعقوب الكندري الّذي شرّفني بدعوته للمشاركة في هذه النّدوة، والشّكر أيضاً موصول للأساتذة الكرام الّذين سبقوني بتقديم مداخلاتهم النقديّة وتحليلهم العميق والشامل لقضايا الكمّ والكيف في العلوم الإنسانيّة والعلوم الاجتماعيّة.
أيَتها السّيّدات، أيّها السّادة:
اسمحوا لي أن أضع مداخلتي تحت عنوان: ملاحظات نقديّة حول إشكاليّة الكمّ والكيف في البحوث الاجتماعيّة العربيّة والخليجيّة. وأريد أن أقرّ بدءا بأنّه لم يسبق لي كتابة بحث في هذا الموضوع، ومع ذلك فإنّني سأنطلق في مداخلتي هذه من التّجربة الأكاديميّة في مجال البحث العلميّ والتّدريس في الجامعات العربيّة الّتي تمتدّ لأربعة عقود من الزّمن محمّلة بتدفّق كبير من الأفكار والتّصوّرات حول هذه القضيّة الملحّة في المجتمع العلميّ الخليجيّ والعربيّ في آن واحد.
ومن المهمّ في هذا الاتّجاه أن استعرض المحاور الأساسيّة لهذه الورقة وهي على الشّكل التّالي:
أوّلاً - مقدّمة إشكاليّة حول المنهجيّة النّقديّة عند عالم الاجتماع الكبير خلدون النقيب.
ثانياً: البعد الأيديولوجيّ للمناهج العلميّة في علم الاجتماع.
ثالثاً: الانتقادات الموجّهة إلى المناهج الكمّيّة أيديولوجيّاً.
رابعاً: عوامل هيمنة المناهج الكمّيّة في البحوث العربيّة .
خامسا: ملاحظات حول التّكوين الإبيستيمولوجيّ للباحثين العرب.
سادساً: نحو مسار جديد للبحث العلميّ الخاصّ بالكمّ والكيف.
1-مقدّمة إشكاليّة:
بدأ اهتمامي بهذه المسألة في إحدى النّدوات - الّتي شرّفنا الدّكتور يعقوب الكندري بدعوتنا إليها في نوفمبر2022 -وقد عقدت هذه لتكريم عالم الاجتماع الكويتيّ الرّاحل خلدون النقيب، وفي إحدى الجلسات غمز أحد المشاركين من قناة الرّاحل خلدون النقيب آخذاً عليه أنّه لم يستخدم المنهج الكمّيّ في بحوثه وأعماله الفكريّة، وكأنّ المنتقد كان يريد أن يقول لنا إنّ عالم الاجتماع لا يمكن عالماً حقّاً ما لم يعتمد المنهج الكمّيّ في بحوثه ودراساته السّوسيولوجيّة، وهذا يوحي بأنّ علم الاجتماع يجب أن يعتمد على البحوث الكمّيّة كي يكون علماً حقيقيّاً. ولمّا كنت في تلك اللّحظة على المنصّة أدركت أنّه ينبغي عليّ أن أقدّم ردّاً سريعاً ومناسباً على هذه المداخلة الّتي تكرّس رؤية أيديولوجيّة معادية للمناهج العلميّة غير الكميّة ولا سيّما النقديّة منها. وقد نوّهتُ في هذه المداخلة إلى أنّ الرّاحل الكبير خلدون النقيب كان مفكّراً من الطّراز الرّفيع وقد فرضت مكانته العلميّة العالية أن يعتمد مناهج معرفيّة نوعيّة متقدّمة جدّاً كالمنهج النّقديّ أو المنهج الجدليّ التّاريخيّ في دراساته وأبحاثه. وإنّه لا يمكن لأحد أن يتجاهل أنّه كان من أكثر المفكّرين تأثيراً وحضوراً في الخليج والعالم العربيّ. وهذا الأمر يتطلّب منّا أن نشكر له أنّهى ترفّع عن استخدام المناهج الكميّة وارتقى إلى استخدام أفضل المناهج العلميّة قدرة على استكشاف الأبعاد الشّاملة والقضايا الحيويّة الحسّاسة للمجتمع والحياة في بلدان الخليج. وقد تضمّنت مرافعتي نقداً سلبيّاً عنيفاً لأنماط المناهج الكميّة الّتي يعتمدها الباحثون الأكاديميّون في جامعاتنا ومؤسّساتنا العلميّة.
” حين تتفكك الثقة، تتحول الحكايات اليومية إلى مرايا للريبة، ويصبح اللقاء البشري مقامرة مستمرة “.
” عندما يصبح الحذر سلوكاً عقلانياً، تتحول الذات إلى كيان دفاعي متواصل، يراقب أكثر مما يتواصل “.
” في المجتمعات التي يسيطر فيها عدم اليقين ومنها " المجتمع السوري المعاصر "، تصبح الثقة امتيازاً نادراً لا يمنح إلا بعد اختبار طويل “ (الكاتب).
- الملخص:
يهدف هذا المقال إلى تفسير إشكالية تآكل الثقة الاجتماعية في المجتمع السوري المعاصر عبر مقاربة سوسيولوجية نقدية متعددة المستويات، تجمع بين البنائية الوظيفية، والبراغماتية الاجتماعية، ونظرية التبادل الاجتماعي القائم على منطق التكلفة والعائد، مع إدماج تحليلات عقلنة الخوف اجتماعياً. كما ينطلق المقال من قاعدة بأن انعدام الثقة ليس سمة ثقافية أو أخلاقية، بل نتيجة بنيوية لإعادة تنظيم الفعل الاجتماعي تحت شروط مخاطرة مرتفعة، وعنف رمزي، وتطبيع للريبة (كشك اجتماعي). يعتمد البحث المنهج التحليلي النقدي، ويبرز آليات إعادة الإنتاج الاجتماعي لانعدام الثقة، وينتهي إلى تصور مشروط للخروج يركز على إعادة هندسة شروط الإمكان الاجتماعي بدل من الوعود الإصلاحية.
- المقدمة:
لا يطرح سؤال ضعف المحبة أو تآكل التضامن داخل المجتمع السوري بوصفه حكماً قيمياً أو توصيفاً أخلاقياً، بل باعتباره إشكالية سوسيولوجية تتطلب تفكيك الشروط البنيوية والتفاعلية التي أعادت تشكيل أنماط العلاقة الاجتماعية خلال العقود الأخيرة، وبصورة أكثر حدة في سياق الأزمة الممتدة. إن تحويل السؤال من " لماذا لا يحب السوريون بعضهم؟ " إلى " كيف أعيد إنتاج ضعف الثقة والتضامن اجتماعياً؟ " يمثل انتقالاً منهجياً من الانطباع إلى التحليل، ومن الأخلاق إلى العلم.
أما عن موقع الإشكالية في علم الاجتماع تعتبر الثقة الاجتماعية أحد المفاهيم المركزية في النظرية السوسيولوجية الكلاسيكية والمعاصرة، لكونها شرطاً مسبقاً لاستمرار النسق الاجتماعي، واستقرار التفاعل، وإمكان قيام التضامن. وعليه، فإن تآكل الثقة لا يفهم باعتباره خللاً فردياً، بل بوصفه مؤشراً على اختلال أعمق في وظائف البنية الاجتماعية، وفي أنماط الضبط، وفي منطق الفعل الاجتماعي ذاته.
