ليلة مقمرة اقترب فيها القمر كثيرا من الارض , نادر ان يصادفها الانسان ويستلذ بتذوقها , لكن كائنا واحدا من بين كل كائنات الارض كان غارقا في سهر لا إرادي ولا شعوري يعزف ويرقص وحده وبنشاط وجنون, شاعر لا حبيبة ولا جواز سفر ولا وطن له....كان يرقص في خفة ونشاط و.... يرقص
لعل منزله الريفي القابع في سفح مجاور لقمة جبلية شاهقة , أيقظ فيه شهوة الرقص والسهر وسرقة لحظات متعة الاغتسال بنور رباني خالص قلما تتكرر.
رقص ورقص , رمى ورمى ما عليه حتى صار أشبه بطفل متحرر من كل ما يحاول البشر أن يستتر به، أدرك أن الحرية هي أن تتحرر من قيود داخلية قبل أن تتحرر من قيود خارجية.
قرأ القصيدة للقمر, وأعاد قراءتها للنجوم , كان سعيدا يحلق ويحلق والقمر يبتسم والنجوم خجلى وهو يغازلها! تارة تغمزها عينه وتارة يحاول أن يتعمد الحملقة فيها ليغالبها الخجل وتخفض بصرها.
رقص ورقص , لكن قطرات الدم التي نزفت فجأة أفسدت هذا الرقص , فرفع عينيه الى القمر , فبدا له ينزف , أسرع الى خزانته المكسرة يبحث عن ضماد ومطهر لجرح القمر.
في مقهى من مقاهي وسط المدينة ... المدينة التي لا اسم لها ولا رسم ، لا ملامح ولا معالم ، جلست ، وبعد أن انتظرت لحظات هذا النادل البئيس ، بدأت التأمل... المتسولون كثيرون ؛ من حيث العدد ، وكثيرون من حيث الصفات : نساء ، أطفال ، شيوخ ، " شماكرية " ، معوقون ... ألوان مختلفة : أسود أبيض أسمر... أشكالهم متنوعة : طويل ، قصير ، متوسط ، وشكل رابع لا هو هذا ولا هو ذاك ، لا هو بالقصير ولا هو بالطويل ... نصف جسم ، يسير أو يزحف يمسح الطوار بعجيزته ، يتحرك حركة لا تعرف اليأس والقنوط ، لا يستسلم ولا يمل ... عجوز تجلس على الطوار تفرش قطعة " كرتون " ، تلتفت يمينا وشمالا ... لا تفلت أحدا إلا وأشارت إليه بيدها آملة أن تجود يد هنا أو يد هناك ... ما أكثر من يرفعون أيديهم ويخفضونها ، كناية عن : " الله غالب " ... في البداية كان المتسول إذا ألح إلحاحا ، سمع عبارات يتناقلها الخلف عن السلف : الله يساهل ... بحالي بحالك ... أو تتخذ شكلا استهزائيا : ما فايتك غير بطجاكيطا أو عبارة ماسوﯕرت ليك والو ... ومع توالي الأيام وتكاثر المتسولين بدأ الزبناء أو من يفترض فيهم أن يكونوا زبناء لهؤلاء المحترفين ... هؤلاء الذين اختاروا مهنة لا تقل عن المهن الأخرى دخلا كما لا تخلو من متاعب ـ كما يزعم أصحابها ... بدأ الزبناء يشيرون بأيديهم ولا أحد منهم يجيب ، ما جدوى أن تجيب ألف متسول؟ وما جدوى أن تلومهم أو حتى أن تنصحهم ... ما أكثر ما لا جدوى منه ...في هذه المدينة ، مدينة الملاهي ، المدينة القديمة الجديدة ... المدينة العريقة الكريمة المجيدة ... المدينة الحديثة العاهرة المتبرجة ... جنة الأثرياء والفتيات الجميلات العاريات وغير هؤلاء وأولئك ، من الشاذين جنسيا ... مقبرة الفقراء والمتسولين والمعوقين من كل الأشكال والألوان والصفات ، المدينة بفنادقها وعماراتها ... القرية بدروبها وأزقتها وإداراتها ، فقر معرفي وجهل ثقافي ، كثير من أهلها حتى لا أقول كلهم لا هم له إلا الطعام والشراب والنكاح ... واستقبال السياح وإرضاؤهم بما لذ وطاب من الطعام والشراب والكسكس والفتيات لذيذات الطعم البهيات الشكل والصورة...
