مدخل
يعالج هذا المقال التحول العميق الذي طرأ على مفهوم “السلام” داخل الاستراتيجيات الإمبريالية المعاصرة، حيث لم يعد السلام نقيضًا للحرب، بل أداة لإعادة إنتاج الهيمنة السياسية والاقتصادية في سياق أزمة النيوليبرالية العالمية1.
ينطلق البحث من فرضية مفادها أن السلام أصبح آلية وظيفية لتسهيل تمدد رأس المال، وتفكيك السيادة الوطنية، واحتواء الصراع الاجتماعي، عبر صفقات اقتصادية وأمنية تُدار خارج الأطر الدبلوماسية والمؤسساتية التقليدية 2.
يعتمد المقال منهجًا تحليليًا مقارنًا لدراسة ثلاثة مسارات إمبريالية مختلفة: الإمبريالية الأمريكية، الأوروبية، والصينية، مبرزًا نقاط الاختلاف والتقاطع بينها في استخدام “السلام” كأداة للهيمنة 3. ويخلص إلى أن ما نشهده اليوم ليس تجاوزًا للنيوليبرالية، بل إعادة تشكيل أكثر تعقيدًا لها، تتخذ من السلام، بدل الحرب المباشرة، وسيلة لإدارة التراجع الإمبريالي في نظام دولي يتجه نحو التعددية القطبية 4.

تقديم

لم يعد “السلام” في النظام الدولي المعاصر قيمة أخلاقية أو غاية سياسية مستقلة، بل تحوّل تدريجيًا إلى أداة استراتيجية ضمن منظومات الهيمنة الإمبريالية 5. فبدل أن يُنهي الصراع، بات يؤطره، وبدل أن يعالج جذوره الاجتماعية والسياسية، أصبح يفتح المجال أمام صفقات تجارية وأمنية واستثمارية تعيد إنتاج علاقات التبعية 6.

يندرج هذا التحول في سياق أزمة بنيوية تعيشها النيوليبرالية، حيث فقدت قدرتها على إنتاج الشرعية الاجتماعية والسياسية، فلجأت إلى إعادة تعريف مفاهيم مثل السلام، الديمقراطية، وحقوق الإنسان، بما يخدم متطلبات التراكم الرأسمالي في مرحلته المعولمة والرقمية 7.

ينطلق هذا المقال من تساؤل مركزي:

كيف أصبح السلام أداة إمبريالية لإدارة الأزمات، وما الذي يميز استخدامه في النماذج الإمبريالية الأمريكية، الأوروبية، والصينية؟

الإطار النظري والمنهجي

يعتمد المقال على نقد النيوليبرالية كما بلوره ديفيد هارفي وكارل بولاني، وعلى تحليل الإمبريالية بوصفها مرحلة احتكارية من تطور الرأسمالية وفق لينين 8، إضافة إلى مفهوم الهيمنة الثقافية والسياسية عند غرامشي 9، ونظريات الرأسمالية الرقمية واستخراج القيمة من البيانات كما طورتها شوشانا زوبوف وكريستيان فوش 10، مع اعتماد منهج تحليلي–مقارن وبنيوي للترابط بين الاقتصاد السياسي، السيادة، والسلام

 النيوليبرالية والسلام كآلية للهيمنة

لم يعد السلام إطارًا سياسيًا لتنظيم العلاقات الدولية، بل أداة لإعادة تشكيل المجتمعات من الداخل، عبر تفكيك العقد الاجتماعي، وتحييد الصراع الطبقي، وتحويل السياسات الاقتصادية إلى مسلمات تقنية غير قابلة للنقاش السياسي 11، هذا التحول هو امتداد مباشر للمشروع النيوليبرالي الذي حوّل السوق من آلية تنظيم إلى عقيدة، وأفرغ الديمقراطية التمثيلية من مضمونها الاجتماعي 12.