ينطلق هذا المقال من مقاربة نظرية متعددة الأبعاد تجمع ما بين البنائية الوظيفية لفهم اختلال وظائف المؤسسات ودورها في إضعاف التكامل الاجتماعي، والبراغماتية الاجتماعية لتحليل تحول الفعل الاجتماعي إلى فعل نفعي سياقي تحكمه خبرة الخطر وعدم اليقين، بالإضافة إلى نظرية التبادل الاجتماعي القائمة على مبدأي (التكلفة - العائد) لتفسير عقلنة الانسحاب الاجتماعي وارتفاع كلفة الثقة. ولا تستخدم هذه المقاربات استخداماً تلفيقياً سطحياً، بل ضمن قراءة نقدية تبرز حدود كل نظرية في تفسير الحالة السورية، وإمكانات تكاملها التحليلي.
وفيما يتعلق بالمنهجية يعتمد المقال على المنهج التحليلي النقدي القائم على تفكيك البنى لا إدانة الأفراد من خلال تحليل السياق التاريخي والسياسي للفعل الاجتماعي بالإضافة إلى نقد التفسيرات والمقاربات الثقافوية الاختزالية. بناءً على ما سبق يطرح المقال التساؤل الرئيسي التالي: " لماذا تتآكل الثقة الاجتماعية في المجتمع السوري المعاصر؟ ". انطلاقاً من هذا الطرح يحاول الباحث الإجابة على هذا التساؤل من خلال مناقشة وتحليل العناصر التالية:
أولاً- تفكك الثقة الاجتماعية كنتاج بنيوي لا كعيب ثقافي:
تعتبر الثقة الاجتماعية، في المنظور السوسيولوجي الكلاسيكي، شرطاً بنيوياً لاستمرار النسق الاجتماعي وإمكان تحقق التضامن من خلال الإجماع القيمي في المجتمع. فقد ربط إميل دوركايم بين درجة التضامن السائد ونمط الروابط الاجتماعية التي تنتجها البنية الاجتماعية، معتبراً أن ضعف الروابط لا يفسر أخلاقياً بل وظيفياً، أي بمدى قدرة المجتمع على تنظيم الأدوار وضبط التوقعات. وفي الاتجاه ذاته، ينظر بارسونز إلى الثقة بوصفها نتاجاً لاستقرار النسق القيمي وقدرته على دمج الأفراد داخل منظومة توقعات معيارية مشتركة.
انطلاقاً من ذلك، فإن تفكك الثقة لا يقرأ بوصفه خللاً في " طبيعة " الأفراد، بل باعتباره مؤشراً على اختلال في وظائف المؤسسات الاجتماعية التي يفترض بها إنتاج التكامل والاندماج.
وفي الحالة السورية، جرى على مدى طويل إضعاف الوظيفة التكاملية للمؤسسات الأساسية (الدولة، المدرسة، المجال العام)، ما أدى إلى تآكل الإطار المعياري المشترك الذي يضبط التفاعل الاجتماعي. ووفقاً للمنظور البنائي الوظيفي، حين تعجز المؤسسات عن أداء وظائفها، يتحول التفاعل من تعاون منظم إلى علاقات متوترة يحكمها الشك والحذر.
غير أن القراءة الثقافوية السائدة غالباً ما تختزل هذا الواقع في تفسيرات من قبيل " السوري لا يثق بالسوري "، وهي مقولات تحمل الفرد مسؤولية ظواهر هي في جوهرها بنيوية. هذا النوع من التفسير يتجاهل ما يسميه دوركايم بحالة " الأنومي "، أي غياب المعايير الجامعة، حيث لا يعرف الأفراد ما الذي ينتظر منهم ولا ما الذي يمكن أن ينتظروه من الآخرين.
من خلال منظور بارسونزي، يمكن القول إن النسق الاجتماعي السوري شهد خللاً في آلية التكامل، إذ لم تعد القيم المشتركة قادرة على تنظيم التوقعات المتبادلة، ما أفضى إلى تحويل الاختلاف الاجتماعي الطبيعي إلى مصدر تهديد بدل كونه عنصر تنوع.
نستنتج مما سبق أن التحليل البنائي الوظيفي يظهر أن ضعف الثقة الاجتماعية في المجتمع السوري لا يمكن فهمه كعيب ثقافي أو أخلاقي، بل كنتيجة مباشرة لاختلال طويل الأمد في وظائف المؤسسات الضابطة والمدمجة. ومع ذلك، تبقى حدود هذا المنظور قائمة، إذ يفسر تفكك الثقة على مستوى البنية، لكنه يعجز وحده عن تفسير كيفية عقلنة الأفراد لهذا التفكك في ممارساتهم اليومية، وهو ما يستدعي منا الانتقال في العنصر التالي إلى المقاربة البراغماتية الاجتماعية ونظرية التبادل الاجتماعي.
- الملخص:
يقدم المفكر السوري جورج طرابيشي (1939-2016) في هذا العمل قراءة نقدية معمقة لمسار الثقافة العربية منذ انطلاق مشروع النهضة في القرن التاسع عشر وحتى التحولات المعاصرة في عصر العولمة، مركزاً على التمزقات البنيوية التي أصابت الوعي العربي والمعرفة. يعتمد طرابيشي منهجية إبستمولوجية، تاريخية، نفسية، ثقافية، تمزج بين التحليل النقدي للخطابات الفكرية، ودراسة بنيات الوعي الجمعي، ومساءلة التراث، وتحليل التوترات بين الذات والآخر، وبين الماضي والحاضر والمستقبل.
يهدف المقال إلى استعراض وتحليل ما ورد في كتاب " من النهضة إلى الردة " للراحل طرابيشي حول تشخيص أسباب تعثر النهضة العربية، وفهم التحولات الفكرية والثقافية التي أدت إلى ما يسميه " الردة الفكرية "، وطرح آليات لاستعادة عقل نقدي عربي قادر على التعامل مع تحديات العصر الحديث.
تشير النتائج الرئيسة للتحليل إلى مجموعة من المآزق المعرفية والثقافية المتشابكة، أبرزها هيمنة الذاكرة المثالية على الوعي، الانقسام بين الدفاع عن التراث ونقده العدمي، سيادة لاهوت نفي الآخر، ازدواجية العلاقة بالغرب وتحولها إلى رهاب العولمة، انطفاء الأفق النقدي الذي مثلته الماركسية، تحويل التراث من مادة للتحليل إلى سلطة مطلقة، وانغلاق الهوية في قوقعة دفاعية تحد من التجديد والإبداع. هذه العوامل مجتمعة أدت إلى شلل القدرة النقدية العربية، وإعاقة مشروع النهضة منذ بدايته.
