يتجه القاص والروائي المغربي محمد أنقار بصدد أطروحة "كتابة الرواية" إلى اعتبارها صيغة إنسانية موسومة بالقدرة على التواصل مع الواقع والحياة. وهو يرجع سر هذه الصيغة إلى نوعية الصور السردية التي تطبع النص الروائي وتميزه عن المتون الحكائية الأخرى كالقصة القصيرة. فالصورة الروائية عنده مطبوعة بالحركة، وهي تتسع لبث منظور سردي متكامل حول عوالم ممكنة. كما أنها ترمي عبر ميثاق القراءة، إلى التعاقد مع تجربة المتلقي القادر على تنشيط المنظور السردي، وترهبن موسوعة الصور المختزلة في حلقات الحكي. وترتبط الصورة الروائية عند أنقار بتقديم الشخوص والأمكنة، عبر تقاطعات دقيقة تقرب المسافة بين السردي الوصفي. ومن ثم كان لمرجعية المكان عنده مقام خاص وحضور محوري حاسم في توجيه أفعال الرواية(1). هذا، وتعد لغة العلاقات المكانية وسيلة من الوسائل الرئيسية لتصوير الواقع، وينطبق هذا الشرط حتى على مستوى ما بعد النص، أي على مستوى النمذجة الأيديولوجية الصرف. فإذا نظرنا إلى مفاهيم مثل : ((أعلى-أسفل) أو (يسار- يمين ) أو قريب – بعيد ) نجد أنها تستخدم لبنات في نماذج ثقافية لا تنطوي فقط على محتوى مكاني بل تتجاوزه للدلالة على بعد أخلاقي قيمي. فتكتسب هذه المفاهيم من جراء ذلك معاني جديدة مثل: (الحسن – السيئ) أو (القريب- الغريب) أو ( السهل-الصعب). وهكذا يمكن القول إن بنية مكان النص تصبح نموذجا لبنية مكان العالم، وتصبح قواعد التركيب الداخلي لعناصر النص الداخلية لغة دالة على النمذجة المكانية. (2) حدود المكان: يحيلنا هذا المدخل السابق على نقاش مبدئي بصدد علاقة المكان بالتخييل الروائي، وفحواه أن فاعلية التخييل معنيّة، بالنسبة لغالبية النقاد وعلى رأسهم أرسطو، بما يحدث أو بما يمكن أن يحدث وليس بما حدث، باعتبار أن السرد التخييلي هو أكثر فلسفة وعلمية من التاريخ . بينما راح البعض كأفلاطون و مارتن والاس و سيرل ، يصنفونه في خانة الوهم والكذب .أما (جان إيف تادييه) فيذهب إلى أن الفضاء الروائي هو قبل كل شيء عالم من كلام، سواء أكان انعكاساً أم انزياحاً (3) . ومن ثم قد يتعين هذا الفضاء باسم مكان محدد ( مدينة – حارة – موقع تاريخي ...) دون أن يحمل من ذلك المكان سوى الإسم أو بعض السمات والأبعاد. وأقرب مثال لتوضيح هذا النمط في الرواية العربية هو خماسية عبد الرحمن منيف ( مدن الملح) حيث تبرز مدينتا (حران ) و(موران) كمدينتين روائيتين لا تتحقق فيهما المطابقة بين الروائي والمرجعي إلاّ بقدر يسير. وفي المقابل قد يتعين الفضاء الروائي وفق مكان واقعي موسوم بحدود الجغرافيا والتاريخ ، وهذا هو شأن "قاهرة" نجيب محفوظ و"باريو مالقا" محمد أنقار .(4)
في "امرأة الرسالة" لرجاء بكرية، تفاجئك الكاتبة وتذهلك وتربكك كقارئ في آن معًا. فنصّها المذكور نصّ مخاتل ومراوغ. نصّ يشدّك نحو قراءته كرواية حينًا، ويجذبك لقراءته كنص أدبي حكائي استعاريّ حينًا آخر. ولكن في الحقيقة هو منزلة بين المنزلتين، والتعامل معه مهما اختلفت زاوية التناول، يجب أن يكون من خلال كونه نصًّا قصصيًّا، ذلك لأنّه يمتلك كل خصائص هذا الجانر. وهذا النص القصصي في جملته يروي حكاية امرأة مثقّفة من خلال علاقة مثلّثة بالرجل: "وائل الزوج الذي هجرها ورحل إلى الخليج بهدف العمل، والذي استقر هناك وتزوّج/ غسان الفنّان والسجين السياسي بتهمة الإرهاب الذي تعشقه عشقًا صوفيًّا روحًا وجسدًا وهو المحور الأكبر في النص/ وكاظم خيبر العراقي المقيم في لندن، والملجأ الذي يلمّها كلّما كبست عليها لحظات اليأس والضياع والحيرة، والذي يتقن العزف على مفاتيح الجسد".
بعيداعن كل مبررات الأزمة التي يجتهد المثقفون في إخفائها أو شرعنتها بالاتكاء على مقولات فاضحة , يمكن الجزم بأن الاحساس بالأزمة أضحى في حد ذاته نشوة ومتعة , ومطلبا لتحقيق المماهاة مع الأدوار الجديدة للمثقف..
اقيموا بني امي صدور مطيكم
أتساءل وبحرقة عن مستقبل أدبنا, أتساءل وقلبي حزين على مسيرة هذا الأدب, لأنني أرى تصرفات تصدر عن أدباء تشي بأشياء لا تليق بأدب ولا بأدباء. أتساءل مثلا كيف يمكن لأديب ما أن يغير مواقفه بين ليلة وضحاها؟ أو كيف يمكن له أن يغير رأيه في شيء ما دون أن يسمع أو أن يقف على الرأي المغاير؟ كيف له أن يتحيز لرأي كان يخالفه قبل ليلة وان يتنكر لرأي كان يحّرض له, دون أن يبرهن على هذا التحول بدلائل مقنعة, كيف؟ وكيف والمتوالية طويلة.
من أجل ثقافة إنسانية، تبحر في فضاءات وعوالم بنفسجية، لأجل الحقيقة هدف الفن والحياة.
لعل انحسار الإقبال على اقتناء الكتاب بصفة عامة، والكتاب الأدبي بصفة خاصة، سواء أكان دواوين أشعار أو روايات أو مجموعات قصصية أو غيرها... داع إلى الحديث عن موضوع أزمة القراءة الشائك وأبعادها، ذلك الإستنتاج المتكرر التصريح به، والمثير للدهشة وللإستغراب والغوص في الحيثيات المحيطة به..
صدر عن دار نشر "هكيبوتس هميؤوحاد" سنة 2008، الجزء الثاني من سيرة حياة البروفيسور سوسان سوميخ، بعنوان "ايام متخيلة"، أخا للجزء الاول "بغداد أمس" سنة 2004.