حين يفقد الإنسان كل شيء، و حين يلتفت يمينا و شمالا فلا يجد إلا نفسه..يحاول أن يفهم ما الذي يجري و أين مضى كل أولئك الناس الذين كانوا يحيطون به قبل قليل...يقلب كفيه، يجول ببصره، يحاول أن يصيح...يجري وراء الناس ليمسك بتلابيبهم حتى لا يفلتوا منه و يدَعوه وحيدا...لا أحد يكترث به، كلّ منهمك في أشغاله و كل ماض في دربه نحو مبتغاه...ينظر إلى كل واحد منهم، يحاول أن يقتفي آثارهم حتى لا يبدده الجمود، يخطو خطوة مترددة نحو الأمام و خطوتين نحو الوراء...تمزقه الحيرة و تتقاذفه الرياح...تتجمع غيوم كثيفة أمام عينيه، تحجب عنه الرؤية، يمر من منعرجات و عقبات، غير أنه لا يبصر بوضوح، تخبط قدماه خبط عشواء، يحس أن الوحل يصل إلى فخذيه، يتملكه شعور بالضياع و الذوبان في الظلام...يحاول أن يفعل شيئا لا يعلمه، لكن يديه لا تساعدانه لأنهما شُلّتا فجأة...السيارات تمر بسرعة خاطفة في المنحى المعاكس، تنعكس الأضواء على وجهه..يود لو أنه مثلهم، لو أنه يتحرك في اتجاه معين، لكن لا شيء في كيانه يؤيده، كل شيء مدمر و كل شيء يحتاج إلى ترميم...لكن من سيرمم نفسه غير نفسه؟!....فكم مرة مد يده في الظلام علّ فاعل خير تأخذه رأفةٌ فيمسك بها ويقوده معه في دربه...لكن لا سميع لاستغاثاته...
وراء تلال نتأت كالورم ،ودعتنا شمس نهار قائض وقد تكفنت وسط احمرارخالطه سواد طفيف.
".. كانوا يُسافرون في قطار – أذكر ذلك الآن- غالبني ماراودني مثل هذا الحلم – مثل الطبيعة الصامتة المرقّشة بأشجار صناعية زائفة مثقلة الأغصان بفواكه من الأمواس و المقصات و ادوات حانوت الحلاق المختلفة – أذكر الآن أنه كان يتعين علي قصي شعري – تراءى له ذلك الحلم كثيراً، لكنه لميثر قط ذلك الخوف في اعماقه. هنالك خلف أحدى الأشجرا و قف أخوه، الآخر التوأم، ملوحاً – حدث لي ذلك في الواقع في مكان ما - لكي يوقف القطار. و لما اقتنع بعبث الرسالة التي لوّح بها شرعَ وراء القاطرة الى ان سقَطَ لاهثاً و فد غطّى الزَّبد فمه. كان ذلك حلمه العبثي اللاعقلاني بالطبع، و لكن لم يكُن ثمّة مايدعوه لأن يحدث هذه اليقظة المزعجة. أغمض عينيه من جديد، ولايزال صدغاه ينبضان بدفع الدم الذي سرى هاتفاً في عروقه مثلما فبضة مُطبقة. مضى القطار الى منطقة جدباء، مقفرة، تثير الانقباض في النفس. جعله ألم أحس به في ساقه اليسرى يصرف انتباهه عن المناظر الطبيعية. لاحظ أنه في أصبع قدمه الأوسط- ينبغي ألا استمر في انتعال هذه الأحذية الضيقة. كان هنالك تورّم. وبصورة طبيعية، و كما لو كانت تلك عادته، انتزع من جيبه مفكّاً، وانتزع رأسُ الورَم به. وصغه بعناية في صندوق صغير أزرق- هل بمقدورك أن ترى ألواناً في الأحلام؟- ولمح متطلّعاً من خلال الجرح نهاية خيط دهني أصفر. جذبه دون ان يستشعر ضيقاً او ألماً. بعد لحظة رفع عينيه، فرأى عربة القطار خاوية و أن الوحيد الباقي في عربة أخرى من القطار هو أخوه، الذي يرتدي زي أمرأة، و يقف أمام مرآة محاولاً اقتلاع عينه اليسرى بمقص. .."
خلف زجاج النافذة الشفاف جدا , استغرقت في رياضة تأمل عميقة , مشهد امرأة مصلوبة نحتها الدهر كحورية من بقايا الاغريق , جسدها الللامع كأنه بضاعة عرضت لمستهلكين مفترضين.
أسند إبراهيم ظهره إلى الحائط، وسحب رجليه متلاصقتين متخذا من ركبتيه متكئا لذقنه، وأرسل وجدانه يلملم جراحا مبعثرة من ماضيه، تمتد غائرة متقاطعة كنسيج العنكبوت، كل خيط يهتز منها، يهز الشبكة كاملة.
.." قل لهم بأنني لن أرجع,لا يوجد شيئ يحملني على البقاء في هذي البلاد,أنا ميت في كلّ الأحوال, ولياكلني الحوت ولا ياكلني الدود .." ..