يتوصل الكتاب في خاتمته إلى مجموعة من المقترحات التي يرى أنها ضرورية لإعادة تأسيس العقل النقدي العربي، إذ يبدأ بالدعوة إلى إعادة تأويل التراث بدل تقديسه أو إلغائه، بما يسمح بتحويله من كتلة جامدة إلى أفق معرفي يفتح إمكانيات للتجديد. وفي السياق نفسه يؤكد أهمية بناء هوية نقدية مرنة، قادرة على الحوار مع الآخر، ومهيأة للتفاعل مع الحداثة والعولمة دون خوف أو انغلاق. كما يشدد على ضرورة استعادة القدرة على التفكير النقدي المستقل، ومساءلة الذات والجماعة بأدوات عقلية ومنهجية حديثة تعيد للعقل وظيفته التحليلية. ويخلص إلى أن تجاوز الثنائيات التقليدية بين التراث والحداثة، والذات والآخر، والإيمان والعقل، يمثل شرطاً أساسياً لبناء عقل نقدي متجدد قادر على مواجهة تحديات الواقع المعاصر وإعادة توجيه مسار النهضة المؤجلة.
وفي النهاية، يمكن القول إن الكتاب يمثل تشريحاً إبستمولوجياً للوعي العربي في زمن العولمة، ويقدم رؤية شاملة لإعادة إطلاق مشروع النهضة عبر تأسيس عقل نقدي عربي جديد، يعتمد على النقد الذاتي، والحوار، والقدرة على الابتكار والتجديد. إنه دعوة صريحة لمواجهة الردة الفكرية بإحياء الروح النقدية التي يمكن أن تحول الصراعات الداخلية إلى فرص للتجدد والمعرفة المستنيرة.
"لم يكن ماركس مفكرًا في القرن التاسع عشر فحسب، بل كان ولم يزل منظّرًا يستشرف أبعاد الحاضر والمستقبل، وما زالت تحليلاته حول الرأسمالية والعولمة والتناقضات الاجتماعية تظل موجهة لنا حتى اليوم." المؤرخ البريطاني إيريك هوبسباوم (Eric Hobsbawm) ([1]).
1- مقدمة:
إنّ أوضاع الطبقة العاملة في عصرنا تغيّرت كثيراً عمّا كانت عليه في زمن ماركس، لكنّ الجوهر واحد لم يتغيّر. فالرأسمالية تُحوّل الإنسان إلى مادّة خامّ قابلة التّصنيع والتّسويق وتجعله موضوعاً أو شيئاً للبيع والشّراء ومصدراً ل لرّبح والثروة والقوة. وهنا يكمن جوهر الرأسمالية في أيّة مرحلة من مراحل تطوّرها، وفي أيّ مستوى من مستويات تبدّلها وتغيّرها. ومهما تغيّرت الظّروف والأحوال فإنّ جوهر الرأسمالية الاغترابيّ - القائم على الاستغلال الطبقي والاجتماعي - لم يزل قائماً لا تبدّل ولا تغيّر في طبيعته الأساسيّة.
وعلى الرّغم من كلّ هذا التّباعد بين نظريّة ماركس الاغترابيّة - التي وصف لنا فيها الكيفيّات التي يغترب بها العامل في الإنتاج - والتّغيّرات الحادثة، فإنّ الشيء الذي لا يمكن نكرانه ولا التّهوين من شأنه هو فرضيّته التي تقول: إنّ الرأسمالية - أيّا كانت صيغتها ومراحل تطوّرها - ستجرّد الإنسان من إنسانيّته. وهذه هي الحقيقة التي لا يمكن لأحد أن يجحدها في الإرث الماركسيّ. وإذا كان ماركس قد وصف لنا بعضا من وجوه الاغتراب في الماضي، فإنّ هذا الاغتراب يأخذ اليوم ألف وجه ويتجلّى في أكثر المناطق الحيويّة في الإنسان: في أعماق الرّوح والوعي والإرادة والوجود الأخلاقيّ.
والحصيلة من ذلك أنّ أفكار ماركس ما زالت تفرض حضورها وصلاحيّتها في فهم العصر الذي نعيش فيه، وهذا ما يؤكّده الكاتب والصّحفيّ البريطانيّ فرانسيس وين (Francis Wheen) في كتابه المعروف "رأس المال لكارل ماركس" الذي يرى فيه أنّ الرأسمالية مهما بلغت شأوها، ومهما حقّقت من انتصارات عظيمة، فإنّها تبقى كارثة"([2]). وذلك " لأنّها تحوّل البشر إلى سلعٍ يمكن مبادلتها بسواها من السلع، وإلى أن يتمكّن البشر من تحقيق أنفسهم بوصفهم ذوات التاريخ لا موضوعاته، لا يمكن أن يكون ثمة مفرّ من هذا الطّغيان" ([3]).
2- القدرة على الاحتواء والتجاوز :
وعلى هذا الإيقاع، يصوغ المفكر الفرنسيّ هنري لوفيفر (Henri Lefebvre) رؤيته مستلهما ماركس في كتابه المعنون "الماركسية" (Le Marxisme) ([4]): " كيف يُعقل تجاوز تصوّر عن العالم يحتوي هو ذاته على نظريّة التّجاوز؟". وفي هذا السياق نفسه يرى لوفيفر أن الماركسية ليست فقط نظامًا فكريًا مغلقًا يمكن تجاوزه، لأنها تحتوي في داخلها على آلية نقدها وتجاوزها لذاتها. أي أن الماركسية بوصفها فلسفة للتاريخ والتغيير، تتضمن في صلبها دينامية داخلية تجعلها قادرة على النقد الذاتي والتجدد. وهذا يعني أنه لا يمكن تجاوز ماركس لأن فكره لا يكتفي بوصف الواقع، بل ينطوي على نظرية لتغييره وتجاوزه. وهذا يجعل من الماركسية فكرًا مفتوحًا على المستقبل يصعب تجاوزه دون أن يُستبطن أو يُعاد إنتاجه بطريقة ما. وفي هذا السياق يقول المؤرّخ الماركسيّ إيريك هوبسباوم(Eric Hobsbawm) في سياق حوار مع المفكر الفرنسي البارز جاك أتالي (Jacques Attali) "إنّه لمن المفارقة الغريبة أنّ الذين يعيدون اكتشاف ماركس هم في معظمهم من الرّأسماليّين" ([5]). وفي هذا السياق يؤكد جاك أتالي رؤية هوبسبام الآنف الذكر التي تفيد أن ماركس هو اليوم "أكثر أهمّيّة من أيّ وقت مضى"، مشيراً إلى أنّ تحليلاته الرأسمالية ما تزال تكشف الكثير من أوجه الاختلال في العالم المعاصر([6]).
” إذا كان التنوير التقليدي قد أعاد تشكيل العلاقة بين الإنسان والعالم الطبيعي، فإن التنوير الرقمي يعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان وذاته “.
” إذا كان التنوير التقليدي سابقاً سعى إلى تحرير الإنسان من سيطرة الأساطير والسلطة المطلقة من خلال سيادة العقل، فإن التنوير الرقمي يواجه معضلة التحرر من سلطة وهيمنة نماذج حسابية لا يملك السيطرة عليها “.
