يتذكر البريق الذي فاجأه في ليلتهما الأولى.. ابتسامتها الدافئة التي أنقذته من الزغاريد المهللة خارجا. لم تأت إليه مرعوبة أو مترددة. كانت تتوسط غرفة النوم مدثرة بلباس نوم أبيض شفاف. . في تلك اللحظة بالذات شعر بتيار ساخن يخترق جسده واستعاد شيئا من روحه الشابة.. تمنى لو أنه سمح للحلاق بأن يغطي الشعر الأبيض الذي غزى بعض رأسه. . انتصب واقفا، رفع رأسه في هيئة محارب وتقدم منها، واثقا...بقيت هناك، مستسلمة، دافئة بينما انقض على جسدها الفتي..يتطلع إليها الآن، ذات البريق يسكن عينيها اللتين تحيطهما بالكحل:
إنه عمل طارئ، وسأتلقى أجرا مهما عنه.
وتستمر في وضع الزينة بيد مرتجفة.
انتهى الحلم بعد ليال قليلة.. لم تتذمر حين كان يخر على السرير متعبا.. لشهور ظلت تستقبله متى وكيفما أراد.. علم أنها تتقي به كلام الناس.. كانت على عتبة الأربعين حين اقترح إخوته أن يزوجوه بها.
إنها موظفة، وستتعاونان على تكاليف المعيشة. ثم إنك بحاجة للرعاية..
ثم أمام تردده المستمر، أردف أخوه الثاني:
مع أذان العصر، وبعد أن انتهت الأم من نتف ما على وجهها وجسدها الرفيع الأبيض من شعر، وتبقع وجهها بالحمرة التي تخضب بها جسدها، أرسلت الأم طفلها حسان، عمره تسع سنوات، ليشتري لها فلقة صابون من السوق، وأعطته قطع النقود المعدنية المطلوبة بعد أن عدّتها ثلاث مرات وفركتها بين أصابعها مرتين، أعطته ثمنها بالضبط بلا أي زيادة أو نقصان، ورغم ذلك نسيت وطلبت منه أن يعيد لها باقي النقود وأن يمسكها بحرص، ويحكم إغلاق قبضته عليها باستماتة، وإلا ستقصف عمره إذا ضيعها.. وما إن خرج حسان من الباب حتى لحقت به أمه ووقفت عند العتبة كالعادة، مرسلة وراءه قائمة التوصيات الخالدة..
في غابر الأزمان وفي قرية من القرى النائية ، كان يعيش صياد فقير ، وهو شاب في العشرين من عمره رفقة أخته الصغيرة . كل ما كان يملكه كوخ صغير ورثه عن أبويه المتوفيين منذ أمد بعيد . قوته اليومي سمكات يصطادها من البحر الذي يبعد عن كوخه مقدار ساعة من المشي السريع . كان يأخذ شبكته في كيس صغير من الخيش تاركا أخته الصغيرة تنتظره حتى يعود . كان الكوخ على مبعدة ميلين من القرية .لا يزوره أحد ولا يزور أحدا ، إذ كل ما كان يربطه بهذه الدنيا أبوان سرعان ما غادرا هذه الحياة تاركين إياه رفقة أخته الصغيرة .
لو كان بإمكان هؤلاء ،أن يبيعوا لنا الهواء الذي نستنشق .. مُعلّباً .. لفعلوا ..
في إحدى الليالي حزن الحمار لطول مكوثه على ذمة صاحبه " العَرْبي" الذي أبى أن يبيعه واحتفظ به في ملكه حتى مل عشرته ، رغم أنه أنجب له حميرا كثرا: ذكورا وإناثا ، و انسلخ ظهره في خدمته ؛ وبانت عليه مقدمات الشيخوخة فأراد أن يعبر عن مصدر ضيقه و حزنه لأبنه بجانبه ، قال:
1- هذا الزمن المغربي الجريح ، كتاب مفتوح على المزيد ، من صرخات حجارة الصٌبار الجليل .
على الهاتف، هذا الصباح، كنت كعادتك عابثا.. مم تهرب؟
نفض أيوب عن قميصه غبار طباشير من النوع الرديء ، لعن في صمت ذلك الشخص الذي نصحه ذات يوم بطرق أبواب هذه الوظيفة البئيسة