
تركت الجدران الدافئة إلي الشارع المتسع. تبدأ البرودة تتهابط فوق أسفلته ، تمسح مقدمة رأسي العارية. ليتني أجد الباص العام سريعاً. تسربوا من الدار واحداً بعد الآخر… لم أعد وافداً جديداً، وفقدت غطاء مجاملاتهم. لم أسع إلي منافسة، ولكن بعضهم استشعر في مجيئي خطراً علي وجوده، فشحذ أظافره. مضوا في سياراتهم. عرضت مقابلاً للتوصيل… لعله لم يكن مغرياً. أنهي "ماجد" حديثي عن الغربة في قسوة واضحة: " دعك من التخاذل… افتح على آخر سرعة، واترك العداد يعمل… لماذا أتينا إلي هنا، إذن؟! ". كان يترك مكتبه بالطابق الأعلى ويمر عليًّ، يمازحني، وقد يجالسني، نشرب الشاي، إذا لم يكن صاحب الدار موجوداً. فجأة، لم أعد أراه، وأصبح يرد عليَّ بكلمات قليلة، عندما أرفع السمَّاعة لأجيبه، في الصباح أو المساء. لعله خاف أن تخترق عدوى الغربة درعه الواقية.
هل سيطول انتظاري، والهواء البارد يضغط علي رأسي ووجهي؟.
لماذا وافقت علي هذا المسكن البعيد؟.