أتجول باحثا بين دروب أسئلة نصوص المدينة ، المغسولة الوجه ، بشيء من ماء الزهر المفقود و طلعة الملح القادم . إليك تشدني الفراشات البيضاء ، و المشاكسة في فراغات المعنى المحتمل و العميق عموديا أقرأها زائرا و مسائلا ..و رافضا لصورة جدل ، يدخن سجارة في مقهى عقيم . أخترق تفاصيل الحروف المرفوعة الرأس ، و الأخرى المنقسمة الأطراف . يصيبني شيب اللفظ حينا بحجارة الدلالة المبتورة العين .فأقول لابأس ..، فلتكن بداية هذه السفرة ، عثرة قدم تشعل الضوء في طريقي إلى الأمام .و حينا آخر ، أجدني واجما ، تعتريني نار الدهشى القصوى .
و عبر احتراق الدخول السهل ، إلى تلوينات متعة حرف ، يسائل و لا يشكو لسلطان قبيلة الرقمي الفياضة ..، و بمعية سواعد الأشجار الطالعة ، تحت هذي التكوينات الجارية ، أطرح سؤال البحر الحزين .. و المنتشر غريبا ، بين عطش المد .. ، و رمل الجزر العليل .
هي ريشة حمراء ، أزرع بها أجمل الأسئلة الفاضحة ، في تربة تدير أكبر مقاولة لبناء الأقنعة ، و ربطات الأعناق الطويلة ، في مدينتي .. تربة شقراء و أنيقة .. ، احتلها القمر الهرم منذ كنت طفلا ، تستهويه اليوم أرجوحة الأجداد ، المشدودين بعمود رمال مخيمة حبلى بالمزيد من الجراح ..
منذ زمان لم أحكِ او أكتبْ شيئاً ذا بالٍ عن هذا اللامع في عتمةٍ وسط الضلوع كشمعةٍ بِعِدَّةِ ذُبالات .
كـان يـمـسـك رأسـه بـيـن كـفـيـه ويـسـائـل نـفـسـه عـن سـبـب هـذه الـمـحـنـة الـتـي تـمـر بـه وكـأنـهـا عـاصـفـة هـوجـاء ، كـان مـن حـيـن إلـى حـيـن يـرفـع صـوتـه بـشـكـل مـفـاجـئ " تـفـو" يـصـاحـب صـوتـه ضـرب شـديـد عـلى الـطـاولـة الـمـوضـوعـة أمـامـه فـي الـمـقـهـى . لـقـد سـبـق لأصـدقـائـه الـمـقـربـيـن أن نـبـهـوه إلـى ضـرورة الـتـوقـف عـن هـذه الـحـمـاقـات خـاصـة وأنـه لـم يـعـد صـغـيـرا كـمـا أن الـفـتـاة الـتـي بـدأ يـلاحـقـهـا هـنـا وهـنـاك تـصـغـره بـأكـثـر مـن ثـلاثـيـن عـامـا ، هـي ابـنـة الـثـمـانـيـة عـشـر ربـيـعـا أمـا هـو فـقـد تجـاوز الـخـمـسـيـن مـنـذ فـتـرة لا بـأس بـهـا . إن أكـثــر مـا كـان يـؤلـمـه ويـحـز فـي نـفـسـه هـو هـذا الـتـغـيـر الـمـفـاجـئ فـي شـخـصـيـتـه وفـكـره ، خـاصـة وهـو الـشـخـص الـذي تـعـود أن يـأخـذ كـل أمـوره مـأخـذا جـادا عـقـلانـيـا ، مـحـلـلا ومـقـايـسـا ومـوازنـا . لـم يـكـن للـعـاطـفـة حـيـز يـذكـر فـي قـراراتـه وتـصـرفـاتـه ، بـل يـمـكـن الـقـول بـأن الأمـور الـعـاطـفـيـة لـم تـكـن ضـمـن بـرامـجـه بـلـه أن تـكـون مـن ضـمـن أولـويـاتـه . الـعـقـل ـ ولا شـيء غـيـر الـعـقـل ـ كـان سـيـد مـواقـفـه وتـصـرفـاتـه ، وحـركـاتـه وسـكـنـاتـه . لـكـنـه هـذه الـمـرة أحـس بـأنـه لـم يـعـد يـمـلك إرادتـه كـمـا لـم يـعـد يـتـحـكـم فـي خـيـاراتـه . كـانـت الأحـاسـيـس تـقـذف بـه مـن لـجـة إلـى أخـرى مـنـذ أن لـمـح تـلك الـفـتـاة الـغـضـة الـطـريـة ... اللـيـنـة الـمـلـيـئـة بـالـحـيـاة .
