anfasseقراءة في رواية الأمير للأعرج واسيني
قبل البدء:
هل تعيد الرواية اليوم في ظل فكرة نهاية التاريخ، إعادة كتابة التاريخ تحت الطلب من وجهة نظر إعادة صياغة الماضي لتفسير الحاضر والمستقبل.؟ ألم يكن التاريخ يوما سوى رواية لأحداث من زاوية فردية عايشت الحادث وأسبغت عليه رؤيتها الخاصة؟ أليست الرواية هي الأخرى رواية لحادث من زاوية فردية عايشت المتخيل وأسبغت عليه رؤيتها الخاصة؟ ألا يقرِّب هذا الطرح الشقة بين الرواية والتاريخ ليجعلهما نشاطا واحدا. يشتغل الأول على الواقعي، وينصرف الثاني إلى المتخيل؟ وما مسافة الفاصل بين الواقع والمتخيل؟..
هل يجوز للراوي انتهاك حرمة الواقع الحادث ليعيد موقعته في سياق متخيل، تتحول معه دلالته من معنى إلى آخر تمليه اعتبارات مضمرة تفرزها الصراعات الجديدة المصاحبة للعولمة؟ هل كان فيلم "آلام المسيح" " PASSION OF THE CHRIST "للمخرج الأمريكي "ميل جبسون" " Mel Gibson "عملا فنيا عن المسيح، يعيد تصوير آلام الصلب فقط؟ أم أن الفيلم عرض لتاريخ تجاهد اليهودية العالمية لإخفائه واستصدار وثائق البراءة منه؟ هل كانت "شفرة دافنشي" ل"دان براون" "Dan Brown"مجرد رواية تاريخية ذات نكهة بوليسية وحسب؟ أم أنها خلخلة لقناعات تاريخية متجذرة منذ 2000 سنة في الوجدان المسيحي؟ أم أنها ردة فعل يهودية على فيلم "آلام المسيح"، على سبيل رد الصاع صاعين؟...
هل يجوز لنا الساعة أن نرى في رواية الأمير للأعرج واسيني استكتابا للتاريخ من وجهة نظر تعيد تشكيل صورة الأمير في الوجدان الجزائري على غير الهيئة التي رسمها التاريخ الرسمي، وأن يسمعنا ويرينا منها مواقف لا تكاد تخطر على بال أحد؟
هل تسعى الروائية إلى أن تطرح نفسها اليوم بديلا للتاريخ بعدما انتهى التاريخ وتبدد في تعدد وجهات النظر والتفاسير والتأويلات.. إذ ليست نهايته في انتهاء الصراع كما زعم "فكوياما"" Francis Fukuyama "وإنما نهايته في انتفاء عدم اليقين الذي انجرت إليه التفسيرات الإعلامية المتعددة للحادث الواحد؟
1-الرواية والتاريخ:
ليس من العسير على الدارس أن يسجل سلسلة الفروق التي تميز الرواية عن التاريخ جنسا، غير أنه حين ينظر إلى الألفاظ في دلالتها المعجمية الأولى سيجد تداخلا بين اللفظين، حين يلمس أن الرواية هي التي تسجل التاريخ، وأن ليس للتاريخ من قيامة إلا بها. وكأن الرواية في دلالتها المعجمية هي ذلك الضرب من القول أو التسجيل الذي يمكِِّن الحادث من الثبات والرواية زمانا ومكانا. ومنه يكون التاريخ سلسلة من المرويات التي يُستعاد بفضلها الماضي إلى خضرة الحاضر عبر اللغة.

