تُعَدُّ فكرة " الدَّورة الحضارية " من أبرز المفاهيم التي شغلتْ عقول المفكرين عبر التاريخ، حيث حاولوا تفسيرَ نشوء الحضارات وازدهارها ثُمَّ سقوطها. ومن بين أبرز من تناول هذا الموضوع بعمق وتحليل، المفكر الجزائري مالك بن نبي ( 1905 _ 1973 )، والفيلسوف الألماني أوسفالد شبنغلر ( 1880_ 1936 ). ورغم اختلاف السياقات الثقافية والفكرية بينهما، إلا أنَّ كليهما قدَّم رؤية تفسيرية متماسكة لمسار الحضارات.
تشير الدورة الحضارية إلى أن الحضارات لا تنشأ عشوائيًّا، ولا تستمر إلى الأبد، بل تمرُّ بمراحل متتابعة: النشأة، النمو، النضج، الانحدار. وقد تختلف تسميات هذه المراحل وتفاصيلها، لكنَّ الفكرة العامَّة تقوم على أن الحضارة كائن حَي له عُمر مُحدَّد ، وسَيرورة داخلية تَحكمه.
يرى مالك بن نبي أن الحضارة نتاج تفاعل ثلاثي بين : الإنسان ، والتراب ، والوقت ، في ظِل فكرة دافعة ( الفكرة الدينية غالبًا ). ويؤكد أن المشكلة الأساسيَّة في العالَم الإسلاميِّ لَيست نقص الموارد، بل " قابليَّة الاستعمار"، أي الاستعداد الداخلي للانحطاط.
يُقَسِّم بن نبي الدَّورةَ الحضارية إلى ثلاث مراحل رئيسية:
1_ مرحلة الروح: حيث تكون الفكرة الدينية في أوجها، فتولد طاقة أخلاقية هائلة تدفع المجتمعَ نحو البناء.
2_ مرحلة العقل: يبدأ فيها التنظيم والعقلانية، وتتوسَّع الحضارة في الإنتاج والإنجاز.
3_ مرحلة الغريزة: تضعف القِيَم، وتُسيطر المصالح الفردية، فتبدأ الحضارة في الانهيار.

في خضم الجدل المتصاعد حول الهوية والانتماء في الدنمارك، جاء تصريح عالم الوراثة الدنماركي البارز إيسكه فيلرسليف ليقلب الموازين: "مفهوم العِرق انتهى علمياً". هذا الإعلان لا يقتصر على كونه حقيقة بيولوجية، بل يمثل نقطة تحول في النقاش العام، إذ يضع المجتمع أمام سؤال جوهري: إذا كانت الجينات لا تحدد الهوية، فما الذي يصوغ الانتماء الوطني؟ بين الدم والثقافة، بين الوراثة والتجربة الإنسانية، يتكشف صراع قديم يتجدد اليوم في سياق سياسي واجتماعي معقد، حيث يواجه الدنماركيون – ومعهم العالم – ضرورة إعادة تعريف الهوية بعيداً عن الأساطير العرقية التي فقدت أساسها العلمي. ويتجدد جدل الانتماء في بلد يواجه تحديات التعددية والاندماج، ويعيد التفكير في معنى أن تكون "دنماركياً".

الهوية تعيد تعريف نفسها

تصاعدت خلال السنوات الأخيرة النقاشات العالمية حول الهوية والانتماء، لتتجاوز حدود السياسة والاجتماع وتدخل عمق العلم الحديث. وفي الدنمارك، أثار تصريح فيلرسليف جدلاً واسعاً بعد تأكيده أن مفهوم العِرق قد انتهى علمياً، مشدداً على أن الجينات لا تحدد الثقافة أو الهوية الوطنية. هذا الموقف لا يمثل مجرد رأياً فردياً، بل يعكس تحولات جذرية في علم الوراثة والأنثروبولوجيا، حيث باتت الأبحاث الحديثة تكشف أن التنوع البشري لا يمكن اختزاله في تصنيفات عرقية جامدة، وأن ما يُسمى "العرق" ليس سوى بناء اجتماعي وسياسي فقد أساسه العلمي.

