يُعَدُّ الشِّعْرُ الجاهليُّ أحدَ أهَمِّ مَصادرِ مَعرفةِ تاريخِ العَرَبِ قَبْلَ الإسلام ، فَهُوَ سِجِلٌّ للبيئةِ والثقافةِ والقِيَمِ والمِخْيَالِ الجَمْعِيِّ في تِلْكَ الحِقْبَة . وهَذا الشِّعْرُ كانَ ومَا يَزَالُ مِحْوَرَ جَدَلٍ بَيْنَ الباحثين ، خَاصَّةً بَعْدَ صُدورِ كتاب " في الشِّعْرِ الجاهليِّ " ( 1926 ) للدُّكتورِ المِصْرِيِّ طه حُسَيْن ( 1889 _ 1973 )، ومَا تَلاه مِنْ رُدودٍ عِلْمِيَّة ، أبرزُها كِتاب " مصادر الشِّعْرِ الجاهليِّ وقيمتها التاريخية " ( 1956 ) للدُّكتورِ الأُرْدُنِيِّ ناصر الدِّين الأسد ( 1922_ 2015 ) . وَقَدْ مَثَّلَ الكِتابُ مُوَاجَهَةً عِلْمِيَّة مَنْهجية لأُطْرُوحاتِ طه حُسَيْن . وَمِنْ خِلالِ هَذا السِّجَالِ يُمكِن مُقارَبة رُؤيَتَيْن مُخْتَلِفَتَيْن في التعاملِ معَ النَّصِّ الشِّعْرِيِّ الجاهليِّ ، رُؤية تُشكِّك في أصالته ، وأُخْرَى تُدافِع عَنْها بِمَنْهَجٍ نَقْدِيٍّ صارم .
أثارَ طه حُسَيْن جَدَلًا واسعًا حِينَ أعْلَنَ أنَّ مُعْظَمَ الشِّعْرِ الجاهليِّ مَنْحولٌ ، وأنَّه صُنِعَ في صَدْرِ الإسلامِ والقُرونِ اللاحقةِ لأغراضٍ دِينية وسِياسية وَقَبَلِيَّة . وَقَدْ بَنى استنتاجَه على مَنْهَجٍ تأثَّرَ بالشَّكِّ الدِّيكارتيِّ ، وفِكْرَةِ إخضاعِ التُّراثِ للاختبارِ العَقْليِّ ، فَذَهَبَ إلى أنَّ البيئة التي يُصورِّها الشِّعْرُ لا تَنسجِم دائمًا معَ الصُّورةِ التاريخيةِ للعَرَبِ الجَاهِلِيِّين ، وأنَّ اللغة التي نُقِلَ بِها الشِّعْر مُتماسكة أكثرَ مِنَ اللازمِ لِتَكُونَ نِتاجًا لِقُرونٍ شَفَوِيَّة طويلة . كما رَأى أنَّ نَشْأةَ عُلومِ اللغةِ والبَلاغةِ والنَّحْوِ في العَصْرِ العَبَّاسِيِّ قَدْ أوجدتْ بِيئةً خِصْبَةً لاختلاقِ أشعارٍ تُسنَد إلى الجَاهِلِيِّين ، لِتأكيدِ صِحَّةِ قواعدِ اللغةِ ، أوْ خِدْمَةِ العَصَبِيَّاتِ القَبَلِيَّةِ والأغراضِ السِّياسية .
لَمْ يَكُنْ هَدَفُ طَه حُسَيْن هَدْمَ التُّراثِ بِقَدْرِ ما كانَ مُحاولة لإعادةِ قِراءته ، لكنَّه صاغَ فَرَضياته بطريقةٍ قَطْعية أثارتْ حَفيظةَ العُلَماءِ واللغويين وأهلِ الأدبِ ، الذينَ رَأَوْا أنَّ مَنْهَجَه تَسَرَّعَ في الحُكْمِ دُون الاعتمادِ الكافي على أدواتِ النَّقْدِ اللغويِّ والتطبيقي .
