شرع محمود المسعدي - خلال النصف الثاني من ثلاثينات القرن العشرين - في نشر نصوص سرديّة على شكل الأحاديث والأخبار الأدبيّة فنسبها بعض النقّـاد إلى الأقصوصة تارة وإلى الحديث الأدبي تارة أخرى. وفي فجر السبعينات أصدر كتابا موسوما بـ"حدّث أبو هريرة قال" حوّر فيه ترتيب تلك النصوص وأضاف إليها نصوصا أخرى، وحمل أبا هريرة على الاضطلاع بالأدوار التي سبق لأبي دريرة أن اضطلع بها في قسم من الأحاديث ليربطها كلها بحياة شخصيّة رئيسيّة واحدة. وبما أنّه أعرض عن نسبة كتابه إلى جنس أدبيّ معيّن، لقلّة اكتراثه بالتصنيفات الأجناسيّة، رغم ما لذلك الكتاب من صلات ظاهرة وخفيّة ببعض ألوان التراث السردي العربي المتعلّقة بالحكي الحقيقي وبالفنّ القصصي الغربي المتعلّق بالحكي التخييلي، فإنّ مسألة انتمائه الأجناسي استحالت إلى مجال من مجالات البحث الخصبة.
والحقّ أنّ حظّ تلك المسألة في الدراسات المتّصلة بآثار المسعدي لم يكن متساويا، إذ من الدارسين من سلّم بنسبة كتاب "حدّث أبو هريرة قال" إلى الجنس الروائي، وكأنّ الأمر من تحصيل الحاصل، ومنهم من حلّل بعض خصائصه الأجناسيّة من دون اعتماد نظريّة الرواية ونظريّة الأجناس الأدبيّة فحجب نصيّته الجامعة (Architextualité). ومنهم من وقف على تلك المسألة بالذّات في نطاق اهتمامه بتحديد علاقات آثار المسعدي بمسألة الأجناس الأدبيّة ليبرهن على ضعف صلة ذلك الكتاب بمنظومة الأجناس التقليديّة. وفضّل بعضهم الآخر صرف نظره عن تعقـّـد تلك القضيّة ليعتني بالأفكار التي بلورها المؤلف في ذلك الكتاب.
ولا غرابة في ألاّ يتّفق الدارسون على تصنيف كتاب المسعدي الذي نحن بصدده أو على تصنيف قسم كبير من الآثار الأدبيّة الأخرى، بما أنّ المعايير التصنيفيّة تتنوّع باختلاف الدارسين في ضبط العناصر المميّزة لكلّ أثر من الآثار الأدبيّة، وتفضي بالتالي إلى إدراجها في خانات أجناسيّة مختلفة. من ذلك أنّه يجوز لنا الاقتصار على إنماء نصّ معيّن إلى طبقة النصوص الرّوائيّة بإبراز اشتراكه معها في النهوض على الأركان المحدّدة لذلك الجنس الأدبي. كما يمكن لنا الاستناد إلى احتفال ذلك النصّ ذاته بفنّيات التراث السّردي لندرجه في طبقة الروايات التأصيليّة المشكّلة لجنس روائي فرعي. وإذا ما انفتح ذلك النصّ نفسه على العناصر العجائبيّة ووظّفها للاضطلاع بأدوار تمثيليـة Exemplifiante))، فإنّ ذلك يبرّر نسبته إلى طبقة النصوص المؤسّسة للأدب العجائبي.
