عندما زحفت النملة الأولى متسلقة إصبع قدم محمود بن عبد الله الزبيري، رنا اليها وهو مستلق تحت الشجرة. داهمته ضحكة بلهاء مسترخية وهو يرى هذا المخلوق الضئيل يتسلق جسده الضخم. باسترخاء عذب مضغ مضغة القات ثم حركها في فمه، فشعر بمتعة رجلٍ يدغدغ ثديَ امرأة.
قال محمود بن عبد الله الزبيري لنفسه: آه. كم هم مساكين أولئك المحرومون من هذه الرعشة!
كانت الشمس تتخلل من ثغرات الأغصان، باعثة مع لذّات القات نوعاً من الخدر المنعش في جسد الرجل المُلقى بين الظل والشمس، ومن مقهى مجاور انساب صوت مغنية شرقية، ماتعاً، هابطاً به نحو سكونية خالدة.
كان يمتص مضغة القات ويعتصرها بشبقٍ عندما جاءت نملة اخرى تتبعها رفيقتها، وراحتا تتسلقان الأصابع نحو الجسد المُسجى.
كان صعود النملة الثالثة يدغدغه، وإذ قرضته بفهما المتناهي في الصغر، أحسّ وكأن شوكة صغيرة تخزّه.
قال محمود بن عبد الله: يا للنمل ما أحمقه!وبحركة بطيئة ناعسة حرّك أصابعه لنفض النملة أو يسحقها، غير أن النملة كانت أذكى من حركته. زاغت من مكانها وهبطت نحو باطن قدمه.
تسرّب الجدار الى خلايا الرجل المستلقي. كان منتشياً بالشمس والقات والصوت العذب المريح لكوكب الشرق. وبعث فيه الخدر رؤى وأحلام يقظة ملونة كقوس قزح. ورأى فيما رأى أنه يطير فوق الحقول والجبال حتى يصل الى مواطن النجوم، ورأى هذه النجوم وقد تحولت أزهاراً، وراح يقطفها ثم يزرعها في عُروته ويختال بها كالطاووس. ثم رأى أن هذه النجوم قد تحولت الى كرات من الذهب، راح يبيعها في ساحة المدينة ويشتري بأثمانها بنادق وخيولاً وصقوراً وكلاباً للصيد.