anfasseمقدمة:
ينزع النص الأدبي إلى تحقيق هويته من خلال الاختلاف عن الخطاب الشائع ، والتعالي على مرتكزات التعبير التقليدي مستنكفا بذلك عن كلّ ما هو قارّ وثابت ، كأنه يؤسس ذاته وجماليته في تمرده عن التأثير القواعدي/النحوي، والتواصل اللساني ، فيتحوّل إلى مغامرة داخل اللغة تهشّم عناصرها ثم تعيد بناءها في حلة جديدة، فالكلمة الشعرية "هي نفس الآن موت وانبعاث للغة "(1)
وهكذا يغدو النص الأدبي لغة خاصة ضمن اللغة العامة، وخطابا غير عاد ضمن الخطابات التواصلية العادية ، وقد ظهرت مصطلحات عديدة تبحث عن خصائص هذا الكائن اللغوي المتميز،ومنها "الانحراف")Deviation)، "المخالفة"Infraction، الخرق Transgression، الانتهاك Viol، وكل هذه التسميات تحمل تلوينات دلالية مختلفة ، لكنها تقارب مصطلحا شائعا وهو "الانزياح"L’ecart، وقد عرّف باعتباره " حدثا لغويا جديدا يبتعد بنظام اللغة عن الاستعمال المألوف ، وينحرف بأسلوب الخطاب عن السنن اللغوية الشائعة" (2).
وقد ارتبط هذا المصطلح بجدلية لغة النثر ولغة الشعر.فالشعر هو أكثر الفنون الأدبية ولعا بالزيغ والمخاتلة ، وتخطّي الثوابت السائدة "فالنثر هو بالتحديد اللغة الطبيعية ، أما الشعر فلغة الفن أي لغة مصنوعة ،...وكون النثر هو اللغة الشائعة يمكن أن نتحدّث عن معيار تعتبر القصيدة انزياحا عنه"(3) 

anfasseعندما تتأمل في عنوان المجموعة القصصية للكاتب عبد الغفور خوى تتفاجأ منه حيث يبحر بك في متاهات فلسفية غاية في التعقيد ،وتؤكد ذلك صورة الغلاف التي تحتوي على عصفور يحترق فوق شمعة تذيب نفسها هي أيضا وسط مركب صغيروعينان جاحظتان ترقب تربص الأمل المفقود وسط ظلام حالك لا يبشر بالخير .
والجولة في هذه المجموعة جولة في الزمان والمكان فما تراه ليس مجرد قصص عابرة بل نقوش تركها الزمن وعبرعنها الكاتب بكل مصداقية وشفافية و حين تتوقف أمامها تتأملها وتحاول فك شفرتها حتى تفاجئك وهي  تروي لك الوقائع وتستحضر الأحداث والتاريخ و تتركك تتحاور مع أبطالها .
وتأتي أهمية المجموعة التي اتخذ ت من هذه الصور وسيلتها الرئيسية للتعبيرعن حالة القلق التي يعيشها أبطال قصصها تجاه ما يجري حولهم  بلغة شديدة التكثيف والتباين، وهي أولى إصدارته القصصية ، عن المطبعة والوراقة الوطنية الداوديات- مراكش ،   وتضم بين دفتيها أكثر من ثلاثين قصة قصيرة جدا ،تتوزع على اثنتين و تسعين صفحة  من الحجم المتوسط .
وقد استهلها  عبد الغفور خوى بماهية السؤال الذي شغل بال الكثيرين'' لماذا الكتابة'' ( قصة لماذا نكتب) هذا السؤال الأبدي الذي اكتشف له إجابة أنه مطمح للتأمل والحرية وامتداد للروح، مبحرا في ثتايا الواقع المعيش بطرح أفكاروتساؤلات تسايرمناحي الحياة الحديثة للمجتمع .

