مدخل
يعالج هذا المقال التحول العميق الذي طرأ على مفهوم “السلام” داخل الاستراتيجيات الإمبريالية المعاصرة، حيث لم يعد السلام نقيضًا للحرب، بل أداة لإعادة إنتاج الهيمنة السياسية والاقتصادية في سياق أزمة النيوليبرالية العالمية1.
ينطلق البحث من فرضية مفادها أن السلام أصبح آلية وظيفية لتسهيل تمدد رأس المال، وتفكيك السيادة الوطنية، واحتواء الصراع الاجتماعي، عبر صفقات اقتصادية وأمنية تُدار خارج الأطر الدبلوماسية والمؤسساتية التقليدية 2.
يعتمد المقال منهجًا تحليليًا مقارنًا لدراسة ثلاثة مسارات إمبريالية مختلفة: الإمبريالية الأمريكية، الأوروبية، والصينية، مبرزًا نقاط الاختلاف والتقاطع بينها في استخدام “السلام” كأداة للهيمنة 3. ويخلص إلى أن ما نشهده اليوم ليس تجاوزًا للنيوليبرالية، بل إعادة تشكيل أكثر تعقيدًا لها، تتخذ من السلام، بدل الحرب المباشرة، وسيلة لإدارة التراجع الإمبريالي في نظام دولي يتجه نحو التعددية القطبية 4.
تقديم
لم يعد “السلام” في النظام الدولي المعاصر قيمة أخلاقية أو غاية سياسية مستقلة، بل تحوّل تدريجيًا إلى أداة استراتيجية ضمن منظومات الهيمنة الإمبريالية 5. فبدل أن يُنهي الصراع، بات يؤطره، وبدل أن يعالج جذوره الاجتماعية والسياسية، أصبح يفتح المجال أمام صفقات تجارية وأمنية واستثمارية تعيد إنتاج علاقات التبعية 6.
يندرج هذا التحول في سياق أزمة بنيوية تعيشها النيوليبرالية، حيث فقدت قدرتها على إنتاج الشرعية الاجتماعية والسياسية، فلجأت إلى إعادة تعريف مفاهيم مثل السلام، الديمقراطية، وحقوق الإنسان، بما يخدم متطلبات التراكم الرأسمالي في مرحلته المعولمة والرقمية 7.
ينطلق هذا المقال من تساؤل مركزي:
كيف أصبح السلام أداة إمبريالية لإدارة الأزمات، وما الذي يميز استخدامه في النماذج الإمبريالية الأمريكية، الأوروبية، والصينية؟
الإطار النظري والمنهجي
يعتمد المقال على نقد النيوليبرالية كما بلوره ديفيد هارفي وكارل بولاني، وعلى تحليل الإمبريالية بوصفها مرحلة احتكارية من تطور الرأسمالية وفق لينين 8، إضافة إلى مفهوم الهيمنة الثقافية والسياسية عند غرامشي 9، ونظريات الرأسمالية الرقمية واستخراج القيمة من البيانات كما طورتها شوشانا زوبوف وكريستيان فوش 10، مع اعتماد منهج تحليلي–مقارن وبنيوي للترابط بين الاقتصاد السياسي، السيادة، والسلام
النيوليبرالية والسلام كآلية للهيمنة
لم يعد السلام إطارًا سياسيًا لتنظيم العلاقات الدولية، بل أداة لإعادة تشكيل المجتمعات من الداخل، عبر تفكيك العقد الاجتماعي، وتحييد الصراع الطبقي، وتحويل السياسات الاقتصادية إلى مسلمات تقنية غير قابلة للنقاش السياسي 11، هذا التحول هو امتداد مباشر للمشروع النيوليبرالي الذي حوّل السوق من آلية تنظيم إلى عقيدة، وأفرغ الديمقراطية التمثيلية من مضمونها الاجتماعي 12.