تعرفتُ إلى أعمال محمد عابد الجابري تقريباً عام 1996، وأنا طالب في البكالوريا، في سنٍّ يظن فيها المرء أنه بدأ يفهم العالم لأنه أنهى لتوّه كتاباً صعباً. لم أكن قد قررت ماذا سأدرس، لكنني كنت أعرف أن سؤال العقل والنهضة يشغلني بعمق، أو هكذا كنت أظن. المفارقة أن تلك السنوات نفسها كانت تشهد في الحقل الأكاديمي الغربي البدايات الأولى لما سيُعرف لاحقاً بسوسيولوجيا الانفعالات، بينما كنت أنا غارقاً في "نقد العقل" غير مدرك أنني سأعود بعد عقدين لأبحث عن الرابط بين الاثنين. بعد سنوات، حين درستُ علم الاجتماع في إسبانيا، أدركت أن حضوره لم يكن مجرد قراءة عابرة، بل أثّر في توجّهاتي البحثية ذاتها. من عملي على انتشار فلسفة ابن رشد بين اليهود في الفضاءات المسيحية الوسيطة، إلى انشغالي المنهجي بسؤال الأصالة والتراث والعلاقة بين السياق والمفاهيم والنظريات الغربية، ظلّ هاجسه الفكري رفيقاً غير معلن لمساري العلمي.
قرأتُ كتابه الأخير في سلسلة نقد العقل العربي، العقل الأخلاقي العربي: دراسة تحليلية لنظم القيم في الثقافة العربية، في طبعته الأولى عام 2001. كانت البلاد تعيش آنذاك ما سُمّي لاحقاً بربيع دمشق، بعد بيان الـ99 ثم الـ1000، قبل أن تنتهي تلك اللحظة القصيرة بحملة اعتقالات واسعة. كنت أستعد لمغادرة البلاد نهائياً. ما زلت أذكر ذلك الكتاب في آخر غرفة سكنتها في حي الميدان بدمشق، كأن القراءة كانت جزءاً من وداعٍ صامت لزمن كامل.
عودتي إليه ليست على طريقة جورج طرابيشي، أي لا بوصفها مراجعة تفكيكية تبحث عن مواطن الخلل، بل أقرب إلى روح الياس مرقص حين كتب عن الجابري: "الجابري مفكر كبير، عالم كبير، خادم كبير لهذه الأمة، للوعي الذي ننشده، للمعرفة الميدانية والمعرفة الحقة. وأنا في جانب هام، تلميذ، وتلميذ لهذا الرجل." هذا الصوت أقرب إليّ اليوم. قراءة من الداخل: استكمال لا نقض، توسيع لا تصحيح. لا أبحث عمّا أخطأ فيه، بل عمّا لم يكن أفقُ زمنه يسمح له بأن يقوله صراحةً. مع مرور الوقت، بدأت أقدّر أكثر وضوح موقعه الفلسفي. فبينما كان بعض معاصريه يميلون إلى التنقل بين الحقول المعرفية وتوسيع المرجعيات النظرية، وكان نقاده يطالبونه بالأمر ذاته، ظل هو متمسكاً بأداته الإبستمولوجية، كما لو أنه يكرر: أنا فيلسوف، وأشتغل من داخل هذا الأفق تحديداً.
وأعترف أنني لم أكن، وما زلت، مقتنعاً بأن الاصطفافات التي رافقت السجال بين الجابري وطرابيشي كانت فكرية خالصة تماماً. كان في المشهد شيءٌ من حرارة الانتماء، شيءٌ يوحي بأن الجغرافيا أحياناً تتسلل إلى النقاشات النظرية في صورة ولاء ثقافي غير مُعلن. ربما كان ذلك حكماً مبكراً من طالب شاب، وربما كان حدساً سوسيولوجياً قبل أوانه؛ لكنني كنت أرتاب من تحويل الخلاف الإبستمولوجي إلى ما يشبه مباراة رمزية بين مشرق ومغرب، كما كانت تُستدعى هذه الثنائية أحياناً في لغة السجال الثقافي. لذلك لم تكن عودتي اليوم تصفية حساب مع معركة قديمة، بل محاولة لتجاوز منطق المعركة نفسه.