anfasseقوافل الثلج أو عشق الشاعر المتدفق ينابيع من العواطف الجياشة تجاه المعشوق هو مقاربة  منفتحة لشعر الشاعر المغربي عبد اللطيف غسري والمستهل بقصيدة( '' وتمرين بي'' إلى'' المتكالبون على رغيف الوقت'') فالرؤية الجمالية والتخييلية لهذه القصائد  تبدو وكأنها قطعة موسيقية يسودها التوافق والانسجام اللذان يسموان بالنفس إلى مقامات البهجة والإنبهار، وهو يتألف من 96 صفحة من الحجم المتوسط ويتضمن 29 نصا شعريا من القصائد العمودية تتخللها نصوص تفعيلية ، وهذا الديوان تم إصداره عن مطبعة تبوك  وهي الطبعة الأولى للكتاب الذي هو قطعة من حلم الشاعر الأثيل وتذكار أزلي لعلاقته بالحبيبة والطبيعة ولوحة الغلاف تعانق هذا البعد المكاني بما يتواشج في فضائها من مكونات بصرية كما أن العلاقة بين الشاعر والقصيدة العمودية التي ترجم من خلالها أحاسيسه ومشاعره الجياشة تجاه المعشوقة / الأنثى ، والطبيعة واللغة ،  تعلو إلى مراقي العشق الخلاق المنسوج بحرير الحياكة الرؤيوية المغايرة والحلم المستشرف والممتد بين الإنتشاء والإفتتان، كل هذا جعلنا ندرك قدرة الشاعر على خلق روح الإنفعال العاطفي  المتمثل  في مناخ من الشعر الوجداني وهو بهذا صنع له عالما خاصا به حين استمر بتداخله العاطفي في طرح عشقه إلى معشوقته حيث طيفهالا يفارق مخيلته إذ هي دائمة الحضورفي رواحه وغداته وفي اختياره للعنوان '' قوافل الثلج '' الثلج/ الماء ، لأنه يمثل عنصر الحياة على سطح الكون,. . وبكل ما تحمله هذه التسمية ،. ماهي إلا تعبير يقوي هذه الرابطة ،وهي دلالة على الوحدة العضوية بين عشقه  للأنثى وبين قوافل(كثرة) الثلج النقي الأبيض اللون الذي يدلّ على الطهارة والصفاء.

anfasse

"قال لي و مضى " مجموعة قصصية للأديب المغربي عبد الحميد الغرباوي ، التي صدرها ببليوغرافية ، رصد فيها مجموع قصصه حسب الحروف الأبجدية .
و نحن من خلال هذه الدراسة نريد تسليط الضوء على المستويين المشكلين لبنيات هذه المجموعة القصصية ، أي أننا سنتعامل مع هذه المجموعة كدراسة نقدية ، من خلال البنية الداخلية و البنية الخارجية .
وعندما نفصل الداخل عن الخارج ، ليس الهدف من ذلك الفصل النهائي بين بنية الشكل وبنية المضمون ، وإنما يكون الفصل بينهما من أجل تسهيل عملية الدراسة النقدية ، لتبسيط تناول المجموعة وتيسيرها أمام القارئ .
لأن الأديب أثناء عملية الإبداع لا يفصل بين ما هو داخلي و ما هو خارجي، فالداخل هو قالب يستوعب الخارج في علاقة جدلية تجمع بين الدال و المدلول ، فالداخل لابد له من خارج ، و الخارج لابد له من داخل .
1-على مستوى البنية الفنية الداخلية:
إن أي دراسة نقدية لعمل من الأعمال الأدبية لا تتم إلا بدراسة المكونات الداخلية لهذه الأعمال ، من أجل معرفة البنية الخارجية.

anfasseمن القصصي إلى الروائي :
كان النفس القصصي لدى هشام بن الشاوي من خلال ما قرأت له من قصص المجموعتين الأوليتين، ومن خلال ما قرأت له من قصص منشورة في مواقع ومنتديات على الشبكة العنكبوتية يشي بوجود بوادر تجربة روائية جنينية، يتضح ذلك من خلال الجمل الطويلة المفتوحة على آفاق الحكي، والتي يمكن للكاتب فيما بعد تطويعها عبر آلية التضمين وتمطيطها لتستوعب شكلا حكائيا أكبر، الشيء الذي يدل على أن هذه القصص مع سبق الإصرار والترصد هي مشاريع لروايات مؤجلة، ويزيد من ترشحها لهذا الوضع التجنيسي كثرة الأحداث القصصية، وتناميها بوتيرة غير معهودة في النص القصصي، فضلا عن الحيوية الزائدة للشخصية والفضاء القصصيين. كل هذه العمليات التي تبدو صعبة المنال بمكنة الكاتب نفسه أن يصوغها في قالب روائي ضاج بالعوالم والرؤى من خلال ما يمتلكه من قدرة على الحكي السلس والوصف الدقيق للأفضية والشخوص، والملاحظة الدقيقة التي تؤهل الكاتب لاستثمار أي معطى واقعي في بناء عالمه الروائي، دون أن أنسى أن الظروف الخاصة للكاتب وطريقته الخاصة في التعامل مع الحياة تضمنان له مادة دسمة للحكي نظرا لقربة من شرائح كبرى في القاع والهامش المنسيين في واقعنا، ومعاشرته الدقيقة لمخلوقات هذا الفضاء بحميمية الشعراء. كل هذه المعطيات التي تبدو جلية في المنجز القصصي لهشام بن الشاوي تجعلنا نعتبر التجربة القصصية لديه مجرد تمرينات سردية تهيؤا لاقتحام عالم أرحب وأشد فساحة هو جنس الرواية، وقد سهل هذا التمهيد التجريبي اليقظ على الكاتب العبور الصعب من الميكروسرد إلى الماكروسرد.

