دخل الصرصار الكبير قاعة المحاضرات بهندامه الأنيق وربطة عنقه التي استوردها من بلد أجنبي ، رفع نظارتيه فوق جبهته ، أعادها إلى موضعها على عينيه ... ألقى ببصره بعيدا ... في القاعة كل أنواع الكائنات الصغيرة والكبيرة ... الصراصير والبراغيث والنمل ... تنحنح الصرصار ذو الشهامة ، لم يلتفت إليه أحد ، صرخ بأعلى صوته ... محاضرتنا اليوم حول موضوع : فلسفة الصرصارية ، أو بلاغة أن تكون صرصارا ... تنحنح مرة أخرى ... ضرب بيده عدة ضربات على المنصة ... الانتباه أمر ضروري ... رفع الحاضرون من الصراصير والبراغيث والنمل ... رؤوسهم عاليا ... فاستعد للحديث ، ومما قاله في ذلك اليوم المشهود : أعزائي الصراصير ، أود أن أخبركم أن الصرصار كائن عملاق ... كائن يقاوم العشرات بل المئات من الإشعاعات النووية ... يتحدى ما يعجز الإنسان المغرور عن تحديه ... أعزائي الصراصير ... سأكلف صرصارة صغيرة أمامي بأن توزع عليكم استمارة من الاستمارات التي سيذكرها التاريخ ... وأرجو أن تقرؤوها بتأن وبتمعن ... مطلبنا الجوهري هو أن نرتقي من مرتبة الحشرية إلى مرتبة الحيوانية ... وأفخر وبكل تواضع ، أنني أول من اكتشف أن الصرصار حيوان وليس مجرد حشرة ، وتصنيفه ضمن الحشرات من أخطاء بني البشر ، وأزيد نفسي افتخارا وبكل تواضع دائما ، بأنني أول من تبنى هذا المطلب ...ترقية ملونة ... - قصة : د .إبراهيم ياسين
دخل الصرصار الكبير قاعة المحاضرات بهندامه الأنيق وربطة عنقه التي استوردها من بلد أجنبي ، رفع نظارتيه فوق جبهته ، أعادها إلى موضعها على عينيه ... ألقى ببصره بعيدا ... في القاعة كل أنواع الكائنات الصغيرة والكبيرة ... الصراصير والبراغيث والنمل ... تنحنح الصرصار ذو الشهامة ، لم يلتفت إليه أحد ، صرخ بأعلى صوته ... محاضرتنا اليوم حول موضوع : فلسفة الصرصارية ، أو بلاغة أن تكون صرصارا ... تنحنح مرة أخرى ... ضرب بيده عدة ضربات على المنصة ... الانتباه أمر ضروري ... رفع الحاضرون من الصراصير والبراغيث والنمل ... رؤوسهم عاليا ... فاستعد للحديث ، ومما قاله في ذلك اليوم المشهود : أعزائي الصراصير ، أود أن أخبركم أن الصرصار كائن عملاق ... كائن يقاوم العشرات بل المئات من الإشعاعات النووية ... يتحدى ما يعجز الإنسان المغرور عن تحديه ... أعزائي الصراصير ... سأكلف صرصارة صغيرة أمامي بأن توزع عليكم استمارة من الاستمارات التي سيذكرها التاريخ ... وأرجو أن تقرؤوها بتأن وبتمعن ... مطلبنا الجوهري هو أن نرتقي من مرتبة الحشرية إلى مرتبة الحيوانية ... وأفخر وبكل تواضع ، أنني أول من اكتشف أن الصرصار حيوان وليس مجرد حشرة ، وتصنيفه ضمن الحشرات من أخطاء بني البشر ، وأزيد نفسي افتخارا وبكل تواضع دائما ، بأنني أول من تبنى هذا المطلب ...
أشعل ( س . م ) سيجارة من النوع الجيد .. وراح يتأمل دخانها المتصاعد .. ثم قال لصحبه وهو يحاوره ــ رغم علمه بضحالة فكر صاحبه وعدم حبه للجدل ــ : كيف تستطيع أن تجزم أن اللعنة الأبدية أو الأزلية هي لعنة ناتجة عن سلوك بشري معوج ؟
تراكمت الأفكار في مخيلته و تزاحمت المعطيات برأسه... إنه يحاول جاهدا منذ أسبوع، أن يتحكم في خيوط كتابة قصـته الجديدة.