في "العقل الأخلاقي العربي"، لا يسأل الجابري ما هو الخير في ذاته، بل كيف تشكّل تصور الخير داخل تاريخ محدد. يرى أن منظومة القيم لم تنشأ من فراغ، ولم تكن ثمرة تأمل فلسفي خالص، بل نتجت عن تداخل ثلاث مرجعيات كبرى: القبيلة، والدين، والسلطة السياسية. في المرجعية القبلية تبلورت مفاهيم الشرف والمروءة والعصبية، وفي المرجعية الدينية الطاعة والتقوى والعدل، وفي المرجعية السلطانية قيم النظام والاستقرار. هذا التداخل صنع ما سماه "العقل الأخلاقي"، أي البنية التي نفكر من خلالها في الفضيلة ونحدد عبرها ما ينبغي فعله ونبرر به التزامنا أو رفضنا.
لم أكن حين قرأته أول مرة أعي تماماً لماذا كان سؤاله عن المرجعية الأخلاقية ملحّاً إلى هذا الحد. بدا لي آنذاك نقاشاً نظرياً في بنية القيم. لكن بعد سنوات، وفي سياق المآسي التي عرفتها سوريا، من مجازر وقتل وتعذيب، ومن شعور عميق بأن الضحايا تُركوا وحدهم، لم يعد السؤال تجريدياً. كيف نحكم أخلاقياً حين يتشظى المجال العام؟ وعلى أي أساس نُدين أو نُبرّر؟ هنا فقط فهمت أن الجابري لم يكن يبحث في التراث من باب الفضول التاريخي، بل لأنه كان يدرك أن انهيار المعايير في لحظات الانقسام يكشف هشاشة البنية التي نستند إليها في الحكم.
لم يكن تحليل الجابري وصفاً ثقافياً عاماً، بل تفكيكاً لبنية تاريخية تشكّلت داخل علاقات اجتماعية محددة: "إذا كان موضوعنا هو نظام القيم وليس القيم على الإطلاق، فإن مثل هذه القيم التي تحضر في موروث وتغيب في آخر، والتي تعكس بهذا الحضور والغياب نمط المجتمع وأسلوب حياته، أو روح العصر في حقبة زمنية معينة، هي التي سنركز عليها بوصفها قيماً مركزية في هذا الموروث أو ذاك". كان مشروعه إبستمولوجياً بامتياز. غير أن القراءة بعد عشرين عاماً تكشف أن القيم التي حلّلها ليست أفكاراً باردة. المروءة ليست مفهوماً نظرياً فحسب، بل إحساس بالكرامة يحدد صورة الذات أمام الآخرين. الشرف ليس تعريفاً لغوياً، بل غضبٌ يتفجر حين يُمسّ الاعتبار. الطاعة ليست مجرد امتثال لأمر، بل شعور بالطمأنينة أو بالخوف.
هنا بدأ يتشكل لدي سؤال مختلف: كيف تسكن القيم وجدان الناس؟ كيف تتحول من معايير خارجية إلى إحساس داخلي بالالتزام؟ في علم الاجتماع المعاصر، لم تعد المشاعر تُفهم بوصفها حالات نفسية فردية معزولة، بل بوصفها منظَّمة اجتماعياً، في سياق ما عُرف في العلوم الاجتماعية بـ التحول الوجداني (Affective Turn)، الذي أعاد وضع الانفعال (emotion) في صلب التحليل الاجتماعي بوصفه بعداً بنيوياً في تشكيل المعنى والسلطة والعلاقات. بيّنت آرلي راسل هوكشيلد أن المجتمعات تضع "قواعد للشعور"، وذهب ويليام ريدي إلى أن لكل حقبة نظاماً انفعالياً يحدد أي المشاعر مشروعة وأيها غير مقبولة.
