"نحن أمة دينية تؤثر فيها كلمة الدين،
والرأي الشرعي أكثر من أي رأي آخر"
الشيخ يوسف القرضاوي
جاء الربيع العربي ومضى وكأن شيئا لم يكن، ظل عالمنا العربي على بؤسه الفكري، لم تصاحب ربيعنا ثورة فكرية تزلزل أركان البنى الفكرية العتيقة في مجتمعاتنا، كل ما حدث أن حشودا هائلة جابت الشوارع والميادين بحثا عن فردوس مفقود، لا ملامح له ولا ظلال. شعارات تطالب بالعيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية، لم يدر الصادحون بها بؤس ضحالتها، وأنها محض قشور! البؤس العربي عميق يضرب بجذوره في التاريخ، مضحك ان اعتقدنا بأن شعارات كتلك، على أهميتها، أمارة لتثوير العقول والقلوب واثارة الرغبة في نبش الماضي!
ما أشبه ثوارنا بمهندس ديكور يهتم بالمظهر الخارجي، لا عالم أثار يستنطق الماضي ويتتبع الجذور، لم تجد ثوراتنا صفوة فاضلة تقودها إلى ربيع حقيقي، كل ما وجدته أشباح الماضي تقودها إلى صلوات الميادين ومزيد من تغييب الوعي، في ظل عطش للسلطة وحرص واضح على تكريس الاغتراب الثقافي للذات، عبر تعميتها عن حقها في نقد وتطوير طريقة حياتها!
ولد الربيع العربي فجأة وولى الأدبار بسرعة، لم يصمد فلا جذور فكرية له ولا منظرين، كل ما امتلكه هو عدم ممانعة غربية في صعود الإسلاميين للسلطة، وتأييد استخباراتي خفي، برره قادة غربيون حينها برغبتهم في عدم تكرار هجمات 11/9، إلى هنا ولا مشكلة، فالشارع العربي في ظل هيمنة طريقة التفكير الديني، وفي غياب أصحاب التفكير الفلسفي، مؤهل للقبول بإسلاميين يعدونه بحياة كريمة على الأرض وجنة عرضها السماوات والأرض بعد الموت!
صعد الإسلاميون إلى السلطة، وبدا واضحا من الوهلة الأولى تبنيهم لشعارات جوفاء، رغم تبشيرهم المحموم باستعادة أمجاد الماضي الإسلامي، لم اسمع من منظريهم نقدا لماضينا ولا تصورا لكيفية معالجة مثالبه ولا لكيفية التعاطي مع معطيات الحاضر وتحديات المستقبل، وهذا أمر طبيعي فأصحاب التفكير الديني في كل الحضارات والمجتمعات كل همهم استعادة الماضي، فهو نموذج امثل لا يمكن بحال تجاوزه إلى الأفضل، الماضي عندهم نهاية التاريخ، وكل المطلوب منهم ومن غيرهم ـ من وجهة نظرهم ـ الاجتهاد في استحضاره فهو "كتالوج" الحاضر والمستقبل!