كان يقرأ خاطرتي الجديدة " عذابات خيال" ... كان يقرأها بصوته العذب الشّجيّ : " نقشت رسمك في البال... بأبهى ألوان الخيال...توجّتك أميرا في الحال... على مملكتي في عالم الجمال! " .
بمشقة وعناء يزحف الصبي نحو السادسة عشر من عمره، جلد وجهه اسمر و مليء بحب الشباب، وبثور لها زيوان صغير أسود كلطع الذباب. توضأ الصبي وصلى العشاء، ثم ذهب وحده نحو الدكان الذي يريد أن يسرق منه قطعة شوكلاته بالبندق، لقد قرر أن يسرق وحده بعد أن غدر به شريكه في السرقة، ولم يعطه نصيبه في آخر مرة سرقا فيها معا، رغم اليمين الذي حلفا به في آن واحد، وفي آن واحد وضع كل منهما يده على المصحف وهو يحلف أغلظ الأيمان على أن يسرق بإخلاص وضمير، ثم تمتما بالفاتحة لتأكيد اليمين على أن يسرقا سوية واقتسام ما يسرقانه بينهما بالنصف، بحق الله بلا أي خيانة أو غدر.. وفي سره راح الصبي يشتم ويلعن صاحب الدكان الذي يضع الشوكلاته على الرفوف العليا، بعيدة عن متناول اليد، وفوق هذا كله يجلس وسط دكانه متحفزا ومفتح العينين، مما قد يفسد عليه خطته التي جهزها في عقله ليلة البارحة، وسهر عليها معظم الليل يقلبها في رأسه حتى اكتملت معالمها وصارت خطة محبوكة.. وفي نفسه أخذ يؤكد أن صاحب الدكان بخيل، الله لا يمسي وجهه بالخير.. آه لو أنه يبتعد عن الدكان لمدة دقيقة واحدة لا غير، فليذهب إلى أحد مخازنه الكثيرة لجلب غرض ما، أو يذهب إلى الحمام ليقضي حاجته، أو يذهب إلى جهنم الحمراء.. خطا الصبي إلى عمود النور المقابل للدكان، إلى الجهة الأخرى من الشارع، هو عمود نور تشع لمبته نورا ضعيفا شاحبا اصفر، كصفرة بياض عين إنسان مصاب بمرض في الكبد، وبالكاد يستطيع نوره اختراق الظلمة بعد عناء مع زجاجه السميك المغبر، وكفاح مستميت مع العتمة المكثفة في المسافة الفاصلة بين اللمبة والأرض، فيحس من يقف في المكان أن للضوء آلام وأنين..
… ها هو السيد "سين" يعبر البوابة الكبرى كعادته، وجهه مدثر بمسحة حزن، وجسده النحيل ملفوف في معطف حائل اللون، بفعل التقادم، يتأبط تحت ذراعه الأيمن محفظة عجفاء ضامرة تعكس خواء ما تحتويه، ولا تعطي صورة حسنة عن حاملها.
… بعد أن أجرى الفحوصات الضرورية على المريض، اقتعد الطبيب كرسيه المتأرجح، حملق في وجه معيده، حرك رأسه أفقيا، كزّ أسنانه ورسم على محياه سمات الجد وقال :
جلس ذو البطن المنتفخ على كرسي وثير ، وقد تدلت قطع من اللحم على جنبات الكرسي ، بطن منتفخ مترهل ، أمامه طاولة عليها كأس عصير وعلبة سجائر ... تقدمت منه الخادمة الصغيرة ، الشابة النحيلة ، تقدمت بخطى وئيدة وجسدها يرتعش ، لقد كانت تعرف عنه القسوة والشدة والصلابة ـ طبعا ـ على الضعاف أمثالها ، وقفت على بعد متر تقريبا ، انتظرت أن يرفع بصره ، هو لم يلتفت إليها ، هي لم تجرؤ على مخاطبته حتى يأذن لها ...طال انتظارها ...استمر الأمر دقائق ...سرحت بعقلها وخيالها بعيدا ، فجأة سمعت صرخة مدوية : ماذا تفعلين هنا ؟ كيف تقفين أمامي كالصنم ؟