انحسر الظلام شيئا فشيئا ، وتخلّله ضياء نهار جديد . وانبلج الصباح على غابة سفوح جبال سبل في يوم قاتم جدا . واستيقظت المخلوقات في هذه الغابة ، كل يسعى من أجل أمر ما في نفسه . كان يوما من أيّام الشتاء الباردة ، وقد انتشرت الغيوم الكثيفة الحالكة في السواد في أرجاء السماء الفسيحة ، تنتقل من مكان إلى آخر في الاتجاه الذي تحدده الرياح . كان الجوّ ينذر من هول أمر شديد ذي بأس سيقع قريبا ، ومن أحداث مؤلمة ستجري في حياة البعض من مقيمي هذه الغابة الكثيفة التي تقع في الشمال من قرية تركلان . انتشرت القرية ، وتناثرت أطرافها مع إنتشار وتناثر الحقول والمزارع والبساتين . وكان سكان القرية عبارة عن بضع عوائل أو يزيد من الفلاحين الذين يشتغلون في الزراعة وتربية الأبقار والماعز والأغنام والدواجن .
كان الفلاحون يقصدون هذه الغابة بين فترة وأخرى لسدّ احتياجاتهم من الحطب وجني محصول بعض الأشجار المثمرة المنتشرة في أماكن عديدة منها أو للتسلية وقضاء أوقات الفراغ أو صيد الطيور والأرانب والغزلان . ومن غير ذلك ، وخاصة في فصل الشتاء ، تظلّ الغابة مسكونة بأهلها من الأشجار والشجيرات والأعشاب والحشرات والطيور والحيوانات الوحشية وما خلق الله من أحياء ترى بالعين المجرّدة أو تخفى على الانسان رؤيتها . تعيش هذه المخلوقات وتحيا وتموت وتضمحلّ حسب قوانين الغاب المعروفة .
لو تركت الطبيعة على حالها لكان كل شيء ولاشك على ما يرام . فالطبيعة قادرة على إدارة نفسها بنفسها . ولكن أنّى يدرك الانسان ذلك ؟ فهو يتدخّل في كل صغيرة وكبيرة .