إن هذا الطرح يضع المجتمع أمام تحديات فكرية عميقة: كيف يمكن إعادة تعريف الهوية الوطنية بعيداً عن الدم والجينات؟ وكيف يمكن للعلم أن يُسهم في تفكيك الصور النمطية التي غذّت قروناً من التمييز والصراعات؟ فبينما يرى بعض المعلقين أن الانتماء يُحدد بالوراثة، يوضح العلم أن الثقافة، اللغة، التاريخ، والتجارب المشتركة هي العناصر الحقيقية التي تصوغ هوية الشعوب.

من هنا، يصبح النقاش حول "الدم والدنماركية" مثالاً صارخاً على التداخل بين العلم والسياسة، وعلى خطورة إساءة استخدام النتائج العلمية في الخطاب العام. فالعلم، كما يؤكد فيلرسليف، لا يبرر تقسيم البشر إلى أعراق، بل يكشف أن الإنسانية وحدة متصلة، وأن الاختلافات الجينية بين الأفراد أقل بكثير مما يُتصور، ولا تصلح لتحديد الانتماء أو الهوية.

دَرَجَت كُتب التاريخ، الوسيط منها والحديث وحتى المعاصر، على القول بأن سكان بلاد المغرب (شمال إفريقيا) "الأولين" هم "البربر". وهو القول الذي قد لا يُستشكل إذا أخذنا بأن أصل كلمة "البربر" يوناني يُقصد بها الأقوام الخارجون عن نطاق الحضارة اليونانية، وقد يقابلها معنى "الأعاجم" (أو "إكناون" بلسان البربر)، أي الذين لا يتكلمون اليونانية. ولا يهمنا هنا إشكال ربط هذه الكلمة بالمعنى اللاحق الذي انزاح بها إلى معنى "الهمج" و"المتوحشين". فلفظة "البربر" بمعنى "العجم"، تحتمل إذن شعوبا مختلفة حول الحوض المتوسطي ممن كانت خارج نفوذ الحضارتين اليونانية والرومانية، بما فيها حتى شعوب أوربية.

كما أن لفظة البربر هنا، التي يتم ربطها كذلك بمن يتكلمون "اللسان البربري" بلهجاته المختلفة في بلاد المغرب، قد لا تطرح أي إشكال لكون النِّسبة إلى البربر بمن يتكلمون البربرية تشمل كل من يتكلمها في المنطقة: فنجد مثلا أنه إلى جانب قبائل بربرية تعرّبت فنُسبت إلى العرب نِسبةَ لسانٍ، هناك قبائلٌ عربية تبربرت فنُسبت إلى البربر نِسبةَ لسانٍ. وفي نفس هذا السياق، وقياسا عليه، فإنه لا إشكال في نسبة المغرب إلى العرب فنقول "المغرب العربي"، هذا لأنها نسبة لسانِ وليس بالضرورة نسبةَ عِرق، كأننا نقول بتعبير آخر "المغرب العربوفوني" قياسا على الدول التي توصف بأنها "فرنكوفونية" أو"أنجلوفونية"...

منذ التاريخ الوسيط إذن، ظهرت ثنائية "العرب" و"البربر" في بلاد المغرب، واستمرت كذلك إلى بداية القرن العشرين، حيث إنه ظهرت بوادر حركة شبابية رفعت لواء "مراجعة وتصحيح تاريخ بلاد المغرب"، فتشكل لديها نفور من كلمة "البربر" بحكم المراجع الحديثة التي اعتمدت عليها، وهي في معظمها مراجع الإرث الذي خلفه الاحتلال الفرنسي. هؤلاء الشبان الذين درسوا تاريخ بلادهم بلغةٍ وبمنظورٍ فرنسيين، لم يقتنعوا بالمعاني التي قدمها مؤرخو العصر الوسيط لكلمة "بربر"، ورسَخَ في أنفسهم المعنى السلبي الذي خلفه عنها الرومان: "الهمج والمتوحشون". و هكذا، اجتهد بعضهم في البحث عن اسم جامع لسكان المنطقة في إطار "نزوع قومي" واضح، فاستحبوا اسم "أمازيغ".

