تحققت في الآونة الأخيرة طفرة نوعية في منجز الشعر الزجلي الذي يعد جزءا هاما من تراثنا الشفاهي ، وذلك بتعدد الإصدارات والاحتفاء بالزجل والزجالين في ملتقيات إبداعية وندوات فكرية أعطت لهذا الإبداع الأنيق صورة جميلة واهتماما واسعا، لما يتركه هذا الفن من جميل الأثر في النفس، ولأنه كذلك كما يقول الشاعر محمد شلهوم (شفاف رقيق يدخل إلى القلب بيسر وسهولة ويتقبله السامع لحلاوة كلماته وشفافيته).وان كان المؤرخون يعودون بالزجل في أصوله الأولى إلى الأندلس فقد تلقفه المغاربة طازجا ووزنوه بموازين مغربية أصيلة ذات سحر خاص، جعلتهم الأولى والأجدر بتسلم هذا الإرث الشعري الشفاهي وحمل مشعل استمرار يته، واستنباته في تربة مغربية أصيلة مهرته بطابعها المتفرد الأصيل.نتوقف اليوم عند تجربة متميزة للشاعر عبد الرحيم بنبيكة من خلال إصداره الأول ديوانه ""الحيمر"".
لعل أول ما يلفت الانتباه لمنجز بنبيكة في ديوانه الزجلي ( الحيمر) -الصادر عن منشورات برنت -كونه جعل من اسم وصورة والده الحيمر ابن القائد بنبيكة عتبة لولوج الديوان وعنوانا له. صورة الوالد على الغلاف على حصان مطهم شامخ يتأبط بندقية الخيالة، بكل العنفوان والشهامة التي عرف بها أبطال ثورة العشرين من غشت 1953 وغيرهم من الأسلاف القدامى الأشاوس، الذين كانوا يعشقون رائحة البارود على تعبيره في الإهداء الذي تصدر الصفحة الأولى من الديوان حيث إليه وللوالدة التي لولاها لما خرج الى الوجود ( إلى روح والدي الذي كان يعشق رائحة البارود ) ومن خلال عتبة الديوان التي تعتبر مدخلا للمتن، او كما تسمى في علم العنونة الثريا التي تضيء سقف النص وتنير رحابه او النص الصغير والبسيط الذي يفضح نية النص الكبير والمركب ، فان الشاعر يفصح عن نيته في خوض غمار تجربة الزجل إلى جانب تجربته المتميزة في التشكيل، من على صهوة الزجل مسلحا بكل العدة والعتاد اللازمين لذلك، حتى وان كان بنبيكة يشتغل بعيدا عن الصخب الإعلامي فهو يشذب ويقوي ويطور تجربته في هذا المجال في دأب حثيث، ناهيك عن إسهاماته المتميزة في الساحة التشكيلية المغربية.
في يوم من الأيام كنت كعادتي اتجول في سوق القريعة بالدار البيضاء،أنتقل كالنحلة بين ردهات المكتبات التي تبيع الكتب البالية،وأنا أفتش في الرفوف المتراصة أثارني عنوان رواية "خبز وحشيش وسمك" للروائي المغربي عبد الرحيم لحبيبي،الصادرة عن إفريقيا الشرق.ٍرايتها تئن تحت ركام من الكتب التي أكلتها الأردة وأصبحت رائحتها تزكم النفوس،وقلت في نفسي لاشك أن هذه الرواية تبحث عن منقذ يخرجها من داخل هذه الوراقة، وينقلها من عتمة الظلام إلى واضحة النهار لتأخذ حقها من الدراسة.
كعادتي دوماً حال انتهائي من قراءة بعض الروايات الفلسطينية التي تستثيرني أحداثها وأفكارها، فإنني أسعى جاهداً للكتابة حول الراوية المقروءة. وأذكر أني كنت قد كتبت سابقاً قراءة نقدية حول رواية (عين سفينة) للروائي الفلسطيني خضر محجز وكانت قراءتي قاسية جداً بالنسبة لمؤلفها، لأنني عملت على سبر أغوار ما كان يرمز له في جوف روايته تلك. وأذكر يومها أيضاً بأن جريدة الحياة الجديدة رفضت أن تنشر القراءة، الأمر الذي دفع بالدكتور خضر محجز نفسه لأن يطلب من الجريدة أن تنشر النقد دون وجود أي معارضة من جانبه، فهي في النهاية مجرد قراءة نصية.
إن سجل القيم واسع شاسع. وعندما ينتقي المؤلف الروائي من ذلك السجل ما يعتقد أنه يتناسب وشخصيته أو أحداثه الروائية، يمهد بذلك الطريق للناقد الروائي كي يسأل إن أفلح المؤلف في ذلك وقدم ما يكفي من العلل لتبرير ذلك الاستعمال الأدبي.
ليس من عادتي الرد على أي انتقاد يوجه لروايتي "السيدة من تل ابيب" التي كانت على القائمة القصيرة لجائزة بوكر العالمية للرواية العربية في دورتها الثالثة 2010، ولا أسمح لنفسي بذلك أساسا. لكن حين يتجاوز النقد أبطال روايتي، إلى المس بشخصي، وينزلق إلى التشهير بي، اعتمادا على أكاذيب، وتلفيق تهم وتزوير للنص الأدبي، وتقويل شخصياتي ما لم تقله، واتهامي بمواقف غير وطنية، في عملية تحريض علني مثيرة للاستغراب، فلن أكتفي بالرد الذي أورده هنا، مؤكدا على حقي المكفول بالرد على مقال السيد يسري الغول، المعنون "بين كتاب في جريدة وبوكر الرواية العربية"، وإنما سأحتفظ بحقوقي القانونية، إذا ما تبين لي، بعد الاستشارة، أن ما ساقه الغول من الفاظ واتهامات وتحريض يقع في إطار الذم والتشهير والنيل من السمعة الشخصية من دون حق أو سند.
يتميز التفكيك عن النقد. فالنقد يعمل دوما وفق ما سيتخذه من قرارات فيما بعد، أو هو يعمل عن طريق محاكمة. أما التفكيك فلا يعتبر أن سلطة المحاكمة أو التقويم النقدي هي أعلى سلطة.إن التفكيك هو أيضا تفكيك للنقد. وهذا لا يعني أننا نحط من قيمة كل نقد أو كل نزعة نقدية . لكن يكفي أن نتذكر ما عنته سلطة النقد عبر التاريخ"