..أخذت كلاب القبيلة تعوي ..و تعوي ..قلت الكلاب تنبح ..فلم هذه ..تعوي ..؟و بالرغم من اللون القمري ، الذي يطغى على هذه الليلة ، فإني أكاد أقول أنني لا أرى قمرا .كما أنني أسمع عواء الكلاب القريب مني ، لكن لا أرى كلابا ، و قد تكون ذئابا ..و قد تكون هي تراني .. و "تنمنم" و "تنقنق"حول ظلال وجودي ، خلف سياج هذه الغابة الكثيفة ، دون أن تفهم ما أنوي القيام به ، و لا لماذا أنا هنا ..فقط لأنها كلاب ربما مسنة ، تسمع ..دون أن ترى ، وقد ترى ..دون أن تفهم .قلت ..تشجع يا سالم ، فالغابة لن تكون أكثر من غابة أشجار، و سواقي مياه ،جبلت على طاعة صخور صلبة ، يعود تاريخها إلى زمن غابر و قديم ..
عندما قطفت أول ثمرة قريبة من ذراعي الأيسر ، تعالى عواء كلاب القبيلة ، التي باتت أقرب مما يتصور .لم أشعر بالخوف بتاتا .بل أحسست بقوة لا حد لها ، تسري في كيان جسدي و روحي ، لا أدري ما هو مصدرها ، و لا كيف ولا من أين جاءتني .اخترقت الأشجار بتحد كبير ..أشجار كثيفة و ضخمة و عالية جدا ، لم يحصل أن شاهدت مثلها من قبل .كنت بين الفينة و الأخرى ، أردد لحنا عفويا ، أرتجله بلا أي تفكير مسبق ، أكسر به رتابة هدوء المكان ، الذي يكاد يلمس ..عواء الكلاب دائما يطاردني ، أو أطارده ، لست أدري ...،.إنه الآن آخذ في الارتفاع ، كلما تقدمت خطواتي.الأشباح فكر خرافي يجب أن يقبر إلى الأبد .
كانت أشعة الشمس ترتق آخر ثقب في الأفق,وكان لامتزاج اللون هناك,في تلك العين الحمئة,أثر السحر...
تلك الأسطورة البكر ، التي انقدّ الكون من أضلاعها ، ومن ركبتها كانت السلالات ، بهية الروح هي ، وفاتنة قسماتها ، حميمة لدرجة أن من يحتضنه آجرّها ينسى كينونته ، وحواسه لا تعد تدرك سوى صنعاء ، دفؤها خلاص الرجفات ، والابتراد بنسائمها شفاء من كل داء ، بلغت من الفرادة بحيث لا تتكرر ، ومن التميز حتى استعصت على كلّ استنساخ ، ومن التسامي أن تعالت على البحر ، وها هو يستجديها – على الآماد- سرّ خلودها ، من حُمرتها الآسرة كان الأصيل ، وبفجرها فضض سام بن نوح نهضة العالمين بعد الطوفان ، إنها ( أزال ) كما نقلت التوراة ، و( المحصنة ) كما ترجمتها لغة الأحباش ، ليس أجمل منها سواها ..
(1)
دموعي امطار كانون الأول
على يدي الممدودة، حطت قطرة مطر حملتها الريح إلي.. إذا أمطرت بالفعل، سيكون عليّ أن أغادر مكاني هذا.. فركت القطرة كحبة عطر بين أصابعي وشممتها، لكني لم أشم غير رائحة التراب ممزوجة برائحتي.. نظرت إلى البعيد، أتطلع إلى المارين، أستكشفهم.. فرأيته قادما، بدا مألوفا.. الروبيو¹؟ والدتي كانت تناديه هكذا، فكان ينزعج بينما تقول له:
...دخلت "زهرة"مرحة كعادتها لإعداديتها الصغيرة المتواجدة في أطراف القرية.تجر لعب الطفولة و حب الحياة وراءها . تكسو جسدها الصغير بأجمل الثياب (فهي آخر العنقود في البيت و الكل يحبها و يدللها) . تلفت أنظار أهالي القرية النائمين وسط كوم من التقاليد و الممنوعات . قالوا عنها يوما : "اتركوها حتى تكبر,إنها ما تزال طفلة" .
أبحث عن ذئب