الشكـــل الحكــائي للخطاب التنويري - فيصل درّاج
أدرج ديكارت في خطابه المنهجي عنصر «الأنا»، مستأنساً بمنطق الحكاية، ومتحدّثاً عن أحلام أضاءت «فكره النائم» وانصرفت ساعة اليقظة· كان في خطابه ما يصل بين كلمتين غير متجاورتين هما: المنهج والحكاية، إذ في كل منهج حكاية خاصة به، وإذ لكل حكاية منهج لا تقوم إلاّ به· يطمئن النظر الموحّد بين المنهج والحكاية إلى أعمال منجزة، فما هجس به ديكارت في ساعات النوم واليقظة أسهم في بناء مجتمع أوروبي حديث (1)، مقرراً أنّ في المنهج النظري الصارم شيئاً من الأحلام، وأنّ «الأحلام المنهجية» قابلة للتحقّق·
يفرض الحديث عن وحدة المنهج والحكاية، في تجربة المثقف العربي التنويري ، الكثيرمن الانزياح: فالمنهج النظري المقترح لازمته الإعاقة منذ البداية، والمنهج النظري المعوّق لم يعرف ممارسة عملية تصوّب إعاقته· وما حكاية المثقف العربي التنويري إلاّ حكاية مشروعه، الذي اعتقد أنّ الأفكار المستنيرة القائلة بخير الجميع تهزم نقائضها·
1. طه حسين وبطوله المنهج:
فصل طه حسين في كتابه «في الأدب الجاهلي» فصلاً حاسماً بين القديم والجديد، قائلاً بعقم الأول وخصب نقيضه· لكنّه وهو يتحدّث عن مذهبين نقديين متناقضين كان يسرد، بشكل مضمر، حكاية نزال بين أزمنة قديمة اندثرت بطولتها وأزمنة حديثة لها بطولة مغايرة· فسّر تآكل القديم بعادات فكرية متوارثة، ورأى قوّة الجديد في منهج ديكارتي يفصل بين الوهم والحقيقة· انطوت حكاية المنهج على عنصرين لا تكون الحكاية إلاّ بهما: تحديد هوية الطرفين المتصارعين، فلكل بطل حكائي ما يميّزه من غيره، ووصف المصاعب التي تواجه البطل الجديد، الذي لا يحتل مواقع القديم إلاّ بعد معركة·
صورة الإنسان في رواية «الريح الشتوية» لمبارك ربيع - البشير البقالي
الإشكال النظري الذي يكتنف «صورة الإنسان»:إن هذا الموضوع يضعنا أمام إشكال نقدي عبر عنه الدكتور «محمد أنقار» بقوله: «إن الإشكال الأساس، في رأينا، ينحصر في محاولات النقد لضبط المنطق والقوانين المورفولوجية للشخصية الروائية في فضائها الإنساني، أي ما يسميه "باحثين" ب " صورة الإنسان – Image de l’Homme" في اتصاله بالحدث الآني غير التام»(1).
ومرد هذا الإشكال، أن صورة الإنسان يتداخل فيها ما هو فكري وما هو جمالي في إطار وحدة تخييلية، فالإنسان من حيث هو موضوع تناوله الفكر عبر التاريخ، خضع لوجهات نظر عديدة ورؤى متباينة، في سياق التحولات الاجتماعية والتاريخية والثقافية المتراكمة. وهذا بالضبط ما يفرز الجانب الفكري للإشكال. خصوصا وأن الأديب في تصويره للبطل يعبر عن فلسفة معينة تكمن وراء رسمه لملامح الشخصية(2). مما يفرض على المتلقي استحضار المرجعيات الفكرية التي أطرت رؤيته وتصويره للشخصية الروائية.
وتجدر الإشارة إلى أننا لا نرجح الجانب الفكري في الصورة على الجانب الجمالي. لأننا، مبدئيا، لا نتصور الصورة الروائية إلا جماليا. إنما نشير إلى حضور هذا الجانب الفكري في التصوير إلى جانب عناصر أخرى جمالية تدخل جميعها في نسيج الصورة؛ إذ أن جمالية الصورة تتحقق وفق شروط نصية وأخرى غير نصية. الشيء الذي يجعل صورة الإنسان خاضعة في معظم حدودها لذهن المتلقي، للكشف عن خطط تشغيل المكونات والسمات ووظائفها، على اعتبار أن لكل نص طبيعته المتفردة التي تحددها الاختيارات الجمالية والمرجعيات الفكرية والفلسفية التي يتشكل في حضنها. وهذا ما تؤكده هوية الرواية غير الثابتة.
