تتمتع الليبرالية الجديدة والاستبداد بروابط نظرية قوية، كما يتضح من السرد النيوليبرالي حول ضرورة وجود دولة قوية، قادرة على إعادة تشكيل المجتمع وفق أسس السوق. لا يستطيع النيوليبراليون (وخاصة الليبراليون النظاميون الألمان) التوفيق بشكل كامل بين شكوك الديمقراطية وشغفها وعقلانية السوق. يتطلب نقاء السوق وجود أوصياء، ولا يمكن دائماً اختيار الأوصياء ديمقراطياً. وهذا سيناريو شهدناه يتكشف في الأنظمة التكنوقراطية الأوروبية، ولكن أيضاً في الدول النامية، بدءًا من تجارب أمريكا اللاتينية وآسيا في سبعينيات القرن الماضي. لم يكن الركود الكبير نقطة تحول واضحة، إلا أنه أدى إلى تكثيف العلاقة بين الاستبداد والنيوليبرالية.

أصبح الأوصياء أكثر هيمنة، وغالباً ما رسموا خطاً فاصلاً بين "المواطنين الإثنيين"، الذين يُعتبرون "أكثر ملاءمة" للمنافسة العالمية، و"الأجانب"، وهم عادةً مهاجرون. لقد عادت الرأسمالية جزئياً إلى الحدود الوطنية. حتى في البلدان ذات التقاليد الديمقراطية العريقة، تطلّب بقاء الرأسمالية النيوليبرالية سياسات قومية واستبدادية، أعادت تشكيلها بطريقة أكثر محافظةً وقوميةً وحمائية. لقد ظهر ثلاثة أنواع من النيوليبرالية الاستبدادية. الأول هو التكنوقراطية، التي أصبحت جزءًا لا يتجزأ من الاقتصادات الأكثر تقدماً وفي بنية الاتحاد الأوروبي نفسها، وخاصةً منذ تسعينيات القرن الماضي. أما الثاني فهو شكل القومية، الذي غالباً ما يكون "إثنيًا" في محتواه ولهجته شعبوية، والذي ترسخت جذوره في العديد من البلدان (بما في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية في عهد ترامب)، ولكنه أكثر وضوحاً في شبه أطراف أوروبا الوسطى والشرقية. النوع الثالث هو الاستبداد التقليدي للعديد من جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق، حيث تضافرت اقتصادات السوق غير المتقدمة مع وضع التبعية العالمي، مما أدى سريعاً إلى تحول نحو سياسات غير ديمقراطية في التسعينيات. نتناول الليبرالية الجديدة الاستبدادية بمزيد من التفصيل دراسة الثلاث نماذج ذات الصلة: التكنوقراطية في إيطاليا، والنيوليبرالية القومية في المجر، والاستبداد التقليدي في كازاخستان.

في لحظةٍ تاريخيةٍ تتكثّف فيها المأساة الفلسطينية إلى أقصى درجاتها، لا يعود الصمت خياراً، ولا الحياد فضيلة. نحن أمام واقعٍ تتآكل فيه اللغة، وتُفرغ فيه الكلمات من معناها، حتى يُصبح التصريح الرسمي أداةً لإعادة إنتاج الهزيمة، لا لمقاومتها. حين تقول وزيرة الخارجية الفلسطينية فارسين شاهين إن "أمن إسرائيل جزء لا يتجزأ من أمن فلسطين"، فإنها لا تُخطئ في التعبير، بل تُعبّر بدقة عن منطقٍ دبلوماسيٍ فقدَ صلته بالحق، وبالناس، وبالدم الذي لم يجفّ بعد.