ـ فهل تنحصر تشكيلة سكان بلاد المغرب في ثنائية "العرب" و"الأمازيغ" فقط؟
ـ وهل توفقت الحركة الأمازيغية في اختيارها؟

حرص الأمازيغ خلال العقود الأخيرة على النزول إلى الساحات للاحتجاج والترافع من أجل مطالب مشروعة تتعلق بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية، خاصة لدى ساكنة المناطق الجبلية، إضافة إلى قضايا الهوية وإعادة قراءة التاريخ. غير أن الاحتفال بـتيفسا (تافسوت) ليس حدث معاصر مرتبط بأحداث 1980، بل يمتد بجذوره في عمق التاريخ الأمازيغي، حيث شكّل دائمًا مناسبة للاحتفاء بتجدد الحياة وارتباط الإنسان بالأرض عبر طقوس وعادات متوارثة. لذلك، فإن من يعتقد في كونه “بدعة” معاصرة يتجاهل هذا الامتداد الثقافي والرمزي العريق. وانطلاقًا من هذا المعطى، يسعى هذا المقال إلى تسليط الضوء على طقوس الاحتفال بتيفسا كما عايشتها في مسقط رأسي، قرية أفراسكو بمنابع زيز، خلال أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات، باعتبارها تجربة محلية تعكس غنى وتنوع الممارسات الأمازيغية المرتبطة بهذا الفصل.
ارتبطت الاحتفالات والمناسبات الأمازيغية بالأرض وتعاقب الفصول؛ فكل المحطات السنوية المحددة بدقة تعني الكثير بالنسبة للأمازيغ، وتحمل رموزًا ودلالات عميقة. وينطلق ذلك من الطقوس المرافقة لها، فمنها ما له ارتباط وثيق بالأمجاد التاريخية، وفي الآن نفسه بالدورة الزمنية المرتبطة بالمناخ ودورة الطبيعة، مثل رأس السنة الأمازيغية؛ ومنها ما يرتبط مباشرة بالطبيعة وتجددها، مثل تيفسا، التي ستكون موضوع هذا المقال المتواضع.
تيفسا تعني فصل الربيع. وانطلاقًا من التداول اليومي للكلمات المشتقة من «تافسوت» ـ التي تحيل في الاستعمال الدارج إلى معاني الشياكة والجمال ـ نجد أن الأمازيغ يقولون أيضًا «إفسا إمندي» أو «فسانت تمزين» عندما تخرج السنبلة. وباختصار، فالفعل «إفسا» يحيل دلاليًا إلى الجمال وروعة الحياة وانبثاقها؛ لذلك أُطلق هذا الاسم على الفصل الذي يلي الشتاء، المعروف بالعربية بالربيع، أي زمن نمو النبات وتفتح البراعم والأزهار. وفي الأمازيغية لا يختلف المعنى كثيرًا عن هذا التصور، بل يتجاوزه إلى حمولة رمزية أعمق تتصل بفكرة الانبعاث وتجدد الوجود.

برحيل المستشرق فرانشيسكو غابريالي (1904-1996) طَوت الدراسات العربية في إيطاليا مرحلة مهمّة من تاريخها، ودخلت طورًا جديدًا صار يُعرَف بـ "الاستعراب" (L’arabismo)، طرأت عليه مستجدّات ودبّ فيه نوع من التفرّع. لماذا شَكّل الرجل مرحلة فاصلة رغم أن السابقِين واللاحِقين العاملين في مجاليْ الاستشراق والاستعراب كثيرون؟ أوّلا لانهماكه بحزم في تطوير الدراسات العربية بحثًا وتدريسًا وترجمةً؛ وثانيا لطبعه الأجيال اللاحقة بمنهج التعاطي العلمي والتخصّصي مع الدراسات العربية. ففي مرحلة مبكرة كان الإتيان بفرانشيسكو غابريالي لتولي مهام "معهد الشرق" في روما (IPO)، الذي أسّسه المستشرق كارلو ألفونسو نللينو سنة 1921، والذي مثّل أهم بؤرة في دراسة الحضارة العربية في إيطاليا، بغرض تطهير المعهد من النظرة الفاشية للشرق والعبور به نحو رؤية جديدة تجاري أوضاع إيطاليا ما بعد الفاشية. لكن غابريالي لم ينحصر عمله بتولي مقاليد المؤسسة البحثية المعنية بالشرق والعالم العربي، بل أشرف أيضا على كرسي اللغة العربية وآدابها في جامعة روما "لاسابيينسا"، كبرى جامعات أوروبا التي يفوق عدد طلابها في الوقت الحالي المئة ألف. ولِثقل المهام التي تولاها فرانشيسكو غابريالي مثّلَ الرجل مرجعية للعديد من المستشرقين والمستعرِبين الإيطاليين ممن تتلمذوا على يديه وتشرّبوا منهجه في دراسة الحضارة العربية، وكذلك لوفرة الأعمال التي أنجزها حتى باتت من المرجعيات الكلاسيكية في إيطاليا. نذكر من بينها "تاريخ الأدب العربي" (1951)، "الإسلام في التاريخ.. دراسات في التاريخ" (1966)، "محمد والفتوحات العربية الكبرى" (1967).