” التنوير الرقمي لا يقوم على العقل الفردي فحسب، بل على العقل الجمعي الذي تولده الخوارزميات، وهو ما يثير سؤالاً فلسفياً حول هوية العقل الإنساني وحدوده “. (الكاتب)
- المخلص: يهدف هذا البحث إلى تحليل دور الذكاء الاصطناعي كظاهرة متعددة الأبعاد، تتجاوز كونها مجرد تطور تقني لتصبح قوة معرفية، اجتماعية، أخلاقية، سياسية، واقتصادية، مؤثرة بشكل مباشر على مستقبل الإنسان والمجتمعات. ارتكز المقال على المنهج التحليلي والنقدي، حيث تم تفكيك المحاور الأربعة الأساسية للذكاء الاصطناعي: البعد الفلسفي والمعرفي، البعد الاجتماعي والثقافي، البعد الأخلاقي والسياسي، والبعد الاقتصادي والتقني، وتحليل آثار كل محور على مستوى الفرد والمجتمع والدولة.
خلص البحث إلى عدة نتائج أساسية. أولاً، يظهر الذكاء الاصطناعي كامتداد للعقل البشري، قادر على توسيع حدود المعرفة وتعميق الفهم، بما يعكس روح التنوير، لكنه يضع الإنسان أمام تحدٍ مستمر للحفاظ على استقلالية الفكر. ثانياً، على الصعيد الاجتماعي والثقافي، يمثل الذكاء الاصطناعي أداة مزدوجة: يمكن أن يعزز الوصول إلى المعرفة والتفاعل الثقافي، لكنه في الوقت نفسه يعيد إنتاج الهياكل السلطوية والتحكم الاجتماعي إذا ما أُسيء استخدامه. ثالثاً، من منظور أخلاقي وسياسي، يبرز الذكاء الاصطناعي كعامل قادر على إما تعزيز العدالة والشفافية أو إعادة إنتاج السيطرة والتمييز، وهو ما يتطلب أطراً أخلاقية وقانونية واضحة مستوحاة من مفاهيم التنوير عند كانط وهابرماس. رابعاً، في البعد الاقتصادي والتقني، يتيح الذكاء الاصطناعي فرصاً غير مسبوقة للنمو والابتكار، لكنه يفرض تحديات على سوق العمل، توزيع الموارد، والأمن الرقمي، مما يستدعي سياسات متوازنة لتحقيق التنمية المستدامة.
بناءً على هذه النتائج، يقترح البحث مجموعة من المقترحات البناءة لضمان توجيه الذكاء الاصطناعي نحو خدمة الإنسانية. وتشمل تعزيز التنوير المعرفي من خلال التعليم الرقمي والبحث العلمي، وضع أطر أخلاقية وسياسية صارمة لضمان العدالة والمساءلة، وتطوير استراتيجيات اقتصادية وتقنية متوازنة تحمي سوق العمل وتعزز الابتكار المستدام. كما يؤكد البحث على أهمية الثقافة المجتمعية الواعية، التي تنظر إلى الذكاء الاصطناعي كشريك محوري في بناء مجتمع أكثر عدلاً، معرفة، وازدهاراً.
باختصار، يظهر الذكاء الاصطناعي كفرصة تاريخية لتوسيع حرية الإنسان ومعرفته، لكنه في الوقت نفسه يمثل اختباراً لمستقبل القيم الإنسانية. نجاح هذا التوجه يعتمد على إدارة متكاملة ومسؤولة، تجمع بين المعرفة، الأخلاق، السياسة، والاقتصاد، لتضمن أن يتحقق عصر التنوير الجديد بالفعل، ويصبح الذكاء الاصطناعي أداة للتحرر لا للهيمنة.
” لا تُخضع السلطة الإنسان لأنها أقوى منه، بل لأنه لا يستطيع أن يتكون خارج شروط الاعتراف التي تفرضها، فالذات تولد من الطاعة بقدر ما تحلم بالتحرر، وتبقى ممزقة بين ما يملي عليها أن تكونه، وما تحاول أن تصير إليه “.
” الذات لا تُقمع أولاً، بل تُنشّأ نفسياً على صورة ما يُخضعها “ (الكاتب).
- المقدمة:
تنطلق جوديث بتلر من مساءلة جذرية لمفهوم الذات، تقوض التصورات التي تفترضها جوهراً مستقلاً سابقاً على السلطة أو خارجاً عنها. فالذات، في منظورها، لا تُمنح وجودها من ذاتها، بل تتشكل داخل شبكات معقدة من العلاقات السلطوية والخطابية التي تحدد شروط ظهورها، وإمكان الكلام والرغبة والاعتراف. وبهذا المعنى، تغدو الهوية عملية تكون غير مكتملة، تقوم على توتر بنيوي دائم بين الحاجة إلى الاعتراف والقيود التي يفرضها هذا الاعتراف نفسه.
يتأسس هذا التصور بوصفه حصيلة حوار نقدي مركب مع تقاليد فلسفية وسوسيولوجية ونفسية متعددة، حيث تعيد بتلر صياغة مفاهيم الاعتراف، والاستدعاء، واستبطان السلطة، والهيمنة الرمزية، وتكون الهوية النفسية، ضمن أفق نظري واحد. فلا يظهر الإخضاع هنا بوصفه نقيضاً للذات، بل شرطاً من شروط تشكّلها، ولا تُفهم السلطة كقوة خارجية فحسب، بل كبنية تُستدخل نفسياً ويعاد إنتاجها في الممارسة اليومية.
وانطلاقاً من هذا الإطار، يتناول هذا المقال تحليل الكيفية التي تعيد بها بتلر بناء العلاقة بين السلطة والذات، بوصفها علاقة تأسيسية ملتبسة، من خلال مناقشة المرجعيات النظرية التي استندت إليها، وحدود هذا التصور، وإمكاناته النقدية في فهم آليات الإخضاع والمقاومة في السياقات الاجتماعية والأسرية المعاصرة.
كما يكتسب هذا الإطار النظري أهمية مضاعفة عند النظر إلى واقع التنشئة في الأسرة العربية، حيث يشكل الامتثال والطاعة محور العلاقة بين الطفل والسلطة الأبوية، بينما يقدم الاعتراف على نحو مشروط يعمق التوتر بين الخضوع والرغبة في التحرر. ومن هذا التقاطع بين الفلسفة والتحليل النفسي وعلم الاجتماع، يتكون مدخل لفهم أعمق لكيفية تشكل الذات تحت السلطة، وكيف يصبح التمرد اللاحق على الأسرة امتداداً للصراع الأولي الذي تبنيه بنية الإخضاع نفسها.
- البعد النفسي للسلطة (مقاربة متعددة المرجعيات في آليات الإخضاع وتجلياتها في الحياة اليومية):
بدأت الفيلسوفة الأمريكية جوديث بتلر (1956- ) مشروعها الفلسفي من نقطة لا تخلو من الجرأة حين اعتبرت الذات ليست كياناً سابقاً على السلطة، ولا تُفهم باعتبارها جوهراً مستقلاً يقع تحت تهديد خارجي، بل هي نتاج عمليات سلطوية دقيقة تمنحها إمكان الظهور كما تمنحها القدرة على الكلام والرغبة والاعتراف. فالذات، في عمقها تتخلق داخل علاقة لا تكف عن التوتر بين الامتثال والرغبة في التحرر. وهنا تستعيد بتلر إرث هيجل حول الاعتراف، لكنها لا تأخذ منه الصورة المثالية التي تجعل الاعتراف عملية تكامل بين ذاتين، بل تستحضر جانبه المنقوص، الذات لا تنال اعترافاً كاملاً بل تُقاد دائماً إلى الشعور بنقص بنيوي تولده علاقتها بالآخر. إن الآخر لا يمنحها ماهيتها، بل يمنحها الشرط الذي يجعلها محتاجة إليه في كل ظهور.