هذا التصريح ليس مجرد جملة عابرة في مؤتمر دولي، بل هو مرآة لخطابٍ رسميٍ يُعيد تعريف القضية الفلسطينية بوصفها ملفاً إدارياً، لا نضالاً تحررياً. خطابٌ يُراهن على التهدئة، ويُراكم التنازلات، ويُعيد إنتاج منطق "السلام الأمني" الذي حوّل الفلسطيني من صاحب حق إلى وسيطٍ بين الاحتلال والمجتمع الدولي. إنه خطابٌ يُفرّغ المقاومة من معناها، ويُحوّل الضحية إلى شريكٍ في ضمان أمن الجلاد.

منذ سنوات، ونحن نشهد تراجعاً رمزياً وسياسياً في تمثيل القضية الفلسطينية على الساحة الدولية. لم يكن ذلك نتيجة ضعف الموارد أو ضغوط الخارج فقط، بل كان ثمرة مباشرة لنهجٍ دبلوماسيٍ اختار أن يُهادن، ويُساير، ويُراكم اللقاءات دون موقف. في عهد الوزير السابق رياض المالكي، تحوّلت الدبلوماسية الفلسطينية إلى بروتوكولٍ فارغ، تُدار فيه القضية بوصفها عبئاً، لا بوصفها أفقاً للتحرر. واليوم، يبدو أن هذا النهج لم يُغادر موقعه، بل أعاد إنتاج نفسه عبر وجوهٍ جديدة، تُجيد لغة التهدئة، وتُتقن فنّ التراجع.

لكن القضية الفلسطينية ليست ملفاً إدارياً، ولا بنداً في جدول أعمال مؤتمر. إنها جرحٌ مفتوح، وذاكرةٌ مثقلةٌ بالدم، وحقٌ لا يُقايض بالأمن، ولا يُختزل في معادلات التوازن الإقليمي. حين يُصبح أمن الاحتلال جزءًا من خطابنا الرسمي، فإننا نكون قد عبرنا الخط الفاصل بين التفاوض والتفريط، بين الواقعية السياسية والانفصال الأخلاقي عن جوهر القضية.

إن الشعب الفلسطيني لا يحتاج إلى دبلوماسية تُراعي شروط القوة، بل إلى خطابٍ يُعيد الاعتبار للحق، ويُعيد بناء اللغة بوصفها أداة مقاومة، لا وسيلة تبرير. يحتاج إلى تمثيلٍ يُعبّر عن وجعه، لا يُجمّله، وعن نضاله، لا يُفرّغه. يحتاج إلى دبلوماسيةٍ تُدافع عن الإنسان الفلسطيني، لا عن أمن من يحتلّه.

(إلى روحِ ابْنِ أخي "إلياس"، المَقتولِ غَدْرًا.)  
 "لا يُمكِنُكَ أن تَتَصَوَّرَ كَمْ هُوَ شاقٌّ قَتْلُ إِنْسان!"(1)  (غابرييل غارثيا ماركيز)
منذ وُجِد الإنسان وُجِد القتل، فكان أبشعَ فِعلٍ دالّ على رفضه للاختلاف، وخضوعِه لمشاعر الغيرة والحسد والحقد، وسعيِه إلى نبذ الآخَر وإقصائه، كأن الآخَرَ فعلا هو الجحيم، كما قال سارتر.
ومنذ جريمة قابيل ضد أخيه هابيل ظل تاريخ البشرية سلسلة متلاحقة من جرائم القتل، لا تكاد تتوقف إلا لتُستأنَف. بل إننا عرفنا، عبر تاريخنا الذي اقترن بتاريخ الجريمة، أنواعا مختلفة من القتل، بأسماء متعددة، والمسمّى واحد. فظهَر القتل العمد، والقتل الخطأ، والقتل الاضطراري، والقتل الرحيم... ناهيك بالحروب المدمِّرة التي تأتي على الأخضر واليابس، وتقضي على الجاني والبريء على حد سواء. ويبلغ الأمر منتهى البشاعة عندما يصبح القتل وسيلة للإبادة الجماعية، والتطهير العرقي، كما يحدث الآن على أرض فلسطين، دون رقيب أو حسيب...

