كانت الأمكنة الأثيرة على نفوس الشعراء والأدباء والفنانين في كل مراحل التاريخ الإبداعيي ملهمة لتفجير مشاعر الارتباط المتجذر بها، والشوق والحنين إلى مراتعها، واستدعاء فضاءاتها الساكنة في أعماقهم، والتي تحرضهم على الاعتزاز بالانتساب إليها، والإعراب عن الأحاسيس المولدة للأشجان على ما قد يصيبها من إهمال وعدم الاهتمام بتجديد نسغها.

وهذا ما حرض كبار الشعراء والمبدعين عامة على الاحتفاء بجمالية مدنهم التي نشأوا في أحضانها، وإشادتهم بالقيم التي اكتسبوها في كل مراحل طفولتهم أو شبابهم بها.

وهذا الرجوع إلى استدعاء الصور الهاربة للأماكن المألوفة هي ما سادت في أشعار القدماء والمحدثين معا، و يؤكد : "غاستون باشلار" أن المكان كان و ما يزال مركز اجتذاب دائم في الفن عموما، وذلك لأنه يركز الوجود في حدود تحميه". وهذه الحدود المحفورة في ذاكرة الشعراء والأدباء والفنانين كفترات ساكنة في الوجدان وفي الجهاز العصبي، هي ما تحرك مشاعر الإنسان عامة رغم تباعد الزمان.

  • فاس عن فاس نأت "2"

بوح شعري حول مراتع طفولة الشاعر : "محمد بنيس" وامتنان للبيئة التي تفتقت فيها أكمام زهرات عمره ، وعرفان بمكانة فاس: التاريخية/الحضارية/الثقافية/الدينية... التي ألهمت شعراء المغرب والمشرق على السواء.

وتتمفصل القصيدة إلى نصين متكاملين ( 1 و 2 ) أو لوحتين متناظرتين :

  • النص الأول : إشادة بحاضرة فاس، مقصد العلماء والأولياء ، وحصن المقاومين الأشداء ، ومنارة علمية/دينية/اجتماعية/فنية.
  • النص الثاني : وصف يتقطر حسرة على ما آل إليه واقعها الحالي من إهمال وجحود ونكران.

ويمكن القول إجمالا أن القصيدة بشقيها ( 1 و 2 ) مندرجة في شعرية الاحتفاء بالحيز الجغرافي والإنساني الساكن في وجدان الشاعر يوحي بالذكرى واستدعاء الصور الهاربة من فترات طفولته المنسربة بين تجاعيد السنين.

طوّر النقاد الثقافيون الذين ظهروا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، مثل "جوناثان سويفت"، "جون روسكين"، وخاصة "ماثيو أرنولد"، النقد الثقافي كما نمارسه اليوم، معقدين بشكل كبير المفاهيم القديمة للثقافة والتقاليد والقيمة. فأما "جوناثان سويفت" فيسخر السمات التقليدية في أدب الرحلات البريطانية في القرن الثامن عشر، من أجل السخرية من النزعة القومية التي كانت حاضرة في بريطانيا خلال الحقبة الاستعمارية، وذلك في روايته الأشهر "رحلات غوليفر". يظهر "غوليفر"، بطل القصة، قدرة محدودة على النسبية الثقافية طوال الرواية؛ إذ يرى في الثقافات التي يصادفها من منظور عدسته التي تحمل طابع التحامل الشخصي. ويُصوّره "سويفت" على أنه راوٍ متحيّز ليُبرز عبثية ونفاق القيم الإمبريالية، حيث تُشكّل كل أرض يزورها تحديًا جديدًا لأيديولوجيته القومية.

كان "سويفت" نفسه ضحية للاضطهاد الاستعماري؛ فكونه أيرلنديًّا، اختبر بنفسه خضوع بلاده للإمبريالية الإنجليزية، وهو ما شكّل الخلفية التي استندت إليها المضامين المناهضة للإمبريالية في الرواية. خلال القرن الثامن عشر، استخدمت إنجلترا الفتوحات الإمبريالية لترسيخ مكانتها كقوة سياسية واقتصادية وأكاديمية عظمى. ويجسّد "غوليفر" القيم التي كانت سائدة في الدولة البريطانية الموحدة حديثًا، حيث يستخدمه "سويفت" كوسيط لانتقاد مظاهر القمع الكامنة في التوسع الإمبريالي للتاج البريطاني.

