كانت الأمكنة الأثيرة على نفوس الشعراء والأدباء والفنانين في كل مراحل التاريخ الإبداعيي ملهمة لتفجير مشاعر الارتباط المتجذر بها، والشوق والحنين إلى مراتعها، واستدعاء فضاءاتها الساكنة في أعماقهم، والتي تحرضهم على الاعتزاز بالانتساب إليها، والإعراب عن الأحاسيس المولدة للأشجان على ما قد يصيبها من إهمال وعدم الاهتمام بتجديد نسغها.
وهذا ما حرض كبار الشعراء والمبدعين عامة على الاحتفاء بجمالية مدنهم التي نشأوا في أحضانها، وإشادتهم بالقيم التي اكتسبوها في كل مراحل طفولتهم أو شبابهم بها.
وهذا الرجوع إلى استدعاء الصور الهاربة للأماكن المألوفة هي ما سادت في أشعار القدماء والمحدثين معا، و يؤكد : "غاستون باشلار" أن المكان كان و ما يزال مركز اجتذاب دائم في الفن عموما، وذلك لأنه يركز الوجود في حدود تحميه". وهذه الحدود المحفورة في ذاكرة الشعراء والأدباء والفنانين كفترات ساكنة في الوجدان وفي الجهاز العصبي، هي ما تحرك مشاعر الإنسان عامة رغم تباعد الزمان.
- فاس عن فاس نأت "2"
بوح شعري حول مراتع طفولة الشاعر : "محمد بنيس" وامتنان للبيئة التي تفتقت فيها أكمام زهرات عمره ، وعرفان بمكانة فاس: التاريخية/الحضارية/الثقافية/الدينية... التي ألهمت شعراء المغرب والمشرق على السواء.
وتتمفصل القصيدة إلى نصين متكاملين ( 1 و 2 ) أو لوحتين متناظرتين :
- النص الأول : إشادة بحاضرة فاس، مقصد العلماء والأولياء ، وحصن المقاومين الأشداء ، ومنارة علمية/دينية/اجتماعية/فنية.
- النص الثاني : وصف يتقطر حسرة على ما آل إليه واقعها الحالي من إهمال وجحود ونكران.
ويمكن القول إجمالا أن القصيدة بشقيها ( 1 و 2 ) مندرجة في شعرية الاحتفاء بالحيز الجغرافي والإنساني الساكن في وجدان الشاعر يوحي بالذكرى واستدعاء الصور الهاربة من فترات طفولته المنسربة بين تجاعيد السنين.