في البدء كان القتل:

أول جريمة عرفتها الخليقة هي قتل قابيل لأخيه هابيل، وهما أوَّلُ ابنَيْن لآدم بحسب "العهد القديم". كان قابيل يشتغل في الأرض، بينما يرعى أخوه هابيل الغنم. وعندما قررا تقديم قربان إلى الرّب قدّم قابيل ثمارا من محصول أرضه، وقدّم أخوه هابيل سِمانَ غنمه، فتُقُبِّل قربانُه، ولم يُتَقبَّل قربانُ قابيل، لمخالفته لشرط الذبيحة الدموية التي تطلَّبها الرب. ﴿إنما يتقبل الله من المتقين﴾ (2). اغتاظ قابيلُ من ذلك فأقْدَم على قتل أخيه.  فكان أولَ من سَنَّ القتل.

تعرَّض قابيل بسبب فعلته لعقاب شديد، لازَمه طول حياته. كان عقابا نفسيا تجرّع خلاله آلامَ الخُسران والندم. ﴿فطوعت له نفسُه قتلَ أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين﴾. (3) خسِر أخاه، وخسِر علاقته بخالقه، وخسر دنياه، لأنه أسخط والديه عليه، وعاش منبوذا من أقاربه وأهله، ثم خسِر مكانته كابنٍ لخليفة الله في أرضه. ﴿فأصبح من النادمين﴾ (4). والندم شعور بالأسف والحزن بعد ارتكاب خطأ أو اقتراف ذنب. فما بالك إن كان الذنب في فداحة من قتَل الناس جميعا؟ قال تعالى: ﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (5). ندَمٌ تَفاقَم بعد عجزه عن التصرف في جثة أخيه، لولا أن لقّنه الغرابُ درسَ الدفن، وتَفاقَم أكثرَ بعد اضطراره إلى الهرب من حضن الأسرة والتيه في الأرض مذموما مدحورا. ناهيك بالعقاب الذي يتوعَّده به الله في الآخرة. ولعل أبلغ تصوير لندم القاتل هو الذي نجده في رواية "الجريمة والعقاب"(6) لفيودور دوستويفسكي، إذ عاش القاتل روديون راسكالنكوف بعد اغتياله للعجوز المرابية أليونا إيفانوفنا حالة من الصراع النفسي الشديد بين عقله ومشاعره، وانتهى به تأنيب الضمير إلى الاعتراف بجريمته وتقديم نفسه للعدالة.

بداية تقنين عقوبة جريمة القتل:

كثيرا ما تَعتبِر الدراساتُ التاريخية شريعةَ حمورابي أقدمَ نموذج للقوانين المنظِّمة للحياة الاجتماعية. غير أن نزول الدين، مع بدء وعي الإنسان وتَشَكُّل المجتمع، في مراحل سابقة عليه، حمل معه منظومةً من القيم والأخلاق التي يتطلبها التعايش بين الناس وسط نظام اجتماعي. فظهرت الوصايا العشر التي تُمثل الحدَّ الأدنى لحفظ العلاقات الاجتماعية، منذ عهد نوح وإبراهيم مع ما كان يُسمّى المندائية، قبل أن تظهر في ألواح موسى. وجاء بعضُ ما في تلك الألواح مطابقا تماما لما اشتملَتْ عليه شريعة حمورابي الذي وُجِد قبل النبي موسى بحوالي أربعمائة سنة حسب التلمود.