"كيما اليوم" لـليلى طوبال : صوتٌ نسائـي حالم يرتق جروح الإنسانية الراهنة - سلمى بلطي
في إطار فعاليات الدورة الثالثة من المهرجان الوطني للمسـرح التونسي – مواسم الإبداع، احتضنت قاعة فن الرابع، يوم الاثنين 03 نوفمبر 2025، عرض "كيما اليوم" للفنانة المسـرحية التونسية ليلى طوبال التي اختارت هذه المرة أن تدخل عوالم الإخراج، حاملة معها نصوصها المميزة، ورؤيتها السينوغرافية الخاصة، وصوتها المسـرحي الفريد، في عملٍ قام بأدائه كل من مايا سعيدان، وأصالة نجار، ودينا الوسلاتي، وفاتن شرودي، وخديجة المحجوب، وأمان الله التوكابري.
وعلى الرغم من تغير موقع ليلى طوبال من العملية الإبداعية في هذا العمل، من التمثيل إلى الكتابة والإخراج، فإن أول ما يلفت انتباهنا في هذه المسـرحية، هو ما نلمسه من روح الممثلة التي حتى وإن غاب جسدها عن الركح، فقد ظل نفَسها حاضرًا في مختلف الشخصيات التي رسمتها، وفيما تتلفظ به من خطاب، وفي طبيعة الحكاية التي تجمع بينها. ذلك أن طوبال تضعنا منذ البداية أمام حكايةِ بشـريةٍ على حافة الاندثار، حيث لا ينجو من الحادث المروع الذي تتعرض إليه شاحنة تحمل أنابيب السوائل المنوية والبويْضات التي تبرع بها البشـر القليلون المتبقون على الأرض، سوى حيوان منوي وحيد، وبويْضة واحدة، سيحتضنهما باطن الأرض، أين ستنمو شخصية "دنيا" التي ستولَد من رحم الأرض في وضعية عجائبية. غير أن "دنيا" تختفي في ليلة عيد ميلادها الخامس، عندما تقرر أمها الأرض استرجاعها، تاركة وراءها الشخصيات الأربع الأخرى، "ميمون"، و"جنات"، و"أوركيدة"، و"بيسان"، في حالة فزع وبحث محموم عنها. وفي المسافة الفاصلة بين اختفاء "دنيا" وعودتها، يمتد العرض ليشمل وضعيات درامية مختلفة نجحت طوبال من خلالها في مساءلة واقع الإنسان المعاصر وتعريته مراوحَةً بين "تشاؤم العقل" (الذي عبر عنه هذا الاختفاء) و"تفاؤل الإرادة" (الذي عبرت عنه هذه العودة)، على حد عبارتيْ فيلسوف الالتزام الفني أنطونيو غرامشي.
فكيف وظفت طوبال المتخيل المسـرحي لتعرية واقع الإنسانية الراهنة؟ وإلى أي حد تمكنت في هذا العمل من ترجمة رسالتها الفنية الداعية إلى الحب بوصفه انفعالا إيجابيا يمكن من خلاله مقاومة فضائع الواقع المحلي والعالمي؟ وبأي معنى يحول هذا الافتراض "الأبوكاليبتي" الذي قام عليه العمل، المسرحَ إلى فضاء لإعادة بناء إنسانية الإنسان؟
وصف الخمر بين أبي نواس وبودلير - إبراهيم أبو عواد
الحسن بن هانئ المَعروف بأبي نُوَاس ( 145 _ 198 ه / 762_ 813 م ) ، شاعر عربي مِنْ أشهرِ شُعَراءِ العصرِ العَبَّاسِي ، وَمِنْ كِبار شُعَراءِ الثَّورةِ التجديدية . أحدثَ انقلابًا في مَضمونِ الشِّعْرِ العربيِّ وأُسلوبِه ، فَقَدْ تجاوزَ الأغراضَ التقليدية كالمَدْحِ والفَخْرِ ، واتَّجَهَ إلى مَواضيع جديدة تُعبِّر عَن التَّرَفِ والتَّحَرُّرِ . وكانَ وَصْفُ الخَمْرِ أبرزَ هذه المواضيع التي ارتبطَ اسْمُه بِها ، وَقَدْ قَدَّمَ رُؤيةً فِكريةً مُتكاملة جعلتْ مِنَ الخمر رمزًا للحياةِ والحُرِّيةِ والتَّمَرُّد .