إن الهوية غير الثابثة للرواية سبب أساس في افتقار النظرية الأدبية - راهنا- إلى نظرية روائية. فما هو متراكم حول الرواية لا يعدو كونه نقدا روائيا بادي القصور النظري إذا ما قورن بنقد الشعر، وهذا يجعل حصر صورة الإنسان بين فكي نظرية مجازفة نقدية، وتعسفا في حق الكيان الجمالي الذي أراد المبدع تشكيله.
تجليات المنهج اللغوي الجمالي عند مصطفى ناصف - مصابحية نصيرة
تـــــــوطـــــــئة :تعتبر إشكالية المنهج من الإشكاليات الشائكة في النقد المعاصر،كما لعبت دور المحرك المعرفي في الساحة النقدية العربية. و لعل نظرة خاطفة لتاريخ الثقافة العربية منذ عصر النهضة إلى يومنا الحالي، ترصد لنا ذلك الانشطار المعرفي الرهيب الحاصل على مستوى تبني الموروث العربي أو نبذه لصالح الفكر الغربي، مما دفع مجموعة من النقاد المتمرسين إلى إعادة قراءة الخطاب الثقافي العام قراءة جديدة تتجاوز القراءة التلفيقية أو الإقحامية.
فالمنهج بوصفه إطارا علميا يساعد على كشف جماليات النصوص و فهم مكوناته و أبعاده الدلالية هو : '' طريقة في البحث توصلنا إلى نتائج مضمونة أو شبه مضمونة في أقصر وقت ممكن، كما أنه وسيلة تحصن الباحث من أن يتيه في دروب ملتوية من التفكير النظري''[1].
فالمنهج بهذه الوجهة هو المفتاح الإجرائي الذي يساعدنا على كشف بواطن النصوص وحقائقها، لأنه ليس مجرد أداة منهجية فحسب، وإنما يختزل رؤية خاصة للعالم شارك في تفعيلها مجموعة الخلفيات السوسيو ثقافية وغيرها التي أدت إلى ظهوره،و بالتالي فهو يساعدنا على رصد أبعاد النص الإبداعية.
ويعد ''ناصف'' من أهـم النقاد الدين حاولوا قراءة التراث قراءة واعية، تعتمد النظرة الموضوعية أساسا لها. و قد انطلق هذا الناقد في معالجة النصوص- خصوصا - الـتراثية من إطار منهجي ثري، حيث اعتمد على مجموعة من المناهج الغربية، التي حاول تطويعها بما يخدم النص التراثي, دون انتهاك خصوصيته الثقافية، أو وضعه على كرسي الاعتراف كما فعل غيره من النقاد....
ويعتبر المنهج اللغوي الجمالي من أهم المناهج التي وظفها هذا الناقد، حيث يـدعو إلى قــــراءة الموروث قراءة ثانية تكسر حواجز صمت النصوص ''حتى تنطق و تبوح و يتاح لها قلق صحي عظيم"[2].
لـــــقــد وظف المنهج اللغوي، كأداة تساعده على إكتناه جماليات النصوص في حدود لغتها و نقصد به: ''المنهج الذي ينطلق من الرؤية النصية في دراسة العمل الأدبي, و يتعامل مع مفاهيم الرمــوز والأساطير المبثوثة في السياق اللغوي''[3].
ويندرج المنهج اللغوي في إطار النقد الجديد [4]،الذي ظهر في أوروبا في أواخر القرن التاسع عشر و بداية القرن العشرين،و هذا النوع من النقد يأخذ مقولة '' ملارميه الشهــــيرة أن الشعر لا يكـتـب بالأفكار وإنما يكتب بالكلمات مأخذ الجد "[5] ، لدرجة أنهم وضعوها شعارا ومبدأ ثابتا في منهجهم. و قد ظهر هذا النقد في: روسيا و ألمانيا و فرنسا و إيطاليا...إلخ و غيرها من الدول الأوروبية، و تختلف أسسه المنهجية من منطقة إلى أخرى، إلا أنها تتفق على اتخاذ اللغة مبدأ رئيسا ينطلق منه الناقد و ينتهي عنده.