خلافا للمطارحات والسجالات التي تقترحها بعض نخبنا العربيّة فيما لا ينفع النّاس في راهنهم، على نحو يسهم في التجهيل ويكرّس التقوقع والتقهقر والرجوع إلى الخلف، بل والعودة إلى الجهالة. كأن تناقش وتتجادل حول القيمة الحضاريّة للزوايا والأضرحة ومقامات الأولياء "الصالحين" وإبراز دورها التاريخي في دعم المسلم روحانيّا أو السعي إلى المحافظة على التصوّف- في وجهه الطرقي الهيستيري التخديري- كظاهرة نفسيّة واجتماعيّة، رغم تماهيها مع الشعوذة. فإنّ طروحات النخب الغربيّة واهتماماتها تسعى غالبا لتنوير العقول وتثويرها وبثّ الوعي في شعوبها للنهوض بها وبلوغ أعلى المراتب. لذلك نلمس الرغبة الجامحة عندهم في خدمة الإنسان من خلال بحث قضاياه الحارقة ذات العلاقة براهنه ومستقبله أكثر ممّا هي مشدودة إلى الماضي السحيق، على أهمّيته. وهو ما ذهب إليه واستبسل في الدفاع عنه، كلّ من المفكّر الفرنسي مونتسكيو (Montesquieux)، في كتابه عن روح القوانين، وعالم الرياضيات والمنظّر السياسي الماركيز نيكولا دي كوندورسيه ((Nicolas de Condorcet ، في كتاباته المطوّلة عن موضوع التقدّم وخاصة في كتاب"نشرة تمهيدية لجدول تاريخي بمراحل تقدم العقل البشري" ، وأرنولد جوزيف توينبي (Arnold Joseph Toynbee) ، في كتابه البشر وأمّهم الأرض . فضلا عن فولتير( (Voltaire في كتابه "مقالات عن السلوك"، وهو عمل فلسفىّ عن الحضارة الحديثة أعتبر في وقته، محاولة جادة لتفسير حركة التاريخ عن طريق التقدّم الحضارى للشعوب، تبرز قدرة الإنسان المطلقة على تحقيق التقدّم على مرّ العصور. فقد أكّد هؤلاء جميعا على وجوب انصراف الذهن إلى التفكير في القضايا الجديرة بالتأمّل والبحث " خدمة للإنسان ودفاعا عن إنسانيته في أي ظرف زمكاني كان.

في وقت تتداخل فيه مفاهيم العدالة والهيمنة، وتُعاد فيه صياغة القيم الإنسانية وفق خرائط المصالح السياسية، جاء إعلان فوز "ماريا كورينا ماتشادو" بجائزة نوبل للسلام لعام 2025 كحدث مثير للجدل، لا بسبب نضالها المحلي في فنزويلا فحسب، بل بسبب مواقفها الدولية التي تضع الجائزة نفسها تحت مجهر النقد الأخلاقي.
لم يكن هذا الفوز مجرد تكريم لشخصية سياسية معارضة، بل بدا وكأنه إعادة تعريف لمفهوم "السلام" في سياق عالمي مضطرب. ففي الوقت الذي كانت فيه غزة تنزف تحت القصف، وتُسجّل عشرات آلاف الأرواح في قوائم الشهداء، خرجت ماتشادو لتعلن دعمها لإسرائيل، واصفةً ما جرى بأنه "هجوم إرهابي" يستحق الإدانة. لم تذكر الضحايا المدنيين، ولم تتوقف عند صور الأطفال تحت الركام، بل اختارت الاصطفاف مع القوة، لا مع الضحية.
هذا التناقض الصارخ بين نضالها السلمي في الداخل، وموقفها المتحيز في الخارج، يفتح الباب لسؤال جوهري: هل يمكن فصل الأخلاق السياسية عن الأخلاق الإنسانية؟ وهل يحق لمن يتجاهل الإبادة الجماعية أن يُكرّم بوصفه رمزًا للسلام؟
إن فوز ماتشادو بالجائزة يطرح إشكالية أعمق من مجرد الجدل السياسي؛ إنه يعكس أزمة في المعايير العالمية التي تُمنح بها الجوائز، ويكشف عن فجوة بين ما يُقال وما يُمارس، بين الشعارات المرفوعة والدماء المسكوت عنها.
ورغم أن جائزة نوبل للسلام مُنحت للمعارضة الفنزويلية ماريا كورينا ماتشادو لها تقديراً لنضالها السلمي ضد النظام في فنزويلا، فإن مواقفها السياسية الخارجية — ومنها دعمها العلني لإسرائيل في حربها على غزة — تضع الجائزة في موضع تساؤل أخلاقي لدى كثيرين، خصوصاً في العالمين العربي والإسلامي.
تظهر ازدواجية المعايير لدى القائمين على الجائزة في أن الجائزة تُمنح باسم "السلام"، بينما الفائزة تدعم طرفاً متهماً بارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية بحق المدنيين في غزة. هذا يثير تساؤلات: هل تُمنح الجائزة على أساس نضال محلي فقط؟ أم يجب أن يُؤخذ بعين الاعتبار الموقف من القضايا الإنسانية العالمية؟