تكتسب أعماله أهمية خاصة في ظل التوجّه المتزايد نحو التحليل ما بعد الاستعمار، إذ تقدّم الانتقادات التي طرحها في "رحلات غوليفر" رؤية صارمة وصادقة للتحاملات المتجذّرة في مجتمع قومي استعماري. وبينما تتضمّن التحليلات الحديثة للأدب البريطاني في الحقبة الاستعمارية عادةً منظور ما بعد الاستعمار، تميل التحليلات التاريخية لأعمال "سويفت" إلى تجريده من الأبعاد السياسية، متجاهلة المنظور الاستعماري الجوهري الذي كتب من خلاله.

 وهذا ما يدعونا إلى دمج التحليل الأدبي لرواية "رحلات غوليفر" مع نظرية ما بعد الاستعمار الحديثة، بهدف تحديد الغرض من سخرية "سويفت"، والتأثيرات التي تخلّفها هذه السخرية على مجال الدراسات الأدبية لما بعد الاستعمار.

تقوم رواية غوليفر على نقد الاستعمار البريطاني ونقد القومية البريطانية   والغرور السياسي وتقرير النسبية الثقافية: كيف أن ما يبدو "غريبًا" في ثقافة ما قد يكون " عاديًّا " في أخرى مع شيء من النظرة التشاؤمية للطبيعة البشرية خاصة في الجزء الأخير من الرواية وهذا أمر طبيعي بما أن المؤلف إيرلنديٌّ خاضع هو ومجتمعه لقوة استعمارية طاغية لا يجد أحد منها فكاكًا ولا عنها خلاصًا، كل هذا بلا ريب يدخل في مسألتنا هذه  من أوسع أبوابها ويعد أرضية صلبة له ومقدمات محترمة لما عرف بعد بالنقد الثقافي ونحن لا نجادل في أهميته ولا في دوره الكبير في تشريح المجتمعات ولا في تحديد مكامن المشكلات ولا في معرفة الحالة الاجتماعية السائدة ربما يندرج ذلك كله تحت علم النفس الاجتماعي ولكنه من باب النص الثقافي عندما نتعامل مع النصوص كأجساد ثقافية عندما يقوم الطبيب (الأديب الثقافي) بوضع سماعته الأدبية عليها لمعرفة ما هو أبعد من النص الظاهر وهو عمل جيد ولكنه يحرمنا من القيمة الجمالية، فالنقد الثقافي قد يكون هو عدو الجمال فأنت عندما يضع لك الطاهي طعامًا شهيًّا في أبهى صورة وأجمل تكوين وألذ طعم وتكون أنت نباتيًّا تأخذك الرأفة بالحيوان وتقوم بإلقاء محاضرة عن حق الحيوان في الحياة فهذا قد يكون حقًّا ولكنك ستحرم المجتمعين من سعادة حقيقية وفرها هذا الطاهي المحترف أما "أرنولد" فكان أحد الآباء المؤسسين الأوائل لهذا الاتجاه النقدي في القرن التاسع عشر رغم أن مصطلح "النقد الثقافي" لم يكن مستخدمًا في عصره بالشكل الذي نعرفه اليوم فتجد نقده للطبقة الوسطى الإنجليزية في كتابه "الثقافة والفوضى" (1869) عندما كانت بريطانيا تمرّ بتغيرات اقتصادية واجتماعية ضخمة نتيجة للثورة الصناعية، فظهرت طبقة وسطى قوية ذات نفوذ اقتصادي كبير، لكنها من وجهة نظر "أرنولد" كانت تفتقر إلى الذوق الثقافي والتفكير العقلاني.