anfasseهل نشهد موت الكتاب قريبا ؟
 مع  رولان  بارط  كأحد  رموز و رواد النقد  البنيوي  سيمنح  للنص  استقلالا  تاما ،  و ذلك عندما أعلن  في مقالته الشهيرة سنة - 1968-  موت الكاتب، أي عدم التركيز على المؤلف ، أوالقصد من النص ، مادام الكاتب  ليس موجودا  بيننا ،  بل  يذهب رولان  بارط  إلى أن  بمجرد أن تتم  طباعة العمل  يفقد الكاتب صلته بالنص ، ولا يصبح  مالكا له ، ولا يتمتع  بأي  حقـوق  فكرية 1. فقد نزع بارت سمة القدسية التي كانت تضفى على المؤلف ولم تعد قيمة النص ترجع إلى عبقرية المبدع بل حلت  السمة التي  تطبع العمل محل الكاتب  ، موت الكاتب عند بارت  سيؤدي   بالضرورة  إلى ميلاد طرف آخر في هذه  المعادلة وهو القارئ  أو الناقد والذي ستصبح  له الحرية  الكاملة  ليستبيح  النص  و يفعل  به ما يشاء ، مادام مبدع  النص هو خارج هذه المعادلة.  و إذا كان النص يظل في ذهن المؤلف بإعتباره أول قارئ  له و ناقد ، فإنه  يتحول إلى ذهن القارئ  و بأشكال  مختلفة تماما ،  ذلك أن الاهتمام  بالمؤلف أو  بالنص لم  يعد هو الأساس كما هو الحال عند رواد نظرية التلقي بل  إن الاهتمام بالقارئ  و شروط القراءة هو ما يهمنا أولا و أخيرا ،هذا القارئ   – أي قارئ - و في أي  عصر يعطي  للنص  تفسيرا أو تفسيرات لا حدود لها  مادام  ليست هناك  مقاييس  يمكن الرجوع  إليها  ليشترشد بها  هذا القارئ ، فقد  أدى هذا الوضع إلى أن النصوص أصبحت  تحتمل أي معنى و لا معنى 2.   فأصبح  بذلك القارئ  أو الناقد هو المبدع الحقيقي ،  يبتدع  معان داخل النص دون أن  يتقيد  بشروط  معينة ،  بذلك غدا هو العنصر الأساس  مادام النص في إدراكه لا يوجد إلا داخل  وعي القارئ ، من  هنا  كان هـذا الاهتمام  بالقارئ  وحده ضربة  موجعة للنص  نفسه ،  و القارئ  نفسه  في  تفسيره  لهذا النص  يصبح هو المبدع  لمعان  جديدة ،  يقدم  نسخته الممكنة  في التفسير ،  نسخته  تتحكم  فيها  سياقات  تاريخية  وإجتماعية  و ثقافية  تختلف  عن  سياقات الآخرين 3   وقد أشار عبد الفتاح كليطو  إلى  ذلك  .«..فالقارئ  يقرأ النص انطلاقا  من إهتمامات  تخصه أو الجماعة التي  ينتمي  إليها ، القارئ   يهدف دائما  إلى غرض... يسعى إلى إثباته .. . »  4  هكذا  تصبح  علاقة  القارئ   بالنص علاقة  متينة  ،  يطبعها  التوحد ، علاقة  متداخلة  يصعب  التمييز بين  الطرفين ،  فيغدو بذلك  القارئ  هو النص ،  و النص هو القارئ ، ومن خلال هذا الانصهار و الذوبان ، أي  ذوبان  كل منهما داخل الآخر  ، هو ما عبر عنه  بارت  بلذة  النص ، أي  متعة  القراءة  و ذلك  من خلال  انتهاك  النص و إفتضاض  بكارته  ،  و ذلك ليس  بالأمر الهين  «...أن  تمارس الكتابة  هو أن  تموت  لنفسك  و لذاتك ، و أن تما رس القراءة  هو أن  تقبل أن  يأخذك الكاتب إلى  شواطئ  المتعــة و الموت...» 5 .

anfasseإن الخطاب الشعري الصوفي الفارضي الذي فرض وجوده وجعل الدارسين والعلماء على اختلاف مشاربهم يختلفون في إطلاق الأحكام على شعره، لهو بحق خطاب له مكانة ويحتاج إلى الكثير من التريث بغية النظر إليه من مختلف الزوايا الممكنة في تكوين بنيته الخطابية. إن هذا الاختلاف بقدر ما يجسِّد الوعي لدى هؤلاء القراء بأهمية وطبيعة النص الشعري، فإنه يعكس رؤية شعرية منزاحة عن المألوف والمعهود لدى هؤلاء، فلعلّهم نظروا في شعره وظنوا أنهم يطالعون شعرا غزليا حسيّا أو أنهم انتظروا شعرا بسيطا إخباريا مباشرا يتوافق مع المعايير النحوية والبلاغية المعهودة.