علي الوَرْدِي ( 1913 _ 1995 ) عَالِم اجتماع عِرَاقي ومُؤرِّخ . اهتمَّ بِتَحليلِ شَخصيةِ الإنسانِ انطلاقًا مِنْ حَقيقةٍ بسيطة ، وَهِيَ أنَّ الإنسانَ لَيْسَ كائنًا نقيًّا ، ولا شِرِّيرًا خالصًا . إنَّه يعيشُ مُمَزَّقًا بَيْنَ مَا يُمْليه المِثَالُ ، ومَا يَفرِضه الواقعُ . وهَذا التَّمَزُّقُ يَصْنَعُ ازدواجيَّةً تُكوِّن جَوْهَرَ الشَّخْصيةِ الإنسانيةِ .
لا يُمكِن دِراسةُ الفَرْدِ عِندَه بِمَعْزِلٍ عَنْ مُحِيطه . فالشَّخْصِيَّةُ ، كَمَا يُصوِّرها ، هِيَ في النِّهايةِ انعكاسٌ لاختلالاتِ المُجتمعِ . والشَّخْصِيَّةُ عِندَه لَيْسَتْ مَسألةً نَفْسِيَّةً فَحَسْب ، بَلْ أيضًا هِيَ سَرْدِيَّة اجتماعيَّة . وكُلُّ فَرْدٍ يَحمِل في داخله تاريخًا طويلًا مِنَ التَّحَوُّلاتِ والصِّرَاعاتِ .
أوْجَدَ مُعَادَلَةً نادرةً ، فَهُوَ يَدْرُسُ الشَّخْصِيَّةَ بِمَنهجٍ عِلْمِيٍّ واضح ، وَيُصِرُّ على التَّوثيقِ والاستشهادِ ، لكنَّه يَترُك مَساحةً واسعة للفِكْرِ الإنسانيِّ العاطفيِّ ، وهَذا جَعَلَ تَحليلَه للشَّخْصِيَّةِ ذا نَبْرَةٍ خَاصَّة تَجْمَعُ بَيْنَ الرَّصَانةِ العِلْمِيَّةِ وَدِفْءِ الأدبِ .
تَرَكَ تأثيرًا واضحًا ، لأنَّ مَا تَنَاوَلَه لَمْ يَكُنْ قَضِيَّةً عابرة ، بَلْ مَسَّ جَوْهَرَ الإنسانِ في لَحْظةٍ تاريخية مُضطربة، وكَشَفَ تناقضاتِ التفكيرِ التقليديِّ ، وَفَتَحَ البابَ أمامَ نَمَطٍ جَديدٍ مِنَ النَّقْدِ الاجتماعيِّ الذي يَجْمَعُ بَيْنَ السوسيولوجيا والتَّحْليلِ النَّفْسِيِّ والفَلسفةِ . وَقَدْ أعادَ صِياغةَ السُّؤالِ المَركزيِّ : مَنْ نَحْنُ ؟ . لَيْسَ بِوَصْفِهِ سُؤال هُوِيَّة فَحَسْب ، بَلْ أيضًا بِوَصْفِهِ سُؤالًا أخلاقيًّا وَنَفْسِيًّا واجتماعيًّا يَعكِس رَغْبَةً في فَهْمِ الذاتِ قَبْلَ الحُكْمِ عَلَيْها .
تَحليلُ الشَّخْصيةِ عِنْدَه لَيْسَ وَصْفًا لِمَرَضٍ نَفْسِيٍّ ، بَلْ هُوَ مُحَاوَلَةٌ لِتَحريرِ الإنسانِ مِنْ سَطْوةِ أوهامِه ، فَهُوَ يَدْعُو بِلا مَلَلٍ إلى التَّفريقِ بَيْنَ مَا نَقُولُه ومَا نَفْعَلُه ، وَمُواجهةِ ذَواتِنا بِجُرْأةٍ ، والتَّخَلُّصِ مِنَ المَظاهرِ الزائفةِ التي تَمْنعنا مِنْ رُؤيةِ حقيقتنا، وأنْ نَكُونَ لا كَما يُريدُ المُجتمعُ التقليديُّ ، ولا كما نَتخيَّل أنفُسَنا في لَحَظَاتِ الكِبْرَياء، بَلْ كما نَحْنُ فِعْلًا ، مَخْلوقات تَبْحَث عَنْ مَعْنى ، وَتَتَعَثَّر ، وَتَتعلَّم ، وتَتناقض ، وتَنْهَض مِنْ جديد .
تقديم:
ارتأينا أن نستهل هذه المقالة حول العلاقة بين السيكولوجي والفلسفي في السينما المغربية ببعض الملاحظات الأولية نعتبرها ضرورية حتى نتقدم بخطى ثابتة على أرض محفوفة بالصعوبات و المنزلقات.
- الملاحظة الأولى: أن الرهان الخاص بالعلوم الإنسانية على العموم، و بعلم النفس تحديدا ليس في هذا المقام رهانا سينمائيا خالصا، و ليس مجرد ترف فكري، إنما هو رهان ثقافي و اجتماعي شامل، لأننا ننطلق من قناعة راسخة و هي أنه لا وجود لحداثة حقيقية في غياب علوم إنسانية متطورة، يعتبر علم النفس علما أساسيا من بينها.
- الملاحظة الثانية: أننا عندما نتحدث عن السيكولوجيا أو علم النفس، فنحن نأخذه في كامل علاقاته وتفاعله مع سائر العلوم الإنسانية الأخرى، و على رأسها السوسيولوجيا و الأنثروبولوجيا، و ليس بمعزل عنها. كما أننا نأخذ بعين الاعتبار مجمل التطورات الحاصلة في الحقل السيكولوجي العالمي، الذي عرفت أبحاثه تطورات هائلة خاصة في العقود الأخيرة بفعل التطور الحاصل في مجال التكنولوجيات الجديدة للإعلام و الاتصال.
