بعد شتاء قارس البرد سقطت فيه ثلوج كثيفة غطت الجبال والوديان والسهول والهضاب بلباس أبيض ناصع البياض قدم صباح نهار يوم ربيعي جميل . أشرفت الشمس في هذا اليوم على غابة سبل من فوق الجبال الشامخة العالية ، وأرسلت أشعتها الذهبية البراقة لتزيل البرد وبقايا الثلوج ، وتنشر الدفء في أحشاء كل حي يعيش في هذه الغابة الجميلة من مخلوقات الله التي لا تعد ولا تحصى . ونهضت هذه المخلوقات لتقابل هذا النهار الجميل ، وتستمتع بكل بهجة وسرور بنعم الله الكثيرة ما شاء الله لها أن تستمتع بذلك . خرجت الصديقات الأربع من بيوتهن منذ الصباح الباكر كعادتهن التي مارسنها منذ عهد بعيد . وما خرجن إذ خرجن إلا ليجمعن ثمارا وفيرة في هذه الغابة التي سكنّاها منذ فترة ليست بالقصيرة ، ويلتهين ما يلتهين بالتجوال واللعب ، ويمرحن ما يمرحن بالرقص والغناء ، ويثرثرن ما يثرثرن وهن يعملن معا ما شاء الله لهن بذلك . وما أن مشين مسافة قصيرة إلا ولفت أنظارهن شيء جديد حصل على مقربة من بيوتهن . لقد استجدّ مرتفع غريب غير متناسق الأطراف ، طال بما يسد أنظارهن من رؤية أطراف الغابة المتناثرة . فوقفن مندهشات مستغربات من أول وهلة ثم خائفات وجلات بعد ذلك ، فمدققات متسائلات بعضهن البعض بنظراتهن الغريبة المومئة : ما هذا الشيء الغريب الذي نراه الساعة والذي لا عهد لنا به ؟ وفي تلك اللحظة كان كل شيء ساكنا خامدا هامدا إلا من نسيم عليل يداعب أوراق الأشجار الغضة الخضرة ولا يكاد يحركها قيد أنملة .
إنّ السّواد المُطْبِقْ على ساعاتنا يُطمئننا بضرورة انعكاسٍ واضحٍ للقمرْ ....
يا الصابرونَ على الـهمِّ ، ضاقَت عِندَ العُمر أُمنِياتـي ، و ذَاقَت نَفسي وَجَعَ الفَجائِعِ ..
كان يجلس على كرسي بلاستيكي أمام محل بقال الحي ، تمر الفتاة الصغيرة أمامه لتشتري بعض الأغراض ، يتأملها محدقا وعقله مشغول تتقاذفه الأفكار كيف تشاء ، تساءل كيف أمكن لهذه الصبية وهذا الوجه الطفولي أن يثيرا انتباهه بهذا الشكل الملح . التفت إلى البقال يسأله عن هذه الطفلة التي خرجت للتو من المحل بدعوى أنه اكتشف في ملامحها ما جعله يعود إلى الوراء لسنوات مضت ، ليسترجع بعض الصور التي خزنتها ذاكرته ، ولم تصل إليها آثار التعرية وعوامل النسيان . أجابه البقال بأنها ابنة صديقه القديم السيد جابر . لحظتها تراكمت في ذهن صاحبنا صور وذكريات تلاحقت بشكل جنوني لم يستطع أن يوقفها . عادت به الصور إلى سنوات مضت كان يحمل فيها الطفلة وهي صغيرة ، ويضعها في حجره . كانت كلما رأته تناديه : عمي . قال للبقال : أتعلم أن هذه الطفلة كانت صغيرة جدا حين كنت أشتري لها قطع الحلوى . أجابه البقال : يا أخي لقد مرت سنوات طوال ، فإذا كان ما تحدثت عنه دقيقا فإن الأمر يعود على أقل تقدير لأكثر من عشر سنوات .
ك..ك. كتب
أحس عمر بالفراغ والبرد ففتح دفتي كتاب كبير ملقى على الطاولة واندس فيه.
لم يكن راضياً. ها هي الساعة تقترب من الثامنة، ويكاد اليوم ينتهي، ولم يتجمَّع في علبة الإيراد ما يجلب الرضا. مرَّت عدة أيام على نفس الحال..في الصباح، وهو بطريقه للعمل، يفشل في التقاط أي راكب؛ ليس بسبب ندرة الركَّاب، ولكن لأن اتجاهاتهم تتعارض مع خط سيره من بيته، في (الورديان)، إلي (الحقَّانية)، في ميدان المنشية، حيث يعمل في وظيفة كتابية، تحتِّم عليه التوقيع بقائمة الحضور، قبل الثامنة والنصف؛ وذلك يجعله يتهرَّب من كل راكب يطلب نقله إلى مكان بعيد، ليتوفَّر له الوقت، للبحث عن مكان يوقف فيه السيارة، بعيداً عن احتمال أن تقع عليها عين زميل، فتفشل محاولات الكتمان، وينتشر الأمر في المحكمة كلها. يأتي خوفه من المساءلة القانونية بالمرتبة الثانية، بعد تطيُّره من نظرات الحسد والحقد وألسنة السوء. لم يروا مكابدة السنوات الطوال، منذ خرج من الجيش، بعد الحرب، يحمل في يده رخصة القيادة (درجة أولى)، ويعمل عند أصحاب السيارات، الذين يشتركون – جميعهم – في اتهامهم الدائم للسائقين بعدم الأمانة في توريد (الغلَّة)؛ ولن يصدقوا أنه اشتراها بالتقسيط، ولا يمكن أن يتصوروا القلق المميت الذي يقلب كيانه، وأيام الشهر تزحف إلى نهايتها، دون أن تقترب الجنيهات المقتصدَة من الرقم (300)، قيمة القسط الشهري.
أي شخصية فذة تلك التي هزّ حُراسها (البودي غارد) بالرؤوس الحليقة أرجاء المطعم الهاديء في بهو الفندق( الكلاس) ، وكأنه هجوم مسلحٍ أو سطوٍ مفاجيء .. أقام المكان ولم يقعده.. ؟؟