بَدْءًا من سنة 2003 توالت إصدارات أعمال الأستاذ محمد جسوس الفكرية* ضمن كتب تنهل موادها من حوارات صحفية تثقيفية؛ أومن مداخلات مُعَمَّقة خلال ندوات علمية تستند إلى خلفية سوسيولوجية مَتِينَة، ومُحْكَمَة في مقاربتها لأعقد قضايا المجتمعات العربية عموما، والمجتمع المغربي على وجه الخصوص، وأشدها حساسية انطلاقا من أسس ثابتة يعتبرها محمد جسوس حدودا دنيا للمعرفة السوسيولوجية.(جسوس:2003، تقديم:إدريس بنسعيد، ص:8)
فكما هو معلوم، ظل منحى المشافهة الذي لاَزَمَ محمد جسوس من الأمور التي استمر طلبته وزملاؤه في تسجيلها عنه، وهو ما حَمَلَه على رَدِّ تَرْجِيحِه ل"السوسيولوجيا الشفوية"(شراك:1998، ص:27-28) لسببين اثنين:
1-أنه لايتوفر على منظومة فكرية عامة، وليستدْرِكَ قائلا على الأثر: "ولكن السؤال المطروح هُوَ هَلْ من الممكن الوصول إلى منظومة فكرية أو منظومة نظرية، بدون الاعتماد على مختلف أشكال التطفل، والشعوذة، والدوغمائية والأحكام السريعة"(جسوس:2024.ص:146)
2- وعدم توفره على نسق فكري جعله يُقَدِّرُ كل ما يقدم من رؤى، وأفكار وطروحات، ومايَعْرِضُ من تحليلات واستنتاجات، لايعدو أن يكون توجيهات عامة، وفرضيات لأجل التداول والتطارح، واقتراحات يُرِيدها مَرِنَة، منفتحة على النقاش غايةً لتعديل منطلقاتها، وَغَرَضًا في نقد أسسها، وتَخْطِئَة مرتكزاتها على نَحْوٍ مُطَّرِدٍ وفاءً لقواعد التفكير السليم، والتزاما بمقتضيات مناهج العلوم المعاصرة التي تَحُضُّ على الشك المُقَوِّض لأركان الاطمئنان اليقيني، والمُهَدِّم للمُطْلَقَات القطعية، وتنتصر لمبدإ الاحتمال، ومقولات التطور، ومنطق التقدم.(جسوس:2026،ص:36 وص:39)
ويُحْتَمَلُ أن يندرجَ بعضُ هذا ضِمْن السَّبَبِيات الرئيسية التي ترتب عليها تَوَقُّف محمد جسوس عن ممارسة الكتابة بُعَيْدَ عودته الأخيرة من رحلته الطويلة، طلبا للعلم في أميركا الشمالية، واقتصاره، مُنْذُئِذٍ، على"المشافهة" أسلوبًا في التواصل الأكاديمي.
في كندا، وجامعة لافال تحديدا، ثم في الولايات المتحدة الأميركية أنجز محمد جسوس أربعةَ بحوثٍ علميةٍ (جسوس،2024.ص:96) ظلت حبيسة رفوف مكتبته الخاصة إلى أن عثر الدكتور عمر بنعياش، بَعْدَ لَأْيٍ وَجُهْدٍ طبعا، على النسخة الأصلية لأطروحته لنيل شهادة الدكتوراه من جامعة برينستون بعنوان: "نظرية التوازن وتفسير التغير الاجتماعي" فانبرى لعرض قضاياها الكبرى، ومفاصلها المركزية مبرزا أهميتها وراهنيتها في الوقت ذاته.
فأما أهميتها فتتمثل في أنها نص علمي يثير اهتمام الباحث الأكاديمي، والسياسي، والقائد الفكري، والطالب، وكُل مُنْهَمِمٍ بالتثقيف الذاتي، ومُنْشَغِلٍ بقلق السؤال، وهاجس الفهم واستجلاء المعنى (جسوس،2026.ص:45-46)
وأما راهنيتها فَتُجْلِيها مداراتها، ومقترحاتها التي تفتح أمام الباحث المُتَبَصِّر آفاقا رحبة لمقاربة نقديةٍ وجيهةٍ للنظريات الكبرى التي تَصَدَّت لإشكالية التغير الاجتماعي واستراتيجية الانتقال في بلدان الجنوب.