إن شاعرنا ومن خلال تمكنه من ناصية الشعر من جهة، ومجاراته لطبيعة شعر الجاهليين المشهود لهم بالباع الطويل في نقل الصور الحسّية من جهة أخرى، ثم الانحراف إلى صور معنوية متراصة تسموا عن المحسوس المُشاهد، نراه أخلط على المتأخرين مجرد تذوق شعره فأنى لهم الحكم عليه!
ومن ضمن هذا العدول في شعر ابن الفارض ما وقفنا عليه في قصيدته التائية الكبرى التي هي بين أيدينا اليوم، خصوصا التراكيب التي حشرها حشرا وحشدها حشدا وزجّ بها في ثنايا هذه القصيدة، فقد تنوعت التراكيب بين البنى الفعلية والإسمية والشرطية والظرفية وهو مستوى الخبر، وظهر المستوى الطلبي في الورود المكثّف للتمني والاستفهام والنداء والنهي بالإضافة إلى قيم أسلوبية أخرى أَثْرَت النص الشعري كحشد الضمائر والروابط وممارسة تبديلات في التركيب مثل التقديم والتأخير والحذف، وهذا ما سنقف عليه في هذه الدراسة.
إن أهم ما يميز تائيتنا هو أنها تحيد عن الخط العام الذي رسمه النحاة وما وضعوه من قواعد،  فهي لا تحترم التركيب المقنن بل تثور عليه، فالبيت كما يبدأ بفعل وفاعل قد يبدأ بالاسم كالمبتدأ، وقد يحدث تقديم وتأخير، فهو ليس كلاما مباشرا، بل غايته تسخير كل الوسائل اللغوية المتاحة لإحداث التأثير، ولهذا:"حرَّض عبد القاهر-الجرجاني-الباحثين على أن يعيدوا قراءة الشعر العربي في ضوء فكرة تنظيم الكلمات"(2)،  أو كما عرَّف العرب القدامى البلاغة على أنها :"بلوغ المتكلم في تأدية المعاني حداً له اختصاص بتوفيَّة التراكيب حقها"(3).

anfasse.orgفي غمرة الحديث المتواتر عن أزمة يعيشها فن القصة القصيرة في العالم العربي، بما يحد من الثقة بمستقبل هذا الفن، ويلقي ظلالا على المنجز القصصي، فإن اكتشاف منجز كاتب على درجة عالية من الموهبة هو المغربي أنيس الرافعي، من شأنه أن يزلزل بعضا من تلك القناعات الرائجة على الأقل، لجهة الجدارة والتميز، باستثناء تلك المتعلقة بـ جماهيرية هذا اللون التعبيري وغيره من الفنون. فمنجز الرافعي على ما يصنفه هو، نخبوي، لا يرمي -وهذا ما لا يجهر به- لاجتذاب قارئ عابر، ولا يمحص المتلقي فرصة إزجاء الوقت بالتمتع بتسلية فورية، مفعمة بتشويق الحكايات المثيرة.
دأب النخبوي الرافعي (37 عاما) على كتابة قصصه في مقاه شعبية في الدار البيضاء، ويقيم وهو المدرس في إحدى الثانويات في حي السراغنة، غير الموصوف بأنه حي للبورجوازية أو حتى للصغيرة منها. أما موضوعاته: أشخاصا وحوادث وشواغل، فتتعذر نسبتها إلى شريحة اجتماعية نخبوية كما إلى شريحة دنيا، ذلك أن هذه الموضوعات وما يكتنفها من الرؤى عابرة للطبقات.
