بداية لابد من الإشارة إلى أن الخطاب الشرعي نزل في واقع مغاير لواقعنا، وفي ظروف ليست كظروفنا ، ما يحتم علينا ضرورة الرجوع للبحث في أسباب النزول بالنسبة للقرآن، وأسباب الورود بالنسبة للحديث، لأن الخطاب الشرعي نزل مخاطبا أفرادا وجماعات لهم عادات وتقاليد وأعراف، ويحكمهم واقع زماني وجغرافي مختلف.
و"رغم أن التشريع مصدره خطاب علوي متنزل من سماء التجرد والإطلاق إلى عالم الطبيعة والتجدد؛ إلا أنه مع ذلك لم يتعال على الواقع ولم يصادره ولم يسلب حقيقته المتغيرة"[1]، ولعل أقوى ما يعضد هذا القول أن القرآن نزل منجما حسب الوقائع والأسئلة التي كانت تطرح على النبيﷺ فينزل القرآن مجيبا عنها، هذا بغض النظر عن تصرفات النبيﷺ وبعض تقريراته التي تدل على أنه هو الآخر يستحضر الواقع في التشريع للأحكام.
من هنا يمكننا القول بأن للمآل إرهاصات أولية بدأت منذ عصر النبوة وزمن التشريع، إلا أنه لم تكن الحاجة ماسة للبوح به كقاعدة وأصل يرجع إليه، إذ أنه كان يؤخذ سليقة فقط، وحتى بعد عصر النبوة، مع الخلفاء والتابعين إلى عصر التدوين وتطوير الفقه وأصوله، لم يكن هؤلاء الكبار في حاجة لإفراد المآل بالبحث والدراسة، ولكنهم أدرجوه ضمن قواعد أخرى وأذابوه فيها كقاعدة ( الاستحسان، و الذرائع، و المصلحة...) إلى أن جاء عصر الشاطبي، وهو أول من نبه – فيما أحسب - على ضرورة الاعتناء بالمآلات كقاعدة مستقلة ومنفردة.
إلى هنا يمكن أن نطرح السؤال؛ ماذا يقصد الشاطبي بالمآل؟
لعل الشاطبي لم يقدم لنا تعريفا واضحا للمآل، لكن استقراء كلامه يعطي أنه أراد به كل ما يؤول إليه فعل المكلف من أعمال تكون " مقدمات لنتائج المصالح، فإنها أسباب لمسببات هي مقصودة للشارع، والمسببات هي مآلات الأسباب"[2]
فالمآل إذا حسب الشاطبي، هو ما يؤول إليه فعل المكلف من نتائج إما أن تكون إيجابية (المصلحة)، أو سلبية (المفسدة)، فيكون بذلك النظر في المآل هو نظر في المقاصد، أي ما يوافق مقصد الشارع من أفعال المكلفين.
إلى هنا يمكن اعتبار قاعدة المآل من القواعد المهمة في تطوير الفقه والاجتهاد الفقهي بشكل عام، واستيعاب كثير من النوازل والمستجدات اعتبارا بهذه القاعدة، وهذا يفتح لنا المجال أيضا للبحث حول تجليات المآل في بعض القواعد الشرعية الأخرى مثل:
- تجليات المآل في سد الذرائع
- تجليات المآل في الاستحسان
- تجليات المآل في الحيل
- تجليات المآل في مراعاة الخلاف
وربما يظهر أثره في كليات الشريعة عامة، إلا أنه قد يظهر جليا في هذه القواعد الأربع، ولا ننسى أيضا عمق ارتباط هذا المصطلح المقاصدي بمصطلح آخر لا يقل أهمية، وهو مصطلح "الضرورة"، وهذا الأخير هو الباعث على أكثر استعمالات المتأخرين (المحدثين والمعاصرين) لقاعدة المآل، ذلك أننا نجد كثيرا من الفتاوى التي مررها المتأخرون، هي باسم الضرورة وما عمت به البلوى...، خصوصا في القرن التاسع عشر، "وذلك لتمرير بعض الأحداث التي لا يستوعبها الشرع، مثل : الضمان، البنك، التلغراف، المذياع... وغيرها"[3] مبررين ذلك في غالب الأحيان – كما قلت – بالضرورة، أو ما عمت به البلوى.