     أدَبُ الرُّعْبِ هُوَ نَوْعٌ أدبيٌّ يَهْدِفُ بواسطة مَجموعة مِنَ الأحداثِ المُتشابِكةِ والمَواضيعِ المُثيرةِ وَالمُفَاجآتِ الصَّادمةِ، إلى إثارةِ مَشاعرِ الخَوْفِ والرَّهْبَةِ لَدَى القارئِ مِنْ خِلال قِصَص عَن الأشباحِ ، أوْ مَصَّاصِي الدِّمَاءِ ، أو الكائناتِ الغريبة ، أو العناصر الخارقة للطبيعة ، أو القُوى الشِّريرة ، أو الأحداث العنيفة المُرَوِّعَة ، أو الشَّخصيات الشَّاذَّة .

     وأدبُ الرُّعْبِ مُرتبطٌ بالنَّوَاحي النَّفْسِيَّةِ في الإنسانِ ، لذلك يَعْتمد على التَّشويقِ والغُموضِ ، لجعلِ القارئِ في حالةِ قَلَقٍ دائمٍ ، وَتَرَقُّبٍ لِمَا سَيَحْدُث . كما أنَّه يَستكشف الجوانبَ المُظْلِمَةَ في النَّفْسِ البشرية ، مِثْل : الشَّر ، والفَسَاد ، والخَوْف مِنَ المَجهول، ويَتلاعب بِمَشاعرِ القارئِ وأحاسيسِه ، حَيْثُ تَتِمُّ إثارتُه عاطفيًّا بتوظيفِ الأحداثِ المُشَوِّقَةِ والمُرْعِبَةِ في القِصَّة ، ويُركِّز عَلى إثارةِ الخَوْفِ وَبَثِّ الرُّعْبِ عَنْ طَريقِ استكشافِ العُقَدِ والمُشكلاتِ النَّفْسِيَّةِ للشَّخصياتِ، مِثْل: الجُنون، والقَلَق ، والاكتئاب ، والوَسْوَاس ، كما يُركِّز عَلى الخَوْفِ مِنَ الكائناتِ غَيْرِ البشرية والأمورِ الغامضةِ التي تتَجاوز فَهْمَ الإنسانِ ضِمْن أجواء مُظْلِمَة وأماكن مَهْجُورة .

     إنَّ البُنية النَّفْسِيَّة في أدَبِ الرُّعْبِ تَقُومُ عَلى حقيقة مُفَادها أنَّ شُعورَ الخَوْفِ مِنَ المَجهولِ رَاسِخٌ في الإنسانِ فِطْرِيًّا ، وَمُتَجَذِّرٌ فِيه غَريزيًّا ، وثابتٌ في عَقْلِه وتَفْكيرِه وأعماقِه . وهَذا الخَوْفُ قَدْ يَدْفعه إلى التَّعَلُّقِ بالأوهامِ والخَيَالاتِ وَالحِرْصِ عَلى مَعرفةِ الغَيْبِ ، وَالغَريقُ يَتَعَلَّقُ بِقَشَّةٍ .

     وَأدَبُ الرُّعْبِ فَقَدَ هُوِيَّتَه معَ مُرورِ الزَّمَنِ ، وَتَحَوَّلَ مِنْ إشاعةِ أجواءِ الخَوْفِ والتَّوَتُّرِ خِلال الأحداث التي يُواجهها أبطالُ أيِّ عَمَلٍ ، إلى الاعتمادِ عَلى المَشاهدِ العنيفة ، مِنْ قَتْلٍ ، واختطافٍ ، وَتعذيبٍ ، وإراقةِ دِمَاء ، واغتصابٍ بطريقة وَحْشِيَّة ، وَتَنْكِيلٍ بالجُثَثِ ، وغَيْر ذلك .

