جذور أوروبا العربيّة والإفريقيّة - محمّد المهذبي

شكل العرض
  • أصغر صغير متوسط كبير أكبر
  • نسخ كوفي مدى عارف مرزا

لقد مرّت أكثر من ثلاثة عقود على ظهور نظريّة صراع الحضارات، للبروفيسور الأمريكي المعروف صامويل هانتنغتون، ضمن محاولة للبحث عن بديل للعدوّ الشيوعي الذي انهار أمام الغرب في مطلع التسعينات. غير أنّ تلك النظريّة ربما كانت مقدّمة لبروز تصوّرات أسوأ، توحي بعودة التفكير العنصري ولو بشكل جديد يقوم على الاعتقاد في وجود تراتب بين الحضارات والأعراق دون إعلان ذلك صراحة. غير أنّ مثل هذه الأفكار لا تعدو أن تكون أيديولوجيا في خدمة أغراض لا علاقة لها بالعلم. فقد تبيّن اليوم للجميع، من خلال التوتّر الكبير الحاصل بين الولايات المتحدة من ناحية، وأوروبا وكندا من ناحية ثانية، أو على إثر هيمنة التيارات السياسية الشعبويّة في أكثر من بلد أوروبي، أنّ ما يسمّى بالحضارة الغربيّة المستندة إلى قيم حضاريّة ومبادئ أخلاقية مشتركة، ليست أكثر من غطاء يُستَخدَم كلّما دعت الحاجة إليه. أمّا الوقائع التاريخية والأنثروبولوجيّة فليس من السهل التلاعب بها.

ففي عصر التنوير الأوروبي، أثناء القرن الثامن عشر، أكّد هردر، وهو أحد كبار مفكري ذلك العصر، أنّ "كلّ ثقافة شمال وشرق وغرب أوروبا" هي "نبات من بذور رومانيّة، يونانيّة وعربيّة". وربما يمكن أن نضيف أنّ الثقافة اليونانيّة والرومانية تدينان بدروهما إلى ثقافة الشرق القديم أي بلاد ما بين النهرين وبلاد الشام وشمال إفريقيا. ولا ينبغي أن ننسى أنّ العرب، بالمعنى الثقافي وليس العنصري، فضلا عما يمتلكونه من حضارة، فهم الورثة الشرعيّون لأقدم الحضارات التي عرفتها البشريّة وبلادهم مهد الديانات السماوية الثلاث وأصل نشأة الحضارة الأوروبية الحديثة ثمّ تفوقها. إنّنا كثيرا ما نردّد ذلك أو نقتصر على ذكر الفترة العربية الإسلامية، ولكن دون السعي إلى استخلاص نتائج نظرية وعمليّة، كأساس لتفكير استراتيجي سياسي واضح المعالم.

أما بالنسبة لإفريقيا ففضلها على أوروبا والعالم ثابت بأكثر من وجه. فمن المعروف أنّها مهد الإنسانية بكلّ بساطة، حيث ظهر أقدم أثر للبشر ومنها انتشر إلى أطراف الأرض. وربما حصل ذلك الانتشار المنبثق من شرق إفريقيا، انطلاقا من الجزيرة العربية، وفقا لبعض الفرضيات الجادّة. ثم إنّ أوروبا الحديثة قد تشكّلت في علاقة ما بمستعمراتها ولا سيما الإفريقية. فالثروات المنهوبة لعبت دورا لا يمكن إنكاره في التوسّع الاقتصادي غير المسبوق لأوروبا. كما أنّ تجارة العبيد، سيّئة الذكر، بين أوروبا وإفريقيا و"العالم الجديد"، كانت أساسا للنموّ الاقتصادي سواء في أوروبا أ و في أمريكا. وقد صدق فرانز فانون حين قال إنّ أوروبا هي صنيعة العالم الثالث. وما يصحّ على ما كان يسمّى بالعالم الثالث، ينطبق من باب أولى على إفريقيا، فلعلّها الأكثر تعرّضا للظلم وللنهب والهيمنة. كما أنّ الكثيرين ينسون أنّ تحرير أوروبا من الفاشية والنازية، خلال الحرب العالمية الثانية، قد تمّ بفضل تضحيات الملايين من جنود المستعمرات العربية والإفريقية. والمقصود هنا ليس استعادة ذلك الصراع الاستعماري بالضرورة، حتّى وإن كانت تبعاته لا تزال قائمة. فقد مرت عقود على تحرّر البلدان الإفريقية وربما أمكن اليوم مناقشة القضايا الشائكة المتعلقة بالماضي الاستعماري في سياق أقلّ اشتعالا. بل ربما مثّلت هذه اللحظة التاريخية فرصة ينبغي انتهازها.