مقدّمة: "أوقفوا التلوث: الأخضر الذي يخفي الأسود"
في عصر تُرفع فيه الشعارات البيئية والدفاع عن الأرض والحياة على المستوى المحلي والعالمي، لم تعد مقاومة التلوث مجرد قضية تقنية أو صحية، بل أصبحت فضاءً إشكاليا يتقاطع فيه الأخلاقي والسياسي والاقتصادي. فالحركات التي تُعنى بالبيئة وتدافع عن حق الإنسان في الحياة والهواء والماء الخ... قد تنزلق إلى ممارسات أو خطاب يُلوّث الحراك ذاته، سواء عبر التمويل الخارجي، أو الانحراف عن الأهداف المعلنة، أو استخدام الاحتجاجات كأداة ضغط سياسية.

هذا التناقض يبرز تلوّث مقاومة التلوّث: حين يتحوّل الحراك البيئي من وسيلة إصلاح إلى أداة مزدوجة الوجه، تجمع بين الدفاع الرمزي عن البيئة واستغلالها لتحقيق مصالح أخرى. كما تتضح هذه الظاهرة في التوتر بين السيادة الوطنية والحركات المدعومة خارجيًا، والفصل بين المطالب المشروعة والحراك المشبوه، وبين التنمية الصناعية ومقاومة التلوث، حيث تصبح حماية البيئة تحديًا يستلزم توازنًا دقيقًا بين النمو الاقتصادي واستدامة الموارد.

يهدف هذا المقال إلى استكشاف هذه الأبعاد الثلاثة: الحركات البيئية والسيادة الوطنية: التوتر بين التمويل الخارجي والمصالح المحلية. المشروع والمشبوه في الحراك البيئي: معايير التمييز بين الحراك الصادق والمخترق. جدلية التنمية الصناعية ومقاومة التلوث: سبل الجمع بين النمو وحماية البيئة، عبر اقتصاد دائري وتقنيات نظيفة. من خلال هذه المحاور، يسعى المقال إلى تحليل الفصام والتمزق البيئي، وفهم كيفية بناء حراك بيئي صادق وفعّال، قادر على مقاومة التلوث دون أن يتلوث هو نفسه.

1) الحركات البيئية والسيادة الوطنيّة

مقدمة: يمكن اليوم معاينة فصام الخطاب البيئي وتوتر الإيكولوجي و تمزّق الجيوسياسي اذ لم تعد البيئة اليوم مجرد فضاء طبيعيّ يحيط بالإنسان، بل تحوّلت إلى ميدان صراع رمزي واقتصادي وسياسي. فما كان يومًا مسألة أخلاقية متعلقة بحماية الأرض من التلوّث والانقراض، صار اليوم أداة ضغط واستثمار وتمويل وتوظيف جيوسياسي. في قلب هذا التحوّل يعيش الخطاب البيئي توترًا بنيويًّا بين مطلبه الإنساني الكوني ورهاناته السياسية المحدودة. إذ تتنازعه قوى متعددة: المواطن البسيط الذي يطالب بالعدالة البيئية، الدولة التي تبحث عن التوازن بين التنمية والحفاظ على الموارد، والقوى العالمية التي تستثمر في البيئة كأداة للنفوذ الناعم. من هنا يمكن فهم الفصام البيئي لا كحالة عرضية، بل كعلامة على أزمة الوعي الإنساني في علاقته بالطبيعة والسلطة.