تَجَلَّى أُسلوبُه الفَنِّي في طريقته في رَسْمِ صُورةِ الخَمْر ، إذ اتَّسَمَتْ بالدِّقَّةِ والتفصيلِ والحيوية ، فَقَد استعارَ مِنْ مُعْجَمِ الضَّوْءِ واللونِ والحركةِ مَا يُضْفي على الصُّورةِ طَابَعًا بَصَريًّا يَكَاد يُحوِّل المَشْهَدَ إلى لَوْحَةٍ فَنِّية ، كما لجأ إلى الأساليبِ البَلاغيَّة مِنْ تَشْبيهٍ واستعارةٍ وكِناية ، لِيَمنحَ الخَمْرَ صِفَاتٍ إنسانيَّة تَجْعلها شَخصيةً حَيَّةً تَتفاعل معَ الشاعر. ولا يَكْتفي بوصفِ مَظْهَرِها أوْ طَعْمِها ، بَلْ يَربِط بَيْنَ لَوْنِها ورائحتها وتأثيرِها النَّفْسِيِّ ، فَيَصْنَع لَوْحَةً حِسِّية مُتكاملة تَتجاوز الماديِّ إلى الجَمَاليِّ .
تُمثِّل الخَمْرُ في شِعْرِهِ رمزًا للحَياةِ والمُتعةِ ، والتَّمَرُّدِ على القِيَمِ التقليدية ، والتَّحَرُّرِ مِنَ القُيودِ الاجتماعيةِ والدِّينية ، فَهِيَ لَيْسَتْ مُجرَّد شَراب ، بَلْ وسيلة للتَّحَرُّرِ مِنْ سُلطةِ الدِّينِ والمُجتمعِ ، والهُروبِ مِنَ الواقعِ القاسي ، والتقاليدِ الصارمةِ التي كَبَّلَت الإنسانَ ، وتَجسيد لفلسفةِ اللذةِ والاحتفاءِ بالجسدِ واللحظةِ الآنِيَّة .
بِهَذا المَعنى ، تَتَحَوَّلُ الخَمْرُ إلى رمزٍ للبحثِ عَن الذاتِ ، والتصالحِ معَ الرَّغَبَاتِ الإنسانية المَكبوتة. وَتَجْرِبَتُهُ مَعَ الخَمْرِ حِسِّية في ظاهرِها،لكنَّها تَنْطوي على نَزْعة فِكرية تُمجِّد الحُرِّيةَ الفردية ، وتَحْتفي بالإنسانِ في طَبيعته الأوَّلِيَّةِ البِدَائية الغريزية الشَّهْوانية . وَالخَمْرُ لَدَيْهِ رَمْزٌ دُنيوي ، مُرتبط بالمُتعةِ والمَجالسِ واللهوِ والعبثِ ، وإنْ كانتْ تُخْفي وَراءها احتجاجًا على النِّفَاقِ الاجتماعيِّ والقُيودِ الأخلاقية .
الطبقة الكادحة بين نجيب محفوظ وجون شتاينبك - إبراهيم أبو عواد
يُعْتَبَرُ الكاتبُ المِصْري نجيب محفوظ ( 1911 _ 2006 / نوبل 1988 ) أعظمَ روائي في الأدبِ العربي على الإطلاقِ . تُعَدُّ أعمالهُ سِجِلًّا حَيًّا للتَّحَوُّلات الاجتماعية في مِصْر .
كَتَبَ في فَترةِ التَّحَوُّلاتِ السِّياسية والاجتماعية العَميقة في المُجتمعِ المِصْرِيِّ ، مِنَ الاحتلالِ البريطاني إلى ثَورة 1919 ثُمَّ ثَورة يوليو 1952 ، ومَا تَبِعَها مِنْ تَغْييرات في البُنْيَةِ الطَّبَقِيَّة . وانطلقَ مِنْ واقعٍ اجتماعي مُضطرِب ، فَجَعَلَ مِنَ الأدبِ وسيلةً لكشفِ أزَمَاتِ العَدالةِ الاجتماعية ، وعاشَ مَراحلَ الصِّراعِ بَيْنَ الطَّبَقَاتِ الاجتماعية ، حَيْثُ كانت الطَّبَقَةُ الكادحة ( العُمَّال ، الفُقَراء ، صِغَار المُوظَّفين ، سُكَّان الحَارَاتِ الشَّعْبية ) في مُواجَهةِ الفَقْرِ والسُّلطةِ والبيروقراطية . وَقَدْ كانتْ مِصْر تَمُرُّ بِمَرحلةِ انتقالٍ مِنَ الإقطاع إلى نَوْعٍ مِنَ الاشتراكية ، فانعكسَ ذلك في أدبِه كَصِرَاعٍ بَيْنَ القَديمِ والجديد، وصارَ مَادَّةً خِصْبَةً في كِتَاباته التي رَصَدَتْ حَركةَ المُجتمعِ بَيْنَ القَهْرِ والأملِ .