مبدئيا لا ننكر القول بالمآل كقاعدة شرعية معتبرة لدى الفقهاء، لكن الذي لا نسلم به هو استعمالات هذه القاعدة التي تكون عشوائية أحيانا، ما أدى إلى تخلف الفقه وتراجعه كثيرا بسبب هذا لمبدأ الذي كان سببا في تطوره، ونظرا لارتباط المآل بالقواعد الأخرى السالفة الذكر، فإنه لابد من التعريج على بعضها ولو اختصارا حتى يكتمل لدينا التصور حول مانحن بصدد الحديث فيه.
لعلي سأتناول الحديث عن علاقة المآل بقاعدة الذرائع كمثال للبيان؛
إن الذرائع هي كل ما يتوسل به إلى المحظور، وإن كان في ذاته مباحا، فتكون "حقيقتها التوسل بما هو مصلحة إلى مفسدة"[4]
فيتبين لنا من خلال ذلك أن الذرائع هي كل الوسائل التي يمكن أن يتوسل بها إلى المحظور وإن كانت مباحة الأصل، وهذا – لا شك – راجع إلى النظر في مآلات الأفعال، إذ أن لمجتهد حينما ينظر في أفعال المكلفين، إنما ينظر في مآلاتها وما ينتج عنها من مصالح أو مفاسد، من هنا يأتي النظر في الذريعة سدا وفتحا حسب ما يقتضيه مآل الفعل. هكذا تتبين لنا تجليات المآل في قاعدة الذرائع باعتبار أن كلاهما يفرض على المجتهد استحضار الواقع "كأساس لإنتاج الأحكام وتبديلها"[5]
فالأصل في الذرائع إذا هو النظر في مآلات الأفعال وليس الوقوف عند ظاهرها فقط، ولاريب أن الفقيه في الترجيح ينصرف إلى اعتبار المصالح والمفاسد، ولا ننسى أن درء المفسدة مقدم عند المجتهد على جلب المصلحة، ويقصد هنا المصلحة والمفسدة الشرعيتين.
وغير بعيد عن قاعدة الذرائع، نجد أيضا قاعدة أخرى تتداخل، أو بالأحرى تتفرع عنها قاعدة الذرائع، إنها قاعدة الحيل، والحيل هي " الطرق الخفية التي يتوصل بها المرء إلى غرضه، بحيث لا يدرك الناس مقصده إلا بشيء من الذكاء والفطنة"[6]
وهي في اصطلاح الفقهاء ؛ " التصرفات المشروعة في ذاتها إذا أتى بها المكلف ليبطل حكما شرعيا"[7]
نلاحظ من خلال هذا التعريف الموجز ملاحظتين:
الملاحظة الأولى: أن الحيل تشارك الذرائع في أنها كل ما يتوسل به من وسائل مباحة إلى ما هو محظور
الملاحظة الثانية: أن الحيل تختلف عن الذرائع كون القصد فيها يكون جليا، بخلاف الذرائع التي يكون القصد فيها محتملا.
وعلى العموم، فإن كلتا القاعدتين تعتبران أصلا في إدراك حقيقة ومآلات أفعال المكلفين صحة وفسادا، والحكم عليها بما يناسبها شرعا، ولذلك منع العلماء أن يكون تجويز الحيل موافقا لسد الذرائع، ذلك أن تجويز الحيل يناقض منع الذرائع مناقضة ظاهرة، فإن الشارع يسد الطريق إلى المفاسد بكل ممكن، والمحتال يفتح الطريق إليها بحيلة، فأين من يمنع من الجائز خشية الوقوع في المحرم إلى من يعمل الحيلة في التوصل إليه[8]
من خلال هذه الملاحظات نتبين أن الفقهاء يعتبرون المآل ضابطا من الضوابط الشرعية التي يضبطون بها أفعال المكلفين تحسينا وتقبيحا، هذا من جهة. ومن جهة أخرى فإن أكثر الفقهاء المتأخرين يربطون المآل بالضرورة كما سبق أن ذكرت، وهنا نطرح السؤال، عن أي ضرورة يقصدون، وماهي حدود الضرورة الشرعية المعمول بها لدى كبار المتقدمين؟
يعرف ابن جزي الغرناطي الضرورة بقوله: "فهي خوف الموت، ولا يشترط أن يصبر حتى يشرف على الموت"[9]
والضرورة هي " أن يكون الشخص مخيرا بين الأخذ بالحكم الأصلي والحكم الثانين كحال المضطر إلى شرب الخمر وأكل الخنزير إذا خشي على نفسه التلف إن لم يأكل أو يشرب أو يتناول بشكل عام هذه المحرمات"[10]