في زمن الحروب الحديثة، لم يعد السؤال هو: من يَقْصِفُ مَنْ؟ بل: من يُعَرِّف القصف؟ من يمنحه اسمه ومعناه وشرعيته؟ هنا في هذه المنطقة الرمادية بين الحدث وسرده، يولد أخطر أشكال السلطة: سلطة إعادة هندسة الوعي. لأن ما نشهده من تغطية إعلامية للعدوان الصهيوأمريكي على إيران ولبنان، خاصة من قبل بعض القنوات الأكثر انتشارا ومشاهدة في الشرق الأوسط وشمال افريقيا، ليس مجرد انحياز، بل هو اشتغال ممنهج على تفكيك الإدراك وإعادة تركيبه. الإعلام هنا لا يخطئ بل يُنتج ما يمكن تسميته "خطأً وظيفيًا" يخدم بنية القوة. إنه لا ينقل الواقع، بل يعيد صياغته ضمن قوالب تجعل العنف مقبولًا، بل وأحيانًا ضروريًا، وحتى موازين هذه القوة موجهة رغم أنف الواقع.
إذن كيف يوظف الإعلام اللغة من أجل هندسة الوعي؟
بالإضافة الى أزيز الطائرات ودوي الانفجارات هنا وهناك، تندلع حرب إعلامية موازية، وفي قلب هذه العملية تقبع اللغة، فالكلمات الموظفة من قبل المراسلين والمحليين ليست بريئة، بل هي حوامل أيديولوجية مشحونة. حين يُقال "ضربة استباقية"، يتم اختزال زمن كامل من الاعتداء في لحظة دفاع. وحين تُسمى جثث الشهداء (القتلى) مجرد "أضرارًا جانبية"، يُمحى الإنسان من المعادلة، ويُستبدل بمعادلة تقنية باردة.
هذا ما يكشفه تحليل الخطاب المعاصر، حيث تتحول اللغة إلى أداة لإنتاج واقع بديل. وهو ما يتوافق مع ما أشار إليه الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو، بقوله "الحقيقة ليست معطى، بل تُصنع داخل شبكات السلطة". والإعلام هو أحد أهم معامل هذه الصناعة.
في هذا السياق، يصبح الإعلام جهازًا لإنتاج "القبول" فلم يعد المطلوب إقناعك بالحرب كضربة استباقية ضرورية ــ مثلا تسويق أن إيران كانت على بعد أسبوع من صناعة القنبلة النووية وبالتالي فإن هذه الحرب خيار لا بديل عنه ــ بل جعلك تتعايش معها كأمر طبيعي. هنا نستحضر فكرة الفيلسوف الأمريكي نعوم تشومسكي حول مفهوم "صناعة القبول"، حيث تُضبط حدود التفكير العام، بالشكل الذي لا يسمح بخروج النقاش عن الإطار المسموح به، كما لا يُمنعُ السُؤال، بل يُعاد توجيهه، فعوض التساؤل لماذا يُقصف المَدَنِيون وتهدم البنية التحية من مدارس ومستشفيات وخزانات الماء والطاقة مثلا؟ يصبح السؤال: هل كانت الضربة فعّالة؟. بهذا التحول، يتم نزع الطابع الأخلاقي عن الحدث، وتحويله إلى مسألة تقنية أو استراتيجية لا غير، كما أن الحرب الاعلامية تروم إعادة تعريف الإنسان/الضحية أكثر من تبرير العنف، فيُختزل الإنسان إلى مجرد رقم، أو يُقدَّم كتهديد كامن، أو يُربط بخطاب أمني يبرر قتله ضمنيًا، في هذه اللحظة، لا يُقتل الجسد فقط، بل يُقتل المعنى، وعندها تصبح المأساة بلا وجه، بلا اسم وبلا قصة، في هذه اللحظة بالضبط تبلغ هندسة الوعي ذروتها، وذلك عندما يتوقف المتلقي عن رؤية الألم كألم.

تشهد الدنمارك في السنوات الأخيرة واحدة من أكثر لحظات إعادة التقييم السياسي حساسية منذ أزمة اللاجئين عام 2015، وذلك في ظل تصاعد التوترات في الشرق الأوسط وتزايد المخاوف الأوروبية من موجات نزوح جديدة. فمع اندلاع صراعات متتالية في المنطقة—من غزة إلى لبنان، ومن اليمن إلى العراق—تقدّر منظمات دولية أن أكثر من 4.2 مليون شخص قد نزحوا خلال العامين الأخيرين فقط، بينما تشير توقعات المفوضية السامية لشؤون اللاجئين إلى احتمال ارتفاع هذا الرقم إذا استمرت الأوضاع الأمنية في التدهور.

بالنسبة للدنمارك، التي تبنّت منذ 2019 واحدة من أكثر سياسات اللجوء تشددًا في أوروبا، فإن هذه التطورات تضع الحكومة أمام معادلة معقدة: كيف يمكن الحفاظ على نهج "صفر لجوء" الذي تبنته الحكومات المتعاقبة، وفي الوقت نفسه التعامل مع واقع جيوسياسي يهدد بخلق موجة لجوء جديدة نحو القارة الأوروبية؟ فوفقًا لإحصاءات وزارة الهجرة الدنماركية، انخفض عدد طلبات اللجوء من 21,000 طلب في 2015 إلى أقل من 2,000 طلب سنويًا منذ 2021—وهو أدنى مستوى منذ ثلاثة عقود. لكن استطلاعات الرأي الأخيرة تُظهر أن 58% من الدنماركيين يعتقدون أن التوترات في الشرق الأوسط قد تؤدي إلى زيادة ملحوظة في أعداد طالبي اللجوء خلال السنوات المقبلة، بينما يرى 46% أن على الحكومة تشديد السياسة أكثر.

