الكرامة الإنسانية شُعورٌ عميق بالقيمة الذاتية، والحقِّ في الحُريةِ والاعتراف، وهي النبراس الذي يستشرفه الأدبُ في أبهى صُوَره. في هذ الصدد، يُمثِّل كُلٌّ مِن الشاعر الأردني مصطفى وهبي التل/ عرار ( 1899 _ 1949 )، والشاعر الأمريكي والت ويتمان ( 1819 _ 1892 ) نماذج فريدة تتقاطع فيها الرؤى الإنسانية مع الشعور بالحرية الفردية والاجتماعية، لِيُقَدِّما صُورةً متكاملة عن الإنسان الذي يرفض التنازلَ عن ذاته، مهما كانت الظروف.
مصطفى وهبي التل ( عرار ) المعروف بشاعر الأردن، ابن البيئة العربية المُشْبعة بالتحولات الاجتماعية والسياسية في أوائل القرن العشرين، جسَّد في أشعاره نزعة الدفاع عن الكرامة الإنسانية الوطنية والفردية معًا. وقد عانى التل من القيود السياسية والاجتماعية في زمن كان فيه الاستعمار والتسلُّط يطغيان على حياة الإنسان العربي، لكنَّه ظلَّ صامدًا في موقفه الأخلاقي، مُدافعًا عن حق الإنسان في الحرية والعدالة.
في أشعاره، نجد لغةً عاطفية شديدة القوة، تُعبِّر عن الكرامة كحق أصيل لا يمكن التفريط به، وتكشف عن إحساس عميق بالمسؤولية تجاه الإنسانِ والمجتمع معًا. فهو لَم يكتفِ بالتعبير عن الألم والمُعاناة، بل دعا إلى العمل والتمرُّد على الظُّلْم من أجل استعادة الكرامة الإنسانية.
قراءة في منجز " أنين في مرايا الروح " للشاعر حسن ميري - مالكة عسال
1ـــ أول ما أستهل به
كان بي شوق عارم لتسَلُّم ديوان (( أنين في مرايا الروح )) للشاعر المتخلق المتزن حسن ميري، ولما لم يسمح الظرف انطلت علي فكرة تناوله مخطوطا في انتظار الكتاب الورقي.. الديوان من تقديم الفاضل محمد محضار/ الرمح الأريب الذي لا يتخلف عن اقتحام المنابر والمجالس الشعرية، لتقديم خدمات جليلة للأدب والأديب، لنفض الغبار عنهما والرفع من شأنهما، ليصبحا في مصاف الأدب العالمي، في ظل غياب وزارة الثقافة التي من واجب عليها التعريف بالأدباء وتتبع جديدهم، وفي ظل إغماض بيت الشعر عينيه عن المنجزات الأدبية الجديدة للرفع من شأنها، وفي ظل تخلي الإعلام بجميع وسائله عن مواكبة الإشعاع الفكري واقتفاء أثر الجديد، وتشجيع الشباب على العطاء الفكري، حيث بقيت المهام موكولة إلى جمعيات المجتمع المدني لتولي الأمر ..