3- الملاحظة الثالثة: أشير في هذه الملاحظة الثالثة إلى أن التحليل النفسي، الذي هو مبحث أساسي من مباحث السيكولوجيا، قد ظهر إلى الوجود بشكل متزامن مع ظهور الفن السابع. ففي نفس السنة، 1895 ، التي عرض فيها لأول مرة فيلم للأخوين لوميير بالمقهى الكبير بباريس، نشر فرويد مؤلفه " دراسات في الهستيريا " و هو كتاب مشترك مع الطبيب النفسي جوزيف بروير. لكن المفارقة أن فرويد رفض كل الاقتراحات التي وجهت له للتعامل مع السينما، و خاصة اقتراح غولدوين بإنجاز أشرطة سينمائية مستوحاة من قصص الحب الكبرى في التاريخ. و كذلك اقتراحا آخر من الشركة الألمانية UFA لإنجاز شريط سينمائي حول مفاهيم التحليل النفسي، و حول آلياته و طبيعة اشتغاله، لكن رد فرويد في الحالتين كان هو الرفض. أُورِد هذا الموقف في بداية هذه المقالة لأنبه إلى ضرورة الحذر الشديد و التحوط المنهجي بخصوص هذه العلاقة الملتبسة، تفاديا للسقوط في الابتذال الذي تخوف منه فرويد، و الذي كثيرا ما سقطت فيه المؤسسة الهوليودية في تعاملها مع هذا البعد السيكولوجي. (2)
بعد هذه المداخل التوضيحية، أسجل أيضا بداية أن البعد السيكولوجي، ظل حاضرا بقوة في السينما المغربية منذ بدايات تأسيسها كسينما ذات عمق ثقافي و اجتماعي خاصة مع أفلام "وشمة" لحميد بناني، و " قفطان الحب لمنقط بالهوى" لمومن سميحي، و " عرائس من قصب" للجيلالي فرحاتي على سبيل المثال. ذلك أن البعد السيكولوجي للشخصيات هو الذي يمنح هذه الأفلام قوتها و عمقها، و كلما كان الشريط السينمائي واعيا بهذا البعد النفسي، و متمثلا له بالدقة اللازمة كلما ساهم ذلك في إنتاج أو بناء كون سينمائي منسجم و متكامل.
استهلال
ينبني هذا العمل-قدر الاستطاعة بطبيعة الحال-على ملاحظة تتبعية لِمجموعة من الأعمال المنشورة في حقل علم النفس الاجتماعي في المغرب. فقد أسعف تعاطينا، من غير شك، مع هذا الكم المعرفي، الجدير حقا بالاهتمام، على تحصيل ملاحظتين اثنتين مُؤَدَّاهُما:
1-فتور المواكبة المطلوبة، الرامية، على الأقل، إلى التعريف بالانهمامات العلمية لرواد السيكولوجيا الاجتماعية في الجامعة.
2-برود مَنْزَع القراءة، وتراخي الدًّافعية المُتَطَلِّعة إلى تحليل، وتفكيك أسس وحيثيات الخطاب السيكوسوسيولوجي في أفق نقده فتقييمه بالتساؤل المُهَدِّم للمعرفة المُطمئنة؛ والاستفهام المُكَسِّر للنماذج الرَّكيكة. أَلاَ يُعْتَبَرالنقد الوجيه عَصَبَ المعرفة، ومِهْمَازَها الخَلاَّق للمعاني المُرَجَّحَة، والصانعُ للدَّلاَلاَت المُحتملة؟
فيما أحسب، هذا هو المَسَاق الذي يُؤطرهاته الدراسة التي نَتَوسَّلُ بها الإطلالة على الإنتاج الفكري للمفكر وعالم النفس الاجتماعي الدكتورالمصطفى حدية سَعْياً إلى تقليب تَشَكُّلاَتِ خِطَابِه؛ وغايةً في الوقوف على المَسْأَليَات الأساسية، والطُّرُوحات الكبرى المبثوتة طَيَّ أبحاثه الغزيرة.
أولا: تقاطع الموضوعات والأفْهُومات في الاجتماع النفسي العربي:
بحضوره الوازن في الساحة الثقافية المغربية والعربية على السواء، استطاع الأستاذ المصطفى حدية أن ينحت اسمه ضمن كبار السيكولوجيين العرب. فقد تمكن بفعل اجتهاده ومثابرته من تأسيس مشروع مدرسة قائمة الذات في حقل الاجتماع النفسي بالمغرب تتقاطع، في جزء كبير منها، مع أعمال أكاديميين عرب من عيار حليم بركات، هشام شرابي ومصطفى حجازي على سبيل المثال لا الحصر.
بحرقة لاضديد لها، طَرَقَ هؤلاء المفكرون الجذريون، بين ثنايا أبحاثهم، التي انصبت على المجتمعات العربية، مشكلات التخلف بأورامه المزمنة، وقضايا التنشئة الاجتماعية، والحرية، والهدر بكل أشكاله وألوانه المختلفة...فضلا عن جدلية الثقافة والهوية في عصرمدهش، سِمَتُهُ التَّبَدُّلُ والانقلاب؛ وخِصِّيصَتُه الاحتمال واللاَّيَقِين بفعل نهاية الجغرافيا وهيمنة الأمبريالية الثقافية.2.. فبالاستناد إلى مرجعية متينة تمتح من معين علم النفس، وتنهل من المنهج النقدي الاجتماعي-التحليلي، والإبداع السردي على السواء عمد الدكتور حليم بركات(1933-2023)إلى تفكيك بنيات المجتمع العربي، وخلخلة الطبيعة السلطوية للدولة 3 ليخلص إلى القول بوجود هوة تفصل الإنسان العربي عن مؤسسات مجتمعه وسمها حليم بركات بالاغتراب 4 الذي يرده إلى:
- - التجزئة والتفتت الاجتماعي
- - هيمنة الدولة على المجتمع(=الاغتراب السياسي وأزمة المجتمع المدني) 5
- - تسلط الأنظمة الهرمية القسرية التي يجسدها النظام البطريركي، وهيمنة المؤسسات الدينية، وغلبة التربية المعتمدة على الذاكرة والاستظهار.
- - الاستغلال الطبقي ومايستتبعه من ظلم، وقهر وحرمان، واتساع الفجوات بين المعدمين والأغنياء.
- - التبعية، والهيمنة الخارجية على معظم الثروات والمقدرات العربية
- - سطوة المقدس، وصلابة التقاليد، وثباتية الطقوس التي تعمل على تزمين الصراع بين القديم/التراث والجديد/الحداثة.6
إنَّ عِلْمَ النَّفْسِ قائمٌ على تَحليلِ العَالَمِ الداخلي للإنسان ، وإرجاعِ حياته الباطنية إلى عناصرها البِدائية الأوَّلِيَّة ، وربطِ السلوكِ اليَومي بتأثيراتِ العقلِ وإفرازاتِ الشخصيةِ وأساليبِ التفكيرِ ، مِن أجْلِ فَهْمِ وُجودِ الإنسان كَكَائن حَي وحُر ، والتَّحَكُّمِ بِمَسَارِه ، والتَّنَبُّؤ بِمَصِيرِه . وكُلُّ إنسان لَدَيه حَيَوَات كثيرة وشخصيات مُتعددة ، وَوَحْدَها اللغةُ هي القادرةُ على وَضْعِ الخُطوطِ الفاصلةِ بَين حَيَوَاتِ الإنسانِ ، وتَحديدِ نِقَاطِ الاتصالِ والانفصالِ بَيْنَ شخصياته . وهذا لَيس غريبًا ، فاللغةُ هي الطاقةُ الرمزيةُ التي تَجْمَع بَين السُّلوكِ والشُّعورِ في إطار التَّسَلْسُلِ الفِكري المَنطِقي .