فمنذ أواخر الألفية الثانية، وتحديدا منذ العشرية الأخيرة، بدأ يدبّ في ساحة الاستشراق الإيطالي حراك، ستتّضح ملامحه وسيرسو عند الاهتمام بالعربية وآدابها، وهو ما سيُعرَف لاحقا بالاستعراب. توزّعت انشغالاته على ثلاثة محاور رئيسة: تدريس العربية، وتقديم الأدب العربي بوجهيه القديم والحديث، وترجمة الأعمال الأدبية. وشكّل تدريس العربية وآدابها محور نشاط عدد من الجامعات الإيطالية مثل "الأورِيِنتالي" في نابولي، وجامعة روما "لاسابيِينسا"، وجامعة البندقية، وجامعة باليرمو، أبرز المؤسسات الجامعية في إيطاليا وأعرقها. ليغدو تدريس العربية وآدابها، في الوقت الحالي، شائعا في العديد من الجامعات في شمال إيطاليا وجنوبها.

ذاع صيت أسماء إيطالية في مجال الترجمة من العربية لارتباطها أساسا بترجمة الأعمال الأدبية. نذكر على سبيل المثال عَلَمين بارزين: إيزابيلا كاميرا دافليتو وفرانشيسكا كورّاو، لريادتهما في المجال ولنشاطهما الحثيث في الترويج للأدب العربي، حيث انشغلت الأولى بترجمة الأعمال الروائية بشكل رئيس، واهتمت الثانية بترجمة الشعر. تقاسم الثنائي الساحة الإيطالية ولم يخل عملهما من التنافس والتدافع، وكوّنت كل منهما فريقا من الأتباع والمريدين صبّ في مصلحة ترويج الأدب العربي واللغة العربية. واستطاعت كلتاهما تقديم سلسلة من الروائيين والشعراء العرب للقارئ الإيطالي، تسنّى بمقتضاه إخراج الدراسات العربية من حيز الجامعات الضيق إلى الساحة الثقافية الرحبة. وهي رحلة شاقة وممتعة كما روت لي كاميرا دافليتو وكورّاو بعضا من فصولها، أخرجت المنتوج العربي من العتمة إلى النور، حتى باتت أسماء عربية مثل غسان كنفاني، وإميل حبيبي، وصنع الله إبراهيم، ورشيد ضيف، ونجيب محفوظ، ولطيفة الزيات، وعبد الرحمان منيف، وإبراهيم الكوني، والطيب صالح، وأبو القاسم الشابي، والسياب، ومحمود درويش، وعبد العزيز المقالحي، وأدونيس متداوَلة على ألسنة الطلاب والمثقفين الإيطاليين.

تُعَدّ رأس السنة الأمازيغية محطةً ومناسبةً سنوية ذات أبعاد تاريخية وأنثروبولوجية، تعكس تصور المجتمعات المغاربية لدورة الزمن وترابطها الوثيق بالممارسات الاجتماعية والاقتصادية والرمزية المتوارثة عبر الأجيال، وليست نتاجًا لبناء إيديولوجي حديث أو «اختراعًا» معاصرًا كما تذهب إلى ذلك بعض القراءات الاختزالية. فهي تعبير تاريخي عن علاقة عضوية بين الإنسان والأرض، نشأت في سياق مجتمعات فلاحية كان الزمن فيها يُقاس بالإنتاج والدورة الطبيعية، لا بالأنظمة الإدارية المجردة. وهي، وفق تقويم مستمد من منعطف حاسم في تاريخ الأمازيغ بشمال إفريقيا والضفة الشرقية للمتوسط، تُجسّد تصورهم لدورة الزمن وترابطها بالممارسات الاجتماعية والاقتصادية والرمزية المتوارثة عبر الأجيال.