2ـــ العنوان عنصر من العتبة النصية
هو العتبة الأولى التي يضع فيها المتلقي قدمه قبل ولوج عوالم الكتاب واقتحام محتواه ومباشرته بالقراءة، فهو البوصلة التي تصحبه إلى حقوله والسير به بين ممراته، أو بعبارة أخرى هو المصباح اليدوي الذي يسلط الضوء على نصوصه المتفرقة ليتحقق التطابق معه كعنوان رئيسي .. فالعنوان كما يبدو لدى كل مبدع مصيبة عظمى في اختياره، قد لا يهتدي إليه إلا بعد صعوبة، أو قد يتركه حتى متمِّ المنجز خاصة إذا توخى منه تلميحا مدهشا يجذب القارئ، بل هناك من المبدعين من تخَلّوا على عنونة نصوصهم، بعدما أرهقهم العنوان الرئيسي للمنجز.. والعنوان الذي بين أيدينا ((أنين في مرايا الروح)) هو العنوان الذي اختاره شاعرنا حسن ميري، جملة تامة تتكون من أربعة ألفاظ، يتم إعرابها كالتالي : أنين / مبتدأ مرفوع ــ في /حرف جر ــ مرايا اسم مجرور بالكسرة المقدرة على الألف تعذرا وهو مضاف ــ الروح مضاف إليه / وشبه الجملة ( من الجار والمجرور) في محل رفع خبر المبتدأ.. هذا من حيث المبنى الإعرابي.. ومن حيث المعنى اللغوي، فالجملة صيغت بأسلوب غير مباشر في علاقة بلاغية خصبة جمعت الألفاظ المتباعدة التي تفصل بينها حدود، لتخلق جملة جميلة ممتعة، يمكن أن نحللها كالتالي (أنين) صوت رخو مهموس يصدر عن الإحساس بالألم أو الوجع، نقول أنين مريض/ أنين حزين، / أنين شاكٍ بضرر ما، وأحيانا قد يدل الأنين على صوت صادر من بعض عناصر الطبيعة كرمز أو إيحاء لحفيف الورق، أو خرير المياه، أو طنين النحل، أو هدير عاصفة، أو هزيم الرعد.. لكن في الغالب الأنين هو التأوه من شيء ضار وغير محمود.. ولفظة مرايا يعرفها الجميع مفردها مرآة /جسم مادي ملموس، عبارة عن صفيحة من الزجاج مصقولة تعكس صورة الشيء الذي أمامها، نستعملها للتزيين أو لتسوية هندام، أو للحلاقة.. ومفردة (الروح) هي النفس/ أو الجوهر، خَفية وغير مادية لا تظهر أو ترى بالعين المجردة، لا يعلم كنهها إلا الله (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) (الإسراء: 85) والتي تخبَّط في شعابها كبارُ العلماء لمعرفة أسرارها ولم يصلوا إلى أي شيء، والروح هي حياة الكائنات البشرية والحيوانية، ويُمكن أن نطلقها حتى على النباتات.. إذاً كما نلاحظ المفردات جميعها لا علاقة للواحدة بالأخرى من حيث المعني / ألفاظ تدل على أشياء مادية ملموسة وأخرى خفية لا تُرى بالعين.. وإذا تمعنا في الجملة ككُل (أنين في مرايا الروح) نحس بشيء ما يدغدغنا لطرح سؤال أو أسئلة/ هل المرايا تئن؟ هل للمرايا حنجرة؟؟ هل لها فم حتى تحدثَ أنينا؟؟ هل للروح مرايا ؟؟ والسؤال الأكبر الرئيسي هو ما علاقة الأنين بالمرايا وما علاقة المرايا بالروح؟ ولكن الشاعر بلمسة التمرس والحنكة جمع بينها في علاقة مجازية ترميزية شمولية، لتخلق صورة شعرية جذابة يُبيّن من خلالها ما يتصدع في الداخل، وما تعج به الذات من آلام، وما يمتلئ به العمق من أوجاع حبيسة القفص الصدري، وتحضرني مجموعة الأديبة المغربية زهرة رميج في تقاطع بهي تحت عنوان (( أنين الماء)) التي ترمز بها إلى الأوضاع المزرية والضياع والتيه والمعاناة..