يتكرر موضوع قصصي عند الرافعي عن شخصين يحلمان الحلم نفسه في مكانين متباعدين، ينجو أحدهما لأنه استيقظ من النوم أو لأن الآخر سبقه في الوصول إلى الكارثة خلال الحلم نفسه. وهو نموذج لشواغل هذا الكاتب الذي يعتنق عقيدة القصة القصيرة، رغم أن شخصا يمسك بذراعه كلما حاول أن يكتب .
النخبوية هنا، ودونما حاجة للتقيد بتصنيفات الكاتب لصنيعه، تومئ إلى الهوس الإيجابي بالتجريب والنزوع الفائق إلى التجويد، وصرف النظر عن تطلبات القارئ وعاداته الأثيرة في الاستقبال حتى لو كان قارئا مثقفا، والانشغال بكتابة قصة خالصة تنفذ إلى جوهر القص بأقل قدر من الكلمات والتفاصيل، وبالاستغناء عن كل تأثيث من وصف للمكان أو تحديد له ولظاهر البطل وباطنه، لمصلحة الانهماك في تصوير نقطة أزمة، أو تتبع المرئيات وخلع معان ورسم ظلال عليها، والرصد الدائم للعلاقة بل للتبادل والتشابك بين ما هو متخيل وما هو واقعي.

التأطير
ابتدأ عصر النهضة عربيا مع لقاء العالم العربي الإسلامي مع نظيره الغربي، طرح على إثره سؤال النهضة مفاده: لماذا تقدم الغرب وتأخرنا نحن العرب؟ وهو في طبيعته استشكال يصور هول صدمة الحداثة التي لا زلنا نعيشها إلى اليوم، وقد نتج عن محاولة الإجابة عن هذا السؤال الإشكالي ظهور تيارين على طرفي نقيض: تيار سلفي يدعو إلى التأسي بالسلف وحذوه، وتيار ليبرالي ينتصر إلى الأخذ بتلابيب الحداثة الغربية.
برز من داخل هذا الزخم الفكري مجموعة من الشعراء دعوا إلى تقليد السلف، عرف توجههم الشعري بخطاب الإحياء، اتسم بالمحاكاة الأقدمين، وبتجاوز مثالب شعر الانحطاط، حيث أزالوا عن الشعر كل ما طمس رواءه من أصباغ الصياغة البديعية مستبدلين البيان بالبديع، فما فتئ أن قلد رواده نماذج فحول الشعراء، محافظين على عمود العربي القديم، كما يراها أبو الحسن المرزوقي، من حيث شرف المعنى وصحته، وجزالة اللفظ واستقامته، والإصابة في الوصف، والمقاربة في التشبيه، ومناسبة المستعار منه للمستعار له، والتحام أجزاء النظم، ومشاكلة اللفظ للمعنى وشدة اقتضائهما للقافية.
 وقد روج لهذا البعث مجموعة من النقاد الذين استلهموا مبادئ النهضة الأدبية من عيون التراث الشعري والنقدي العربيين، كحسين المرصفي وناصف اليازجي وأديب إسحاق. ويبقى البارودي أكثر شعراء النهضة تمثيلا لخطاب الإحياء، والباقي كل عليه أمثال: أحمد شوقي وحافظ إبراهيم ومحمد بن إبراهيم ومحمد الحلوي وعلال الفاسي، وغيرهم من الشعراء الذين تشجموا هذا الخطب الجلل، فكان أن استعاد الشعر قوامه واستوى على سوقه، ممتثلا لمتانته التي عهدناها في قديم الشعر العربي، التي شكلت شاهدا أمثل لفحولته وفتوته.
ومن الأصول التي حاول شعراء النهضة إحياءها نذكر:   

anfasseكان الاستاذ الشاعر نمر سعدي الذي يطلق على نفسه اسم وضاح سعدي، قد اهداني باكورة اعماله الشعرية المتمثلة بمجموعتين شعريتين اطلق على الاولى عنوان "أوتوبيا انثى الملاك" وعلى الثانية اسم "عذابات وضّاح آخر"، وقد تمنى عليّ ان اكتب تعقيبا او تعليقا على انجازاته الشعرية هذه؛ ونزولا عند رغبته تلك، فقد ارتأيت ان اتناول هاتين المجموعتين بالنقد والتحليل لما في ذلك من خدمة ادبية نحو الشعراء الواعدين الذين يسيرون في درب الابداع الادبي علهم يصلون الى مبتغاهم الاسمى بخطى ثابتة وروح واثقة.