riadهارمونية بصرية تبحث عن حلم
تذكرني لوحات الفنان التشكيلي السوري ( رياض الشعار ) بدعوة  الفنان (بول كلي) بأن ننصت الى اللوحة باستماع عن طريق النظر حين اراد ان يستثير صديقة الموسيقار طالبا منه مرة ان يشرح ما تمثله قطعة موسيقية قد انتهى من عزفها لتوه ، فأجابه الموسيقار مبتسما بعزفها مرة اخرى ... هذا التسأول راودني وانا اتمعن في لوحات الفنان في محاوله للدخول الى عالمه فما كان مني الا ان اعيد تاملها مرة تلو اخرى . فما الفنان الا شاهدا على معاناة عصره يتأرجح بين توثيق الهم اليومي  وبين المطلق الجمالي مشدودا الى الشكل واللون الذي يحاصر جوهر العملية الابداعية في الخلق التشكيلي ومحاولة ابراز الكمون البصري والروحي من خلال سطح اللوحة فتحل البصيرة محل البصر لفك اسراراللغة التشكيلية عنده .
فلوحاته تنحو منحى تشخيصي يرتقي بواقعيته التعبيرية الى استشراق عوالم ماهو شخصي واجتماعي ليرتفع بها بانفاذها من الذات الانوية الى الذات الجمعية ، في تجربة لا تبتعد ان تكون اقتراحات صوفية احيانا تنبع من سلطة تلك الاملاءات الغامضة والالهمية التي تتمازج بموسيقية الالوان وشاعريتها فالصبوة الروحية اعطت للوعي التشكيلي مساحة واسعة من امكانية التوليف التصالحي غير المتصادم بين اختزانات الذات  وطرح الواقع  ، مما اعطاه القدرة على  توسيع عالم التخيل واللعب على صراحة بالالوان وتداخلها بتدرجات ذات نكهة موسيقية وحوار داخلي متفرد بين الحدة والبرود لخلق هارمونية بصرية تلملم طاقة اللون المتفجر، فما اللوحة  كما يقول( بول جوجان ) في رسالة الى  صديقة الرسام (سوريزيية ) سوى سطح مسطح يحمل خطوطا والوانا تفيض وفق نظام معين تربطه علاقة ابداعية .

69تتميز الحكاية المثلية، بكونها نصوصا حجاجية حكمية ترمي إحداث تغيير أو إطراء عبرة في نفس المتلقي رغبة في الاقتداء به والحرص على تغيير المجتمع وتوجيهه إلى ما يتوجب فعله أوتجنبه. وتعد حكاية "القرد والغيلم"، من بين هذه الحكايا المثلية التي صاغها ابن المقفع بطريقة فنية سلسة يرتاح لها القاريء وينساق وراء ما ورد فيها من أحداث ومفاهيم مثل: الصداقة والعداوة؛ إذ حرص منذ البداية على تتبع مسير السرد رغبة في العمل بفكرة أو العدول عنها، وقد سلك المؤلف في ذلك بناء منهجيا موفقا اعتمد فيه السرد والحجاج. فكيف بني السرد في هذا الباب، كيف تشكل الحجاج، ماعلاقة السرد بالحجاج؟ هل يخدم أحدهما الآخر؟ أم إن وظيفتيهما جاءت موازية تتناسب مع المقصدية التي ترومها "كليلة ودمنة" بشكل عام، وحكاية "القرد والغيلم" بشكل خاص، ثم ما طبيعة العلاقة بين السرد والحجاج، هل هي علاقة تداخل أم تنافر؟ بصيغة أخرى، ما وظيفة السرد والحجاج في هذه الحكاية؟ وكيف ساهما في تشكيلها بطريقة تخدم عملية التلق أكثر من أي شيء آخر؟
هذه الأسئلة وغيرها، هي التي سنحاول مناقشتها في ثنايا العرض. ولكن،  قبل الشروع في معالجة الموضوع الذي نحن بصدده، ارتأينا أولا أن نشير إلى مفهوم السرد والحجاج؛ حتى يتسنى منح رؤية تصورية تتماشى مع التحليل، ثم نظهر التداخل بينهما أثناء تحليلنا باب "القرد والغيلم".
مفهوم البنية السردية:
واكب تطور الأجناس الأدبية ظهور عديد من المدارس النقدية والأدبية والفلسفية نتج عنها اختلاف كبير في المناهج؛ هذه المناهج سعت جاهدة إلى استقصاء ،الأجناس، ودراستها دراسة دقيقة غايتها الأهم، فحص النصوص وفهمها، وذلك حسب توجه كل مدرسة. ومع التسرب الفكري والثقافي، نشأت جملة من النظريات منها؛ النظرية السردية التي كانت وجهتها الأساس قراءة النصوص وفهمها من حيث المبنى والمعنى، فقد حرص النقاد والمفكرون مثل: تيزﭬيتان تودوروڤ،جيرار جنيت ورولان بارت وغيرهم، على مسايرة النظرية السردية تلك النصوص، لأجل ذلك، اجتهدوا في تعريف السرد والبنية السردية، وأهم هذه التعريفات تذهب إلى تعريف السرد من منظور الحكي كالآتي:

