فرح الحفاة، فالسحب كانت رحيمة وتحب الاحسان إلى عباد الله المعوزين، فأمطرت أحذية من مختلف المقاييس غير أن عبد الله بن سليمان كان نائماً فلم يفرح إذ لم يظفر بحذاء ظلت قدماه حافيتين. وهكذا فقد حدق عبد الله بن سليمان إلى أحذية الناس السائرين في الطرقان بينما يفترسه الحسد. والحسد وقانا الله منه أصل البلاء، وهو كما تعلمون شر عظيم والمرء الحسود ينال ما يستحق من عقاب، فالله ساهر لا تخفى عليه خافية، لا يهمل ولا يمهل. لقد ولد عبد الله بن سليمان حافياً، وترعرع حافياً، ويسير حثيثاً إلى القبر بقدمين حافيتين ولكن ابليس اللعين خزاه الله وسوس في أذنيه وزين له أن يصير من عباد الله مالكي الأحذية، فلم يرفض عبد الله بن سليمان اغراء ابليس انما خضع له. ولا بد أنكم تعلمون أن ابليس ذو وجه يخلو من الوسامة ، وله قرنان وذيل.
ولم يكن عبد الله بن سليمان يملك من النقود ما يكفي لشراء حذاء، ولذا لم يتردد في اللحاق برجل حذاؤه جميل لامع الجلد، ثم انتهز فرصة سيره في طريق فرعية تخلو من المارة، فانقض عليه بخنجره المحدودب النصل الذي ورثه عن أبيه، وطعنه في صدره طعنة واحدة، فهوى الرجل في الحال كحجر ثقيل وارتطم بالأرض، فسارع عبد الله بن سليمان إلى الركوع بجواره محاولا انتزاع الحذاء من قدميه.
وفي تلك اللحظة مرت دورية من رجال الشرطة، فقبضت على عبد الله بن سليمان الذي لم يجرؤ على انكار فعلته البشعة، فالخنجر ملطخ بالدم، والرجل الممزق الصدر يتخبط في دمه وتتحشرج أنفاسه وقد أشار إلى عبد الله بن سليمان معلنا أنه هو قاتله.
في المقهى كبرت شجرة السر الخطير، وانتقل الخبر من منصة إلى منصة حتى استقر به المقام في المصب الأخير لكل النفايات- بين يدي الدوائر الحكومية- كيف وقع ذلك للمواطن الملعون وهو الذي لم يضبط متلبسا بقراءة جريدة، لافي المقهى مع جماعته من الحشرات الصلعاء، ولا وهو في الصف ينتظر صرف المعاش النحيف، ولاوهو يفر من الدائنين الكثر؟
اقبل الليل ، بعتمته وسكونه اقبل ، بثقله وهمومه . الآن يبدأ السمر ، صحيح انه مرّ إلا انه سمر ، و له بداية .. أطبق الليل شفتيه ، فعم الصمت و عام به الليل فأغرق الدنيا بالسكوت .
*1* الجدار
لم نتمكن من قطع الجسر .. لأننا اختلفنا في نوع الحذاء ..، و لون القبعات ..، و شكل المعاطف ..، التي تلزمنا كألبسة ..، للنجاح في تجاوز هذا الجسر اللعين .. وصلنا إليه في منتصف الليل . أقمنا خيامنا الصغيرة فوق الجسر العملاق . قلنا سنمضي هذه الليلة هنا ، و في الصباح الموالي ، سنشد الرحال إلى ما بعد الجسر ...إلى الضفة الأخرى .
أزاحت الملاءة الهفهافة عن جسدها المشبع بالنوم و نهضت . تثاءبت وتمطت . ثم وقفت أمام المرآة تحدق في وجهها الذي لم يعد يعجبها أبدا ، هي ترغب في التخلص منه وتغييره .. فالفكرة قد اختمرت في رأسها ونضجت كما ينضج الخبز في الفرن .. على الرغم أنها في السبعين من العمر إلا أنها أسيرة الماضي البعيد .. أيام الصبا والشباب .. و المرآة تلح عليها مع كل نظرة فيها بضرورة تعديل كل شيء بجسدها وتبديله : الوجه والأنف والنهدان والبطن و الفخذان والأرداف و الأسنان و الشفتان .
قالوا لي عندما وصلت ، لا تخرج في الليل ، فسماء الغابة تقصف الغريب بالحجارة .و رغم ذلك لم أهتم بالأمر ،فخرجت .في أحيان كثيرة ، يجب ركوب التحدي .هذه هي عقيدتي .بعدها أقبل النتائج مهما كانت .