قَدَّمَ تَصويرًا دقيقًا لِعَالَمِ الكادحين في الحَارَاتِ الشَّعْبية ، حَيْثُ يَتجسَّد الفَقْرُ لَيْسَ كحالةٍ ماديَّةٍ فَقَط، بَلْ أيضًا كَمُعَاناةٍ وُجوديةٍ وإنسانية. وكانَ يَرى أنَّ الفَقْرَ لَيْسَ عَيْبًا فرديًّا، بَلْ نتيجة لعوامل اجتماعية وتاريخية مُعقَّدة ، إلا أنَّه يُعالجه بِمَنظورٍ إنسانيٍّ أكثر مِنْ كَوْنِه سِياسيًّا . فالكادحُ عِندَه هُوَ إنسان يَسْعَى إلى حِفْظِ كَرامته رَغْمَ انكسارِه ، وَيَظَلُّ قادرًا على الحُلْمِ والمُقاوَمة .
شَخصياتُه غالبًا مِنَ الحَارَةِ الشَّعْبية : الحَلَّاق ، البائع ، البَوَّاب ، الفتاة الفقيرة . يُصورِّهم بَيْنَ مِطْرقةِ الفَقْرِ وَسِنْدَانِ السُّلطة ، لكنَّهم يَحْتفظون بِكَرامتهم وإنسانيتهم . والكِفَاحُ عِندَه لَيْسَ اقتصاديًّا فَحَسْب ، بَلْ هُوَ أيضًا وُجودي وأخلاقي ، وَبَحْثٌ عَنْ مَعْنى الحَياةِ والعَدْلِ والكَرامة .
تَتجلَّى الطَّبَقَةُ الكادحةُ بِوُضوحٍ في أعمالِه الواقعية ، فَهُوَ يَرسُم لَوْحةً مُتكاملة للحَياةِ الشَّعْبية في أحياءِ القاهرةِ القديمة ، حَيْثُ تتقاطع طُموحاتُ الفُقَراءِ معَ قَسْوَةِ الواقعِ ، وَيَتجسَّد حُلْمُ الإنسانِ بالتَّحَرُّرِ مِنَ الفَقْرِ، وأحيانًا يَسْقَط في بَراثِنِ الاستغلالِ ، فَيَتَحَوَّل الحُلْمُ إلى مَأساةٍ .
وَقَدْ قَدَّمَ في أعمالِه مَأساةَ الأُسْرَةِ المِصْرِيَّة الفقيرة التي تُكافِح مِنْ أجْلِ البَقاءِ بعد وَفاةِ عائلها، فَيَتَحَوَّل الفَقْرُ إلى قَدَرٍ يَخْتبر القِيَمَ والأخلاقَ والمَبادئ . وفي بعضِ أعمالِه ، تَتَحَوَّلُ الحَارَةُ إلى نَمُوذج مُصغَّر للمُجتمعِ الإنسانيِّ ، حَيْثُ يَتوارث الناسُ الصِّراعَ بَيْنَ العَدْلِ والطُّغيان ، وَيَظَلُّ " الفُتُوَّة " رمزًا للسُّلطةِ التي يَسعى الكادحون لِتَقْويمها أوْ مُواجهتها . وَهُوَ يَرى في الطَّبَقَةِ الكادحةِ الضَّميرَ الأخلاقيَّ للأُمَّة ، لكنَّها في الوَقْتِ نَفْسِه ضَحِيَّةٌ لِبُنْيةٍ اجتماعية ظالمة . خَلاصُها يَتحقَّق بالوَعْي والنَّزْعةِ الأخلاقية النابعة مِنَ الداخل .
الومضة كفضاء للفكر: من الإيجاز اللغوي إلى الكثافة الوجودية في نص "قراءة حرة" لمنال رضوان – عبد الغفور مغوار
النص: قراءة حرة
القصة الومضة تستدعي مفارقة
هاك مثالًا:
(كنتُ إنسانًا…)
أتُراه يصلح مثالًا؟
لم تتضح الفكرة، أليس كذلك؟
هاك فكرة أوضح
(كنتُ إنسانًا مع وغد)
هنا تكتشف حقيقة:
الإنسان لا يَهزمه الموت،
الخطر لا يكمن في.. كنت
بل في سقوط الكينونة عند مسّ الوضاعة.