25إعتراف !!
الدخول في عالم سامي العامري كالدخول في حقل ألغام محاطٍ بأسلاك شائكة ، الداخل فيه مُغامرٌ متهوِّرٌ أو أحمق والخارجُ منه قتيلٌ أو مُثخنٌ بالجراح التي لا تندملُ ولا من علاجٍ لها لا في طبِّ جالينوس ولا في طب إبن سينا. قرأتُ الكتب الأربعة ، وما زلتُ أقرأ وأنا أكتب عنها وعنه ، التي أرسل لي أخيراً مع كلمات إهداء جميلة مُعبِّرة فهو يعرف أني كنتُ أولَّ مَنْ كتب عنه وعن ديوانه الأول الذي يحملُ عنوان ( السكسفون المُجنّح ) . كان يومذاك في الأوج من التألق الرومانسي مع صديقته الألمانية ( ريتا / ربّة الشفاء ) لكنه ، وفي عين الوقت ، كان في القرار السحيق من سوء أوضاعه الصحية كما أخبرني شاعرٌ سوريٌّ صديق صلتُهُ وثيقة بسامي العامري . هذا هو سامي العامري في حياته اليومية الشخصية كما هو في شعره وقصصه ، وجهان لعملة ذهبية واحدة تحمل اسمه على وجه وتحملُ صورته على الوجه الآخر . وضعتُ بتأنٍ تخطيطات حاولتُ أنْ أكون دقيقاً فيها لكي لا أظلم الرجل ولا أظلم نفسي ... أبيّنُ فيها خصائص سامي الشخصية جداً منها والشاعرية فإنه إنسانٌ شاعر وشاعرٌ إنسان فكيف يفترقان أو كيف يفترق الوجهان ؟ إستخلصتها لا من باب التجريد والرجم بالغيب بل مما قال هو في نصوص كتبه التي قرأت في هذه الأيام والتي أصبحت بفضله في حوزتي هدية منه وهو الكريم النشأة والطباع والسليقة .
1ـ لا أغامرُ كثيراً إذا ما أطلقتُ عليه الوصف التالي : الدون جوان العامري ـ المتصوّف النيتشوي الذي لا يتحرك ولا يقرُّ له قرارٌ إلاّ ساعياً على قدميهِ
أو جالساً مُرتكِزاً على قوائمَ أربع هي : الكتابة والقراءة ـ والسيجارة ـ وفنجان القهوة أو الشاي ـ ثم الخمرة . كيف نجح سامي في جمع كل هذه الخلائط في نفسه فصوّرها ومثلّها شعراً وقصّاً أم أنها فرادى ومجتمعة فرضت نفسها عليه بالتعاضد مع بيئاته ونشأته وقاسي ظروفه سواء في وطنه العراق أو في المانيا حيث دخلها عام 1984 لاجئاً هارباً من حرب صدّام حسين الكارثة مع إيران . هرب سامي من موت شبه أكيد في جبهات الحرب الضروس عسكرياً مُجنّداً رغم إرادته في الجيش العراقي ... هرب من هذا الموت ليواجه إحتمالات أكثر من موت واحد غير أكيد .