إذا كان الجابري يتحدث عن "نظم القيم" بوصفها أنساقاً مرجعية تنتج معايير التفكير الأخلاقي، فإن الحديث هنا عن "نظم وجدانية" لا يحيل إلى جوهر ثقافي ثابت، بل إلى قواعد اجتماعية لتنظيم الانفعال داخل تلك الأنساق. ما أقترحه ليس استبدال العقل بالوجدان، بل تتبع البنية نفسها في مستواها المعاش. فالقيم لا تضبط السلوك لأنها مقنعة عقلياً فقط، بل لأنها متجذرة في شبكة من الانفعالات تجعلها قابلة للاستبطان الاجتماعي. أعني بالنظم الوجدانية تلك القواعد غير المعلنة التي تحدد متى يكون الغضب فضيلة، ومتى يصبح تهوراً، ومتى يُعدّ الصبر حكمة، ومتى يتحول إلى استسلام. فالقيم لا تسقط حين تُفنَّد نظرياً، بل حين تعجز عن تنظيم انفعالاتنا.
بهذا المعنى، لا يكون النظام الوجداني مفهوماً مستقلاً عن العقل الأخلاقي، بل وجهه المجسَّد اجتماعياً. العقل يحدد ما ينبغي أن يكون، أما الوجدان فيحدد ما ينبغي أن يُشعَر به تجاه ما ينبغي أن يكون. التمييز هنا تحليلي لا واقعي؛ فالقيمة لا توجد في الذهن منفصلة عن الشعور، كما أن الشعور لا ينشأ خارج أفق قيمي. لكن هذا التمييز يسمح بفهم أن شرعية القيم لا تُحسم في مستوى الحجة فقط، بل في مستوى الالتصاق الوجداني بها.
الحديث عن نظم وجدانية لا يعني تفسير التحولات الاجتماعية انطلاقاً من الثقافة وحدها. فالتحول في هذه النظم ليس سبب التحول البنيوي، بل أحد تجلياته. إعادة تعريف الغضب أو الكرامة تعكس تحوّلاً في موقع الفرد داخل الدولة والمجال العام وسوق العمل. التحولات في التعليم، وفي التمدين، وفي الإعلام الرقمي، تعيد صياغة قواعد الشعور كما تعيد صياغة القيم نفسها. هنا يمكن استحضار زيغمونت باومان في توصيفه لما سمّاه "الحداثة السائلة"، ففي عالم تتراجع فيه اليقينيات الصلبة، لا تصبح العلاقات والمؤسسات فقط أكثر هشاشة، بل كذلك الأطر التي تنظّم الإحساس بالانتماء والكرامة والواجب. السيولة لا تطال البنى الاقتصادية والسياسية فحسب، بل تمتد إلى التجربة الوجدانية ذاتها، حيث يغدو الإحساس بالثبات الأخلاقي أقل رسوخاً وأكثر عرضة لإعادة التفاوض.
يكفي أن نتأمل كيف تغيّر معنى كلمة "الكرامة" في النقاش العام خلال العقدين الأخيرين: من إحالة إلى مكانة اجتماعية محفوظة داخل الجماعة، إلى مطالبة صريحة باعتراف قانوني وحق فردي. هذا التحول في الاستعمال ليس لغوياً فقط، بل وجداني أيضاً. لسنا أمام تبدل في منظومة القيم فحسب، بل أمام إعادة كتابة غير معلنة لقواعد الشعور: ما الذي يثير غضبنا؟ ما الذي لم يعد يخجلنا؟ ما الذي أصبح عادياً بعد أن كان غير قابل للاحتمال؟ هنا تحديداً تتشكل أخلاق جديدة قبل أن تُعلن نفسها مفهوماً.
من هنا يمكن فهم اللحظة الراهنة بوصفها مرحلة صراع بين نظم وجدانية متعددة. لسنا أمام قطيعة تامة، بل أمام تداخل بين نظام تاريخي ربط الفضيلة بالامتثال، وربط الشرف بالمكانة داخل الجماعة، وجعل الصبر قيمة عليا لضبط التوترات، ونظام آخر يتشكل تدريجياً يعيد تعريف الكرامة بوصفها حقاً، ويمنح الغضب معنى أخلاقياً جديداً حين يتجه نحو العدالة والمساءلة.