فالوظيفية التي تستقي مبادئها الأساسية من الجهاز النظري للتطورية، ومِنْ مُعْتَمَدِ إميل دوركايم، هي إطار تحليلي يَرَى إلى المجتمع كنسقٍ مُنْتَظٍمٍ ينجز كل مُكَوِّن من مكوناته دورا مضبوطا ونشاطا محددا. (ريكس، ص:111)
وتبعا لذلك، فإن التغير الذي يطرأ على أي جزء من أجزائه يستتبعه بالضرورة مفعولات تشمل المكونات الأخرى جميعها، إن دل هذا على أمر فهو يدل على أن المجتمع وحدة متكاملة، متفاعلة، ومتوازية تتألف من وحدات ترتبط في مابينها ارتباطا وثيقا؛ سَعْيًا إلى ضبط توازن البنية الاجتماعية في كليتها، وهدفًا إلى ضمان استقرارها ومن ثم استمراريتها عبر الزمن.(جسوس:2026.ص:42)
سمحت لنا قراءتنا لهذا العمل المرجعي باستجلاء حقيقة الشكاوى التي يزعم أصحابها أن نظرية التوازن، رغم أهميتها وقيمتها، تنطوي على نزعة سْتَاتِيكية تجعلها قاصرة عن فهم آليات الصراع، وتجلياته داخل المجتمع على اعتبار أن التوازن يُحِيلُ إلى سكونية كل القسمات، واستقرار مختلف العناصر الاجتماعية ولايحيل إلى الصراع المُفْضِي إلى التغير. وبناء على هذا، فإن نظرية التوازن تهدف إلى الكشف عن الشروط العامة التي تكفل استقرار المجتمع، وتحديد الآليات التي يتم من خلالها إعادة تأسيس ذلك الاستقرار عقب حدوث الاختلال والاضطراب (نفسه، ص:52).
بحسبان أن توازن المجتمع واستقراره يقتضي:
1-دينامية تخضع لشبكة معقدة من العلاقات بين المكونات الأساسية للنظام الاجتماعي التي تستدمجها الشخصية من خلال مسلسل التنشئة الاجتماعية.
2-استمرارية تستوجب التعامل مع العديد من المشاكل الأخرى نَظِيرَ السيطرة على البيئة؛ وتلبية الحد الأدنى من الاحتياجات المادية، والاجتماعية والنفسية لأعضائه بصرف النظر عن مسألة صيانتها. (نفسه، ص:78)
3-ترخيصا طقوسيا ومؤسساتيا بما هما شكلان من أشكال المرونة الاجتماعية التي تعيد تنظيم العلاقة بين القاعدة والانحراف عبر إتاحة مساحات محسوبة تُمَكِّن من تجاوز المعايير دون الانتقاص من قيمتها؛ أو الإخلال بها كلية ضمانا لتناغم النسق الاجتماعي وتوازنه؛ وحفاظا على استقراره وتماسكه طالما أن المرامي تتمثل في تفريغ التوترات الاجتماعية بشكل دوري، وتطهير الأنا الفردية كما الذات الجماعية من أًدْرَانِ الإرغامات، وسطوة الضغوطات وإِسَارِ الإكراهات (نفسه، ص: 82)
ومع ذلك، تظل نظرية التوازن في ضوء شروطها الخاصة محصورة في دائرة تفسيرية ضيقة. فهي مثلا لاتمدنا بمعطيات ضافية تتيح فهم الصراعات التكيفية؛ ولاتسعفنا كثيرا على إبراز أسباب اندلاع الحروب الأهلية الأميركية؛ والإسبانية، أو الكشف عن خفايا، وملابسات أحداث مفصلية في تاريخ العالم كالثورات الفرنسية، والروسية، والصينية، والكوبية، وانهيار الأمبراطوريات الاستعمارية، والانقلابات وحروب