اللسانيات النصية دواعي التأسيس والأهمية - عمــران رشيـــد
لقد ظهرت اللسانيات النصية تجاوزا للدراسات اللسانية الجملية بمختلف توجهاتها (البنيوية، التوزيعية، والسلوكية، والوظيفية، التوليدية التحويلية..)، ولا يعني التجاوز هنا القطيعة العلمية بين تلك التوجهات واللسانيات النصية، وإنما تطور العلوم يفترض استفادة اللسانيات النصية من كل معطيات اللسانيات الجملية، وتجاوز قصور هذه الأخيرة من حيث أن الجملة لم تعد كافية لكل مسائل الوصف اللغوي من حيث الدلالة والتداول والسياق الثقافي العام، وكل ذلك له دور حاسم في التواصل اللغوي، وقد أخرجت لسانيات النصية علوم اللسان من «مأزق الدراسات البنيوية التركيبة التي عجزت في الربط بين مختلف أبعاد الظاهرة اللغوية»(1).وقد اتخذت اللسانيات النصية هدفا رئيسيا ترمي الوصول إليه؛ وهو الوصف والتحليل والدراسة اللغوية للأبنية النصية، وتحليل المظاهر المتنوعة لأشكال التواصل النصي(2).
ذلك أن النص ليس بناء لغويا فحسب وإنما يدخل ذلك البناء في سياق تفاعلي بين مخاطِب ومخاطَب، تفاعل لا يتم بجمل متراكم بعضها فوق بعض كيفما اتفق غير متماسكة ولا يربطها رابط، ولا تدرك النصوص بوصفها أفعال تواصل فردية بل بوصفها نتائج متجاوزة الافراد، ومن هذا المنطلق يجب أن يتخذ التحليل اللغوي النص مبتغاه النهائي في الدراسة، وهذا ما دعا إليه (فاينريش 1927م)، و(ب.هارتمان 1968م)(3).
ويُعَدّ الأمريكي (هاريس 1952م) أول من استخدم التحليل النصي الشامل من خلال دراسته الموسومة بـ(تحليل الخطاب Discours Analysis)، وه وبحث قيم بدأت معه بوادر الاهتمام بالنص، والنص وسياقه الاجتماعي، وقدم في بحثه أول تحليل منهجي لنصوص بعينها(4).
شهادة حول التجربة الشعرية لمحمد السرغيني - د. امحمد برغوت
بالأمس القريب، كان يتحلق حول طلعتك البهية طلبتك ومريدوك يا شيخنا الوقور مقدرين أياديك البيض التي فتحت لهم بها سراديب ودهاليز مجهولة كانوا يرومون خوض غمارها، فكنت المرشد الناصح والأستاذ الموجه والهادي المشير والراعي الأمين، وهاهم اليوم أنفسهم مزهوين بحفل تكريمك ليردوا لك بسيطا من الدين الذي طوقت به أعناقكم يا من عانق الفسحة سابحا في ملكوت البهاء، وتوله في عشقه بأرضه الفيحاء، مثوى العلماء والفقهاء والأدباء والأولياء والأصفياء.أجملت خبرات الحياة في دواوين أشعارك، وكحلت رموش لواحظك بنبل السهر لتحرق أسماءك وترتل غبطة الخضراء "من أعلى جبل قاف" وتمسك بشهوة" الكائن السبإي"، تخوض تراب الأرض وتعانق الكلمات الشاردة تطوف أوابدها لتخلق الدهشة، وتسافر من الألف إلى الياء لتحلق باللغة في آفاق رحبة وأنت المترع بحبك الصوفي للبلاد المنيعة.
آليت على نفسك إلا أن تتورط في قافية الحروف، تنذر عمرك لبقية العشق تطفىء جمر التوجع على حال هذا الوطن الذي آواك، تستصيخ السمع لصبر التراب ورسوخ الأشجار المباركة وهدير الأمواج المائجة، وتنخطف لنشوة الدهشة العالية، تطرق باب الرهبان والأنبياء والمبشرين بحلم البشرية.