هذا الصراع لا يجري في الساحات العامة فقط، بل داخل وجدان الأفراد أيضاً. قد يشعر الإنسان بواجب الطاعة وبحق الاعتراض في الوقت نفسه. قد يتأرجح بين الخوف من الفوضى والرغبة في الكرامة. هذه الازدواجية ليست تناقضاً نفسياً، بل انعكاس لمرحلة انتقالية تتعايش فيها مرجعيات متعددة داخل البنية الشعورية ذاتها.
وربما يمكن قراءة خاتمة الجابري الشهيرة في هذا الضوء أيضاً. فهو يختم كتابه بالقول إن العرب والمسلمين لم ينهضوا بعد لأنهم لم "يدفنوا بعد في أنفسهم أباهم: أردشير". لم يكن يقصد شخصاً تاريخياً بقدر ما كان يشير إلى نموذج للسلطة تشكّل في التراث السياسي القديم، حيث ترتبط الأخلاق بالطاعة والاستقرار وحماية النظام. غير أن هذا النموذج لم يكن منظومة قيم فقط، بل منظومة شعور أيضاً: نظاماً وجدانياً كاملاً ينظم الخوف والهيبة والصبر بوصفها فضائل سياسية. وإذا كانت لحظتنا الراهنة تشهد صراعاً بين نظم وجدانية متعددة، فقد يكون أحد أبعاد هذا الصراع هو التوتر بين هذا الإرث الوجداني القديم وبين نظام وجداني آخر يتشكل حول مفاهيم الكرامة والحق والغضب المشروع. وربما يمكن فهم لحظة الثورات العربية، في أحد وجوهها، بوصفها محاولة لخلخلة هذا الإرث الوجداني العميق. لم يعش الجابري ليرى تلك اللحظة، لكنها بدت، ولو لوهلة قصيرة، كما لو أنها محاولة متأخرة لدفن "أردشير" الذي تحدث عنه.
حين عدتُ إلى الجابري بعد عشرين عاماً، لم أجد نصاً قديماً فحسب، بل وجدت سؤالاً يتسع. لم أعد أسأل فقط كيف نفكر أخلاقياً، بل كيف نشعر أخلاقياً. وبين التفكير والشعور، بين البنية المعرفية والبنية الوجدانية، يتحدد مسار التحول الذي نعيشه. فالقيم لا تعيش لأنها مبرَّرة فقط، بل لأنها متجذرة في وجدان يتغير بدوره مع تغير العالم.
غير أن هذا التحول لا يكفي أن يُوصف أو يُحتفى به أو يُدان. إنه يحتاج إلى بحث. يحتاج إلى أن نسأل ميدانياً: كيف يُعاد تعريف الكرامة في الحياة اليومية؟ كيف يتغير معنى الغضب؟ متى يصبح الصبر فضيلة ومتى يتحول إلى عبء؟ إن فهم صراع النظم الوجدانية ليس ترفاً نظرياً، بل شرط لفهم إمكانات التحول الاجتماعي ذاته. فالمجتمعات لا تتغير فقط حين تعيد كتابة دساتيرها، بل حين تعيد ترتيب ما تشعر به تجاه العدل والواجب والحرية. وربما يكون استكمال سؤال الجابري اليوم هو أن نتابع القيم في موطنها الأكثر حيوية: في التجربة الوجدانية التي تمنحها الحياة. وهو مسار بحثي أراه ضرورياً لفهم تحولات مجتمعاتنا اليوم. وربما كان السؤال الذي تركه لنا الجابري مفتوحاً هو: كيف نفكر أخلاقياً؟ أما السؤال الذي يفرض نفسه اليوم فهو: كيف نشعر أخلاقياً، وما الذي يعيد تشكيل هذا الشعور؟