تأمّل…
إن النبل لا يُعرَف إلا بظلّه
جوهر الإنسان لا يُفصح عن ذاته.......
........
.........
حسنًا،
فلنختصر الدرس
إليكَ مفارقة أكثر حبكة:
كنتُ إنسانًا أتى من خواء؛
فأجاد الوغد معزوفته من طنين. تمت!
المقدمة
تمثل الومضة الأدبية أحد أبرز التحولات التي عرفها الأدب العربي المعاصر، بوصفها شكلا تعبيريا جديدا يقوم على التكثيف والاختزال، ويعيد تعريف العلاقة بين اللغة والفكرة، وبين القارئ والنص. فهي أكثر من مجرد قصة قصيرة جدا أو بيت شعري نثري، إنها تجربة لغوية متوترة تشعل المعنى دفعة واحدة، وتدع القارئ أمام أثر رمزي يفوق حجمها النصي. من هذا المنطلق، تندرج تجربة الدكتورة منال رضوان في نصها "قراءة حرة" ضمن هذا المسار التجريبي الواعي، إذ تنحت بالاقتصاد اللغوي عالما دلاليا مكثفا، وتستثمر المفارقة والسكوت لتصوغ نصا يقرأ على أكثر من مستوى: تعليمي، فلسفي، ووجودي في آن واحد.
يهدف هذا المقال إلى مقاربة نص "قراءة حرة" باعتباره نموذجا فريدا للكتابة الومضية التي تتجاوز حدود التجنيس الأدبي نحو أفق فلسفي وأخلاقي عميق. وسنعالج ذلك من خلال محاور متعددة تتناول الأسس النظرية للومضة كمفهوم وجنس أدبي، وتفكك بنيتها الداخلية في نص رضوان من حيث المفارقة والاختزال، كما نتوقف عند جدلية الإنسان والوضاعة بكونها لب المعنى الأخلاقي الذي تحمله، لنكشف في النهاية عن الرسالة المضمرة التي تكتبها الكاتبة ضد السقوط الإنساني ومن أجل استعادة الكينونة النبيلة عبر اللغة.
المحور الأول: الومضة كجنس أدبي – نظرية المصطلح وموقع نص "قراءة حرة" فيها
إن مفهوم الومضة الأدبية من أبرز التحولات التي شهدها الأدب العربي المعاصر، إذ مثل ميلادا جديدا للغة تجيد الإيجاز دون أن تفقد عمقها، وتنتصر للكثافة الدلالية على الامتداد السردي. والكاتبة الدكتورة منال رضوان في نصها «قراءة حرة» تدخل هذا الحقل بكثير من الوعي كصانعة رؤية تتوسل شكل الومضة لتقول أكثر مما تسمح به القصة أو القصيدة التقليدية. إنها تستثمر «الاقتصاد اللغوي» لتفتح «اقتصادا في المعنى»، حيث كل كلمة تبدو وكأنها تحمل ما لا تستطيع الجمل الطويلة احتواؤه.
ضياع الشباب بين طرفة بن العبد وجون كيتس - إبراهيم أبو عواد
يُعْتَبَرُ طَرَفَة بن العَبْد ( تقريبًا 543 م _ 569 م ) مِنْ أبرزِ شُعراءِ الجاهليَّة . عاشَ في بيئةٍ بَدَوِيَّةٍ صَحْراوية قاسية ، تَنْتشر فيها الصِّرَاعاتُ القَبَلِيَّة ، والمَوْتُ مَوجودٌ في كُلِّ لَحظة ، وَلَهُ حُضُورٌ دائم في الوَعْي الجَمْعِيِّ ، والحياة قصيرة ، فانعكسَ هَذا عَلى رُؤيته للحَياةِ والشَّبَابِ . وَهُوَ يَرى أنَّ الشَّباب مَرحلة عابرة لا تَسْتحق التَّقَشُّفَ أو الادِّخار ، وَيَدْعُو إلى استغلالِها في المُتعةِ واللذةِ قَبْلَ أنْ يُداهِم المَوْتُ الإنسانَ، وفي هَذا إشارةٌ إلى نِهايةِ الإنسانِ ، وحَتميةِ المَوْتِ، وضَياعِ الشَّبابِ . لذلك كانتْ نَزْعَتُهُ شَهْوَانِيَّةً لَذائذيَّة ، ورُؤيته العَامَّة عبثية وماديَّة ومُتمردة ، تَدْعُو إلى اغتنامِ المُتعةِ واللذة، لأنَّ الحياةَ قصيرة ، والشَّباب لا يَدُوم ، والمَوْت لا مَفَر مِنْه ، خاصَّةً في ظِلِّ شُعوره بِقِصَرِ عُمْرِه ، حَيْثُ قُتِلَ في رَيْعَانِ شبابه .
