الكاتب : محمد صالح مجيدالمدخل نظريّ
ما من نصّ أدبيّ -شعرا كان أم نثرا ،أو مابين هذا وذاك- إلّا وهو يُجاور آخر ويُحاوره ليتجاوزه.على هذا النحو فهمت عديد النظريات والبحوث الحديثة في النقد الأدبيّ تشكّل النصوص الأدبيّة وتضافرها، فخاضت في تلمّس إنتاجيّة النّصّ الأدبيّ[1].ولم يعد الاشتغال على "التناصّ" –اليوم-جدّة في القول أو خوضا في حقل غير موطوء.فمنذ أن تحدّث" باختين" عن تعدّد الأصوات(polyphonie) في النصّ الأدبيّ ،و عن "الحواريّة"( dialogisme) أمسى البحث فيما بين النصوص من تداخل وتجاور مندرجا في صلب كلّ عمليّة نقديّة تروم تفكيك البنى المعجميّة والخطابيّة المنتجة للأثر ،وترنو إلى تلمّس آليات تكوّنه حتّى استوى خطابا يستهدف متلقّيا. يقول "باختين"(bakhtine) إقرارا لبديهة "نِصف الأقوال على الأقلّ في الكلام اليوميّ الذي يتلفّظه كلّ إنسان يعيش في مجتمع، هي لغيره "[2]
ولم يعد استجلاء ما بين نصوص سابقة وأخرى لاحقة ناسخة من الرّوابط والعلائق ضربا من ضروب محاكمة الكاتب ، وتهجين مُنجَزه الإبداعي بشُبهة النّهل من السابقين أو السّير على منوالهم. فقد انتهى زمن كانت تُعقد فيه لنصوص ضُبطت متلبّسة بالأخذ و"السرقة" مُحاكمات انضافت إلى سيف الرقابة المسلّط على الكتاّب لتخنق المبدع ،وتلزمه بما لا يطيق.إذ كيف الفرار من صدى "القراءة" وقد ترسّخ تأثيرها وفعلها في ذات الكاتب حتّى أمست بعضا منه ،وموردا يرتاده للارتواء من "عطش" الكتابة؟
والحاصل من كلّ هذا أنّ بعض النقّاد العرب القدامى ،في تهجينهم للتّناص ،أيّا كان نوعه، وبحثهم في "سرقات" المتنبّي وغيره من الشعراء ،كانوا يصدرون عن نظام معرفيّ معياريّ.أمّا ما بنت عليه الناقدة والروائيّة الفرنسيّة ذات الأصول البلغاريّة"جوليا كريستيفا" (Julia kristiva)نظريتها النقديّة فينخرط في نظام معرفيّ وصفيّ يعتبر هذه الظاهرة أمرا حتميّا لا يمكن أن يسلم منه كاتب أو شاعر-وإن حرص- إذ أنّ كلّ نصّ-على حدّ قولها- هو بالضرورة "ينبني كفسيفساء من الاستشهادات,,إنّه امتصاص وتحويلtransformation لنصّ آخر"[3]

يستهل حسن مطلك روايته الماتعة "دابادا" بوصف الخريف،(وهو فصل الكآبة بامتياز، حيث يثير قدومه في النفس شجنا مجهولا، وخوفا مبهما من النهايات)، وهاجر /أم شاهين وهي تلملم الحطب، فتشتعل الذكرى الخريفية التي لا تخبو: ذكرى محمود، الزوج الذي ضاع في البراري بسبب أرنب مبقع، ويصافح القارئ حزنها غير المعلن عنه، الحزن على الابن المنعزل عن الناس، الأبله الذي لم يتجاوز الطفولة، وهو في سن السابعة والعشرين، ولا يمكن أن نغفل الدلالة العميقة لهذا الرقم المقدس دينيا.
إن الحديث عن الشاعر المبدع محمد السرغيني كما يقدم لك نفسه في آخر إصداره "وصايا ماموث" لم ينقرض"(1) هو حديث عن الذي طوع الحركة والإيقاع على ركح مسرح شعري أعاد الكرامة إلى العصور الجيولوجية التي كانت تحتفي بالديناصورات والخراتيت والماموثات.
تطيل اللغة عمرا من العالم الذي تقوم بتمثيله
لا مجال للحياة على الحياد ؛ أنت شاهد وقضيّة وطرف في صراع يتلوّن في كلّ حين بلونٍ صارخ . لم تعد هنالك مساحة للوقوف في مركز الدائرة ، وكلُّ واحدٍ منا يسير في حركة مضطربة وقلقة في فراغ الدائرة الّتي تتسع وتضيق في كلّ لحظة فنزداد قهراً وخوفاً ونزداد معرفة ووعياً بعبثيّة البقاء على الحياد .