     الخَيَالُ التاريخيُّ هُوَ نَوْعٌ أدبيٌّ تَجْري أحداثُه في بيئةٍ مَا تَقَعُ في المَاضِي ضِمْن ظُروفِها الاجتماعية ، وخَصائصِها الحقيقية ، مَعَ الحِرْصِ عَلى بِناء عَالَمٍ تاريخيٍّ يُمْكِن تَصديقُه ، والاهتمامِ بالسِّيَاقاتِ الثقافية ، وكَيفيةِ تَفَاعُلِ الشَّخصياتِ مَعَ عَناصرِ الزَّمَانِ والمكان ، ومُرَاعَاةِ العاداتِ والتقاليدِ والبُنى الاجتماعية والمَلابس وطبيعة الكلام المَوجودة في ذلك الزمنِ البعيد .

     والأعمالُ الأدبية ذات الصِّبْغَة التاريخية يَنْبغي أنَّ تَعتمد عَلى التَّحليلِ النَّفْسِيِّ لِكَينونةِ الإنسانِ ومَشاعرِه ، وَتَقْدِيمِ التاريخِ مِنْ مَنظور الناسِ العاديين الذينَ يَتَحَرَّكُون في الواقع ضِمْن سِياقِ الأحداثِ اليومية ، مَعَ ضَرورةِ اختيارِ العالميَّة والإنسانيَّة المُشْتَرَكَة .

     والرِّوايةُ التاريخيةُ لَيْسَتْ تاريخًا ، وإنَّما هِيَ مَنظومة مِنَ الأفكارِ والمَشاعرِ بأُسلوبٍ فَنِّي وجَمَاليٍّ تَتناول جوانبَ الحَيَاةِ والفِكْرِ الإنسانيِّ في المَاضِي ، مِنْ أجْلِ رَبْطِ القُرَّاءِ المُعَاصِرِين بالتَّجَارِبِ المُعَاشَةِ في تِلْك الفَترةِ الزَّمنيةِ التي مَضَتْ وانقَضَتْ ، وَمَرَّتْ عَلَيها سَنَوَات طويلة .

     والرِّوائيُّ لَيْسَ مُؤرِّخًا ، وإنَّما هُوَ صانعٌ للأحداثِ المُتَصَوَّرَةِ وَالوَقائعِ المُتَخَيَّلَةِ ضِمْن نَسَقٍ أدبيٍّ يُعيدُ تَكوينَ الزَّمَانِ وَبِنَاءَ المَكَانِ ، وَيُفَسِّرُ العَلاقاتِ الإنسانية بَيْنَ الشَّخصيات ، ولا شَكَّ أنَّ هَذه العَلاقاتِ تَتَأثَّر بالأحداثِ التاريخية ، ولكنْ يَنْبغي التَّركيز عَلى المَشاعر الإنسانية المُشْتَرَكَة العابرةِ للحُدُودِ التاريخيةِ والجُغرافية ، والكاسرةِ لِكُلِّ القوالب الجاهزة .

     إنَّ الخَيَالَ التاريخيَّ هُوَ أدَبٌ مُسْتَوْحى مِنَ التاريخِ ، وَلَيْسَ إعادةَ سَرْدٍ للأحداثِ التاريخية ، والهَدَفُ لَيْسَ نَقْلَ التفاصيلِ بشكلٍ مُتَسَلْسِل ، وإنَّما ابتكارُ شَخصياتٍ تَأثَّرَتْ بالتاريخِ ، والعملُ على تَحليلِ أفكارِها ، واستنباطِ مَشاعرِها ، وإظهارِ أحلامِها ، وتَفْكِيكِ ذِكرياتِها ، وتَفْسيرِ صِرَاعَاتِها . والتاريخُ لَيْسَ إلا إطارًا جامعًا لِكُلِّ هَذه العَناصرِ والتَّراكيبِ . وَمَهْمَا كانَ التاريخُ مُثيرًا للاهتمامِ ، وَمُغْرِيًا بالبَحْثِ ، فإنَّ الرِّواية التاريخية هي قِصَّة تَدُور أحداثُها في التاريخ ، وَلَيْسَتْ قِصَّةً عَن التاريخ .