المقدمة
يشهد الشرق الأوسط صراعات قومية دموية خلفت ملايين الضحايا والمشردين. تمثل القضية الكردية أحد أهم هذه الصراعات، حيث يتوزع الأكراد على أربع دول: تركيا، إيران، العراق، وسوريا. السؤال الجوهري: ما الحل الممكن الآن للقضية الكردية؟ هل في بناء دول قومية منفصلة، أم في النضال من أجل دولة المواطنة والحقوق المتساوية؟

كان هناك ولا يزال اضطهاد قومي صارخ ضد الأكراد. في العراق، بلغت الوحشية ذروتها في حملات الأنفال وقصف حلبجة بالأسلحة الكيماوية وسياسات "التعريب". في سوريا، الحزام العربي وإحصاء 1962 الذي جرد مئات الآلاف من جنسيتهم، واليوم في كانون الثاني 2026، يتجدد هذا المسار عبر الهجوم العسكري على مناطق سيطرة قسد. في تركيا، تصنيف الأكراد كـ"أتراك الجبال" وتدمير آلاف القرى. في إيران، القمع المركب تحت النظام الثيوقراطي والإعدامات والتهميش الاقتصادي.

لكن هذه السياسات لم تستهدف الأكراد وحدهم، فالدكتاتورية التي تسحق الهوية الكردية هي ذاتها التي تقمع كافة المواطنين. النضال ضد الاضطهاد القومي جزء من النضال العام ضد الاستبداد الطبقي والسياسي. مواجهة الاضطهاد الحقيقي لا تتحقق عبر استبدال قومية مهيمنة بأخرى، وإنما عبر تفكيك أسس الدولة القومية الإقصائية نفسها، وبناء دولة ديمقراطية تقوم على المواطنة المتساوية.

من ''القومية المظلومة'' إلى سلطة حاكمة

في إقليم كردستان العراق، تحولت ''القومية المظلومة'' إلى سلطة حاكمة تواجه اتهامات بممارسات قمعية وفساد منظم. الحزبان الرئيسيان كرسا بنية حكم عائلية عشائرية. اندلعت حرب أهلية دموية بينهما (1994-1998) راح ضحيتها آلاف الأكراد، سببها الصراع على النفوذ والموارد وليس التحرر القومي. الفساد مستشر، والرواتب منقطعة لأشهر، والتظاهرات الشعبية ضد البطالة والفساد تُقمع، فيما يستمر الحزبان في احتكار ثروات الإقليم.

في سوريا، تحولت قسد إلى سلطة تتركز بيدها القرارات السياسية والعسكرية، مع هامش محدود للتعددية. رغم إصلاحات تقدمية في الجوانب الاجتماعية ومشاركة المرأة، لكنها بقيت محكومة بسقف طبقي وسياسي، ولم تمس جوهر بنية السلطة القائمة على الاحتكار السياسي. سُجلت انتهاكات لحقوق الإنسان، منها تجنيد الأطفال والاعتقال وقمع وتعذيب المعارضين.

الخطاب القومي خرج من كونه أداة تحرر، وتحول إلى غطاء أيديولوجي لتبرير الاستبداد وقمع المعارضين، وإعادة إنتاج علاقات السيطرة نفسها. المظلومية القومية التاريخية لا تمنح صك غفران لأي سلطة لتمارس القمع. تحول ''القومية المظلومة'' إلى ''أداة قمع واستبداد'' يمثل الهزيمة الأخلاقية الكبرى للمشروع التحرري، ويثبت أن الخلل في بنية الدولة القومية الإقصائية ذاتها.

في عالمٍ يتسم بتشابك المصالح وتداخل الجغرافيا بالسياسة، تظل تصريحات القوى الكبرى مرآةً تكشف عن طبيعة النظام الدولي وموازين القوة فيه. حين أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن رغبة بلاده في «شراء» جزيرة غرينلاند التابعة لمملكة الدنمارك، لم يكن الأمر مجرد نزوة سياسية أو تصريح عابر، بل مثّل تجسيدًا صارخًا لسياسة الهيمنة التي تتعامل مع الأراضي والشعوب كما لو كانت سلعة معروضة في سوق المصالح الاستراتيجية. هذا الطرح الذي بُرِّر تحت ذريعة «الأمن القومي الأمريكي» يعكس عقلية إمبراطورية ترى في التوسع الجغرافي أداةً لتعزيز النفوذ العسكري والاقتصادي، متجاهلةً الاعتبارات السيادية والقانونية، بل وحتى البعد الأخلاقي للعلاقات الدولية.