ويظهر من هذه التعاريف أنهم حصروا "الضرورة" في الأكل و الشرب، أو حفظ النفس عند الخوف من هلاكها، وفي المقابل نجد هناك من توسع في هذا المصطلح، كأمثال الدكتور عبد الكريم زيدان الذي يعرف الضرورة بأنها "هي العذر الذي يجوز بسببه إجراء الشيء الممنوع وارتكاب المحظور"[11]، وأيضا الدكتور وهبة الزحيلي الذي يعرفها بانها "هي أن تطرأ على الإنسان حالة من الخطر أو المشقة الشديدة بحيث يخاف حدوث ضرر أو أذى بالنفس أو بالعرض أو بالعقل أو بالمال وتوابعها، ويتعين أو يباح عند إذ ارتكاب الحرام ، أو ترك الواجب، أو تأخيره عن وقته دفعا للضرر عنه في غالب ظنه ضمن قيود الشرع"[12]
والملاحظ في هذا التعريف الأخير أنه فيه توسع أكبر لمفهوم الضرورة، بحيث لم يجعل الضرورة محصورة في الطعام والغذاء، بل جعلها تستوعب كل مجالات الحياة، ليدخل فيها الإكراه والرهبة، وترك الواجبات، والانتفاع بمال الغير...إلخ
وعليه، فإن الضرورة حسب تعريف الزحيلي تجاوزت الأكل والشرب إلى غيره، ما نرى معه أن لمتأخرين وسعوا دائرة الضرورات لتصبح في عرفهم هي، " خوف الهلاك أو الضرر الشديد على أحد الضروريات للنفس والغير يقينا او ظنا إن لم يتم دفعه"[13] ، هذا نتج عنه إصدار مجموعة من الفتاوى التي تبيح كثيرا من الحرمات باسم الضرورة، كإباحة الربا والمعاملة بها، لأنه يدخل في حكم المضطر، فلم يعد للضرورة ذلك المعنى الشرعي المعهود، ولا ننسى أن هذه الضرورة مرتبطة عندهم بالمآل على إطلاقه دون تقييد، مما أدى في كثير من الأحيان إلى إلغاء النص وإسقاط العمل به مقابل المصلحة، أو الضرورة، الناتجة عن النظر في المآلات.
ولا شك أن النظر في المصلحة و المآل يكون في توازي مع فهم النص دون إسقاطه، ثم النظر في الضرورة يستوجب التحقق من مقدمات الضرورة الشرعية المعتبرة، والتي يصعب تحقيقها في كثير من المواقف خصوصا في وقتنا المعاصر، إذ أن الفقهاء قد نبهوا إلى أمر مهم، هو أن الضرورات التي تبيح المحضورات هي ما كان فيها الضرر أقل درجة من الضرر الحاصل عن عدم الأخذ بها، " أما إذا كان الضرر الناجم عن الأخذ بها أعظم منه عند عدم الأخذ بها، فهنا لا يسار إليها ولا اعتبارها."[14]
وهذا في حد ذاته اعتبار للمآل، فإن الأخذ بالضرورة إذا كان سيؤدي في مآله إلى ضرر أكبر مما هو عليه، فإن الضرورة هنا تصبح ملغاة ولا اعتبار لها في الشرع، لأن الغرض منها تحقيق المصلحة، وليس وجود مفسدة أكبر، فالمآل إذا، لا يخرج هو الآخر عن إطاره الشرعي سواء جلبا للمصلحة أو دفعا للمفسدة، وإلا فإن المآل إن أصبح جردا من شرعيته، فإنه إذ ذاك يصبح قاعدة تعبر عن " تخلف الفقه" وتراجعه، ولعل بعض فقهاء القرن التاسع عشر إلى اليوم، وجدوا في المآل ضالتهم، فرغم تشبت الفقيه بضرورة الرجوع إلى النص لاستنباط الأحكام منه مباشرة ، "إلا أنه وجد في ترابية المقاصد ما يعطي الفرصة للتكيف مع الأوضاع دون تفريط في تلك المقاصد الكلية التي تنحصر في حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال"[15]، وتبرير ذلك كله باعتبار المآلات للحكم على الأفعال المؤدية إلى تحصيل تلك المقاصد، " وهو التكييف الذي قد يصل بالفقيه إلى القول بإمكانية تعليق نص شرعي أو مقصد معتبر شرعا، مراعاة للظروف المستجدة وطلبا للمصلح المرسلة."[16]
وقد يكون لمفهوم الضرورة كقاعدة لتمرير مجموعة من الأحكام التي قد لا يقبلها الشرع أحيانا، حضور للبعد السياسي الذي يجعل الضرورة " بمعنى الإكراه السياسي خاصة"[17] في فترة الاحتلال الغربي الذي أدخل أشياء حديثة العهد بثقافتنا الإسلامية - ومن تم تمريرها من طرف بعض الفقهاء- أخذا بالمآل، إما بناء على الضرورة، أو المصلحة، أو ماشاكلها من القواعد الأخرى.