هذا القلق الشعبي ينعكس بوضوح في الخطاب السياسي خلال انتخابات 2026، حيث أصبحت الهجرة واللجوء ثالث أهم قضية للناخبين بعد الاقتصاد والرعاية الصحية. كما أن أحزاب اليمين—مثل حزب الشعب الدنماركي والديمقراطيين الدنماركيين—تستخدم التطورات في الشرق الأوسط لتبرير مطالبها بإغلاق الحدود بشكل شبه كامل، بينما تدعو أحزاب اليسار إلى مقاربة أكثر إنسانية، محذّرة من أن تجاهل الأزمات الإنسانية قد يضر بصورة الدنمارك الدولية.

وفي ظل هذا المشهد المتوتر، يبرز سؤال محوري: هل ستستمر كوبنهاغن في نهجها المتشدد، أم أن التطورات الجيوسياسية ستجبرها على إعادة النظر في سياسة اللجوء؟ هذا السؤال لا يتعلق فقط بالسياسة الداخلية، بل يرتبط أيضًا بعلاقات الدنمارك مع الاتحاد الأوروبي، والتزاماتها الدولية، وصورتها كدولة تدافع عن حقوق الإنسان.

تتسارع على الأرض خطوات إسرائيلية ممنهجة تهدف إلى تكريس واقع جديد في الضفة الغربية، واقع يقطع الطريق أمام أي أفق لقيام دولة فلسطينية مستقلة، وفي ذات الوقت يتحدث العالم عن حلول سياسية عادلة للصراع الفلسطيني–الإسرائيلي.

 ففي فبراير 2026، صادقت الحكومة الإسرائيلية على سلسلة من الإجراءات الإدارية والقانونية، من بينها تسجيل مساحات واسعة من أراضي الضفة الغربية كـ"أملاك دولة"، وهو ما اعتبرته الأمم المتحدة والعديد من الدول "تصعيدًا خطيرًا" يقوّض فرص حل الدولتين ويشرعن التوسع الاستيطاني.

تشير التقارير إلى أن هذه القرارات لا تقتصر على مناطق الاستيطان فحسب، بل تمتد إلى مناطق مصنفة (أ) و(ب)، حيث يعيش ملايين الفلسطينيين تحت إدارة السلطة الوطنية، مما يعني عمليًا إعادة صياغة الواقع القانوني والمدني في الضفة الغربية لصالح السيطرة الإسرائيلية المباشرة. ووفق بيانات الأمم المتحدة، فإن أكثر من 700 ألف مستوطن يعيشون اليوم في الضفة الغربية والقدس الشرقية، موزعين على نحو 300 مستوطنة وبؤرة استيطانية، في حين تتعرض آلاف العائلات الفلسطينية لتهديدات الإخلاء القسري، كما حدث مؤخرًا في حي سلوان بالقدس.

هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات جامدة، بل هي مؤشرات على مسار سياسي وأمني يراد له أن يصبح أمرًا واقعًا: ضم فعلي للأرض، وتفتيت للجغرافيا الفلسطينية، وإغلاق الباب أمام أي إمكانية لإقامة دولة فلسطينية ذات سيادة. إن ما يجري اليوم في الضفة الغربية ليس مجرد إدارة نزاع، بل هو إعادة رسم للخريطة على حساب الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، في تحدٍ صارخ للقانون الدولي وقرارات مجلس الأمن.

السياق التاريخي والسياسي

منذ توقيع اتفاقيات أوسلو عام 1993، كان يُفترض أن تشكّل الضفة الغربية النواة الجغرافية والسياسية للدولة الفلسطينية المستقبلية، عبر تقسيمها إلى مناطق (أ) و(ب) تحت إدارة السلطة الوطنية الفلسطينية، ومناطق (ج) تحت السيطرة الإسرائيلية المؤقتة. غير أن الواقع على الأرض سار في اتجاه معاكس تمامًا، حيث تحولت المرحلة الانتقالية إلى فرصة لإسرائيل لتوسيع نفوذها وترسيخ مشروعها الاستيطاني.