العصابات (نفسه، ص:174-175). وعلى هذا الأساس، يمكن القول إن "نظرية التوازن [=مثل نظرية تالكوت بارسونز] ضيقة جدا، ومحدودة للغاية بحيث لايمكن استخدامها كإطار لنظرية عامة للأنظمة الاجتماعية"، (نفسه، ص:177) أو نموذجا يساعدنا على إستيعاب كيفية "حدوث تغيرات جذرية في المجتمع (...) والظواهرالتي تصاحبها. إن"ها" لاتقول شيئا تقريبا عما يحدث عندما يكون النظام الاجتماعي في حالة اختلال التوازن، وتُخْبِرنا فقط كيف سيكون هذا النظام عندما يصل إلى وضع جديد من الراحة."(نفسه، ص: 105) من ثَمَّ، فإن مسأليات التغير الهيكلي، وِفْقًا للأستاذ محمد جسوس، تحتاج إلى مقتربات أخرى أوسع نطاقا، وأكثر ثراء كالماركسية، ومنظور بيتريم سوروكين، فضلا عن التحليل النفسي، والعلوم الاقتصادية ونظرية النظم العامة. (نفسه، ص: 180)
يَتَحَصَّلُ ممَّا مَرَّ مَعَنَا، أن مَابَذَلَهُ الدكتورعمر بنعياش، من مجهود فكري مُضْنٍ بالتأكيد، لايندرج، في ما أَُقَدِّر، في إطار الوفاء لمفكر بارز، وعالم اجتماع مرموق، ومناضل سياسي نزيه، هو الأستاذ محمد جسوس، فحسب، بل هو إسهام يكتسي أهمية قُصْوَى لجُنُوحه إلى الحَفْرِ في جغرافيا المعنى، ونُزُوعِه إلى اسْتِغْوَارِ طبقاتها الدلالية بالاستفهاماتٍ المُحَطِّمَة للمتاريس، والاستيضاحاتِ الجَذْرِية المُهَشِّمَة للقيود المَانِعَة، ثم بالسؤالات المُفَجِّرَة لمُسْبَقَاتِ التفكير، الناقدة لِمَحْجُوبَاتِ القول تَطَلُّعًا إلى إعادة إدماج مشروع فكري مغربي جاد في النقاش العمومي والتداول العلمي الراهن.
●-إحالات مرجعية:
1-جسوس(محمد):2026، نظرية التوازن وتفسير التغير الاجتماعي، عرض وتقديم: عمر بنعياش، تصدير: خالد عليوة، الطبعة الأولى، مطبعة دار المناهل، المغرب.
*-المقصود هنا تحديدا:
أ)- جسوس(محمد):2003، رهانات الفكر السوسيولوجي بالمغرب، أعده للنشر وقدم له: إدريس بنسعيد، الطبعة الأولى، منشورات وزارة الثقافة، المملكة المغربية.
ب)- جسوس(محمد): طروحات حول المسألة الاجتماعية، الطبعة الأولى، منشورات "الأحداث المغربية"، كتاب الشهر: (الكتاب السادس)
2-شراك(أحمد): 1998، الكتابة المغربية في السوسيولوجيا، (يُتم بصيغة الجمع)، ضمن: العلوم الإنسانية والاجتماعية بالمغرب، طروحات ومقاربات، الجزء الأول باللغة العربية، المعهد الجامعي للبحث العلمي، جامعة محمد الخامس- السويسي، الرباط، المغرب.
3-جسوس(محمد):2024، من القرويين إلى برينستون.. (سيرة ذاتية)، إعداد وتنسيق: عمر بنعياش، الطبعة الأولى، منشورات الجمعية المغربية لعلم الاجتماع، المغرب.
4-ريكس(جون):[د.ت]، مشكلات أساسية في النظرية الاجتماعية، ترجمة وتقديم: محمد الجوهري، محمد الحسيني، محمد سعيد فرح، محمد علي محمد، منشأة المعارف بالإسكندرية، مصر.