         عندما نطرق باب الاسترجاع النصّي، فنحن نطرق زمنيته أيضاً، ولكن بما أنّنا بزمنيّة مختلفة، تكون حالات الماضي المتقلبة غير ثابتة في نسق معيّن، ومن هنا نستنتج بأنّ حالات الفلاش باك متوفرة من خلال الاسترجاع النصّي – الزمني، وفي الوقت نفسه ألا يشتغل الفلاش باك بمصدر متقدّم، فهو مختصّ بحالات نفسيّة ونصّية مرتبطة بالحالات الآنية.

لقد استطاع الكاتب الفلسطيني غسان كنفاني أن يبني روايته من خلال شخصية المحامي (صالح)، وجعله البؤرة الحركيّة للشخصيات المرتبطة به. ونستطيع أن نتوقف في عدّة مناطق بخصوص الحالة الزمنيّة واسترجاعها النصّي، ومنها الزمنيّة الداخليّة والتي تكمن أهمّيتها بالتقاء العناصر وتفعيلها في الداخل النصّي ومنها: زمن الحدث (زمن القصة، المدلول أو المضمون السردي)، زمن الحكاية (الدال أو الملفوظ أو النصّ السردي ذاته) وزمن القراءة. أمّا الزمنيّة الخارجية فتتعلّق بالكاتب والقارئ والتاريخ، ولكن نحن في مهمّة نصّية وفي استرجاع ما نستطيعه في زمن الحدث والكتابة من جهةٍ، وفي الاسترجاع النصّي من جهةٍ ثانية.

في رواية (الشيء الآخر، من قتل ليلى الحايك) نلاحظ أنّ هناك تبدّلات زمنيّة، منها التبدّلات الاسترجاعيّة، أي العودة إلى زمن الحدث، ومنها الآنية، وقد تكون وليدة اللحظة، و(اللحظة تعتبر من الزمنيّة ذات الوحدة القصيرة)، ومن خلال هذه التبدّلات يقودنا النّصّ إلى وحدات زمنيّة صغرى، وهي تلك الوحدات ذات العلاقة مع المقاطع السرديّة.

(لقد قدّم المتهم القضية بسرعةٍ كبيرة، إنّني أتساءل أمام المحكمة إن كانت كلّ الأوراق التي قدّمها بعد وفاة والد ليلى قد جمعت بهذه السرعة بمجرّد المصادفة... لدينا قناعة بأنّ هذه الأوراق كانت معدّة منذ زمن بعيد. " 1 ". حين ذهب محجوب السيّد، والد المغدورة ليلى، إلى الأرجنتين قبل نصف قرن تقريباً كان مجرّد فلاح مغامر لا يعرف أحداً – وقد وجد في بيت سيّدة أرجنتينيّة في مقتبل العمر، أرملة ووحيدة، ملجأ أمضى فيه سنواته الأولى الصعبة – وقد أشرفت تلك السيّدة الفقيرة النبيلة على الشاب الشرقي الحائر إلى درجة لم ينسها محجوب رغم كلّ شيء، طوال عمره. " 2 ".

قبل الجريمة بيوم واحد شعر المتّهم، كما جاء، بأنّ الضحية التي كانت تصرّ على الاستمرار بقضية الإرث حتى النهاية بدأت تميل إلى إنهائها بتسوية، ولكن لم يخطر على باله إطلاقاً أنّ السيدة النبيلة كانت تريد أن تعطي الإرث كله إلى مشروع خيري. " 3 ).

في زمنِ الرقمنة الجارفة، حيثُ يصبحُ العالمُ الافتراضيُّ فضاءً خصبًا للتعبير عن أفراح الذات وأتراحها، عن همومها وتوجساتها، عن آمالها وآلامها، يبرزُ اسمُ عبد الحق الديوري كواحدٍ من روَّادِ الإبداعِ الذين اختاروا الفضاءَ الرقميَّ المفتوحَ لينثروا فيهِ أجملَ ما جادت به قريحتهم من لآلئ الكلمات، وكنوز المعاني، وجواهر البديع والبيان. وكيف لا يكونُ كذلكَ وهو ابنُ واحة زيز؟ ترعرعَ في أحضانِها، ونشأَ تحتَ ظلال نخيلها، وتربَّى بينَ جدران بيوتها الطينية. فتشبَّعَ بثقافتها الأصيلة، وتفاعلَ مع طبيعتها المتأرجحة بين الجمال والقسوة، ومع أبنائها الذينَ صاغتهم تجاربُ الحياةِ العميقة. عاشقٌ للحياةِ والفنِّ والسفر، مُولَعٌ بالجمالِ والكلمة والحكمة، جعلَ من الكتابةِ وَطَنًا للروح ومرآة للذات، ومن الإنسانِ قضيةً وجوديةً لا تفارقُ وجدانَه.

