في تلك المقهى المعزولة بين أشجار حديقة السندباد بمدينة الدارالبيضاء، جلس ليقرأ صحيفته الحزبية وهو يرتشف قهوة فاحمة السواد. تصفح العناوين دون أن يجد موضوعا واحدا يستحق القراءة. طوى إذن الصحيفة وأسلم بعد ذلك نفسه لأحلام اليقظة وسط ركام هائل من الهموم تنفجر داخل رأسه بين الفينة والأخرى لتعيده إلى التفكير في هذا الوضع المزري الذي أصبح يعيشه.
انتبه إلى حذائه الذي تقادم ولم يعد ينفع تلميعه بعد أن بدأت جوانبه تتفتق. أخذ على نفسه وعدا بأن يشتري حذاءا جديدا حين يقبض راتبه مع حلول آخر الشهر. فكر لو كان لديه بعض المال، لذهب لزيارة أحد أصدقائه بمدينة إيفران خلال العطلة الربيعية القادمة. لكنه بعد أن محص الأمور، وجد أن اقتناء الحذاء أولى من السفر. أخذ الصحيفة مجددا ليقرأ كلمة العدد. بعد دقائق معدودات رمى بها وهو يردد بصوت خافت: صحافيو آخر زمن، منتحلون لكلام الآخرين، هراء في هراء، كلام مزيف ليس إلا....
جال بنظره مجددا في الكراسي التي من حوله، لا شئ يثير الاهتمام. نهض ليتمشى وسط الأشجار تحت شمس دافئة تغري بإمضاء اليوم كله خارج البيت. لم يكن يعلم أنه سيمضي الليل واليومين الموالين أيضا خارج بيته.
في جولته هذه، سيلتقي المسماة نادية. امرأة قد يتجاوز عمرها الأربعين بقليل. يبدو رغم جمالها الطافح أنها عانس لم تتزوج قط. يحب هذا الصنف من النساء اللواتي يكبرنه سنا، لأنه يعلم أنهن أكثر عطاءا ولا شروط مسبقة لديهن، خصوصا إذا ترأءى لهن بصيص من الأمل في إمكانية الزواج منه. هو لا يكترث، يتركهن يحلمن كما يشأن. لا يقطع عليهن بصيص الأمل هذا، إنه بالمجان ولا يتطلب منه شيئا يذكر. ثم ما أن يقضي مآربه، حتى ينتصب واقفا ويولي هاربا خوفا من إحكام قبضتهن عليه.
الصورة الأولى: كاريكتير
ما حدث هو أن حجيبة المحمودي اختفت ..
في البدء كان هدوء ، ليس كأي هدوء ، إنما هو هدوء يشبه الفناء . و الشمس في عليائها متوهجة مشعشعة ملهبة أقاصي الفضاء ، تصب جحيمها على أجساد بشرية حية أنهكتها الدنيا لتشويها بهدوء وتسلقها . والطقس خماسيني مغبَّر . والرئة تبذل قصارى جهدها لانتزاع نصيبها من هواء الأرض الساخن . الرطوبة خانقة مالحة وللنفَّس كاتمة . وسط هذا كله وصلت سيارة الإسعاف ، كنت اسمع صفيرها يوِّن من بعيد .. نعم من بعيد .
كالأمل نهض الأب العتيد، من عفن مزيج برائحة كبريتية بالغة الثقل، وساوى خصلات صلعته المتصعلكة في فضاءات ضائعة من يوم اغبر، غامض كبقية أيامه التي مضت دون مستقبل سيستحق الفخر.. متمنيا إبدال حرف (ص)* إلى حرف (هـ)،* ومتنفسا بكل مساحة صدره الذي كان يخشخش مثل كيس مثقوب، و كأنه يشخب مذبوحاً بفوضى كل حروف الموسيقى المعزوفة في وقت واحد. نهض من فوق الركن البارد في الغرفة الوحيدة الرطبة المزدحمة بروث أولاده الغرّ الميامين، فأول مرة كان يشعر أن يودع فراشاً امتص منه أطنانا من العرق في الاصياف المتخاذلة، و لم يصدق بأنه فارق ذلك العفن وبقي متيقنا إلى الأبد بأنه تخلى عن ظله الذي تراكم في نقطة قطرها اقل من الصفر، وانه خلف فيها أطنانا من الأحلام المقموعة بألف حاجز، و قليلا من رائحة (يوريا) السجن الانفرادي التي تعود عليها انفه بديلة رائحة الشبوي الليلي التي كلما كان أيام زمان يشمها في طرقات بلده وأهليه.. يتذكر امرأة غاصت ملامحها من البعد السحيق قد ضاعت كالأمل الذي كان يملؤه.. يتذكر كالومض الخاطف الأشياء التي جعلته حياً، صورة، تلو صورة، كما يتهيأ المحتضر للموت، فأول مرة عاوده إحساسه بأنه قد ظلم جوقة حشرات طيبة كانت تعيش بفضل نومه الطويل، ذلك الظلم الذي يفكر فيه سيستدرجه إلى تغير في قراراته المستقبلية، فعهد الظلمة الدبقة في كل الأرجاء، بدأت تذوب كالجليد بعد أن كانت تغلف الألوان المفتوحة بالحزن المغلق، ولكن الزعيق الهستيري المتواصل إلى أذنيه هديرا، بقي يدور في الذهن كالزلزال، لم يكن إلا انعكاسا واضحاً لنقص في الطعام، والاوكسجين.. الجوع الذي حجر معدته الخاوية قد جعله يعرف الطبيعة البشرية، التي تنفجر من أي تصرف، وربما تؤدي الى كوارث ليست في الحسبان..
طردوني ...
بيتها مقابل بيته في نفس العمارة . أمام العمارة مساحة واسعة متربة ، صحيح انه ساكن جديد إلا أنهما أصبحا صديقين من أول لحظة التقيا فيها ، كأنها صداقة من زمن بعيد . تملكتني الدهشة حين طلبا مني أن انقل لهما حجرين كبيرين من مسافة ليست بعيدة كي يجلسا عليهما بجانب بعضهما متلاصقين .. و قالا لي بفرح غامر : شكرا يا عمو .
عدت من العمل متعبا . انتبهت إلى ما يشبه الجرس ، يرن في داخل رأسي . قلت أنا في حاجة إلى حمام ساخن . لم أتردد في النهوض و غسل أطرافي الجسدية . رأسي لا يزال كما هو .. فكرت في كتابة قصيدة من أجل النشر ."المتكلبون في مدينة القمر". قلت العنوان جميل ، غير أنه غير قوي كما أريده .ما أكثر الذين غيروا أفكارهم و سلوكياتهم و قيمهم من أجل أحلام ...أحلام اللحظة لأشخاص فرادى ، يقودون سفينة المجتمع بأكمله إلى الهاوية ..حتى و إن ظلوا محافظين على وجوههم و جلودهم الآدمية . فهم تكلبوا لكن بطريقتهم الخاصة ..أي بأسلوب عصري جذاب ..جلست إلى مكتبي .بعد تحضير فنجان قهوة سوداء.شرعت في كتابة القصيدة قبل أن تطير من ذهني ...