لقد نشأت نظريّة صراع الحضارات، وقبلها أيديولوجيات التفوق الاستعماري، من أفكار مثيرة للجدل وتأسست على أشباه حقائق. أما تراثنا العريق في العالم العربي وفي إفريقيا، فهو بمثابة مختصَر للحضارات الإنسانية، لم يفعل غيرنا سوى التوسع فيه للوصول إلى ما وصل إليه. وإذا تجاوزنا التفاخر بالأمجاد ونقيضه الذي هو جلد الذات، فالمطلوب هو فتح نقاش حول سبل الاستفادة العمليّة من التراث الحضاري المشترك بما يساعد على المساهمة الإيجابية في العلاقات الدولية، وتطوير خطاب ذي أفق إنساني.

ولا بدّ هنا من تأكيد الترابط العربي الإفريقي، ليس فقط ضمن حركات التحرّر الوطني في القرن العشرين، بل من خلال علاقة تمتد جذورها في التاريخ ويسندها الترابط الجغرافي. فمعظم العرب من الناحية العدديّة ينتمون إلى إفريقيا، كما أنّ عرب الجزيرة، ولا سيما جنوبها، خضعوا قبل الإسلام للتأثير الإفريقي القادم من إمبراطورية الحبشة تحديدا. وكان لنفس تلك الإمبراطورية الإفريقية الفضل في إسناد رسالة الإسلام عبر حماية من لجؤوا إليها من المسلمين الأوائل هربا من الاضطهاد، وكذلك في دعم المسيحيّة وحماية التراث اليهودي. ومن أجل بلورة أفكار يمكن أن تكون أساسا لتصوّر مختلف للعلاقة بين إفريقيا والبلاد العربيّة من ناحية، وأوروبا والغرب عموما، من ناحية ثانية، نقترح النظر في منطلقات ثلاثة.

                لننظر أوّلا في المقصود بأنّ أسس الحضارة الإنسانية تمتد جذورها إلى المنطقة العربية والإفريقيّة. فالعلم قد ولد في مصر مثلما يقول أرسطو والدين بإطلاق قد نشأ في حضارة ما بين النهرين، أقدم الحضارات في العالم، تماما مثل القانون والأبجدية والزراعة والصناعة والاستراتيجيا العسكرية والأرقام التي يستعملها الأوروبيون. بل إنّ اسم أوروبا نفسه مستمدّ من اسم أميرة فينيقية في الأصل. فماذا يعني ذلك؟ لقد أخذوا عنا الأصول ابتداء من حضارة ما بين النهرين والحضارة المصرية القديمة والفينيقية، دون الحديث عن الأصل البشري الإفريقي الواحد، ثم استفادوا من ذلك لتأسيس حضارتهم الحديثة بفضل الاحتكاك بالحضارة العربية الإسلامية في العصر الوسيط. أي إنّ أصول الحضارة الأوروبية المادية والروحية تعود إلى المنطقة العربية والإفريقيّة. إنّ التذكير بذلك يعني العودة إلى الأصل التاريخي الواحد للحضارة ومن شأنه أن يهدم أسس فكرة الصراع بين الحضارات وكلّ أشكال العنصريّة، ويساهم في التأسيس للحوار والتفاعل الايجابي بين الحضارات. ويمكن ترجمة هذه الأفكار إلى مبادرة ثقافية سياسية ضمن ندوات دولية، مثلا، لتأكيد امتداد جذور أوروبا الثقافية إلى المنطقة العربية والإفريقيّة. ولن يتجاوز الأمر بيانا يتخذ قيمة رمزية ولكنّه سيكون بمثابة المرجع. ولعلّ الكثير من الندوات أو المؤتمرات الدولية التي انعقدت في السنوات الأخيرة لم تعط هذا الجانب الأهميّة التي يستحقّ. ولا يتعلّق الموضوع باستغلال سياسي لوقائع تاريخية بل هو إثبات لحقيقة يكون الهدف منها إنسانيا. فإثبات الجذور الثقافية العربية والإفريقيّة للحضارة اليونانية وكذلك للعهد القديم وللأناجيل ليس محلّ خلاف إطلاقا شأنه شأن العناصر الأخرى المكونة للحضارة. ولكنّ ترجمة تلك الحقائق عمليا ستكون في خدمة الطابع الإنساني للحضارة. إننا سننفذ بذلك إلى مستوى مختلف من الحوار يمكّننا من الوصول إلى ما يوحّد الحضارات حقا دون التوقّف عند الجوانب التي تبدو مختلفة بينها. فكون الأديان السماوية قد ولدت في منطقتنا العربية والإفريقية هو أمر قد لا يعني سوى احتمالين اثنين: إما أنّ المنطقة العربية والإفريقيّة أشبه برحم مستأجر لتخصيب الأديان والحضارات ليتبناها الغير، أو إنّ ما ولدته من حضارات ينتمي لها أصلا حتى وإن تبناه الآخرون. وإذا كان الاحتمال الأول مخالفا لأبسط المفاهيم المستنتجة من العلوم الاجتماعية، فإنّ الاحتمال الثاني هو الأقرب للحقيقة شرط ألا يُفهَم من منطلق شوفيني يتجاهل الأسس الإنسانيّة للحضارة.