لقد أثار هذا التصريح موجة واسعة من الانتقادات داخل أوروبا وخارجها، حيث اعتُبر مثالًا حيًا على ما يمكن وصفه بـ«السياسة البلطجية» التي لا تتورع عن تحويل الجغرافيا إلى ورقة مساومة، وتعيد إلى الأذهان ممارسات الحقبة الاستعمارية حين كانت القوى العظمى تتقاسم العالم وفق منطق القوة لا وفق مبادئ العدالة أو احترام الشعوب. إن محاولة تبرير الاستيلاء على غرينلاند بحجة الأمن القومي تكشف عن تناقض جوهري في الخطاب السياسي الأمريكي: فهي من جهة تدّعي الدفاع عن الحرية والديمقراطية، ومن جهة أخرى تسعى إلى فرض إرادتها على أراضٍ لا تملكها، متجاهلةً إرادة سكانها الأصليين والدولة التي تتبع لها.

وفي تطور حديث يزيد المشهد تعقيدًا، عاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ليؤكد أمس على «أهمية» حصول الولايات المتحدة على جزيرة غرينلاند، معتبرًا ذلك ضرورة استراتيجية للأمن القومي. هذا التصريح لم يمر مرور الكرام، إذ ردّت رئيسة الوزراء الدنماركية بلهجة حازمة، مؤكدة أن أي خطوة عدائية أمريكية في الجزيرة ستعني عمليًا نهاية حلف شمال الأطلسي، وهو ما يعكس خطورة الموقف على تماسك التحالف الغربي برمته. ولم يكتفِ ترامب بهذا التصعيد، بل سخر من الحكومة الدنماركية حين قال إنهم عززوا أمن الجزيرة بإضافة «زلاجة تجرها الكلاب»، في تعبير ساخر يختزل التوتر بين واشنطن وكوبنهاغن ويكشف عن أسلوب استفزازي يهدد بتحويل الخلاف السياسي إلى أزمة دبلوماسية مفتوحة. هذه التصريحات المتبادلة تضع العلاقات الأمريكية-الأوروبية أمام اختبار غير مسبوق، وتثير تساؤلات عميقة حول مستقبل التحالفات الدولية في ظل عودة منطق القوة والتهكم إلى واجهة الخطاب السياسي.

حين تتكاثر الأزمات وتتشابك الأسئلة، يغيب الصوت الذي كان يومًا ضمير الأمة، ويعلو ضجيج الخطابات الشعبوية والإعلامية. فهل ما زال المثقف العربي قادرًا على أن يكون عقلًا نقديًا حاضرًا، أم أن صمته أصبح جزءًا من أزمة الوعي الجمعي؟

يشهد العالم العربي منذ عقود جملة من الانكسارات المتلاحقة. وفي مثل هذه اللحظات التاريخية التي تتسم بالتحولات العاصفة يطفو على السطح سؤال جوهري يلحّ على الوعي الجمعي: أين هم المثقفون العرب؟ وأين أصواتهم التي كان يُفترض أن تكون البوصلة الفكرية والضمير النقدي في مواجهة الأزمات الكبرى؟ لقد عرف التاريخ العربي الحديث مثقفين كانوا في طليعة الحركات التحررية، ومشاريع النهضة، وصياغة الخطاب الإصلاحي، لكن المشهد الراهن يكشف عن فراغ مقلق، وعن غياب شبه كامل لدورهم في الساحة السياسية والاجتماعية، وكأنهم انسحبوا إلى هوامش معزولة أو صمتوا أمام ضجيج الخطابات الشعبوية والإعلامية.