في نصوصِه الشذرية، ينسابُ حنينٌ صافٍ كجدولِ الواحة الخضراء والمثمرة، حاملاً بين سطورِه وجه الإنسان الصافي، والملهم والمشاكس أحياناً، وبذورَ الأملِ والسلام. اختارَ الديوري أن يركب الغيمة المستحيلة، فيُزيِّنَ جسدَ الكلمةِ في الفضاءِ الأزرق، الذي صارَ لهُ موطئَ روحٍ ودارًا. لم يبخلْ على القارئِ بجزءٍ من ذاتِه، ففتحَ نوافذَ قلبهِ على مصراعيها، يُشرِكُهُ انطباعاتِه وقلقَهُ وأحلامَه. فالكتابةُ عندهُ ليست ترفًا فكريًّا، ولا منصّةً للتباهي أو مرآةً للذات، بل هيَ ضرورةٌ وجوديةٌ لا تقبلُ المساومة. يقولُ في ذلكَ :

أنا لا أحب كل ما أكتب،

 كما لا أستلذ كل ما آكل.

 لكن تدفعني إلى الفعلين حاجة النفس، للتنفيس والبقاء !

إنَّها شهادةٌ صادقةٌ تُجسِّد الكتابةَ كفعلِ مقاومةٍ؛ مقاومةِ اليأسِ بالكلمةِ، وترميمِ الذاتِ بالبوح، وتطهيرِ الجروحِ بإشراقِ المعنى (الكلمة شفاء). فكما أنَّ الجسدَ يطلبُ القوتَ ليدفعَ الجوعَ، فإنَّ الروحَ تطلبُ الكلمةَ لتدفعَ الظلامَ عنها. وكما أنَّ الطعامَ قد يكونُ مُرّاً أحياناً، لكنَّه ضروريٌّ لاستمرارِ الحياةِ، فإنَّ الكتابةَ – حتى حين لا تُرضي صاحبَها – تظلُّ وسيلة للتداوي، وجسراً يعبرُ به الإنسان من وحشةِ الصمتِ إلى فسحةِ التعبيرِ.

وتبعاً لذلك، فإن الفضاء النصي عند الديوري يقوم على عدة مبادئ، منها المكاشفة عن الذات، والاختزال، والتكثيف والانزياح، بعيدًا عن النسقِ التقليديِّ والتحليلِ العقلانيِّ الجاف. فهي لا تخضعُ لقيودِ المنطق، بل تتدفَّقُ كقطعٍ موسيقيةٍ حُرَّة، تحملُ في طياتها شحناتٍ عاطفيةً مكثَّفة. على حدِّ تعبير بنسالم حميش، فإنَّ نصوصَه لا تتيه في متاهاتِ الفلسفةِ المعقَّدة، ولا تُثقلُ كاهلَ القارئ بألفاظٍ متعالية، بل هي أقربُ إلى القصيدةِ الغنائية؛ تسعى إلى كلمةٍ صادقةٍ موجعة، مقتصدةٍ في ألفاظها، وعميقةٍ في دلالاتها. ورغمَ أنَّ هذا النوعَ من الكتابة قد يبدو للوهلةِ الأولى مُشتَّتًا أو غيرَ مترابط، فإنَّه يخفي في أعماقه وحدةً عضويةً متماسكة، تُمزجُ بين الذاتي والموضوعي، بين البوحِ والرؤية. فشذراتُ الديوري ليست مجرَّدَ كلماتٍ مبعثرة، بل هي لآلئُ تُشكِّلُ عقدًا سرديًّا فريدًا، يحملُ بصمةَ كاتبٍ يُحسنُ تحويلَ الشظايا إلى فنٍّ، والقلقَ إلى جمال.

