إن الصورة الشعرية تركيب لغوي لتصوير معنى عقلي وعاطفي متخيل لعلاقة بين شيئين يمكن تصويرهما بأساليب عدة، إما عن طريق المشابهة أو التجسيد أو التشخيص أو التجريد أو التراسل.والصورة في الشعر لم تخلق لذاتها، وإنما لتكون جزءا من التجربة، ومن البناء العضوي في القصيدة، يقول مكليش:
"إن الصور في القصائد لا تهدف إلى أن تكون جميلة، بل عملها هو أن تكون صورا في القصائد، وأن تؤدي ما تؤذيه الصور في القصائد"(1) والصورة بدون سياقها العاطفي في التجربة، وبمعزل عن البناء الكلي للقصيدة، تصبح تصويرا مفتتا لا قيمة له.
وتكمن فاعلية الصورة الشعرية أساسا في تمثيلها للإحساس، إذ أن الصفات الحسية التي تخلقها الصور ـ وإن كانت تخلق نوعا من الحيوية لوضوح ودقة التفاصيل ـ فهي ليست العامل الحاسم في إضفاء الفاعلية على الصورة، إذ أن فاعليتها عند: أ. ريتشاردز "ترجع إلى مقدار ما تتميز به هذه الصورة من صفات باعتبارها حدثا عقليا لها علاقة خاصة بالإحساس، فالصورة أثر خلفه الإحساس على نحو لم يمكن تفسيره حتى الآن. ولكننا نعلم أن استجابتنا العقلية والانفعالية إزاء الصور تعتمد على كونها تمثل الإحساس أكثر مما تعتمد على الشبه الحسي بينها وبين الإحساس. وقد تفقد الصورة طبيعتها الحسية إلى حد يجعلها تكاد لا تكون صورة على الإطلاق، وإنما تصبح مجرد هيكل، ومع ذلك فهي تمثل إحساسا لا يقل عن الإحساس الذي تولده لو كانت على درجة قصوى من الحسية والوضوح." (2)
وهذا ما يثير مسألة مهمة ـ وتتمثل في تعدد مستويات الصورة الشعرية نظرا لتعدد العناصر المستقاة منها، وهذا ما ساعدها على إعطائها أبعادا رمزية، وفي هـذا يقـول د. مصطفى ناصف:
" والقارئ حينما يجد صورة ثرية في المدلول، يقول عادة أننا بصدد رمز. ويجب أن نتذكر أن الحد الفاصل بين الرمز وأية صورة أخرى لا وجود له، وأن المهمة الدقيقة هي كشف قدرة الصورة على تنوير العمل الأدبي من حيث هو كل من خلال ثرائها في المدلول، وترابط هذا المدلول بسائر الجوانب." (3)
حياة بلا شدو أو غناء حياة صامتة لا لون فيها، والغناء وسيلة تعبير في مونولوجاته، ووسيلة تواصل في حوارياته.
هي النفس الشاعرة تميل أن تعيش انعطافات حالاتها وتثورات مشاعرها، تفجر طاقات إشاراتها إلى تلك الرموز التي أخذت حيزها الدائم على الوجدان، ليصبح الشاعر غير قادر على أن يسحب أنفاسه دون أن تمر على المناطق الخشنة من اعتمالاته، ولكنها في مستوى خياله تمتزج عطاءاته الشعرية بذاتيته الداخلية ليصنع رموزه الخاصة التي تؤكد هويته وحضوره المتفرد، فحينما تكون مواهب الشاعر مؤهلة لخلق رموزه وإيحاءاته الخاصة، ويحسن توظيفها على الوجه الصحيح والمتجدد باستمرار ومصاغة وفق صور منتزعة لدهشة المعنى وغرائبية الملامح، فهذا بلا شك مدعاة لأن يطلق طاقة موهبته الظاهرة منها والكامنة على شكل ابداع شعري ثر ومتميز إن كان على نطاق الحالة النفسية السالبة أو الايجابية.
أُعجبتُ بكلامهِ عندما رأيتهُ يتحدثُ على فضائيّةٍ سعوديةٍ عن سرياليةِ المتنبي..قالَ أنَ بيت المتنبي المشهور( نحنُ قومٌ ملجنِّ في ثوبِ ناسٍ فوقَ طيرٍ لها شخوصُ الجمالِ ) أروعُ ما لدى العرب من تراثٍ سرياليِّ..ولو عاصرَ دالي المتنبي لرسمَ هذا البيت رسماً يدهشُ كلَّ نقَّادِ الفنِ الحديثْ. كانَ ذلكَ منذُ سنواتٍ عدَّة.. كانَ الشاعر ذكيَّاً في طريقةِ نقاشهِ وعرضهِ لمشكلاتِ الشعرِ العربي الحديث.. ومراوغاً في الإجابةِ على الأسئلةِ الشائكة ومحدِّثاً لبقاً وشاعراً يملكُ ثقافةً استثنائيةً فذَّةً لا زالت تبهرني وتدهشني حتى اليوم.
1- الوصف؛ الطبيعة والفعل:

منذ
صدور ديوان: "واحة النسيان" للشاعر الستيني المغربي: بنسالم الدمناتي إلى اليوم، لم أعثر فيما أتصفح من مجلات وملاحق ثقافية لجرائدنا على ما يمكن أن ينصف هذا المبدع، أو يجلي الدور الطلائعي الذي نهض به من أجل إرساء معالم القصيدة المغربية الحديثة والمعاصرة. وهذا لعمري جحود من طرف نقادنا لا أجد له من مبرر سوى آفة النسيان التي ألمح إليها الدمناتي في ديوانه "واحة النسيان".