لقد كان حضور المثقفين العرب في القضايا الكبرى يومًا ما علامة فارقة في مسار الأمة؛ فطه حسين، على سبيل المثال، لم يكن مجرد أديب، بل كان صوتًا إصلاحيًا جاهر بضرورة التعليم المجاني وربط الثقافة بالحداثة، فيما مثّل عبد الرحمن الكواكبي بكتابه طبائع الاستبداد صرخة مدوّية ضد الطغيان السياسي، داعيًا إلى الحرية والعدالة. أما جمال الدين الأفغاني فقد حمل مشروعًا فكريًا وسياسيًا لمقاومة الاستعمار والدعوة إلى وحدة الأمة الإسلامية، بينما جسّد نجيب محفوظ في رواياته تحولات المجتمع المصري والعربي، كاشفًا تناقضاته وصراعاته الداخلية. وفي العصر الحديث، برز إدوارد سعيد كأحد أبرز الأصوات العالمية المدافعة عن القضية الفلسطينية، فضح خطاب الاستشراق الغربي وأعاد الاعتبار لصوت الشرق في مواجهة الهيمنة. وإلى جانب هؤلاء، ظهر مثقفون معاصرون مثل فاطمة ناعوت، تركي الحمد، ومحمد صادق، الذين ساهموا في النقاشات الفكرية حول الحرية والعدالة والهوية. كما لعب مثقفون مغاربة مثل محمد عابد الجابري وعبد الكبير الخطيبي أدوارًا محورية في تجديد الفكر العربي، فيما شاركت أصوات بارزة مثل مليكة العاصمي ومئات المثقفين المغاربة في بيانات جماعية للدفاع عن فلسطين ورفض سياسات التطبيع. هذه النماذج تؤكد أن المثقف العربي، قديمًا وحديثًا، كان حاضرًا في قلب المعركة الفكرية والسياسية والاجتماعية، وأن غيابه اليوم يطرح سؤالًا وجوديًا حول مصير الفكر العربي ودوره في مواجهة التحديات الراهنة.

مقدّمة : "بين حصانين"
بين صور الطائرات الأمريكية فوق فنزويلا وصور نابليون فوق حصانه تمتدّ مهزلة تاريخية واحدة؛ أو قل: يعيد التاريخ نفسه في شكل مهزلة. لقد لبس ترامب اليوم عباءة بونابرت، مقلِّدًا خطاب التحرير ذاته لتمرير الهيمنة، فيما تهلّل له نخبٌ في الجنوب مقتنعة بأنها تشهد فتحًا حضاريًا جديدًا. هنا نحفر في جذور هذه المهزلة المتكررة: كيف يتحول الغازي إلى «محرِّر» في وعي المغلوب؟ وكيف تغذّي تبعية الوعي أبديةَ دورات الغزو والاحتلال؟ هنا نحفر في أرشيف «الروح المشوَّهة» وسنداتها داخل مجتمعاتنا التي تستقبل سيف المحتلّ المغلَّف بشعارات الحرية بوصفه بُشرى، بدلًا من أن تراه محنةً تتكرر.
1) المشهد المتكرر: من جبال الألب إلى بحر الكاريبي
يرى البعض في مشهد ترامب وهو يقود عملية عسكرية ضد فنزويلا تجسيدًا لفكرة الحرية والتقدم والإنسانية. فهناك من لا يحملون عمق هيغل الفكري، لكنهم يرون العالم بمنظاره التقدمي الأحادي؛ فيتخيّلون أن «روح العصر» الحديثة و«قيم الأنوار» تتجسد في القوة الغازية لتخلّص فنزويلا—في زعمهم—من الاستبداد والإرهاب والمخدرات التي تهدد الشعب الأمريكي. وهكذا يُصوَّر الغزو على أنه مسيرة تحريرية تقدمية.
وفي خضمّ الأحداث العسكرية المتسارعة في فنزويلا، يصدح صوتٌ من الجنوب مؤيدًا للعملية العسكرية الأمريكية «الباهرة» بلغة ترامب؛ وهو صوت الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي، الذي رفع شعار: «الحرية تتقدّم. تحيا الحرية يا للعنة!» (LA LIBERTAD AVANZA, VIVA LA LIBERTAD, CARAJO)، ليقدّم موقفًا يجعل من الاجتياح الأمريكي لحظةً تاريخية تحريرية.
في هذه الرؤية، لا تُصوَّر الحملة العسكرية على أنها مجرد عملية لمكافحة المخدرات أو تدخل في سيادة دولة، بل تُرفع إلى مرتبة «تقدّم» لروح الحرية الحديثة التي تجتاز الحدود وتحقق ذاتها بالقوة. فيتحوّل بذلك الصراع إلى مسألة فكرية تتعلق بنشر الحرية والحضارة ضد الفساد والتوحش، حيث يلعب الأسطول الأمريكي دور أداة نشر الحضارة، ويصبح النظام الفنزويلي مجرد عائقٍ ماديّ في طريق «التقدّم» الذي لا يُقهر. هذا الخطاب لا يشرعن الفعل العسكري فحسب، بل يمنحه قوة أخلاقية ومبرِّرًا تاريخيًا، مكرّسًا تناقضًا بين قوى «التحرير» التقدمية وقوى «الاستبداد» الرافضة لمسار التاريخ.
في هذه الرؤية، لا يعدو ترامب أو نابليون كونهما شخصين، بل هما تجسيدٌ لـ«روح العالم» المتمثلة في الفكر والتقدم والحرية، التي تتخذ هيئة بشر وتزحف على الجغرافيا. ففنزويلا، أو أي بقعة أخرى مثل سوريا أو ليبيا أو غزة (التي طُلب من سكانها المغادرة سابقًا)، تصير مجرد «أمكنة» على خريطة هذه الروح؛ تُهدم ليمرّ فيها قطار العقل المزعوم ويكمل مسيرته الحتمية. إنها رؤية تقوم على الغزو والاحتلال وتختزل الشعوب والأوطان في مجرد عوائق تحول دون تحقق هذا المطلق.
لكن ما يعنينا نحن في بلدان الجنوب هو أمرٌ آخر. فليس بيننا هيغل يقرأ التاريخ، بل حفنة من «المثقفين» و«المفكرين»—دينيين كانوا أم يساريين أم حقوقيين—تحولوا إلى أدوات. هؤلاء يرون في غزو أوطانهم وتدميرها تحقيقًا للحرية والحداثة، فيبررون الوصاية والاحتلال تحت شعارات حداثية وحقوقية وإنسانية. وهذا هو التحدي الحقيقي: مقاومة هذا الخطاب الذي يتسلل كحصان طروادة. فالمحتل سيظل محتلاً، ولن يُردع إلا بمقاومة شاملة: مادية وفكرية نقدية معًا.