فهل تكريمك اليوم هو تكريم للأستاذ المحنك،
أم- للشاعر المبدع،
أم- للناقد المتمرس،
أم- للباحث الأكاديمي،
أم- للمفكر المتأمل،
أم- للغوي الفذ
"كائنات من غبار" لهشام بن الشاوي:رواية البحث عن التجدد والحياة - محمد فاهي*
تقديم:صدرت رواية "كائنات من غبار" للكاتب المغربي هشام بن الشاوي، عن "مطابع الأنوار المغاربية"، وهي العمل الثالث للكاتب بعد مجموعتين قصصيتين: "روتانا سينما... وهلوسات أخرى"، و"بيت لا تفتح نوافذه". تبلغ صفحات الرواية حوالي مائة وعشرين صفحة، موزعة إلى عشرة فصول، وعلى ظهر الغلاف كلمة للكاتب المصري "منتصر القفاش"، تلخص مناخ الرواية، بعوالمه المتقاطعة بين عالم افتراضي، وعالم واقعي، يتناول تفاصيل من الحياة اليومية، ترصد حياة الشخوص في رغباتها وأحلامها وعذاباتها، كاشفة عن صور متعددة للمرأة.
العنوان والمتن الروائي:
يحيل العنوان، في المستوى الأول إلى هوية الشخوص، وهم عمّال بناء مرتبطون بالأرض والتراب والإسمنت والكدح. في المستوى الثاني، يحيل إلى فكرة الخلق، متناصًا مع علامات تراثية، دينية وأسطورية، كصورة التجدد والانبعاث. يتعزز هذا المنظور ببحث الشخوص عن فرص للحياة في تفاصيلها وبساطتها. يتمثل ذلك أساسًا في التعلق العاطفي والبوح، والبحث عن تحقيق الرغبات، بتحدي كل الحواجز والموانع. في هذا الإطار، يبدو عالم المرأة هو البوابة التي تنفتح على شساعة الحياة المأمولة، وهو عالم مليء بالأسرار، واعد بالمتع والدفء الوجداني والعاطفي، من خلاله تبحث الشخوص عن تحقيق ذواتها. لكن هذا العالم، من جهة أخرى، مهدد بالعذابات والمخاطرة واقتراف المحرم، وهو يتطلب معرفة خاصة بفك شفراته، ووعيه في سياقه الاجتماعي والإنساني. تبحث الشخوص في الرواية عن تجدد دائم، ومجابهة لما تتعرض له من إفقار عاطفي، وسط حياة الكدح والتهميش والرتابة، من خلال أحلام ورؤى وممارسات يومية تنفلت من رقابة الرسمي (يطلق العمال على بعضهم ألقابًا: بعية، كبالا، قبقب، عبيقة...). يخلقون متعًا يومية صغيرة: أغانٍ، مقالب، نكات، سهرات... وتكون المرأة هي المركز الجاذب، بجمالها، وإغراءاتها الجسدية، وأسرارها، وسخائها العاطفي.
الزمن النفسي وكرونولوجيا السرد:
سرعان ما يتبدد تتابع السرد في وضعيات أفقية، أهمها الاسترجاع. نلاحظ ذلك منذ بداية الرواية: "والحافلة تمخر عباب الإسفلت.. تنتبه إلى أن تلك الفتاة المحجبة تشبه امرأة سكنتك ذات شقاء.. كانت أجمل ما أبصرت عيناك يومها..."، ثم يستدير السرد للحديث عن امرأة أخرى، كان البطل يطاردها "بكل الضعف الإنساني الذي يختزله الحب اليائس. ص5". هنا يفتح السرد نافذة صغيرة على أحداث ومواقف مرتبطة بالسياق ذاته، وهي لا تستغرق إلا حيزًا صغيرًا. هذا الامتداد الأفقي الاسترجاعي، ينتهي إلى خلاصة وحكم، يكون سببًا لبعث تداعيات أخرى، على سبيل الاختبار والنقد :" لاتستغرب، حتى مشاعر النساء تتبخر، كتلك التي كتبت إليك في بداية غرقكما العاطفي... ص4".