نَظَرَ إلى الشَّبَابِ باعتباره مرحلةً قصيرة ، يَنْبغي أنْ تَقُومَ على الاستمتاعِ والتَّمَرُّد ، وَرَفْضِ الانصياعِ للمُجتمعِ أو القُيودِ الاجتماعية ، فَهِيَ فُرصة وحيدة لِتَذَوُّقِ اللذةِ قَبْلَ الفَنَاءِ السريع الذي يُمثِّله المَوْتُ . وَهُوَ يَرى أنَّ الشَّبابَ ضائعٌ بالضَّرُورة ، فلا جَدوى مِنَ الخَوْفِ ، ولا فائدة مِنَ القَلَقِ ، بَلْ يَجِبُ الانغماسُ في مَلَذَّاتِ الحياة ، وَهُوَ بذلك يُعبِّر عَنْ فَلسفةٍ حَياتية تَمِيلُ إلى العبثِ ، والاحتفالِ بالجسدِ، وتَعظيمِ الغرائز .
عَبَّرَ عَنْ إحساسِه بالغُربةِ والضَّيَاعِ ، لَيْسَ فَقَط مِنْ خِلالِ تَمجيدِ الماضي وَبُعْدِه عَنْ مُتَنَاوَلِ اليَدِ ، بَلْ أيضًا مِنْ خِلالِ التَّفَكُّرِ في الفَوضى الاجتماعيةِ والسِّياسيةِ التي كانتْ تعيشُها قبيلته .
عاشَ فَتْرَةَ شَبابِه مُتَأرْجِحًا بَيْنَ الحَياةِ والمَوْتِ ، مُوَاجِهًا مَصيرَ الفَناء ، وَهُوَ مَا يَعكِسه شِعْرُه الذي يَجْمَع بَيْنَ استذكارِ جَمالِ الشَّبابِ والتَّعبيرِ عَنْ فِقْدانِ الأملِ في المُستقبَل ، بسببِ تآكُلِ الأحلامِ وَتَبَدُّدِهَا . هَذا التَّأرْجُحُ بَيْنَ اليأسِ والمُقاوَمةِ يَدُلُّ عَلى فلسفةِ الشاعرِ الوُجودية ، ويُشير إلى صِراعٍ دائم بَيْنَ الرَّغبةِ في البَقَاءِ والتَّحَدِّي والمَصيرِ المَحتوم .
دارَ الشاعرُ في فَلَكِ المَوْتِ، وَهَذا دَفَعَه إلى الشِّعْرِ في مُحاولةٍ للتَّعبيرِ عَنْ حَياته القصيرةِ المَليئةِ بالصِّراعِ والمُعَاناةِ والألَمِ . وكانَ يَرى أنَّ المَوْتَ لا يأتي إلا بعد أنْ يَصِلَ الإنسانُ إلى ذُرْوَةِ شبابِه وأحلامِه . وَقَدْ أظْهَرَ حَسْرَةً مَريرةً عَلى ضَياعِ الشَّبابِ ، وَعَدَمِ التَّمَتُّعِ بِه ، وكأنَّ العُمْرَ انتهى قَبْلَ أنْ تَبدأ الفُرَصُ الحقيقية . كَما أظْهَرَ حُزْنًا شديدًا على الزَّمانِ الذي مَضَى سريعًا دُون أنْ يَتْرُكَ لَهُ الفُرصةَ للاستفادةِ مِنْ طَاقته وحَيويته . بَلْ وَيَظْهَر في شِعْرِه استشرافُه للمَوْتِ المُبَكِّر ، وَهُوَ مَا يَتَمَاهَى مَعَ حَياته القصيرةِ التي انتهتْ بالقتلِ .