ان اول ما يسترعي الانتباه في مجموعة "اوتوبيا انثى الملاك" هو العنوان الفريد من نوعه الذي اعطاه شاعرنا لهذه المجموعة، فالاوتوبيا هي الطوباوية والتي تعرّف بانها اتجاه مثالي، بمعنى خيالي، حيث يشتق من utopia الاغريقية بمعنى المكان المتخيّل الذي لا وجود له على أي ارض، فاليوتوبيا بمعنى الافضل، من eutopia أي الارض الطيبة، او الاصل الطيب، وفي القاموس المحيط "الطوبى" شجرة في الجنة او الجنة نفسها، ومن ثم فطوبى لك بمعنى الخير والسعادة لك. والطوبى على ذلك بالمعنيين معا هي الخيالي والافضل. وكان اول من استعمل هذا التعبير توماس مور 1478 – 1533 في كتابه "اليوطوبيا"، أي المدينة الطوباوية. وكان فيلسوفا انجليزيا انساني النزعة وهو يصور مدينة خيالية ذات نظم مثالية تضمن لافرادها اسباب الخير والسعادة. واصبح هذا اللفظ بعد ذلك يطلق على كل كتاب يصور النظام المثالي للمجتمع الانساني. ومن هنا فان الاستاذ نمر سعدي يبحث عن مكان طوباوي يمتاز بالخير والسعادة يلتقي فيه مع محبوبة في نظام مثالي ملائكي ينشد فيه الافضل مع ان ذلك يتواجد فقط في دنيا الاحلام والخيال كما يوحي اللفظ.
ويدرك شاعرنا من خلال كلمات قصائده انه يحلم بعالم لا يمكن الوصول اليه في هذه الحياة وان كان ينسج في خياله التأملات المنعمة بالامل المشوب بحزن ظاهر يعبر عن خيبة امله في تحقيق احلامه مع امرأة يعشقها تتمثل فيها السعادة والخير والهناء كأنها انثى ملاك مع استحالة وجود مثل هذه المرأة، فالملائكة لا جنس لها، لكن شاعرنا يمني نفسه بايجاد الانثى المثالية ذات الطابع الملائكي الشفاف الجميل والبديع بجسدها ونفسها وروحها:
كان ينظر لي عبر بلور

anfasseنبتغي أن نصنع من هذا المدخل النظري نبراسا نهتدي بنوره في مقاربتنا الأسلوبية للنصوص الأدبية، وأن نقدم للطلبة والباحثين وكل قارئ لهذا البحث حصيلة مركَّزة عن المنهج الأسلوبي وكل التيارات والمناهج التي انصهرت معه لتكوين رؤية نقدية، وكذا الإحاطة بالمصطلحات النقدية المستعملة فيه مثل الأسلوبية، البنية، وخصوصا الانزياح   الذي هو جوهر الدراسة الأسلوبية.
انتقل الأسلوب في النقد الحديث من كونه يعني الطريق أو الفن أو المذهب أو الوجه ، ومن كونه عاما مميعا يختص بالموضة والفن والسياسة وتدبير الحياة اليومية ، إلى علم ومنهج نقدي قائم بذاته يتكفل برصد الملامح المميزة للخطاب الأدبي. ويُعرّف الأسلوب في الاصطلاح الأدبي النقدي عادة بأنه: "طريقة يستعملها الكاتب في التعبير عن موقفه، والإبانة عن شخصيته الأدبية المتميزة عن سواها، لا سيما في اختيار المفردات، وصياغة العبارات، والتشابيه والإيقاع" .واتخذ اسما خاصا به هو: "الأسلوبية".