لقد أصبحت العلاقة بين الحركات البيئية والسيادة الوطنية إحدى الإشكاليات في فلسفة الدولة والمجتمع المدني، خصوصًا عندما يتقاطع النشاط البيئي مع التمويل الخارجي والمصالح الجيوسياسية. ففي الهند، برزت حالةُ منظّمة "Environics Trust" بوصفها نموذجًا معبّرًا عن هذا التوتر؛ إذ أعلنت الحكومة الهندية في أبريل 2024 أنّ هذه المنظمة "تلقّت نحو تسعين بالمئة من تمويلها من مصادر أجنبية، واستخدمت الأموال لتمويل احتجاجات ضد مشاريع الفحم والصلب والطاقة الحرارية، دون أن تلتزم بالأهداف المعلنة، بل سعت إلى عرقلة مشاريع التنمية الوطنية".

"خطرُ تفتيت المُوحَّد وتقسيم المقسّم وتجزئة المُجزّئ وإشعال المُخْمَد وإخضاع المُمانع"
"إسرائيل الكبرى، ليست بالضّرورة جغرافيّةً...بل بالإخضاع السّياسي وبالهيمنة العسكرية"
***
بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، تبنّت أمريكا في سعيها لفرض هيمنتها كقطب واحد، توجهات عنصريّة تجاه العالم العربي والإسلامي، متأثرةً بطروحات منظّر اليمين المسيحي الصّهيوني المستشرق البريطاني الأمريكي برنارد لويس. وتجاهلت واشنطن في كثير من الأحيان راي مُنظّر الهيمنة بريجنسكي، الذي حذّر مثلا من التّورط في حرب العراق؛ وحاول في مقاله الأخير في 2016، ترشيد ما أمكن من الخيارات قبل فوات الأوان، حاثَّا آنذاك على "إعادة التّموقع" وتجنُّب المواجهة مع القوى العظمى، كي لا تُستنزَف الولايات المتحدة وتَفقِد موقعها. ولم تُعدِّل الإدارات الامريكية -الديمقراطية والجمهورية- بوصلتها وكابرت، فكانت النّتيجة ما نراه حاليّا، من ارتجاليّة في السّياسات وتلاشي الموثوقيّة في التّحالفات، فضلا عن الانقسام الدّاخلي وتصاعد مستوى العنف المجتمعي.

وبالنسبة للمنطقة العربية، فأهداف الولايات المتحدة الامريكية موثّقة ومنشورة منذ عقود؛ ويكفي الاطلاع على أفكار لويس للوقوف على جهنّميّة التّخطيط وهولِ الاستهداف. والمقولات التّي يردّدها السّفير الأمريكي بأنقرة طوم برّاك خلال جولاته بين سوريا ولبنان، حول طبيعة المجتمعات العربية، أغلبُها اقتباسات تكاد تكون حرفيّة من كتابات لويس. وأمّا تسميات "الفوضى الخلاّقة" و "الشّرق الأوسط الجديد" و "صفقة القرن" و "السّلام الابراهيمي" و"الولايات الابراهيميّة المتّحدة"، فهي تخريجات تكتيكيّة لمرتكزاتِ فكِر لويس، وتَصُبُّ في المستهدف الاستراتيجي الثابت لأمريكا، المتمثل في "تقسيم المقسّم" و"تجزئة المُجزئ" و "تفتيت المُوحَّد" (العقائدي) و "إشعال المُخْمَد" (نيرانُ الطائفية) و"إخضاع المُمانع".