شهدت الدول الاسكندنافية، التي لطالما ارتبطت في المخيال الجمعي العالمي بصورة "الملاذ الآمن" و"نموذج الرفاه الاجتماعي"، تحولات سياسية واجتماعية عميقة خلال العقد الأخير. هذه التحولات تجسدت في صعود الخطاب اليميني والشعبوي الذي يربط بين الهجرة والجريمة، ويصور المهاجرين باعتبارهم تهديداً للنظام الاجتماعي والاقتصادي القائم. لم يعد هذا الخطاب مجرد هامش سياسي، بل أصبح جزءاً من التيار الرئيسي، مدعوماً بأحزاب تحقق مكاسب انتخابية غير مسبوقة، وبإجراءات حكومية تعكس تغير المزاج الشعبي.
في السويد، على سبيل المثال، دخلت البلاد مرحلة جديدة مع تشكيل حكومة يمينية مدعومة من حزب "سفاريا ديموكراتنا"، الذي بنى خطابه على الربط المباشر بين فشل الاندماج وارتفاع معدلات الجريمة. هذه الحكومة أعلنت منذ 2022 عن سياسات تستهدف المهاجرين بشكل مباشر، من خلال تشديد العقوبات وتقييد المساعدات الاجتماعية، في محاولة لإعادة صياغة العلاقة بين "المواطن الأصلي" و"الوافد الجديد".
أما في الدنمارك، فقد اتخذت السياسات منحى أكثر صرامة عبر قوانين "الغيتوهات"، التي تفرض قيوداً على مناطق ذات كثافة مهاجرين، وتربط بين الهوية الوطنية والأمن الداخلي. هذه القوانين لم تقتصر على الجانب القانوني، بل حملت دلالات رمزية قوية، إذ تعكس رؤية رسمية تعتبر المهاجرين "كتلة منفصلة" ينبغي ضبطها وإعادة تشكيلها.
النرويج بدورها لم تكن بمنأى عن هذه التحولات، حيث شهدت تشديداً في شروط اللجوء والاندماج، مدفوعة بضغط الأحزاب الشعبوية التي تزايد نفوذها في البرلمان. الأرقام هنا تكشف الكثير: استطلاعات الرأي الأخيرة أظهرت أن أكثر من 40% من المواطنين يعتبرون الهجرة "أكبر تحدٍ اجتماعي"، فيما ارتفعت نسبة التأييد للأحزاب اليمينية إلى مستويات غير مسبوقة.
إن تصاعد هذا الخطاب لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق الأوروبي الأوسع، حيث تتزايد النزعات الشعبوية كرد فعل على الأزمات الاقتصادية، وتنامي المخاوف الأمنية، وتراجع الثقة في المؤسسات التقليدية. لكن خصوصية الحالة الاسكندنافية تكمن في المفارقة بين الصورة التاريخية لهذه الدول كحاضنة للإنسانية والرفاه، وبين الواقع الجديد الذي يعكس انغلاقاً متزايداً واستقطاباً مجتمعياً حاداً.

لا يمكن فهم أزمة اندماج اللاجئين في أوروبا بمعزل عن السياق الذي أنتجها. فموجات اللجوء الكبرى لم تنشأ في فراغ، وجاءت في معظمها نتيجة مباشرة لحروب ودمار ممنهج طال مجتمعات بأسرها. ولا يزال هذا الدمار مستمراً حتى اليوم: ففي غزة وحدها تجاوز عدد ضحايا العدوان الإسرائيلي منذ أكتوبر 2023 اثنين وسبعين ألف فلسطيني غالبيتهم من الأطفال والنساء، فيما تهجّر نحو مليوني شخص. وفي السودان واليمن وسوريا لا تزال الحروب تنتج موجات نزوح متواصلة. وفي فبراير 2026 نفّذت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات عسكرية على إيران، وبغض النظر عن طبيعة النظام الإيراني الديكتاتوري الرجعي، فإن هذا العدوان العسكري المباشر على دولة ذات سيادة يرسخ منطق الحرب والعسكرتارية بديلاً عن القانون الدولي، وينتج مزيداً من الضحايا المدنيين والنازحين. هذه الحروب والصراعات تُشعلها أو تدعمها في معظم الأحيان تحالفات رأس المال والقوى اليمينية في الغرب وحلفاؤها الإقليميون. ومن المفارقة المؤلمة أن هذه القوى ذاتها التي أسهمت في تدمير مجتمعات بأسرها هي اليوم في طليعة من يرفعون راية معاداة المهاجرين ويصوّرونهم عبئاً لا ضحايا حروب أشعلوها.