ويرجع الفضل الأول في ظهور الأسلوبية إلى العالم اللغوي السويسري فرديناند دي سوسير (1913-1857)Ferdinand De Saussure الذي أظهر علم اللسانيات حيث يعزى إليه التفريق بين اللغة والكلام من خلال معادلته الشهيرة:"اللسان في نظرنا هو اللغة ناقص الكلام" ، حيث أوضح أن اللسان:"نتاج اجتماعي لملكة اللغة، فهو مجموعة من الأعراف الضرورية التي يستخدمها المجتمع لمزاولة هذه الملكة عند الأفراد" ، وأن اللسان:"ما هو إلا راسب من عمليات عديدة للكلام عبر الزمن، أما الكلام فانه تطبيق أو استعمال للوسائل والأدوات الصوتية، والتركيبية والمعجمية، التي يوفرها اللسان" .
لكن الفضل الأكبر ناله تلميذه شارل بالّي (1947-1865) Charles Bally وهو:"باحث لساني كان مختصا في السنسكريتية واليونانية، ولما استوعب المفاهيم التي جاء بها دي سوسير وتمثلها عكف على دراسة الأسلوب فأرسى قواعد الأسلوبية المعاصرة ابتداء من سنة 1902" .

anfasseإن الحديث عن محمد الخمار الگنوني، هو حديث عن الطائر المغرد والمحلق خارج السرب، والمنخطف للوعة العشق، والمتأمل في ملامح الجمال أينما تجلى، والكاشف لمكامن السحر الذي تعبق به الصورة الفاتنة، والنغمة الشاردة، والحركة الميادة.
إنه حديث عن أحد أهم الشعراء المغاربة الذين استهواهم التأمل الوجداني الخالص، والاحتفاء بما هو جواني عميق، ومن ثم تبدو قصائد محمد الخمار الگنوني وكأنها لوحات تشكيلية لملامح الذات العاشقة لأطياف مكامن الجمال، والسحر الماثل في مظاهر الطبيعة، إنها شحنات من الانفعالات الحادة، ولمسات مفعمة بنفحات رومانسية لم يستطع الشاعر لها ردا، وكيف له أن يفعل وهو المسكون بعشقه الصوفي للذوات المغسولة من صدإ الرياء والعواطف المزيفة، إنه عشق لا إرادي عميق أنهك جسده النحيل، وأذاقه لظى الصدود الذي لم يزده إلا ترنما بعشيقاته، وشدوا بمفاتن الجمال فيهن، ليصبح هذا العشق خاصيته التي ميزته عن باقي أصوات جيله الشعرية، إنه النسغ الذي أينع روائعه التي تغني بها ألمع الملحنين، وأعذب الأصوات الغنائية في المغرب التواق إلى تلمس الشعور بالحرية والانطلاق، والإحساس بالقدرة على التحليق والاختراق.

الغنائية الطبيعية:
إن تجربة محمد الخمار الگنوني الشعرية كما تتبدي في ديوانه "رماد هسبريس"(1) يحكمها الانعتاق من ضغط  الواقع المحموم، والتحرر من هموم اللحظات الشمطاء للارتقاء بالعملية الشعرية إلى معانقة المدهش العميق والارتواء من حياض البهاء الأنيق. وهذا ما منح قصائده دلالات تعبيرية رومانسية حالمة. ومن ثم يبدو أن الدخول إلى عالمه الشعري يجب أن يستند على سيكولوجية المبدع المنحازة لغنائية طبيعية تستمد روحها من النزعة الوجدانية التي تطفح بها نصوصه الشعرية. ولعل هذا هو ما أكسبها الصفاء الذهني والانسجام الكلي، والنفس الشعري؛ إن لحظة ولوجه لعتبة الإشراق الشعري هي عبارة عن تماهي روحي ـ قل نظيره في المتن الشعري الستيني ـ ذلك أن قارئ شعر الگنوني يحس منذ الوهلة الأولى بمدى احتفائه بروح النص الإبداعي، لأن له تصورا واضحا للرسالة الشعرية التي يجب أن تنبثق من التأمل الوجداني الخالص، وسبر أغوار النفس الإنسانية.