أنفاسالصورة الأولى: كاريكتير
المدرسة حجارة في مقلاع عون خمول، جالس بمنامته المتسخة على كرسي يتصفح جريدة مقلوبة .المعلمون تحت ظل سقيفة متداعية في حالة شرود .والمدير برشاقة وسط الساحة ينظم الصفوف .
 الصورة الثانية: في  حضرة الشباك الأوتوماتيكي
يغالب رغباته ـ يصارع أحلامه ـيمني نفسه وهو ينتظر راتبه ..في اليوم الموعود نهض باكرا لأخذ مكانه في طابور الشباك اللعين ، وقد اغتالت الديون والقروض أحلامه ، ينتظر لساعات يزجي وقته باقتيات حسراته ودخان سجائره الرديئة، وبالمشدات الصاخبة مع غيره لأتفه الأسباب .
الصورة الثالثة:سيد النمل 
 وهم يمشون منكسي الرؤوس المثقلة بالهموم كل صباح ، يتحاشون ركوب الحافلات والناقلات ، كاظمين حسراتهم ، ونظراتهم اتجاه كل ملذات الحياة ،  قابضين على دراهمهم  المعدودة بقوة . كان رب المصنع يفتل شاربه  و هو يتفرسهم داخلون  تباعا نحو خليته ، لما أغلق عليهم الأبواب ، عاد بمنامته  لينام . في المساء  حمل عسلهم  ورحل لإيداعه في مستودعاته  معلنا  عن بداية يومه الجديد .

أنفاسما حدث هو أن حجيبة المحمودي اختفت ..
فيما بعد سيأتي فريق للشرطة القضائية, مكون من ضابط وحارس أمن , وسيطرحان الأسئلة المعتادة في حالات الإختفاء , باللامبالاة نفسها التي يسقط بها المطر :
من تكون حجيبة المحمودي هذه؟
لماذا اختفت؟
وأين؟
يعدان باستكمال البحث فيا بعد, ويعودان الى المفوضية.
من:
امرأة متوسطة الجمال..لها خال على الخد الأيمن ونظرة ظل بريقها يخبو مع توالي السنين ..كلما حل شهر مارس, تسمع عن يوم عالمي للمرأة , ثم لا تسمع بعد ذلك سوى أفعال أمر ونهي : " صبني, فرشي, طيبي , آجي سيري , ما تمشيش, ما تعيقيش, اسكتي, كلي ماتاكليش.."
وفي يوم أحد..
أحد عادي جدا..طلعت فيه الشمس من مشرقها ونقلت نشرات الأخبار الصور المعتادة عن الحروب وبذاءات الساسة والإحتباس الحراري, نادى أحد الأولاد:

أنفاسفي البدء كان هدوء ، ليس كأي هدوء ، إنما هو هدوء يشبه الفناء . و الشمس في عليائها متوهجة مشعشعة ملهبة أقاصي الفضاء ،  تصب جحيمها على أجساد بشرية حية أنهكتها الدنيا  لتشويها بهدوء وتسلقها . والطقس  خماسيني مغبَّر . والرئة تبذل قصارى جهدها لانتزاع نصيبها من هواء الأرض الساخن . الرطوبة خانقة مالحة وللنفَّس كاتمة . وسط هذا كله وصلت سيارة الإسعاف ، كنت اسمع صفيرها يوِّن من بعيد .. نعم من بعيد .
في قاع سيارة الإسعاف جسم ممدود ، هو جسد نسائي يتقلص و يتلوى ، والبطن منفوخ كقبة المسجد بجنين ينتظر الخروج إلى دنيانا.. هي لحظات الطلق . المرأة تصرخ بشدة ، و بشدة تتأوه متألمة و تئن . و الجندي الإسرائيلي على الحاجز يبتسم بهناء بعدما لوَّح بيده إيماءة إغلاق الحاجز.. تتابع وصول أرتال السيارات لتحيط بسيارة الإسعاف من اليمين واليسار والوراء حتى ازدحم بها المكان و ضاق ، كأن القيامة قامت وبعثت السيارات من القبور .
 تمر الدقائق وتتحول إلى ساعات مؤلمة و يزداد الصراخ علوا ، هي لا تصرخ فقط بحنجرتها ، إنما قلبها يصرخ و كبدها ، و الجنين يصرخ ، صرخات وراء صرخات حتى غرقت الدنيا في عباب من صراخ .
في البداية كانت تصرخ : آه .. ثم : أخ .. ثم : أي .. ثم : آخ .. ثم : وي . ثم صرخة قوية مزلزلة ابتلعت كل الصرخات و الأصوات المحيطة ، هي صرخة جريحة طويلة ممطوطة و مذيلة بآهة خشنة كمواء قطة كسر عمودها الفقري للتو ، أو كأن شفرة سيف تقطع أوصالها ..