واللغةُ لا تَتَجَسَّد حُلْمًا وواقعًا إلا في الأدب ، باعتباره الشكل الإبداعي المُعَبِّر عَن عواطف الإنسان ، والتَّعبير الفَنِّي المُظْهِر لأفكارِه وهَوَاجِسِه ، كما أنَّ اللغة لا تَتَشَكَّل كِيَانًا وكَينونةً إلا في التاريخ ، باعتباره الوِعاء الوُجودي للتُّرَاثِ الثقافي ، والتأويل العقلاني للفِعْلِ الاجتماعي المُتَدَفِّق في الزمانِ والمكانِ . وهكذا تُصبح اللغةُ مِحْوَرَ التَّوَازُنِ بَيْنَ الغريزةِ الفِطْرِيَّةِ والإرادةِ الحُرَّة ، ونُقْطَةَ الالتقاءِ بَيْنَ الرُّوحِ والمَادَّةِ .
وعِلْمُ النَّفْسِ على ارتباط وثيق بالأدبِ والتاريخِ _ تأثُّرًا وتأثيرًا _ ، باعتبارهما مِن أهَمِّ العُلومِ الإنسانية التي تَهدِف إلى تَجذيرِ مَعرفةِ الإنسانِ بِوُجوده ، وتحليلِ عَلاقته بالكائناتِ الحَيَّةِ والأنظمةِ الاجتماعيةِ وعَناصرِ الطبيعة .
ومِن أبرزِ الأمثلةِ على تأثير الأدبِ في عِلْمِ النَّفْسِ ، رِوايةُ " لوليتا " ( 1955 ) ، للروائي الروسي الأمريكي فلاديمير نابوكوف (1899 _ 1977 )، وقد تَمَّ تَحويلُها إلى فِيلم سينمائي صدر في سنة 1962 ، مِن إخراج الأمريكي ستانلي كوبريك ( 1928 _ 1999 ) الذي يَعتبره الكثيرون واحدًا مِن أعظم صُنَّاع الأفلام في التاريخ .
كتاب من تأليف المفكر النهضوي المصري سلامة موسى (1887 – 1958)، صدر هذا المؤلف خلال القرن الماضي، لتعيد مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة بالقاهرة نشره في طبعة عصرية. وفيما يهم موضوع الكتاب، يتناول الأخير أحد أهم اكتشافات علم النفس الحديث، ونريد بذلك العقل الباطن لما له من مفعول كبير في سلوك الإنسان ونشاطه الذهني:
ما المقصود بالعقل الباطن؟
يعرف المؤلف العقل الباطن بكونه "العقل الذي يعمل على غير وعي منا. فهذا العقل يعمل كأنه مستقل عنا، وهو يقرر ميولنا وأمزجتنا". ويعتقد سيغموند فرويد (1856 – 1939) الذي دشن البحث في هذا المجال أن الغريزة الجنسية هي أهم محددات العقل الباطن، أما ألفرد أدلر (1870 – 1937) فيقلل من تأثير الغريزة الجنسية، ويركز على دوافع أخرى مثل الرغبة في امتلاك القوة والسلطة. وصولا إلى كارل يونغ (1875 – 1961) الذي ألف بين الرأيين (فرويد وأدلر) وأكد على أن "اللبيد (يُقصد به الرغبات والعواطف المكبوتة في العقل الباطن) هو تلك الغريزة الجنسية قد امتزجت بالنزوع إلى الرقي". فالإنسان بطبعه ميال إلى الرقي والتطور، إذ كثيرا ما ننساق لخواطر لذيذة كأن نحلم بأننا أصبحنا أغنياء أو قادة.
وعليه، فإن العقل الباطن هو "عقل الثقافة القديمة" وما تحيل إليه من غرائز بدائية (حب الشهوة واللذة والانتقام والعنف)، أما العقل الواعي فهو "عقل الثقافة الحديثة"، عقل الحضارة والعلم والمعرفة. بيد أن نوازع العقل الباطن ليست كلها شريرة، لأن الإنسان القديم لم يكن شريرا على نحو مطلق، كما أن العقل الباطن والعقل الواعي كثيرا ما يتعاونان لتحقيق مصلحة الإنسان، كالعالم الذي يتوصل إلى اختراع أو كشف علمي بواسطة الحلم.
الكبت
إن الرغبة أيا تكن طبيعتها (طعام، جنس... إلخ) إذا ما كُبتت من لدن العقل الواعي فذلك لا يعني زوالها، بل هي تندس في العقل الباطن وتتحين الفرصة لتخرج من مخبئها، فالعقل الباطن في هذه الحالة ينفس عن رغباتنا المكبوتة بواسطة الخواطر (أحلام اليقظة) والأحلام. وإذا ما بلغت الرغبة المكبوتة حدا بعيدا من الجموح قد تؤدي إلى الإصابة بالأمراض العصابية كما يعتقد فرويد فيما يخص الغريزة الجنسية، لكن الرغبة المكبوتة قد تفضي إلى سبيل إيجابي وهو التسامي بحيث "نتسامى بالعاطفة إلى فن من الفنون العليا، فأرغب الناس في وصف الجمال ولذات العشق هو المحروم من الحب (كالشاعر)". وتأسيسا على ذلك "إذا كانت العواطف المكبوتة تُحدث الجنون أحيانا فإنها أحيانا أخرى تُحدث النبوغ".
ضمن سياق تحليلنفسي امتد من عام 1919 إلى حوالي عام 1930، ظل فرويد يرى في وليام رايخ (1897-1957) طالبا متميزا، واعدا، ويحميه من هجمات المحللين الآخرين. عندما أعطاه رايش كتابه الأول "وظيفة هزة الجماع " (1970)، صرخ فرويد: "هذا عمل عظيم"! الذي يفيد به هذا التعجب هو أن فرويد درس الجنسانية (النشاط الجنسي)، ولكن لم يسبق له أن درس هزة الجماع، حيث بدت له ظاهرة ثانوية تختتم النشاط الجنسي، أي ظاهرة إفرازات، لن يكون لها في حد ذاتها سوى تأثير فسيولوجي ونفسي ضئيل أو منعدم.
تسمح لنا دهشة فرويد هذه بفهم أين وكيف يتموقع رايخ إزاء عمله: استكشاف ما لم يصل إليه المؤسس. لأنه إذا كان فرويد هو بالفعل المخترع الثوري للجنسانية الطفولية، مستكشف آلياتها وتأثيراتها النفسية المرضية، لم يقترب حقا من التتمة، ما نسميه الجنس التناسلي، الذي يتم إحلاله منذ سن البلوغ، والذي اهتم به رايخ.
من جانب آخر، إذا تحرر فرويد تدريجيا من الأسس العصبية الحيوية للأداء النفسي وكذلك من القواعد الجسدية، فسوف يعود رايخ إليها لتعميقها، لا سيما من خلال رد الاعتبار للجسد وعلم وظائف الأعضاء وإحلاله (الجسد) مكانا مهما في العلاج التحليلنفسي: الجسد له لغته الخاصة، ولكنه أيضا ذاكرة، وبالتالي فهو محاور مهم.
علاوة على ذلك، إذا كان فرويد قد أشار إلى آثار الحضارة على النشاط الجنسي البشري من خلال التنازلات التي تفرضها (فرويد، 1969)، ومساهمته بالتالي في تكوين "الباثولوجيات" (علم الأمراض)، فإن رايخ سيذهب بتفكيره أبعد من ذلك، خاصة مع فكرة الطاعون العاطفي* (emotional plague).
