رواية كتيبة الخراب من الأعمال المتميزة بالساحة الأدبية العربية ، وتدخل ضمن روايات
المدينة أو المكان ، نظرا لبلاغة التصوير فيها ولاعتبار الأمكنة غدت فيها أحيانا موضوعا ومكونا من مكونات حبكتها ، وفي هذا الصدد يشير الدكتور خالد مشبال بكون" المكان لاينفصل عن الزمان والشخصية والحدث واللغة وغيرها من مكونات التصوير السردي الروائي..(وهو)فيها مكون محوري يستقطب باقي المكونات ويخضعها له..إن لم نقل يولد السرد ويمنحه الحياة"(1) في حين يرى الأستاذ فؤادالعزاوي أنه " يصعب الحديث في النقد الروائي عن مكون ما في معزل عن باقي المكونات، ولذلك فإن اجتثات عنصر معين من تربته النصية بغية بيان صورته أو طبيعته عمل محفوف بالمزالق وعرضة لإهدار فرصة الإمساك بتواشيح مكونات الحسن متدثرة باللغة في انفتاحها غير المحدود على الإمكانيات التعبيرية الخلاقة"(2)
أن هذا الإنطباع تمنحه القراءة الأولى لرواية كتيبة الخراب - التي نرى أنها بالإضافة إلى كونها رواية المكان ، نظرا لحضور الأمكنة المتعددة - هي رواية تحكي صورا أو قصصا مثيرة لأبطالها، بحيث تم تصويرها سرديا بتوظيف أنماط متعددة تاريخية وروائية وشعرية مكنت من صياغة نموذج روائي فريد لكنه واقعي ، مكننا من التعرف على صياغة حبكته الروائية وصور الشخوص وأمزجتها، ونمط تفكيرها ، تبعا لأمكنة تواجدها ، والتربة انبتتها . وهذه الشمولية في الرصد للواقع جعلتها لوحة ناطقة تبرز العديد من الإختلالات من خلال مواقف ناتجة عن فعل التخريب ، والهدم والقلق، والتدمير ، والإحساس باقهر والدونية ، وغياب التواصل ، وكأنها كانت تحفر في عمق الكينونة الإنسانية ، معرية كل إحباطاتها، واقنعتها وزيفها. مما أفرز نظرة وأراء الروائي الواعية والمدركة لمشاكل مدينته ، وبالتالي وطنه. وهو ما جعلنا نلمس قدرته الكبيرة على الإدراك الوجودي العميق من خلال استرجاع الماضي أو الواقع التاريخي ، والإجتماعي ، والسياسي لذاكرة المكان والشخوص على السواء .
« كان لدي إحساس مرير و استشعار بالهزيمة ...» *
تخضع كل قصيدة شعرية لبناء معين يضمن لها تماسكها . هذا البناء يخضع في أغلب الأحيان للمستوى الدلالي ، الذي نستطيع بواسطته تقسيم القصيدة إلى وحدات شعرية مختلفة المضمون ، متآلفة الإيقاع والوزن ، إلا أن اختلاف المضمون والدلالة لا يعني استقلالية كل وحدة ، بل إن هذه الوحدات متماسكة ومنسجمة فيما بينها على مستوى البنية العميقة للدلالة والرؤية الشعريتين .
تحضرني مقولة الجاحظ المشهورة: "
المعاني مطروحة في الطريق" التي تكرس الجانب التعبيري وتغليب "الصياغة اللفظية عند الأديب، ولعل ما أملى عليه مضمون مقولته هذه، طبيعة الرؤية كما تجلت في ديوان الشعر العربي والمتمحورة حول مسألة الأغراض الشعرية، وهذا ما أفرز في عصور لاحقة ثنائية: شعر الطبع- الذي استمر طيلة خمسة قرون ونيف – وشعر الصنعة الذي رفع لواءه الشاعر المتأمل أبو تمام ليفتح للشعر العربي جبهة جديدة حينما قلب المعادلة وغلب جانب
المعنى على جانب اللفظ. وهو ما خلف حينها رجة ترددت أصداؤها في كتب البلغاء والنقاد والأدباء على حد سواء، غير أن هذه المعادلة لم تتحرر منها القصيدة العربية طوال مسيرتها ـ بعد ذلك ـ والتي عرفت مدا وجزرا بفعل الصراع الذي ظلت تتوقد شرارته من عصر إلى عصر بين تيارين أساسيين:
إن الوضع الوجودي للإنسان، هو في العمق تعبير عن عجزه أمام الموت الذي يعصف به، و يغير كل شيء، لذلك أدرك الشاعر منذ البداية أن
المنية أمر محتوم، لا مفر منه ، يقول طرفة :
تقديم
أفرزت التحولات
الثقافية والفكرية التي شهدتها أوربا في العقود الأخيرة من القرن العشرين جوا نقديا خاصا اتسم بانتحائه نحوا مباينا للتوجهات السياقية التي طبعت التعامل مع النص الأدبي والروائي بوجه خاص لتنعطف إلى أبنية النصوص والعلاقات التي تنتظمها، والصيغ التي تتجلى فيها والدلالات التي تسكنها، و أنفق الباحثون في المدرسة الفرنسية تحديدا جهدا كبيرا في هذا المجال المعرفي، وقدموا نظريات ومناهج ومقاربات استرعت أنظار الباحثين في
العالم.
يقول الأشعري في الغلاف الخلفي لديوانه: "سيرة المطر"