ويُعتبر "الفضاء العربي" الغائب الخاسر في خضمّ التّحوّلات الحِقبيّة الجارية، والأمل كبير في استفاقة عربيّة، تحت وقع صدمة العدوان الإسرائيلي على الدّوحة، التي عرّت نهائيّا النّوايا الإسرائيلية تجاه المنطقة. وإن كانت مُجاهرةُ نتنياهو بخطّة ضمّ عدّة دول لإنشاء إسرائيل الكبرى، لا تترك مجالا للالتباس في طبيعة هذا العدو وجدّية المخاطر التّي يُشكّلها على الأمن القومي العربي والاسلامي. وإسرائيل الكبرى، ليست بالضّرورة جغرافيّةً، فيمكن ان تتحقّق بالإخضاع السّياسي وبالهيمنة العسكريّة وبِسلب استقلاليّة القرار الوطني، مثلما تظهره الاوضاع في سورية.

وليس خافيا على أحد، أنّ مراكز التّفكير في الغرب وخاصّة في الولايات المتحدة وإسرائيل، مُتمكّنة الى حدٍّ كبير من التّاريخ والفكر السّياسي العربي الإسلامي، ويعرفون أدقّ التّفاصيل المرتبطة بالفِتن. ولِتعذُّر الإطناب في هذا المقال، يمكن الاكتفاء ببعض الثنائيات التي تتفنَّن أجهزة المخابرات في التّلاعب بها عبر الإعلام والأطراف المشبوهة التي تُحرّكها: "سنّة/شيعة"، "سُّنةُ المذاهب الأربعة/السّلفية"، " السّلفيّة التكفيرية الجهاديّة/السّنة والشيعة والصّوفية".

بعد الإعلان عن وقف إطلاق النار، لا تعود غزة إلى الحياة، بل إلى ما يشبه ما بعد الحياة. الركام لا يفسح الطريق، والهواء لا يحمل سوى رائحة الموت المؤجل. في شوارعها التي كانت تنبض بالأطفال، لا يُسمع سوى صدى الصدمة، وفي وجوه من تبقّى، لا ترى إلا سؤالاً واحداً: "هل نحن أحياء؟ أم مجرد شهود على موتنا؟"

الناجون من المحرقة الفلسطينية لا يحتفلون بالهدنة، بل يتلمسون أطرافهم ليتأكدوا أنهم لم يفقدوا شيئاً آخر. يبحثون في الأنقاض عن صور، عن أسماء، عن أجزاء من ذاكرة. يرممون ما تبقى من منازلهم كما يرممون أرواحهم، ببطء، وبألم، وبلا ضمانات. فالغزّي لا ينجو، بل يُؤجل موته، ويُعيد تعريف الحياة كل مرة من نقطة الصفر.

ناجون يسترقون الحياة

في غزة، لا أحد ينجو حقاً الناجون ليسوا أحياءً بالمعنى الذي نعرفه، بل هم أشباح تمشي على الركام، تتنفس الغبار، وتُقنع أنفسها أن هذا النبض لا يزال يعني شيئاً. في غزة، النجاة ليست خلاصاً، بل لعنة طويلة الأمد. من نجا من القصف، لم ينجُ من الذكرى. من نجا من الموت، لم ينجُ من السؤال: لماذا بقيت أنا؟ الناجون في غزة لا يعيشون، بل يسترقون الحياة من بين أنقاض البيوت، من تحت صراخ الأطفال، من خلف جدران المستشفيات التي لم تعد تشبه شيئاً سوى المقابر.

كل صباح في غزة هو اختبار جديد للقدرة على التحمّل. كل مساء هو محاولة فاشلة للنسيان. الناجون لا ينامون، بل يغمضون أعينهم على صور لا تموت. يأكلون بصمت، لأن الطعم فقد معناه. يضحكون أحيانًا، لا لأنهم سعداء، بل لأنهم تعبوا من البكاء.

في غزة، الحياة ليست حقاً، بل فعل مقاومة يومي. والنجاة ليست امتيازاً، بل عبء ثقيل لا يُحمل إلا بالدموع.