لَيْسَ الاستبدادُ حادثةً عابرةً في تاريخِ البَشَرِ ، بَلْ بُنْيَة مُعَقَّدَة تَتكرَّر بأقنعةٍ مُختلفة ، وَتُغَيِّر لُغَتَهَا دُونَ أنْ تُغيِّر جَوْهَرَها . إنَّه مَرَضُ السُّلطةِ حِينَ تنفصلُ عَن الإنسانِ ، وَحِينَ يَتحوَّل الحُكْمُ مِنْ وَظيفةٍ لِخِدمةِ المُجتمعِ إلى آلَةٍ لإخضاعه .
بَيْنَ عبد الرَّحمن الكواكبي ( 1855 _ 1902 ) المُفكِّر العربي الذي واجهَ الاستبدادَ مِنْ قَلْبِ الشَّرْقِ في أواخرِ القَرْنِ التاسعِ عَشَر ، وَبَيْنَ جورج أورويل ( 1903 _ 1950 ) ، اسْمُه الحقيقي : إريك آرثر بلير ، الروائي الغربي الذي حَذَّرَ مِنْ طُغيانِ الحَداثةِ السِّياسيةِ في القَرْنِ العِشْرين ، تَتشكَّل خَريطةٌ فِكرية واحدة لِمَسارِ القَمْعِ ، وإن اختلفت الجُغرافيا واللغةُ والأُسلوب .
الكواكبي لَمْ يَكْتُبْ عَن الاستبدادِ بِوَصْفِهِ فِكرة مُجرَّدة ، بَلْ بِوَصْفِه تَجْرِبة مُعاشة . كانَ يَرى الطُّغيانَ مُتَغَلْغِلًا في تفاصيلِ الحَياةِ اليَوميةِ ، في التَّعليمِ الذي يُفَرَّغُ مِنَ النَّقْدِ ، في الثقافةِ حِينَ تُسْتَعْمَل أداةَ تَبريرٍ ، في الاقتصادِ حِينَ يَتحوَّل إلى وسيلةِ إفقارٍ ، في الأخلاقِ حِينَ تَمْدَحُ الطاعةَ العَمْيَاءَ ، وَتَذُمُّ جُرْأةَ النَّقْدِ البَنَّاءِ .
في كِتاباتِه ، لا يَبدو المُسْتَبِدُّ وَحْشًا أُسْطُورِيًّا ، بَلْ إنسانًا عاديًّا تَضَخَّمَ ظِلُّهُ لأنَّ المُجتمعَ تَراجعَ . الاستبدادُ عِندَه عَلاقةٌ مُخْتَلَّةٌ بَيْنَ حَاكَمٍ يَخافُ شَعْبَه ، وَشَعْبٍ يَخَافُ حَاكِمَه ، والخَوْفُ هُوَ اللغةُ المُشترَكةُ التي تَضْبِطُ الإيقاعَ .
أورويل اختارَ طَريقَ السَّرْدِ لِيَكْشِفَ المَأساةَ نَفْسَها . في عَالَمِهِ الرِّوائيِّ ، لا يَحتاجُ الطاغيةُ إلى سَوْطٍ دائم ، يَكْفي أنْ يُعيدَ تَشكيلَ اللغةِ والذاكرةِ . السُّلطةُ هُنا لا تَكْتفي بالتَّحَكُّمِ في الحاضرِ ، بَلْ تُعيدُ كِتابةَ الماضي لِتَصْنَعَ مُسْتَقْبَلًا بِلا مُقَاوَمَةٍ . والقَمْعُ يُصْبحُ نِظامًا فِكريًّا مُتَكَامِلًا ، حَيْثُ يُرَاقَبُ الجَسَدُ،وَيُعَاد تَشكيلُ العَقْلِ، وَتُفَرَّغُ الكَلِمَاتُ مِنْ مَعْناها حتى تَفْقِدَ قُدْرَتَهَا على الاعتراضِ. وأورويل لا يَصِفُ الاستبدادَ كَما هُوَ فَقَط ، بَلْ أيضًا كَما يُمكِن أنْ يَصِيرَ إذا تُرِكَ بِلا مُسَاءَلَةٍ .