أنفاسكالأمل نهض الأب العتيد، من عفن مزيج برائحة كبريتية بالغة الثقل، وساوى خصلات صلعته المتصعلكة في فضاءات ضائعة من يوم اغبر، غامض كبقية أيامه التي مضت دون مستقبل سيستحق الفخر.. متمنيا إبدال حرف (ص)* إلى حرف (هـ)،* ومتنفسا بكل مساحة صدره الذي كان يخشخش مثل كيس مثقوب، و كأنه يشخب مذبوحاً بفوضى كل حروف الموسيقى المعزوفة في وقت واحد. نهض من فوق الركن البارد في الغرفة الوحيدة الرطبة المزدحمة بروث أولاده الغرّ الميامين، فأول مرة كان يشعر أن يودع فراشاً امتص منه أطنانا من العرق في الاصياف المتخاذلة، و لم يصدق بأنه فارق ذلك العفن وبقي متيقنا إلى الأبد بأنه تخلى عن ظله الذي تراكم في نقطة قطرها اقل من الصفر، وانه خلف فيها أطنانا من الأحلام المقموعة بألف حاجز، و قليلا من رائحة (يوريا) السجن الانفرادي التي تعود عليها انفه بديلة رائحة الشبوي الليلي التي كلما كان أيام زمان يشمها في طرقات بلده وأهليه.. يتذكر امرأة غاصت ملامحها من البعد السحيق قد ضاعت كالأمل الذي كان يملؤه.. يتذكر كالومض الخاطف الأشياء التي جعلته حياً، صورة، تلو صورة، كما يتهيأ المحتضر للموت، فأول مرة عاوده إحساسه بأنه قد ظلم جوقة حشرات طيبة كانت تعيش بفضل نومه الطويل، ذلك الظلم الذي يفكر فيه سيستدرجه إلى تغير في قراراته المستقبلية، فعهد الظلمة الدبقة في كل الأرجاء، بدأت تذوب كالجليد بعد أن كانت تغلف الألوان المفتوحة بالحزن المغلق، ولكن الزعيق الهستيري المتواصل إلى أذنيه هديرا، بقي يدور في الذهن كالزلزال، لم يكن إلا انعكاسا واضحاً لنقص في الطعام، والاوكسجين.. الجوع الذي حجر معدته الخاوية قد جعله يعرف الطبيعة البشرية، التي تنفجر من أي تصرف، وربما تؤدي الى كوارث ليست في الحسبان..

أنفاسطردوني ...
هكذا دون أن أفعل لهم شيئاً، ودون أن أؤذي أيّاً منهم. طردوني وقد كنت واقفاً بينهم كجدار آيل للسقوط. وقفت أنظر إلى تلك الحفلة التي ضجت بالمهنئين، بعضهم يرقص، وبعضهم يغني، وأنا كما أنا، أتراوح بين الظل والنور، أعبث ببعض الحجارة بين قدميّ، أعبث ببقايا قطعة خبز في فمي. مللت الوقوف جانباً، فحاولت الخروج عن صمتي، نظرت نحو هاوية الموت، حيث شبان المخيم كله، يرقصون حتى الثمالة، حتى الموت، ورقصت، كلبيب أدرك الجنون أخيراً، رقصت حتى شعرت بالجفاف، بكيت وأنا أرقص، تطايرت دموعي مطراً مولعاً في الانفراج، وفجأة، جاءني أحدهم، طويل القامة، سامقٌ، ذو أنف مدبب، أمسك بتلابيبي وألقاني كورقة بالية في مستنقع للقمامة، وكحاوية كبيرة أحتضن المكان، حاذيت جدران المخيم المتصدعة، هربت من عينيه، ووقفت أنظر مرة أخرى إليهم، يتهافتون كأغصان تتراقص طرباً بمقدم الربيع، وقفت جانباً وأنا ألوك نفسي غيبةً، أهتف في نفسي:
-    لماذا أنا؟!
أصمت، صمتاً مدقعاً كجبال لم تبرح أماكنها...
-    لماذا أنا؟!
أقسم بأني آخر العقلاء في هذا الزمن المريب، وبأنهم أدنى مني جميعاً، أقسم بأنني لا أعرف شيئاً من سوءاتهم، ولا أفكر بها، أنا لا أعرف شيئاً عن حكاياتهم الحمقاء، لكنني .. لكنني - ودموعي تتناثر رغماً عني - أعرف بأني قبيح الخلقة وذميمها، نعتوني بالأبرص، ذي العين الواحدة، نعتوني بصاحب أسنان القرد، واحتملت إساءتهم لي، لم أشأ أن أضرب أيّاً منهم، بعيني الواحدة أرى الكون كله قبيحاً، أقبح من هيئتي تلك.

