فيلسوف عصر النهضة جون لوك 1632- 1704 رغم نزعته العلمية التجريبية، وصرامته ألمنهجية في إعتماده مرجعية العقل، إلا أننا نجده مؤمنا بالله الكفيل بسحب الانسان نحو مراتب الأخلاق الرفيعة السامية التي تحقق له سعادته الارضية وهو ما لا يمكن نكرانه كون عماد الأخلاق تهذيب التدّين لها وليس مصدرها الوحيد..
جون لوك يعتبر الاخلاق ضرورة حياتية لا غنى للانسان عنها، والضامن والمرجع في التزّود بها هو الإيمان اليقيني القطعي بوجود الله كضرورة ماسّة قصوى في تنظيم حياة الانسان على أسس أخلاقية سليمة. "الله الذي يمتلك القوة اللامتناهية، والخيرية، والحكمة. ما يرتّب على البشر ومن مصلحتهم طاعة أوامره، ولما كان الناس لا يمتلكون أفكارا فطرية، ولديهم قلقا فطريا يلازمهم مدى الحياة، فما عليهم سوى أن يخبروا اللذة ويتجنّبوا الألم ." 1 هنا جون لوك في دعوته الإيمانية الأخلاقية هذه يتنازعه تيّاران أحدهما منهج الفلسفة التجريبية القائمة على تفعيل العقل البرهاني والمنطق الصارم، والثاني هو الوازع الأخلاقي الذي لا يناله الانسان سوى بالإيمان اليقيني القطعي بوجود الله والإمتثال لأوامره المنصوص عليها في الكتب المقدسة الدينية بغض النظر عن الفوارق بين الاديان في مسألة الاخلاق.
ويسعى لوك خلق توليفة توفيقية تجمعهما معا منهج الاخلاق في الفلسفة والإيمان التديّني بالله. لذا نجد جون لوك عمد إستنساخ آراء زميله بليز باسكال 1623- 1662 في مذهبه الفلسفي الديني البراجماتي في وجوب الإيمان بوجود الله كضرورة أولى لا يستطيع الانسان العيش بلا قلق يلازمه من دون الإلتزام بالإيمان الديني.
فالإيمان القلبي البراجماتي حسب باسكال بوجود الله لا يخسر به الانسان شيئا يندم عليه في حياته، كما لا يخسر شيئا يندم عليه بعد مماته. فالإيمان الأرضي بالله يمنح الانسان الطمأنينة بالحياة ويزيل عنه القلق والخوف الملازم له. وسوف لن يخسر شيئا في حال لم يتحقق له حلم الخلود في حياة ثانية بعد الممات.