مقدمة
كان إريك فروم (1900-1980) محللًا نفسيًا ألمانيًا أمريكيًا ، مرتبطًا بمدرسة فرانكفورت ، والذي أكد على الدور الذي تلعبه الثقافة في تنمية الشخصية. دعا إلى التحليل النفسي كأداة لعلاج المشاكل الثقافية وبالتالي الحد من الأمراض العقلية. يعتقد فروم أن الشخصية في البشر تطورت كطريقة للناس لتلبية احتياجاتهم. على عكس فرويد، لم يؤمن أن الشخصية ثابتة، فقد حدد فروم خمس احتياجات إنسانية أساسية: الترابط، التجذر، التعالي، الإحساس بالهوية، وإطار التوجه. إن غياب هذه ، وفقًا لفروم ، من شأنه أن يسبب مشاكل عقلية واجتماعية مثل الاغتراب. تصور فروم نسخًا مثالية للمجتمع والدين تؤكد على الحرية وتلبية احتياجات الإنسان. وبذلك، أصبح أحد مؤسسي الاشتراكية الإنسانية. لقد أكد على المحددات الثقافية للشخصية. بحث في أعماله في المشاكل العاطفية في المجتمعات الحرة ودعا إلى التحليل النفسي كعلاج للأمراض الثقافية وكأداة للمساعدة في تطوير مجتمع غير عصابي. من المعلوم أن فروم وُلِد في فرانكفورت، وتلقى تعليمه في هايدلبرغ وميونيخ قبل أن يؤسس عيادة خاصة للعلاج النفسي في عام 1925. بدأ فروم كتلميذ لسيغموند فرويد ، جامعاً نظرياته النفسية مع المبدأ الاجتماعي لكارل ماركس. استخدم طريقة فريدة للتحليل النفسي تتضمن مواجهة المريض بصفته معالجًا له وكشخص آخر متعاطف، مشددًا على عدم وجود سمة أو عامل في المريض غير موجود لدى أي شخص آخر في ألمانيا، انتقل فروم إلى شيكاغو في عام 1933 لإلقاء محاضرة في معهد التحليل النفسي. قام بالتدريس في العديد من الجامعات الأمريكية ووسع وجهات نظره لتشمل مبادئ زن البوذية. في عام 1957 ، شارك في تأسيس اللجنة الوطنية للسياسة النووية السليمة. كتب فروم أيضًا عددًا من الكتب والمقالات للأكاديميين وعامة الناس على حدٍ سواء. اكتسب فروم شعبية لأول مرة مع عامة الناس من خلال كتابه "الهروب من الحرية" ، والذي شرح خوف الإنسان اللاواعي من الحرية وجاذبية الأنظمة السياسية الاستبدادية. شكل هذا الكتاب إلى حد كبير الفكر الفكري في أمريكا في ذلك الوقت ، وتسبب في تصنيف فروم على أنه فرويد جديد ، جنبًا إلى جنب مع كارين هورني وهاري ستاك سوليفان. على الرغم من اختلاف هذه الأرقام الثلاثة ، وفقًا لفروم ، فإن كل واحد منهم يشترك في التركيز على العوامل الاجتماعية والثقافية والموقف النقدي لنظرية فرويد حول أولوية الغريزة الجنسية. في عام 1951، أصبح فروم أستاذًا في جامعة المكسيك الوطنية، حيث أسس المعهد المكسيكي للمحلل النفسي وسافر بانتظام إلى الولايات المتحدة قبل أن يستقر في سويسرا عام 1971 وطور فروم العديد من الموضوعات الرئيسية، وطور أفكاره وصقلها بشكل تدريجي. هذه الفئات هي شخصية اجتماعية، والتي تربط نظرية التحليل النفسي للدافع الديناميكي بالعوامل الاجتماعية والاقتصادية. الموضوع الثاني هو مراجعة فروم للتحليل النفسي لفرويد ، لا سيما تأكيده على العدوانية والتدمير.المحور الثالث: نقده للمجتمع الصناعي ، ورابعه: تحليله للدين وعلاقته بالتنمية البشرية. من بني نظرياته عن الشخصية الاجتماعية على مفهوم فرويد أن سمات الشخصية ديناميكية. كان يعتقد أن هيكل الشخصية يشرح الإجراءات والأفكار: ما الذي يحفز الناس وما يجده مرضيًا أو محبطًا. فكيف انتقل بالإنسان من استلاب التملك الخاص إلى تحرر الكينونة المشتركة؟
يتحدد مرمى هاته الدراسة في النظر في مفهومين مركزيين طفقا في السنوات الأخيرة، يشكلان مدار اهتمام عالم الاجتماع العربي الدكتور عبد الصمد الديالمي. نقصد بذلك "الانفجار الجنسي"، و"الانتقال الجنسي" وهما المفهومان اللذان أبدعهما أثناء انهماكه بتحليل معضلة تخلف مجتمعنا؛ وتفكيك السلوكات الجنسية في علاقتها بالمعايير الدينية والمنظومة الأبوية بكل لواحقها القانونية.
في البدء كان " رايش ":
ينتمي د.عبد الصمد الديالمي إلى الجيل الثاني من علماء الاجتماع المغاربة. فمنذ التحاقه أستاذا للسوسيولوجيا بجامعة فاس سنة 1977 عمد إلى رسم الخطوط العامة لمشروعه السوسيولوجي المتمحور حول الجنسانية، والجندرية والنسوية. وبوصف هاته المسأليات مرتهنة بالنص الديني والاجتهاد الفقهي فإنها تدعو الباحث للاشتباك علميا، ولامراء في ذلك، مع ثقافة الفقيه المتمذهب، ومع الإسلامانية، وخلفياتها الإيديولوجية الصريحة والمضمرة حيال الحداثة، والديموقراطية، والعلمنة والحريات الفردية والعامة..
بتفان منقطع النظير سينكب الدكتور عبد الصمد الديالمي على مشروعه هذا منتظما في إنجازه عاملا على تطويره منذ لحظة اكتشافه كتاب " الثورة الجنسية " للمحلل النفساني النمساوي فلهلم رايش؛ الكتاب الذي سيشكل بالفعل نقطة تحول حاسمة، ليس فقط في حياة عبد الصمد الديالمي الشخصية التي وسمها، منذ البداية، تمرد لافت على الأساليب التقليدية في التنشئة الاجتماعية، وانتفاض واع على الأبوية 1 ؛ وإنما انقلاب جذري في حياته العلمية برمتها ستحمله على بناء الأسئلة الحارقة، والمحاور الكبرى فالمفاهيم المركزية التي سينتظم حولها منجزه السوسيولوجي لما ينيف عن أربعين سنة. يكتب عبد الصمد الديالمي في هذا الصدد: " في 1973، قرأت " الثورة الجنسية " ل"رايش" وأنا أستاذ بالثانوي. في الواقع لا أدري لماذا قرأته (...) إنه الكتاب الذي جعلني أعمق تمردي على المجتمع وعلى القيم السائدة (...) إنه الكتاب الذي جعلني أكتشف أن الزواج والأسرة يعوقان الرضى الجنسي، وأنهما يشكلان سجنا للمرأة... إنه الكتاب الذي جعلني أقتنع أن لاثورة دون ثورة جنسية..."2