وقبل فرض التقويم الميلادي مع دخول الاستعمار الفرنسي، ظلّ التقويم الفلاحي الإطار الزمني المرجعي الذي ينظم حياة المغاربة اليومية في الجبال والسهول والواحات والصحراء على حد سواء. وقد كان هذا التقويم—المتأخر عن التقويم الميلادي بثلاثة عشر يومًا—أداةً عملية لضبط مواسم الحرث والزرع والحصاد، وتدبير تعاقب الفصول، بما يعكس مركزية النشاط الزراعي في البنية الاقتصادية والاجتماعية للمجتمع المغربي. كما أن استمرار العمل به حتى بعد ترسيخ الزمن الإداري الاستعماري يكشف عن شكل من أشكال المقاومة الصامتة التي مارستها الذاكرة المحلية في مواجهة زمنٍ مفروض من خارج بنيتها الثقافية.

وقد ارتبط هذا التقويم ببداية سنة جديدة احتُفل بها في مختلف مناطق المغرب تحت تسميات متعددة من قبيل: «إض ن يناير»، «إخف ن وسگاس»، «يناير»، «النايرة»، أو «حگوزة». ويعكس هذا التعدد وحدةً عميقة في المعنى والممارسة؛ إذ لا يدل على التشتت بقدر ما يؤكد الامتداد الجغرافي والتاريخي لهذا الطقس. كما أن هذه الممارسة لم تكن حكرًا على المناطق الجبلية كما يعتقد البعض، بل شملت المجتمع المغربي بأكمله بحكم طابعه الفلاحي؛ مما يجعل من رأس السنة الأمازيغية، في جوهرها، رأس سنة فلاحية: أي لحظة انتقال رمزية بين دورتين زمنيتين، تتوقف خلالها الجماعة لاستشراف المستقبل واستدعاء قيم الخصب والبركة والاستمرارية.

ولا يمكن فهم هذا الارتباط العميق بالزمن الفلاحي بمعزل عن عمق الوجود البشري بالمجال المغربي، كما تؤكده المعطيات الأركيولوجية والعلمية الحديثة. فقد أظهرت الاكتشافات الأثرية أن المغرب لم يكن هامشًا في تاريخ تطور الإنسان، بل فضاءً مركزيًا في تشكله المبكر. ويعد موقع جبل إيغود من أبرز هذه الاكتشافات، حيث كشفت الدراسات العلمية عن بقايا للإنسان العاقل يعود تاريخها إلى نحو ثلاثمائة ألف سنة، ما يجعل من إنسان إيغود أقدم تمثيل معروف حتى الآن للإنسان العاقل على الصعيد العالمي.

كما كشفت الأبحاث المرتبطة بالمجتمعات النيوليتية—خاصة في حوض وادي بهت ومناطق من المغرب الأوسط والشمال—عن وجود استقرار بشري مبكر قائم على الزراعة وتدجين الحيوانات، وهو ما يدل على انتقال مبكر من نمط العيش القائم على القنص والالتقاط إلى نمط الإنتاج الفلاحي، وما يترتب عنه من تنظيم للزمن وربط مباشر بين الإنسان والدورة الطبيعية. وتؤكد مواقع أخرى، مثل مغارة تافوغالت، استمرارية الاستيطان البشري وتطور التفكير الرمزي والطقوسي، من خلال ممارسات دفن الموتى وتنظيم المجال؛ وهي كلها مؤشرات على تشكل وعي مبكر بالزمن والنظام الكوني.

منذ قرون طويلة، ظلّ الغرب يحتل موقع “المركز” في الخريطة الفكرية للعالم، ليس فقط بوصفه قوة سياسية واقتصادية، بل باعتباره المرجعية العليا للمعرفة، والمعيار الذي تُقاس عليه الحضارات، والنموذج الذي يُفترض أن تتجه نحوه بقية الشعوب. هذا التمركز لم يكن مجرد نتيجة لتفوق مادي أو علمي، بل كان أيضاً بناءً رمزياً ومعرفياً تشكّل عبر خطاب طويل من التمثيلات، والتأويلات، والكتابات التي رسّخت صورة الغرب باعتباره “العقل” و“الحداثة” و“العالمية”، في مقابل شرق يُقدَّم غالباً كـ“آخر” تابع أو هامشي أو خارج التاريخ. في هذا السياق، ظهر مشروع الاستغراب بوصفه محاولة فكرية جريئة لإعادة النظر في هذه البنية غير المتوازنة، ولتفكيك ما يُسمّى بـ المركزية الغربية التي حكمت علاقة الشرق بالغرب عبر قرون من الهيمنة الرمزية.