فلسفة الحرب بين المتنبي وهوميروس - إبراهيم أبو عواد
يُعْتَبَرُ المُتَنَبِّي ( 303 ه _ 354 ه / 915 م _ 965 م ) أعظمَ شُعَراءِ اللغةِ العربيةِ على الإطلاق . تَدُورُ مُعْظَمُ قَصائدِه حَوْلَ نَفْسِه ومَدْحِ المُلوكِ ، وأفضلُ شِعْرِه في الحِكمةِ وَفَلسفةِ الحَياةِ وَوَصْفِ المَعاركِ والحُروبِ . لَمْ يَصِف الحَرْبَ كَحَدَثٍ دَمَوِيٍّ فَحَسْب ، بَلْ جَعَلَها مِرْآةً للمَجدِ والبُطولةِ والكَرامةِ ، وَصَوَّرَهَا بِعَيْنِ الفارسِ الذي يَرى في المَعركةِ مَيدانَ الاختبارِ والخُلودِ . وَرَغْمَ تَمجيدِه للحربِ ، لَمْ يَكُنْ غافلًا عَنْ قَسوتها ، فَهُوَ يُدْرِكُ آلامَها ، لكنَّه يَرى فِيها قَدَرًا لا مَفَرَّ مِنْهُ لِمَنْ طَلَبَ العُلا ، فالمَجدُ لا يُنالُ إلا بالتَّضحية ، ولا يُصَانُ إلا بالقُوَّةِ .
والحَرْبُ في شِعْرِهِ لَيْسَتْ صِرَاعًا بَيْنَ الجُيوشِ فَحَسْب ، بَلْ هِيَ أيضًا رَمْزٌ للحَياةِ التي لا تَسْتَحِقُّ أنْ تُعاش مِنْ غَيْرِ مَجْدٍ أوْ شجاعة، وَهِيَ التي تَكْشِفُ حَقيقةَ الرِّجالِ، وَتُظْهِرُ طَبيعةَ البَشَرِ، وتُميِّز الأبطالَ مِنَ الجُبَناءِ ، فالشَّريفُ يَزداد شَرَفًا ، والوَضِيعُ يَظْهَرُ جُبْنُه وخِيانته ، وَهِيَ الطريقُ إلى المَجْدِ الذي لا يُنال بالرَّاحةِ أو التَمَنِّي ، وَهِيَ امتحانُ الإرادةِ الإنسانيَّة . لذلك كانت الحربُ في نَظَرِه مِيزانًا أخلاقيًّا يَكْشِفُ مَعَادِنَ الناسِ .
حَوَّلَ ساحةَ المَعركةِ إلى لَوْحَةٍ حَيَّة ، تَضِجُّ بالحركةِ والأصواتِ والألوانِ ، فالسُّيوفُ عِندَه تَلْمَعُ كالبُروقِ، والخُيولُ تُزَمْجِرُ كالعواصفِ ، والدِّماءُ تُزْهِرُ كالوَرْدِ في الرِّمالِ ، والغُبارُ يَلُفُّ الأُفُقَ كالغَيْمِ المُشتعِل. إنَّه يَصِفُ المَشْهَدَ وَيُجسِّده ، حَتَّى يَسْمَعَ القارئُ صَوْتَ الحَديدِ ، وَيَرى لَمَعَانَ الدُّرُوع .
والبَطَلُ في شِعْرِهِ هُوَ مَزِيجٌ مِنَ الإنسانِ والأُسطورةِ ، وَهُوَ يُقَاتِلُ لِيَنْتصر ، وَيُقيم عَدْلًا ، وَيَصْنع اسْمًا ، وَيَتَحَدَّى الظُّروفَ . والبُطولةُ الحقيقيةُ هِيَ مُواجهةُ المَوْتِ بابتسامةِ الكِبْرياءِ ، لذلكَ كثيرًا مَا يَرْبِطُ بَيْنَ الشَّجاعةِ والعِزَّةِ والعَقْلِ والدَّهَاء .
وصف الطبيعة بين أحمد شوقي وروبرت فروست - إبراهيم أبو عواد
يُعْتَبَرُ الشاعرُ المِصْري أحمد شوقي ( 1868 _ 1932 ) أشهرَ شُعراءِ اللغةِ العربية في العَصْرِ الحديثِ. لُقِّبَ بـِ " أمير الشُّعراء " .