تتصدر قضية الاندماج المشهد السياسي في الدول الاسكندنافية وبعض دول شمال أوروبا منذ عقود، وتتجدد حدتها مع كل موسم انتخابي. وعلى الرغم من تباين السياقات الوطنية، تتقاطع هذه الدول في مواجهة إشكاليات متشابهة: صعود الخطاب اليميني المعادي للمهاجرين، وانزياح أحزاب الوسط اليساري نحو مواقف أكثر تشدداً في ملف الهجرة، وغياب تفسير بنيوي جاد لأسباب تعثر الاندماج لدى أقلية من الوافدين. وتبرز الدنمارك في هذا السياق بوصفها النموذج الأكثر تشدداً حالياً، إذ أقرت خلال السنوات الأخيرة جملةً من أشد قوانين الهجرة والاندماج صرامةً في العالم الغربي. تتخذ هذه القراءة من الدنمارك نموذجاً تحليلياً لا لأنها استثناء، إذ تجسد هذه التناقضات بوضوح لافت، ولأنني أقيم فيها وأتابع مجرياتها عن قرب، مما يتيح لي رصد هذه الإشكاليات من الداخل. والحالة في جوهرها عامة وقابلة للتطبيق على سياقات مماثلة في دول أوروبية أخرى ذات أنظمة رفاه متقدمة.

ملاحظة للقارئ: المشهد الحزبي الدنماركي

ينقسم المشهد السياسي الدنماركي إلى كتلتين رئيسيتين. الكتلة الزرقاء اليمينية وتضم حزب فينسترا Venstre - Liberal Party (الليبرالي التاريخي)، وحزب الشعب الدنماركي Dansk Folkeparti - Danish People's Party (القومي الشعبوي) الذي أرسى منذ مطلع الألفية خطاباً مناهضاً للهجرة أصبح مرجعاً للتنافس السياسي في البلاد ودفع المشهد السياسي كله نحو اليمين في هذه المسألة، إضافة إلى الليبرالية الجديدة Liberal Alliance والمحافظين Det Konservative Folkeparti - Conservative People's Party.

إن التحولات الجيوسياسية الحالية لا يجب أن نفهمها بوصفها مجرد تنافس بين الدول الرأسمالية، بل بوصفها تعبيراً عن تحولات في بنية التراكم الرأسمالي نفسه. فالدولة المهيمنة ليست سوى الشكل السياسي الأعلى لمركز التراكم العالمي. ومن هذا المنظور، فإن الحديث عن الانتقال من عصر الهيمنة الأمريكية إلى صعود الصين هو في جوهره حديث عن انتقال مركز إنتاج القيمة وفائض القيمة على الصعيد العالمي. على اعتبار أن التراكم بوصفه قانون الرأسمالية يتم حسب التحليل الماركسي على أساس استخراج فائض القيمة من العمل وإعادة استثماره لتوسيع الإنتاج، وكذلك التوسع الجغرافي بحثاً عن يد عاملة أرخص ومواد أولية، إضافة إلى أسواق جديدة. من هنا يظهر ما يمكن تسميته بالجغرافيا المتحركة لرأس المال الذي بطبعه لا يعرف الاستقرار، بل ينتقل حيث توجد شروط التراكم الأفضل.
تاريخيا انتقل مركز التراكم من بريطانيا الذي عرفه خلال القرن 19م إلى أمريكا في القرن 20م، وهذا يجب أن يُأْخَذ في الحسبان لفهم صعود الصين في القرن 21م حاليا، ومن بين أسباب ذاك الانتقال:
1 ــ ارتفاع كلفة الإنتاج في بريطانيا.
2 ــ صعود الصناعة الأمريكية الثقيلة.
3 ــ الحربان العالميتان اللتين أنهكتا أوروبا.
4 ــ حلول الدولار محل الجنيه.
إن هذه السابقة التاريخية تقدم نموذجاً نظرياً لفهم انتقال المركز اليوم، فما هي ملامح أزمة التراكم في المركز الأمريكي الآن والتي تنذر بهذا الانتقال؟
إن أهم مؤشر على بداية تآكل الهيمنة الأمريكية ناتج عن الأزمة البنيوية في التراكم نفسه، وذلك عبر انتقال الصناعة إلى الأطراف فمنذ سبعينيات القرن الماضي قامت العديد من الشركات الأمريكية بنقل الإنتاج إلى الصين وجنوب شرق آسيا ثم المكسيك، بغرض تخفيض كلفة الإنتاج، لكن النتيجة البنيوية هي انتقال إنتاج فائض القيمة مادياً خارج المركز، زد على ذلك صعود الرأسمال المالي لَمَّا تحولت أمريكا من رأسمالية الإنتاج إلى رأسمالية مالية، وهو ما تمثله بورصة وول ستريت باعتبارها مركز الربح والاحتكار وبه حلت المضاربة محل الصناعة وتصدير رأس المال عوض البضاعة، إضافة إلى تضخم الديون التي تخطت 38.5 تريليون دولار خلال سنة 2025م. الشيء الذي سبق للينين التحذير منه بقوله: "حين تهيمن المالية يدخل الرأسمال طور الإمبريالية المتأزمة"