أنفاسبيتها مقابل بيته في نفس العمارة . أمام العمارة مساحة واسعة متربة  ، صحيح انه ساكن جديد  إلا أنهما أصبحا صديقين من أول لحظة التقيا فيها ، كأنها صداقة من زمن بعيد . تملكتني الدهشة حين طلبا مني أن انقل لهما حجرين كبيرين من مسافة ليست بعيدة كي يجلسا عليهما بجانب بعضهما متلاصقين .. و قالا لي بفرح غامر : شكرا  يا عمو .
توهج وجهه بابتسامة عريضة حين قال لها : يلا نلعب عروسة وعريس .
قالت ضاحكة : يلا .. فأسرعا و جلسا على الحجرين متلاصقين .
- إنتي بدكيش تلبسي الطرحة .
- لا . بديش البسها ، لأني أنا العريس ..إنته البس الطرحة .. إنته العروسه
- مينفعش .. أنا ولد .. إنتي بنت .. إنتي العروسة ولازم تلبسيها .
- يا سلام !.. يعني كل مرة بنلعب إنته بتكون العريس .. هادي المرة أنا العريس .
- هادي بياخة منك .. إنتي بدك تخربي اللعبة زي كل مرة .
شدت الطرحة - قطعة قماش- عن الأرض بعصبية و زعقت متجهمة : طيب أنا بديش العب .
حاول إقناعها قائلا لها بحماسة : عمرك شفتي عريس شعرة طويل زي شعرك و كمان لابس فستان زي فستانك . فردت عليه بعصبية : إنته عمرك شفت عريس بعرفش يعد للعشرة بالانجليزي ، و ينتش الشوكلاتة من العروسة و يضربها ، أنا بعرف اعد للعشرة .

أنفاس عدت من العمل متعبا . انتبهت إلى ما يشبه الجرس ، يرن في داخل رأسي . قلت أنا في حاجة إلى حمام ساخن . لم أتردد في النهوض و غسل أطرافي الجسدية . رأسي لا يزال كما هو .. فكرت في كتابة  قصيدة من أجل النشر ."المتكلبون في مدينة القمر". قلت العنوان جميل ، غير أنه غير قوي كما أريده .ما أكثر الذين غيروا أفكارهم و سلوكياتهم و قيمهم من أجل أحلام ...أحلام اللحظة لأشخاص فرادى ، يقودون سفينة المجتمع بأكمله إلى الهاوية ..حتى و إن ظلوا محافظين على وجوههم و جلودهم الآدمية . فهم تكلبوا لكن بطريقتهم الخاصة ..أي بأسلوب عصري جذاب ..جلست إلى مكتبي .بعد تحضير فنجان قهوة سوداء.شرعت في كتابة القصيدة قبل أن تطير من ذهني ...
كتبت : تشربني الحروف سائلا أحمرا
و لن  تسرقني
رياح مدينة القمر ،
التراب وطني
و الوطن كلمة يسكنها الغراب ..
و الوهن غذاب ..إن لم يركب موج البحر
و يدفئ الكوخ بشعلة صرخة
من جوف طفل
تسقط أقنعة القمر...

أنفاس هذا الكرسي مفروش برصيف أسمنتي .هو كرسي ليس كجميع الكراسي .فكرت أكثر من مرة ، في غفلة النادل ، أن أكسر ما تبقى من شكله المهترئ ، لكن سيبدو ذلك عملا جنونيا .في الحقيقة هو يثير الرأفة ،أكثر مما يثير  أي شيء آخر .لكن ، ما الذي يجعل كل من دخل إلى المقهى يسأل و يبحث ، بكل جدية و غير جدية ، عن الكرسي الأعرج ...، و هو الاسم الذي عرف به عند الزبناء .فأنا لست أدري لماذا يتشبت هؤلاء به كل هذا التشبت ، رغم عيوبه الواضحة و البارزة حتى للعميان . إن هذا هو ما يستفزني أكثر في الموضوع .
كرسي يجوز أن نسميه كل شيء غير الكرسي .أحسن مكان يليق به هو إحدى المتاحف العريقة في البلاد .حقا ، فهو يحتمل أجساد الجالسين عليه . هذه ميزة تحسب له . لكن المهم ليس هو الجلوس ، و إنما الراحة في الجلوس ،و يبدو أن كل من جلس عليه يتمنى أن لا ينفصل عنه ، بل يزداد جسمه التصاقا ..إن لم أقل امتدادا ، إلى درجة الذوبان فيه ..مع العلم ، أنه مجرد كرسي أقل من عادي ، جد قديم ، يعود تاريخه إلى أكثر من المدة ، التي عشتها في هذه المدينة الصغيرة و المهمشة . كرسي سبق لي أن دققت نظري في شكله الذي يغري ، إلا أن رجله الرابعة تبدو لي اصطناعية ، و أصغر من الأرجل الأخرى . بالفعل ، حين تنعكس عليه أشعة الشمس الصباحية ، تلمع جنباته ، و تكون "ظهريته" المملوءة بالأرقام الهاتفية ، أكثر دفئا و انجدابا للزبناء .لهذا كثيرا ما طرحت على نفسي سؤال السر، الذي يدفع كل من جاء إلى هذا المقهى يقصد، بشكل غريب و مباشر، الكرسي الأعرج  .هل الأمر يعود إلى لونه الأبيض ، الذي يوحي بأجواء السلم و السلام ، المنقوشة في دواخل المواطنين ..؟ أم الأمرلا يعدو أن يكون مجرد صدفة ، كوجود المستوصف بالقرب من هذا المقهى .