نستنتج من هذه العينة من الشواهد أن السرد لا يجد سنده (الوجودي) إلا في هذا التداعي، وليس في تسلسل الأحداث، بالصيغة المألوفة. إن المقصود إذًا هو كينونة الشخصية/ البطل، وهو يبحث عن تأسيس وعي بالذات والآخر/ المرأة والمجتمع. يغدو السرد سيرورة للوعي، يشق طريقًا وعرًا، يقتضي اقتحام المسكوت عنه والمكبوت والطابو. إنه الدفع بمغامرة الوعي إلى حدود فضح الرغبات المحرمة، والكشف عن النزوات الإنسانية المتسترة تحت أقنعة الاتزان والاستقامة.. هكذا تصبح سطرية السرد وجهًا آخر لهذه الحياة المقنعة، يبرع السارد في الكشف عن مكامن هشاشتها "صديقك الكهل.. أوهمك بأنه بطل من أبطال الميلودراما الهندية... فكرت في ما يقال عنه، وهو يسلم راتبه الشهري لزوجته... ص4).
يبحث السرد إذًا عن سيولة الحياة، التي تغذيها الرغبات الإنسانية الخفية والظاهرة، وراء الصلابة الخادعة لقيم ومسلكيات الواجهة. هذه السيرورة الباطنية النفسية، هي أيضًا معارضة لمطلب فني، يتمثل في سيولة السرد الخطية، وكأن هذه الخاصية مهددة بالكبت ومجاراة الوجه الخادع المطمئن، وبما أن القدر الخطي هو قدر اللغة، يعمل السرد من حين لآخر على انتهاك "نبلها"، بلغة يومية دارجة دون تهذيب أو تجميل :"صرخ بعية في هياج: أححححااااحححح ص43/ وابااااغي اللحم م م م ص76/ راه كايبات يتشارجا في الليل ص38".
السرد بضمير المخاطب والغائب:
يستغرق السرد بضمير المخاطب الصفحات العشرين الأولى من الرواية. هذه الصيغة غير معتادة كثيرًا في سرد بنفس طويل. في هذا النص، يمكن اعتبارها استراتيجية مركبة: أولا : لردم الهوة بين الذات (السارد) والموضوع، على مستوى الزمان والمكان و(المعرفة). ثانيًا : إنتاج سرد محايث، ولا يتورط في ملابسات (السيرة الذاتية). ثالثًا : اعتبار هذه الشحنة الأولية رصيدًا مرجعيًا يملأ مسافة الغياب في السرد بضمير الغائب، الذي يبدأ عمليًا من الفصل الثالث. رابعًا: تعزيز لازمنية الرواية، بخلق بعد تراكمي. خامسًا: الذات من منظور نقدي، متعددة ومتناقضة، ولا تؤخذ كبُعد واحد.
الغياب والحضور:العالم الافتراضي والعالم الواقعي:
تنبش الرواية في مواقف وأحداث تكشف عن تدفق الرغبات، وكسرها للحواجز الأخلاقية و(الثقافية)، وهو اختيار سردي يندرج ضمن رؤية للإنسان، في تعدده وتناقضه، ومهمة الرواية هي التنبيه إلى هذه الأبعاد السيكولوجية المكبوتة والمسكوت عنها، لتحريرها ووعيها. نلمس ذلك في بعض لحظات الصراع بين الرغبة والعقل: " ودّ لو يعتذر عن كل ما دار في عقله الباطن/ تبًّا لهذا الجسد الذي يجرنا دومًا إلى الخطايا/ يهتف قلبك: ما أغرب الطبيعة الإنسانية/ تخيل نفسك مكان ابنها أيها الحيوان...".