بعد خمسة إصدارات شعرية ينتقل الشاعر المغربي عبد القادر محمد الغريبل إلى مجال الكتابة السردية بإصدار باكورته القصصية " جرذان قذرة وعزلة " ، والتي تندرج في نوع القصة القصيرة . وقد وفق الكاتب ، بشكل كبير، في تشكيل نصوص تمثلت العناصر الأساسية للسرد القصير من شخوص ، وأحداث ، ووصف ، واسترجاع ، بل جرب ، وببراعة ، أدوات القص الموجز ، في النصوص الثلاثة الأخيرة ( المراهنة ، المخاطرة والمجازفة ) من خلال ما وظفه من اقتصاد لغوي ، وتكثيف دلالي ، وتلميح؛ وهي عناصر معتمدة في لون القصة القصيرة جدا، مع تجريب أشكال تعبيرية أغنت متن المجموعة ، ونوعت من نهجها القصصي الذي اكتسى طابع الانفتاح في نهاية نصوص ظلت معلقة على أفق احتمالات متعددة تستعصي على الحسم والتحديد كما في قصة " قيد التذكر " ، فرغم إصابة الحاجة زينب ب " الزهايمر " فإنها ظلت تتذكر دجاجاتها التي كرست جل وقتها وجهدها لمنحها الكثير من العناية ، والاهتمام والرعاية . وفي قصة " البئر " حيث سقط بوسلهام ( المرضي ) في البئر بعد أن تعتعه السكر ، ونالت منه الخمرة ليتساءل، بعد أن استرجع وعيه ، كيف زاغ عن درب خبر مسالكه ، وتاه في طريق بعيد عن مقر سكناه ، فما فتئ يصرخ ويستغيث ليختتم النص ب ( بستان ) كفضاء مفتوح على نهايات ذات حمولات متعددة القراءات والأبعاد . وفي سياق النهج القصصي المعروف فقد اعتمد القاص على شخوص لبناء الأحداث ، وتسيير دفة الوقائع كما في قصة " قيد التذكر " حيث برزت شخصية الحاجة زينب التي حازت طابعا محوريا في سير مجريات الحكي ، مع ذكر أبنائها وبناتها دونما أي تأثير يذكر . وفي قصة " البئر " التي تضمنت شخصيات بائع الخمر بابا علي ( البغل الحرون ) ، وصديقه بوسلهام ( المرضي ) ، وشخصيات أخرى كالعياشي ، وسي أحمد ( المجنون ) ، وخالتي زهرة ، والحاج المعطي ، ولالة رحمة . وكلها شخصيات ارتبطت بأماكن كبيت عمي العياشي ، وبستان سي أحمد ، ودار خالتي زهرة ، وبستان الحاج المعطي ، وجنان لالة رحمة . وعلى النزعة الواقعية كما في قصة " بطاقة " ، وقصة " البئر" ، وقصة " ولي الأمر " وكلها تصور أحداثا مستقاة من صميم الواقع ، وما يعج به من اختلالات وأعطاب .