إن الاستغراب، في جوهره، ليس مجرد ردّ فعل على الاستشراق، ولا هو مشروع انتقامي أو خطاب مضاد يسعى إلى قلب المعادلة فحسب، بل هو جهد معرفي يسعى إلى فهم الغرب من خارج ذاته؛ أي من منظور لا يخضع لسلطته الرمزية ولا لهيمنته الثقافية. إنه محاولة لاستعادة القدرة على النظر إلى الغرب بوصفه موضوعاً للدراسة والتحليل، تماماً كما فعل الغرب مع الشرق، ولكن دون الوقوع في فخ التعميم أو التشويه. فالاستغراب لا يهدف إلى إنتاج “غرب متخيّل” جديد، بل إلى تحرير المعرفة من أحادية المركز، وإعادة توزيع الضوء على خرائط الفكر بحيث لا يبقى الغرب هو المقياس الوحيد لما هو عقلاني، أو متقدم، أو إنساني.

تنبع أهمية هذا المشروع من كونه يطرح سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن للثقافات غير الغربية أن تفهم الغرب دون أن تقع تحت تأثير خطابه عن نفسه؟ هذا السؤال يفتح الباب أمام قراءة نقدية للحداثة الغربية، وللنموذج الليبرالي، وللفكر الفلسفي والسياسي الذي شكّل العالم الحديث. لكنه في الوقت نفسه يدعو إلى تجاوز ثنائية “نحن/هم”، وإلى بناء معرفة أكثر توازناً تقوم على الحوار لا على التبعية، وعلى النقد لا على الانبهار، وعلى الفهم لا على الاستلاب.

عرفت الدراسات الشرقية في إيطاليا خلال العقود الثلاثة الأخيرة نقلةً بارزةً، تمثّلت في اتّساع رقعة المهتمّين باللغة والآداب العربية، بعد أن كانت محصورة في دائرة ضيقة من الدارسين والمستشرِقين ورجال الدين الكاثوليك، ناهيك عن مستجدات في صلب المنهج والمقارَبات. وفي ظلّ هذه التحولات باتت تتوزّع انشغالات المعنيين، في الراهن الحالي، على أربعة حقول أساسية: حقل الدراسات الأدبية بشقّيها القديم والحديث، وحقل الأبحاث التاريخية، وحقل القضايا السياسية الحديثة والمعاصرة، وحقل الإسلاميات. تأتّى ذلك في أعقاب مراجَعات حصلت داخل الاستشراق الغربيّ عامة، لم تدخّر جهدًا في انتقاد المنزع الإيديولوجي، مع تنبيه لتفادي سقطات الاختزال والتعميم. وهو ما يمكن الحديث معه عن تحوُّلٍ جارٍ من عموم الاستشراق إلى تخصّص الاستعْراب، بالانكباب حصرًا على قضايا الدراسات العربية، التي باتت تُعرَف في الوسط الأكاديمي الإيطالي بالاستعراب "Arabismo"، ويُطلق على المختص في المجال مستعرِبا "Arabista"، قياسا على لفظتيْ اِستشراق ومستشرِق.

هيمنة النسق الاستشراقيّ

لا يخفى أنَّ الدراسات العربيّة في إيطاليا هي دراسات وليدة تقاليد مزدوَجة كَنَسيّة واستشراقيّة، تعود أصولها إلى عهد البابا كليمنت الخامس (1264-1314م)، الذي حرص على تدريس اللغة والآداب العربية. ما وطّدَ الصلة، منذ المنشأ، بين تلك الدراسات والتراث الكتابيّ وأبقاها تحت تأثير القراءة الكاثوليكية. وهو ما حدا بالمستعرِبين، في الفترة المعاصرة، إلى النزوع نحو الاستقلال المنهجيّ بقصد التخلّص من وطأة التوظيف الإيديولوجيّ. روتْ لي إيزابيلا كاميرا دافليتو، أستاذة الأدب العربي في جامعة روما، أنها حين أزمعت الالتحاق بالمعهد البابوي للدراسات العربية والإسلامية، محجّ رهبانية الآباء البيض في روما، لدراسة العربية لم تحظَ بالقبول بموجب عدم انتمائها للسلك الكَنَسيّ. فقد بقي تدريسُ العربية وتعليمها في روما حكرًا على المؤسسات الكَنَسية حتى مطلع الستينيات من القرن الماضي.