                ويتمثّل المنطلق الثاني في البعد الكوني الإنساني الكامن في تأكيد الجذور العربية والإفريقيّة للحضارة الغربية الحديثة. فالتسليم بتلك الحقيقة يجعل من الضروري قبول إحدى نتائجها وهي أنّ العرب والأفارقة ينبغي أن لا ينغلقوا أمام الحضارة الغربية. إذ أنّ نظرة بسيطة لتاريخ المنطقة العربية تبيّن بشكل واضح كيف أخذت الحضارات اللاحقة عن السابقة وكيف أنّ البلاد العربية الحديثة وارثة لحضارات مختلفة تعاقبت عليها. وربما لا توجد منطقة أخرى من العالم عرفت مثل ذلك التنوع الحضاري على مرّ التاريخ وهو أمر لعلّنا لم نتوقف عنده بما يكفي ولم نظهره للعالم. والملام يقع في هذا الجانب على العرب والأفارقة قبل غيرهم لا سيّما على المستوى الجماعي. فالعمل القُطري قائم في كلّ بلد على حدة وكثيرا ما يكاد يقتصر على استغلال التراث الحضاري لتطوير السياحة. أما الاستفادة من ذلك على المستوى السياسي والثقافي بالمعنى العميق للكلمة فربما تحتاج إلى المزيد من الجهد. فتأكيد الجذور المشتركة يرتبط بالضرورة بالاعتقاد في المصير الإنساني المشترك.

                أما المنطلق الثالث فهو الجذور الثقافية المشتركة للأديان السماوية الثلاثة والتي تعود في نهاية المطاف إلى تأثيرات تمتد من حضارة ما بين النهرين إلى الحضارة المصرية القديمة. تبيّن ذلك من خلال البحوث التاريخية والأثريّة وتؤكده مبادئ العلوم الإنسانية الحديثة. ولعلّ محاولة التعمق في هذه المسألة سيكون جديرا بأن يخفّف من الصراعات الدينيّة، عبر إرجاعها إلى أصلها المشترك. إنّ تبنّي العالم العربي والإفريقي للأديان السماوية الثلاثة كوريث للحضارات التي تعاقبت على بلدانه مع السعي إلى الوصول بذلك إلى آخر نتائجه سيمثل اتجاها مثمرا للتفكير. أما ترجمته العملية فتعني انتزاعا لسموم التطرف الديني حيثما كانت. وربما يكون من المجدي مناقشة مثل هذه التوجهات ضمن مؤسسات الجامعة العربية أو الاتحاد الإفريقي أو الألكسو أو منظمات المجتمع المدني العربية أو المؤتمرات الفكرية.

                إنّ ما نؤكده هنا ليس جديدا في جوهره. ولكنّ ذلك كثيرا ما اقتصر على الشعارات ولم يترجم إلى نتائج عملية تساهم في صياغة تصورات يمكن نشرها في العالم واعتمادها لتطوير خطاب سياسي أو حتى نظرية في العلاقات الدولية تهدف إلى تغيير صورة العرب والأفارقة في العالم. إنّ الحديث عن جذور أوروبا العربية والإفريقيّة قد يبدو للبعض مبالغا فيه، ولكنّه لا يخلو من حقيقة لو سعينا إلى تجاوز الغشاوة التي خلقها الوضع الدولي الحالي والدعاية الغربية. ثمّ إنّ الوضع الذي تعيشه أوروبا في الوقت الحاضر، بعد أن حصل نوع من الجفاء بينها وبين الولايات المتحدة الأمريكية، قد يشير إلى فرصة تاريخية للانفتاح على جوارها الجغرافي العربي والإفريقي، يعالج جراح الماضي ويفتح الطريق نحو المستقبل. ويمكن أن يكون ذلك منطلقا لمناقشة مسائل استراتيجية مثل التزّود بالطاقة، أو سلاسل الإمدادات أو الهجرة أو الاستثمارات. وقد يكون بناء شراكة دائمة قائما على ضرورة تصفية آثار الماضي الاستعماري بطريقة مقبولة. وتصبح الجذور المشتركة أساسا لبناء تحالف استراتيجي جديد ربما يمنح لأوروبا المرتبطة بعمقها العربي والإفريقي بديلا عن ضمور تحالفها الأطلسي.

تعليقات (0)

لاتوجد تعليقات لهذا الموضوع، كن أول من يعلق.

التعليق على الموضوع

  1. التعليق على الموضوع.
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location
اكتب النص المعروض في الصورة أدناه. ليس واضحا؟