ينطلق هذا المقال من نصٍّ يطرح فيه القاص والروائي مصطفى لغتيري سؤالًا اعتبره جد معقد: ماذا أريد من قصتي؟، ليقدّم تصورًا شاملًا لوظيفة القصة بوصفها أداة جمالية ومعرفية تسعى إلى سدّ ثغرات العالم الواقعي وبناء عالم موازٍ أكثر اكتمالًا. غير أن هذا التصور، على غناه، يسقط في تناقض مفهومي حين يحصر وظيفة الترميم الرمزي في "القصاصين خاصة، والمبدعين عامة".
يسعى المقال إلى تحليل هذا التناقض، وبيان أبعاده الدلالية والفكرية، واقتراح صيغة أكثر اتساقًا مع منطق الخطاب الإبداعي والإنساني.
حسب معرفتي المتواضعة لم يعد السرد الأدبي، في التصورات النقدية الحديثة، مجرّد حكاية تُروى أو متعة جمالية تُستهلك، بل غدا فعلاً معرفيًا ورمزيًا يسهم في مساءلة الواقع، وإعادة تشكيله، وملء فجواته الدلالية. من هذا المنطلق، يطرح الكاتب سؤالًا يبدو بسيطًا في صيغته، لكنه عميق في دلالته: ماذا أريد من قصتي؟
هذا السؤال لا يحيل إلى نوايا تقنية تتعلق بالأسلوب أو البناء فحسب، بل يتجاوزها إلى تصور فلسفي لدور القصة في العالم. غير أن هذا التصور، حين ينتقل من المستوى الجمالي إلى مستوى التحديد الوظيفي، يكشف عن تناقض داخلي يستدعي القراءة والتحليل.القصة بوصفها بنية دلالية متعددة المستويات
يقدّم الكاتب تصورًا للقصة يقوم على ازدواجية أساسية؛ الوضوح في المستوى السطحي، والعمق في المستويات التأويلية. فالقصة الجيدة، في نظره، يجب أن تكون في متناول القارئ العادي، وفي الوقت نفسه قابلة لتعدد القراءات، بحيث يجد كل قارئ فيها ما لا يجده غيره.
هذا التصور ينسجم مع مقولات النقد التأويلي الذي يرى النص الأدبي بنية مفتوحة، لا تُستنفد في قراءة واحدة. كما ينسجم مع فكرة "النص الحي" الذي يكتسب معناه من تفاعل القرّاء معه، لا من نية المؤلف وحدها.
العربي الحميديالمحلية والكونية. (جدل الخصوصي والإنساني)
يؤكد الكاتب على محلية القصة في أحداثها وأمكنتها وشخوصها، مقابل كونية أبعادها ورؤاها. وهو تصور يعيد إنتاج جدل قديم في النقد الأدبي بين المحلي والإنساني، حيث لا تتحقق العالمية عبر التجريد، بل عبر الغوص العميق في التفاصيل المحلية.
في هذا السياق، تصبح القصة وسيلة للاحتفاء بالإنسان في تناقضاته. قوته وضعفه، نجاحه وانتكاسه، رهافته وقسوته. وهي رؤية تُحمِّل السرد وظيفة أخلاقية ضمنية، دون الوقوع في الوعظ المباشر.
الحواس والعجائبي. (توسيع أفق التمثيل)
يمنح الكاتب قصته حواسّ كاملة؛ بصرًا نافذًا، وسمعًا مرهفًا، وحاسة شم قادرة على التقاط الروائح بوصفها علامات دلالية. كما يفتحها على العجائبي والغريب، لا هروبًا من الواقع، بل سعيًا إلى تفسير إضافي له.
هنا تتقاطع القصة مع الأسطورة، بوصفها محاولة إنسانية قديمة لخلق المعنى، وسدّ الفراغات التي يعجز العقل الأداتي عن تفسيرها. غير أن هذا الطموح نفسه يمهّد للانزلاق إلى الإشكال المركزي في النص.
الترميم الرمزي للعالم. (من الطموح إلى الإشكال)
يصرّح الكاتب بأن العالم الواقعي يعاني من ثغرات ومواطن نقص لا يمكن سدّها إلا عبر بناء عالم موازٍ، يتكفل به السرد والإبداع. إلى هذا الحد، يبدو الطرح متماسكًا، بل منسجمًا مع تصورات فلسفية ترى في الفن ضرورة وجودية.
غير أن التناقض يظهر بوضوح في قوله:
"ما لا يستطيع سدّها وترميمها غير القصاصين خاصة، والمبدعين عامة".
تحليل التناقض المفهومي
يقوم هذا القول على مفارقة دلالية يمكن تفكيكها في مستويين:
- مستوى تصنيفي:
القصاصون ينتمون، بالضرورة، إلى فئة أوسع هي فئة المبدعين. وعليه، فإن الجمع بين "القصاصين خاصة" و"المبدعين عامة" يوحي بفصلٍ غير دقيق بين الجزء والكل، أو بتكرار لا يضيف معنى جديدًا.
- مستوى وظيفي:
حين تُمنح وظيفة الترميم الرمزي لفئة محددة، يُستبعَد ضمنيًا فاعلون آخرون يشاركون في بناء المعنى: الفلاسفة، والمفكرون، والعلماء، والمصلحون الاجتماعيون، بل وحتى الممارسات اليومية للإنسان العادي. وهو ما يتناقض مع الطابع الإنساني الشامل الذي يدافع عنه النص نفسه.
بين الاحتفاء بالقصة واحتكار المعنى
يمكن فهم هذا التناقض بوصفه تعبيرًا عن توتر داخلي بين رغبة الكاتب في الاحتفاء بالقصة كجنس أدبي مفضل، ووعيه بأن الإبداع فعل إنساني متعدد الأشكال. غير أن هذا التوتر، حين لا يُضبط لغويًا ومفهوميًا، يتحول إلى خلل نظري.
كان بالإمكان تفادي هذا الإشكال عبر صياغة أكثر اتساقًا، تُبرز دور القصة دون أن تحتكر وظيفة الترميم، مثل القول إن القصة إحدى أكثر أشكال الإبداع حساسية في التقاط الثغرات الرمزية للعالم.
يكشف النص محلّ القراءة عن وعي عميق بوظيفة السرد، وعن إيمان راسخ بأن القصة ليست قراءة جماليًا فقط، بل أداة لفهم العالم وإعادة تركيبه. غير أن هذا الوعي، كي يظل منسجمًا مع نفسه، يحتاج إلى دقة مفهومية تحول دون الوقوع في تناقضات تصنيفية.
فالعالم لا يُرمَّم بصوت واحد، ولا بجنس إبداعي واحد، بل بتضافر أشكال متعددة من الخيال والفكر والفعل. وتبقى القصة، في أفضل تجلياتها، لا أداة لسدّ الفراغ فحسب، بل فضاءً مفتوحًا لطرح الأسئلة، وإعادة التفكير في معنى الإنسان والعالم.
العربي الحميدي