خلاصة:
نستخلص مما سبق أن النظر في المآلات شابته تغييرات كثيرة نقلت هذه القاعدة المهمة في الشرع من قاعدة كانت معلما يعتمده المجتهد في ضبط أفعال المكلفين وتنزيل الأحكام في محالها دون مغالاة ولا توسع، إلى قاعدة أضحت عمدة من يمرر ويجوز طائفة من الأحكام، أو بالأحرى " تبريرات" يعطيها صبغة الشرعية، وإن كانت غير موافقة للشرع، وإن على حساب ضرب الأصول والكليات أحيانا، سعيا لخوض غمار التجديد بمفهومه الحداثي الذي ينادي بوضع قطيعة مع تراثنا الإسلامي.
بيبليوغرافيا البحث:
- أصول التشريع الإسلامي / علي حسب الله/ ط.الخامسة 1976/ دار المعارف بمصر
- أصول الفقه/ محمد أبو زهرة/ غير موثق
- الموافقات في أصول الشريعة/ أبو إسحاق الشاطبي/ ت – محمد عبد القادر الفاضلي/ط.2003/المكتبة العصرية- بيروت.صيدا
- القوانين الفقهية/ محمد بن جزي الغرناطي / ت- عبد الكريم الفضيلي/ ط.2016/ دار الرشاد الحديثية- الدار البيضاء المغرب
- المدخل لدراسة الشريعة الإسلامية/ الدكتور عبد الكريم زيدان/ط.11-1990/مؤسسة الرسالة – بيروت
- الفكر الأصولي وإشكالية السلطة العلمية في الإسلام/ الدكتور عبد المجيد الصغير/ط.الأولى 1994 –دار المنتخب العربي – بيروت
- إعلام الموقعين عن رب العالمين/ ابن قيم الجوزية/ ت-محمد محي الدين عبد الحميد/ط.2014 – المكتبة العصرية/بيروت.صيدا
- جدلية الخطاب والواقع/ يحيى محمد /ط.2012/أفريقيا الشرق- الدار البيضاء – المغرب
- مقالات في الفكر والفقه/ الدكتور المصطفى الوضيفي/ط.الأولى2010/المطبعة الوطنية – مراكش – المغرب
- نظرية الوسائل في الشريعة الإسلامية/ الدكتورة أم نائل محمد العيد بركاني/ط.الأولى 2009/ دار ابن حزم/ لبنان
- نظرية الضرورة الشرعية/ الدكتور وهبة الزحيلي/ط.الرابعة 1985/مؤسسة الرسالة- بيروت
[1] يحيى محمد/ جدلية الخطاب والواقع – ص107
[2] أبو إسحاق الشاطبي/ الموافقات- 4/ 118
[3] المصطفى الوضيفي/ مقالات في الفكر والفقه – ص59
[5] جدلية الخطاب والواقع – ص245
[6] علي حسب الله/ أصول التشريع الإسلامي – ص322
[8] انظر ابن القيم- إعلام الموقعين- 3 /121
[10] محمد أبو زهرة- أصول الفقه – ص53
[11] المدخل لدراسة الشريعة الإسلامية – ص84
[12] نظرية الضرورة الشرعية – ص67
[13] أم نائل/ نظرية الوسائل – ص418
[15] عبد المجيد الصغير/ الفكر الأصولي وإشكالية السلطة العلمية في الإسلام – ص253