حَرَصَ على وَصْفِ الطبيعةِ في أشعارِه ، وإظهارِ الجَمَالِ الرُّوحِيِّ والإلهيِّ ، وَحَثَّ على التَّأمُّلِ في إبداعِ الخالقِ،وَضَرورةِ التَّفَكُّرِ في رَوائعِ الآياتِ والآثارِ في لَوْحَاتِ الوُجودِ الجميلةِ، والمناظرِ الخَلَّابة . وفي قَصَائِدِه، تَتَجَسَّدُ الطبيعةُ كَبَحْرٍ واسعٍ مِنَ الجَمَالِ والجَلالِ والكَمَالِ والبَهَاءِ .
وقَدْ صَوَّرَ الطبيعةَ تَصويرًا فَنِّيًّا بديعًا بأُسلوبٍ حِسِّي ، يَدُلُّ عَلى الحَياةِ والحَيَوِيَّة ، وَلَمْ يَقْتَصِرْ وَصْفُهُ للطبيعةِ عَلى المَشَاهِدِ الكُبرى ، بَلْ تَطَرَّقَ إلى التفاصيلِ الدَّقيقةِ ، والجَوانبِ العميقة ، وحاولَ اكتشافَ الرُّوحِ الإنسانيَّةِ في الطبيعةِ ، والتَّغَنِّي بِجَمَالِها ، وتَجَلِّيها كَفَنٍّ بَصَرِيٍّ ، كما أنَّه مَنَحَ الطبيعةَ نَفَسًا ، وَشَخَّصَهَا إنسانيًّا ولُغَوِيًّا ، وَجَعَلَ مِنْها مِرْآةً تَعْكِسُ الجَمَالَ والصَّفَاءَ والرَّمْزَ للحَيَاةِ والخُلودِ . أي إنَّهُ كانَ يَمِيلُ إلى تَجسيدِ الطبيعةِ وَتَشخيصِها ، فَيَجْعلها تَتَكَلَّمُ ، وَتُغنِّي ، وَتَحْزَن ، وَتَفْرَح ، وبذلك يَكُون قَدْ مَنَحَهَا رُوحًا إنسانيَّة .
تَعَامَلَ معَ الطبيعةِ باعتبارِها لَوْحَةً فَنِّيةً نابضةً بالحَياة ، وَعَالَمًا مِنَ الجَمَالِ المُتَنَاسِقِ ، وَوَصَفَ الأزهارَ والأنهارَ والطُّيورَ والنُّجومَ بألفاظٍ مُوسيقية ، وألوانٍ زاهية ، تَجْعَل القارئَ كأنَّه يُشَاهِد المَشْهَدَ أمامَه . وَهَذا الوَصْفُ يَجْمَعُ بَيْنَ دِقَّةِ الرَّسَّامِ وَوِجْدَانِ الشاعرِ .
والطبيعةُ مَصْدَرُ إلهامٍ وَحِكْمَةٍ ، تُعلِّم الإنسانَ ، وَتَبُثُّ فِيهِ دُروسَ الصَّبْرِ والتَّجَدُّدِ والنِّظَامِ ، ولا يَنْبغي الاكتفاء بِجَمالِ الطبيعةِ الخارجيِّ ، بَلْ يَجِبُ استخراجُ العِبَرِ مِنْهَا . فَنُضُوجُ الثِّمارِ تُعلِّم مَعْنى الصَّبْرِ ، وَدَوْرَةُ الحَياةِ تُعْطي دَرْسًا في الأملِ والخُلودِ ، وانتظامُ الفُصولِ يُوضِّح مَعْنى النِّظَامِ .
كَمَا يُسْتَخْلَصُ مِنَ الطبيعةِ القِيَمُ الأخلاقيةُ والرُّوحية ، وَهِيَ مَلْجَأ رُوحيٌّ ، يَلْجَأ إلَيْهِ الإنسانُ لِيَسْتَمِدَّ مِنْه الطُّمَأنينة. والطبيعةُ رَمْزٌ للوطنِ والحَياةِ ، وكثيرًا مَا اسْتَخْدَمَ عَناصرَ الطبيعةِ رَمْزًا لِوَطَنِهِ مِصْر،أوْ للتَّعبيرِ عَنْ حَنينِه إلَيْهَا في مَنْفَاه بالأنْدَلُسِ، فالنِّيلُ عِنْدَه لَيْسَ مُجَرَّد نَهْر ، بَلْ رُوح الأُمَّة ، والشَّمْسُ رَمْزُ الأملِ والنَّهضةِ . وَتَفَتُّحُ الأزهارِ دَلالةٌ عَلى التَّجَدُّدِ ، وَتَغْرِيدُ الطُّيورِ مُوسيقى الفَرَحِ .