هذا العالم "الغائب" أو "المغيب" من الرغبات الإنسانية، يفتح له السرد قنوات للتوصيل والإظهار، تمامًا مثلما يفتح البطل قنوات للتواصل، عبر الشات والهاتف، مع عشيقات في العالم الافتراضي. إن الذي يجمع بين العالمين، هو أن كليهما "غائب"، لكنه موجود، يتحكم في اختيارات الشخوص ومواقفهم.
التعدد اللغوي:
تتعدد لغات الرواية، وتتجاور لتعطي أبعادًا جديدة للمعنى، وهكذا تتعايش الفصحى والدارجة اليومية، ولغة الأمثال والنكتة، وألقاب الشخوص، وأسماء الأشياء وبعض الأفعال الخاصة بفئة البنائين، كل ذلك إلى جانب لغة الرسائل الالكترونية والشات ورسائل الهاتف.
وهذا الخطاب الالكتروني أخذ يغزو الرواية في السنوات الأخيرة، بخصائصه التواصلية، سواء كخطاب يتسم بالسرعة والاقتصاد، أو كعلاقات إنسانية تبحث عن حرارة المشاعر ودفء الأحاسيس، وحرية الكلام والبوح، مكملا أو معوضًا للعالم الواقعي.
خاتمة:
تدخل هذه الرواية ضمن المشروع السردي للكاتب المغربي هشام بن الشاوي، وهو مشروع يتميز بالتقاط تفاصيل حياة المهمشين، في طموحهم للعيش والحياة، كما يتميز بالكشف عن تناقضات الإنسان بين الظاهر والخفي الذي تحركه الرغبات، مما يشكل عوالم سرية، مكبوتة ومسكوت عنها، ويتواصل في هذه الرواية ذلك العمل على تكسير سطرية السرد، بفتح مساحات واسعة من البوح والتعبير عن المشاعر والأحاسيس الدفينة، حتى ليغدو التتابع، في كثير من الأحيان هو الاستثناء.
------------------------------------------------------------------------------
- "كائنات من غبار"، هشام بن الشاوي، مطابع الأنوار المغاربية/وجدة، ط.1، 2010.
* قاص وروائي مغربي
في التذوق الموسيقي - باسم محمد أحمد
إن جميع التحسينات التي أصابتها الموسيقا خلال تطورها لم يكن الدافع إليها إلا الرغبة في التقدم بهذا الفن، ومضاعفة المتعة منه. ولهذا فعلى المستمع عند وقوعه تحت تأثير الموسيقا أن يكون واسع الأفق ساعياً إلى اكتساب القدرة على الاستماع. فالموسيقا هي الحركة في الزمن، وتعتبر لغة النغم، وأية لغة لابد من أن يكون لها حروف هجائية وقواعد منطقية تساعد على استخدامها وفهمها، حروف الموسيقا الهجائية هي (دو-ري-مي-فا-صول-لا-سي) والكونترابونط Counterpointعلم بناء التآلفات المتعددة على أساس من الانسجام في لحن واحد- وما عدا ذلك من فروع هي بمثابة البديع والبيان.وأنغام الموسيقا هي عبارات لحنية لها من المعنى ما لكلمات اللغات المنطوقة أو المكتوبة من دلالات مع فارق أن فهم لغة الموسيقا من نصيب الوجدان ويؤكد هذا القول الفيلسوف شوبنهاور عندما قال (الموسيقى لغة الشعور والكلام لغة العقل). وهنا يأتي دور التذوق الموسيقي وما يحمل من معاني خفية تلعب دوراً بارزاً في نفسية وفكر وكيان المستمع والمتذوق للموسيقا، وماذا يخفي في مكنونه العميق من الثقافة والنفسية حتى الفكرية بالنسبة للإنسان، وهذا ما أردنا أن نسلط الضوء عليه في هذا الموضوع.
التذوق الموسيقي Musical Appreciation:
يمكن أن نعرف التذوق بصفة عامة بأنه إعطاء قيمة وتقدير للشيء، أما التذوق الموسيقي فإنه الحساسية للقيمة لجمالية الموسيقا. والإحساس الجمالي لا بد وأن يتضمن الاستمتاع والمعرفة.