1. اليسار العراقي بين المشاركة والمقاطعة في انتخابات 2025

تأتي هذه المقالة في لحظة سياسية وتنظيمية حرجة يمر بها اليسار العراقي، حيث لم تعد التراجعات الأخيرة قابلة للتفسير بالعوامل الخارجية وحدها، ما نمر به هو اختبار حقيقي لإرادتنا وقدرتنا على ابتكار أدوات عمل ومنهجيات جديدة. فلا يمكن قراءة نتائج معظم اليسار العراقي في الانتخابات الأخيرة 2025 بوصفها مجرد خسارة انتخابية عابرة، أو كنتيجة مباشرة للقانون الانتخابي المجحف وسيادة المال السياسي. هذه العوامل الخارجية صحيحة ومؤثرة بلا شك، وتضاف إليها التحديات الأشد وطأة المتمثلة في التقييد والتضييق المنهجي الذي تمارسه القوى المهيمنة، وتأثير الفساد الهيكلي الذي يشوه ساحة الصراع بالكامل، جاعلاً المنافسة غير متكافئة الى حد كبير.

ومع ذلك، فإن التركيز على المؤثرات الخارجية، رغم أهميتها، قد لا يكفي لفهم الصورة الكاملة. فما جرى في الواقع هو تعبير مكثف عن أزمة أعمق تطال أشكال التنظيم، وطريقة العمل، وأسلوب الخطاب والتفكير السائد داخل اليسار العراقي عموماً بكافة فصائله. إنها أزمة لا تتعلق بأحزاب أو قيادات بعينها، بل تمس العلاقة المختلة بين الفكرة الصحيحة وأدواتها الخاطئة. وهي العلاقة بين خطاب تغييري جذري، وطريقة عرضه وتسويقه داخل "سوق سياسي" شديد التعقيد والوحشية يحكم بالقبضة الأمنية والمالية بدلاً من التنافس الديمقراطي الحر. ومع ذلك، ورغم هذا التراجع الواضح، يبقى اليسار العراقي بكافة فصائله الأمل الحقيقي والبديل الأكثر جدية للتغيير الاجتماعي. فعدالة مشروعه وقدرته الكامنة على التنظيم والعمل الجماعي ما زالت قائمة، لكنها تنتظر أشكالاً جديدة للفعل والعمل تتلاءم مع تحولات المجتمع، وتستطيع ليس فقط أن تحسن دورها الجماهيري، بل أن تبتكر أدوات منهجية وعلمية للعمل في ظل شروط الصراع السياسي والاجتماعي الراهنة في العراق وإقليم كردستان.