اشتدت غزارة المطر ، فأخذت السماء تنقر زجاج السيارة نقرات متواصلة وسريعة ، محدثة صوت خشخشة أشبه بصوت قضم الخبز المقرمش .. المسّاحات تجاهد كي تتيح لعيوننا الرؤية عبر الزجاج المبلول ، وبخار صدورنا المبثوث عبر أنوفنا وأفواهنا يتكاثف على زجاج النوافذ كالغبار ، ليحاصر نظراتنا ، وهيهات لها من النفاذ إلى الأفق في هذا الضباب الثقيل المنثور .
أفندم…
كان البحر يرتمي تحت قدميّ موجة، موجة. و بين كل واحدة وأخرى، يتراجع. تركت ملح الماء يتسرب إليّ من حذائي الخفيف، شيئا فشيئا. كأنه يتذوقني. كل موجة تستبيح قطعة جديدة من جسدي.. استيقظت باكرا ذلك اليوم. انتقلت بخفة من سريري إلى يوم جديد. انتقلت بخفة من ساعة إلى أخرى. تعلقت بالأمل طوال اليوم. كيف وصلت إلى هذا الشاطئ؟ كيف انتقلت من النقيض إلى النقيض؟
القاعة فارغة، الكراسي مصطفة دون أن يجلس عليها أحد..بالركن منبر مستطيل وضعت عليه ميكروفونات تستعد لنقل أصوات المحاضرين..وبالجدار لافتات تعلن عن ندوة حول الكتابة الرقمية..المستقبلون بباب القاعة ينتظرون استقبال من يأتي..لحظات تمر دون أن يظهر أحد..لكن بعد فترة يظهر بعض الحضور، يليهم آخرون على فترات متفرقة.
بيضاءُ, بيضاءٌ كالثلج, بليغةٌ الأنوثة, ضامرةٌ الخصر، هيفاءٌ القدّ، ذاتُ عينين واسعتين، ونجلاوان بحدّة عالية، تشعان بلمعة ذكية كعيني قطة كأنهما تنيران أية ظلمة. يصعد الدم إلى وجهي كلما كانت تقترب مني.. يفور في ذلك الذي أجهله, يضغطني فلا أحتمل, فأقترب منها أيضاً، مقاوماً كل ما يخيفني، فقد أشاعوا يومها بان احد مسئولي الدولة الكبار آنذاك، كانت علاقته بأمها جد وطيدة، وقد عين من بين الطلبة لمتابعتها، وكنت دائما أتحاشى الاقتراب منها، ليس لأني ممتلئ من قصص الرعب التي سمعتها، عن ذلك المسؤول الذي وصفوه بأخطر الإمراض السايكوباثية، وكنا نعرف بان يغار عليها كما يغار على أمها، وصرنا نهابها أكثر مما نهابه، كنت أرى بان الاقتراب منها بأي شكل من الإشكال يتركب عليه عواقب وخيمة لا يمكن تفاديها، فكنت دائما اهرب منها، أو التقرب منها رغم أن ترتيب اسمها الأبجدي يجعلها دائما بجانبي، كنت أرى فيها أنوثة طاغية، وأحاول عدم مسّ أصابعها كلما اشتركنا في تمرين (المختبر)، تتعمد الدنوّ فوق رأسي، وتسقط زفيرها في رقبتي، لانتفض ارتجافاً، أراها تتعمد أن تلامسني، فأخاف من احتكاك حلمتيها الجريئتين، وغالبا ما استرق النظر إلى فتحة قميصها خافيا شبقا دفينا بين عينين مفتوحتين خجولتين، فأجن.. إذ غالبا ما تسرحان جريا في هضاب مفرقها المرمري الذي تتيه فيه أذكى العيون..