منذ أكثر من سبعة عقود، والعالم يشهد مأساةً لا تنتهي، مأساة شعبٍ كُتب عليه أن يكون آخر ضحية للاستعمار في التاريخ الحديث. الشعب الفلسطيني، الذي لم يعرف يومًا طعم الاستقرار، يعيش تحت وطأة استعمار استيطاني دموي، يقتلع الأرض، ويهدم البيوت، ويقتل الأطفال، ويحوّل الحياة اليومية إلى معركة بقاء.
إنها ليست مجرد قضية سياسية عالقة، بل هي جرح مفتوح في جسد الإنسانية، يذكّرنا كل يوم بأن العدالة الدولية ليست سوى شعارات فارغة حين يتعلق الأمر بفلسطين. شعبٌ قدّم من التضحيات ما لم يقدمه أي شعب آخر: ملايين المهجرين، آلاف الشهداء، أجيال وُلدت في المخيمات وكبرت تحت القصف، ومع ذلك ظلّ متمسكًا بحقّه، رافضًا أن يرفع الراية البيضاء أو يساوم على وجوده.
وفي المقابل، يقف العالم العربي والإسلامي، ومعه العالم المتمدن، موقف العاجز أو المتفرج، وكأن فلسطين ليست اختبارًا للضمير الإنساني، بل مجرد ملف سياسي يُدار في أروقة المؤتمرات. إن الصمت أمام هذه المأساة ليس حيادًا، بل هو مشاركة في الجريمة، وتواطؤ مع المستعمر الذي يواصل جرائمه بلا رادع.
فلسطين اليوم ليست مجرد أرض محتلة، بل هي رمز للكرامة البشرية المهدورة، وللحق الذي يُذبح كل يوم أمام أعين العالم. إنها قضية الإنسانية جمعاء، قضية الحرية والعدالة، قضية آخر شعب ما زال يقاوم الاستعمار في زمنٍ ادّعى أنه تجاوز عصور الاحتلال.

المحور الأول: المدخل التاريخي
حين نتأمل مسار القضية الفلسطينية، ندرك أننا أمام أطول مأساة استعمارية في التاريخ الحديث. فالقصة لم تبدأ مع الاحتلال الإسرائيلي عام 1948، بل جذورها أعمق بكثير، تعود إلى لحظة صدور وعد بلفور عام 1917، حين منحت بريطانيا – القوة الاستعمارية العظمى آنذاك – أرضًا لا تملكها لشعب لا يعيش فيها، متجاهلةً وجود شعبٍ أصيل متجذر في أرضه منذ آلاف السنين.
منذ ذلك التاريخ، تحولت فلسطين إلى ساحة مفتوحة للتجارب الاستعمارية: الانتداب البريطاني الذي سهّل الهجرة اليهودية المنظمة، وأسس البنية التحتية لقيام كيان استيطاني، ثم النكبة عام 1948 التي مثّلت أكبر عملية تطهير عرقي في القرن العشرين، حيث هُجّر أكثر من 750 ألف فلسطيني من قراهم ومدنهم، وتحولت حياتهم إلى مخيمات لجوء ممتدة عبر المنطقة.
لم يكن الفلسطينيون ضحية حرب عابرة، بل ضحية مشروع استيطاني إحلالي هدفه اقتلاع السكان الأصليين وإحلال مستوطنين مكانهم. هذا النموذج الاستعماري – الذي عرفه العالم في جنوب إفريقيا والجزائر – انتهى هناك، لكنه استمر في فلسطين، ليجعلها آخر أرض مستعمرة في العالم الحديث.
إن المدخل التاريخي للقضية يوضح أن الفلسطينيين لم يواجهوا مجرد نزاع سياسي، بل واجهوا منظومة استعمارية متكاملة: قوة عسكرية مدعومة من الغرب، منظومة قانونية تشرعن الاحتلال، ودعم دولي يضمن استمرار الاستيطان. ومع ذلك، ظل الشعب الفلسطيني متمسكًا بأرضه وهويته، رافضًا أن يُمحى من التاريخ، ليصبح وجوده ذاته فعل مقاومة يومي.