انطلاقا من هذا التشخيص المزدوج، الخلل الداخلي والتحدي الخارجي، يصبح السؤال الحقيقي ليس فقط لماذا لم تحقق معظم قوى اليسار في الانتخابات، او حتى في المقاطعة، النتائج المرجوة؟ ولا لماذا لم تنجح في تعزيز وجودها السياسي والاجتماعي بشكل عام؟ بل لماذا، رغم الوضع السيئ للجماهير وسلطة طغم الاستبداد والفساد في بغداد واربيل، لم يتحول التغيير الاجتماعي، رغم عدالته وضرورته، الى خيار جماهيري واضح ومقنع؟ ولماذا بقي مشروع اليسار، بكل تنوعاته، مشتتا ومتعارضا، مختلفا بآليات العمل والنضال، ولم نتمكن بعد، رغم كثرة نقاط الالتقاء، من بناء إطار موحد وفقها ويجمع طاقاتنا المتنوعة في اتجاه واحد؟ ففي هذه الحالة لم تر الجماهير بديلا واحدا متماسكا، بل سلسلة عروض متنافسة على الفكرة نفسها، تتبنى في معظمها الخطاب ذاته، الى درجة يمكن معها بسهولة تغيير اسم الجريدة او الحزب في اعلامهم، فيشعر المتابع-ة ان حزبا واحدا يتكرر، خصوصا في المسائل الآنية.

في الأزمات الكبرى، حين تتكاثف التحديات وتتعاظم المخاطر، يتطلع المواطنون إلى أنظمتهم السياسية بوصفها الحصن الأخير والملاذ الآمن. غير أنّ التجربة التاريخية والمعاصرة تكشف لنا، بمرارة متكررة، أنّ هذه الأنظمة كثيرًا ما تتحول إلى مصدر للخذلان بدل أن تكون سندًا للحماية. فالسلطة التي يفترض أن تُدار بمنطق المسؤولية والشرعية، تنزلق في كثير من الأحيان إلى منطق البقاء والاستحواذ، حيث تُقدَّم مصالح النخبة الحاكمة على حساب حاجات المجتمع، ويُستبدل خطاب الرعاية بخطاب التبرير، وتُستبدل سياسات التنمية بإجراءات القمع والتضييق.
حين نتأمل في مسار التاريخ السياسي الحديث، ندرك أن الخذلان لم يعد مجرد حادثة عابرة أو خطأ في الحسابات، بل أصبح سلوكاً ممنهجاً تتبناه أنظمة الحكم في لحظات الامتحان الكبرى. فالأنظمة التي تُفترض وظيفتها حماية الشعوب وصون كرامتها، كثيراً ما تتحول إلى أدوات لإعادة إنتاج التبعية، وإلى آليات لإجهاض آمال الجماهير في الحرية والعدالة. هنا يتجلى التناقض الصارخ بين الخطاب الرسمي الذي يَعِدُ بالنهضة والإصلاح، وبين الواقع المعيش الذي يكرّس الاستبداد ويُعمّق الفجوة بين السلطة والمجتمع.
من منظور أكاديمي، يمكن قراءة هذا الخذلان بوصفه تعبيراً عن أزمة بنيوية في علاقة الدولة بالمجتمع، حيث تغيب آليات المساءلة، وتُختزل الشرعية في شعارات فارغة أو في تحالفات خارجية. أما من زاوية صحفية نقدية، فإن هذا الخذلان يتجسد في صور يومية ملموسة: في صمت الأنظمة أمام المآسي الإنسانية، في تواطؤها مع القوى المهيمنة، وفي عجزها عن تقديم حلول حقيقية لأزمات البطالة والفقر والهجرة. إننا أمام مشهد تتكرر فيه الوعود، لكن تتلاشى فيه الأفعال، لتبقى الشعوب وحدها في مواجهة مصيرها.
إنّ خذلان الأنظمة لا يظهر فقط في لحظة الانهيار الاقتصادي أو الفشل الأمني، بل يتجلى أيضًا في غياب الرؤية، في تهميش الثقافة، وفي تعطيل إمكانات الأفراد والجماعات. وحين يُترك المواطن عاريًا أمام العاصفة، بلا حماية ولا أفق، يصبح الخذلان فعلًا سياسيًا وأخلاقيًا مركبًا، يضرب الثقة في المؤسسات ويقوّض العقد الاجتماعي الذي يفترض أن يربط الدولة بمواطنيها.