     تُعْتَبَر الكاتبة الكندية أليس مونرو ( 1931 _ 2024 ) سَيِّدَةَ القِصَّةِ القَصيرة بِلا مُنَازِعٍ ، وأوَّلَ مُؤلِّفة للقِصَصِ القصيرة تَحْصُل على جائزة نوبل للآداب ( 2013 ) ، وأوَّلَ كندية تَفُوز بِهَا، كَمَا أنَّها فازتْ بجائزة البوكر ( 2009 ) . تُلَقَّبُ بـِ " تشيخوف الغرب " نِسْبَةً إلى الكاتبِ الروسي أنطون تشيخوف ( 1860 _ 1904 ) أعظم كاتب قِصَّة قصيرة في التاريخ ، وَنَظَرًا لِمَا تَتَّسِمُ بِهِ كِتاباتُها مِنْ حِسٍّ إنسانيٍّ ، وَنَظْرَةٍ إلى أعماقِ النَّفْسِ ، فَهِيَ تُوَثِّقُ التَّجْرِبَةَ البشرية بكثيرٍ مِنَ التسامحِ في تَصويرِها لِتَعقيداتِ الحياةِ والعَلاقاتِ ، وأيضًا بسبب قُدرتها على استعراضِ مُكَوِّنَاتِ الحَياةِ في المَناطقِ الريفية ، عَلى صَفَحَاتٍ مَحدودة ، لِتَخْتَزِلَ فِيها كثيرًا مِنَ المَعَاني والأفكارِ والصُّوَرِ عَن الحَياةِ والناسِ، وَتَدْمُجُهَا جَميعًا بِأُسلوبٍ أنيق، في قِصَّة قصيرة مَليئة بتفاصيل مُتناغِمة .

     تَتَحَدَّثُ مُعْظَمُ قِصَصِها عَن الحُبِّ والصِّراعِ والحَياةِ في الريفِ ، وَتَتَضَمَّنُ نُصُوصُها وَصْفًا مُتَدَاخِلًا لأحداثٍ يَومية ، لكنَّها تُبْرِزُ القَضَايا الوُجودية . وَتُوصَفُ مونرو بأنَّها بارعةٌ في التَّعبيرِ في بِضْع صَفَحَاتٍ قصيرة عَنْ كُلِّ التَّعقيدِ المَلْحَمِيِّ للرِّواية . وَتَتَمَيَّزُ كِتاباتُها ببساطةِ الأُسلوبِ وَعُمْقِ المَضمونِ ، والكَشْفِ عَن تناقضاتِ الحَيَاةِ ، والجَمْعِ بَيْنَ السُّخريةِ والجِدِّيةِ في آنٍ مَعًا .

     وقالت الأكاديميَّةُ السويدية : " مونرو تَتَمَيَّزُ بِمَهارة في صِياغة الأُقْصُوصَةِ التي تُطَعِّمُها بأُسلوبٍ واضح وواقعيَّةٍ نَفْسِيَّة " . وتابعتْ تَقُول : " إنَّ قِصَصَها بِمُعظمها تَدُور في مُدُنٍ صغيرة ، حَيْثُ غالبًا مَا يُؤَدِّي نِضَالُ الناسِ مِنْ أجْلِ حَياةٍ كَريمة إلى مَشَاكِل في العَلاقاتِ ، وَحُدُوثِ نِزَاعاتٍ أخلاقية ، وَهِيَ مَسألة تَعُود جُذورُها إلى الاختلافاتِ بَيْنَ الأجيال ، أو التناقضِ الذي يَعْتَري مَشاريعَ الحَيَاةِ " .

     ظَلَّتْ مونرو عَلى يَقينٍ مِنْ أنَّ القِصَّة القصيرة لَيْسَتْ أقَلَّ شأنًا مِنَ الرِّوايةِ ، لَذلك حَرَصَتْ عَلى كِتابةِ القِصَصِ بعاطفةٍ مُفْعَمَةٍ بالصِّدْقِ والتَّحْليلِ النَّفْسِيِّ ، معَ الاعتمادِ عَلى الحَبْكَةِ الجَيِّدةِ ، وَعُمْقِ التفاصيل . والأبطالُ في قِصَصِ مونرو فَتَيَاتٌ وَسَيِّدَاتٌ يَعِشْنَ حَيَاةً تَبْدُو عاديَّةً ، لَكِنَّهُنَّ يُصَارِعْنَ مِحَنًا مُؤلمة، كالتَّحَرُّشِ، أو الزَّوَاجِ المَأسَاوِيِّ ، أو مَشاعرِ الحُبِّ المَقموعة ، أوْ مَتَاعِبِ الشَّيْخُوخة .