مقاربة لديوان "يأتيك قلبي لاجئا" لسنية مدّوري - محمّد بوحوش
المقدّمة
انطلاقا من براديغم عالم النّفس التّحليليّ 'سيغموند فرويد' القائم على ثلاثيّة (الأنا، والأنا الأعلى، والهو)، فإنّ آليّة الحبّ محكومة بالصّراع والبحث عن الانسجام بين هذه العناصر النّفسيّة الثّلاثة (1) حيث يقوم 'الهو'، كمستودع للغرائز الطّبيعية، بدفع الفرد إلى إشباع غرائزه بأيّ شكل كان، فالـ'هو' لا يعرف قيود الحلال والحرام، ولا يرضخ لأيّة سلطة، أكانت دينيّة أم عائليّة أم أخلاقيّة أم قانونيّة. ثمّ يبرز دور 'الأنا الأعلى' ليحذّر الفرد من مغبّة رغباته إذ يعمل بمثابة كابحٍ أخلاقيّ يتجسّد في منظومة الأوامر والنّواهي المجتمعيّة، سعيا إلى كبح جماح الغريزة ومنع إشباعها الفوضويّ.
وبسبب هذه الضّغوطات، تتدخّل 'الأنا'، أي شخصية الفرد نفسه، لإيجاد حالة من التّوازن والتّكيّف، وللتّوفيق بين رغبات 'الهو' وموانع 'الأنا الأعلى'، وذلك عبر هذا الاختراع الإنسانيّ المُسمّى ب 'الحبّ' الذي يعتبر، من منظور التّحليل النّفسيّ، رغبة عاطفية مقموعة لم تجد سبيلا للتّحقّق، فتتمّ هذه العملية بطريقة لا واعية، وتعبّر عن نفسها بشتّى الأشكال بما فيها الكتابة الشّعريّة.
فحين لا يجد الفرد تحقيقا لرغبات 'الهو' يكون التّصعيد أو ما يعبّر عنه أيضا ب' التّسامي' عبر الإبداع عامّة حيث يذهب 'فرويد' إلى أنّ سرّ الإبداع في الآداب والفنون يرجع إلى 'التّسامي'.
وقد جاء في معجم مصطلحات العلوم التّربويّة والنّفسيّة ما مفاده أنّ التّصعيد هو تحوّل 'اللّيبيدو' من صورته الجنسيّة ليعمل في مستوى أرقى، فيتّجه إلى النّشاط العلميّ أو الرّياضيّ أو الأدبيّ والفنّيّ (2).
ومن جهة أخرى، فإنّ الحديث عن الحبّ في الشّعر يحيل إلى نقيضه، أي إلى 'الفقد'، فيأتي الخطاب الشّعريّ مناورا متخفّيا وراء أقنعة اللّغة، محاولا التّستّر والإيهام، وما الشّعر سوى وهم وتوهّم وإيهام في جانب كبير منه. وقديما قيل: "أعذب الشّعر أكذبه".
وفي هذا الإطار فإنّ ديوان الشّاعرة التّونسيّة سنية مدّوري الموسوم ب 'يأتيك قلبي لاجئا'(3) يوهم بأنّ القلب هو مركز الحبّ، والحقيقة أنّ علم الفيزيولوجيا أو علوم الدّماغ تؤكّد أنّ الأسس الماديّة للحبّ تكمن في الدّماغ لا في القلب كما صوّره الشّعراء والفنّانون، فما القلب إلّا عضلة تدفع الدّم، أمّا الدّماغ فهو مركز الانفعالات ومصدرها عبر تفاعلات ترتبط بالجهاز الانفعاليّ في قاع الجمجمة. (4).
فعندما يرى الشّخص محبوبه، تمرّ الرّؤية عبر قشرة الدّماغ البصريّة التي تستخرج من الذّاكرة ما يرتبط بالمحبوب من انفعالات، فتتولّد الشّحنات العصبيّة التي تزيد من نبضات القلب.
هذا المسار الفيزيائيّ يحدث بسرعة خاطفة، ممّا جعل الشّعراء ينسبون المصدر للقلب لا للدّماغ.
هكذا يقع الخطاب الشّعريّ بين الحضور والغياب، فالظاهر هو الحبّ، والباطن هو فقده أو البحث عنه، طالما أنّ الحبّ كما يقول الفيلسوف 'إيريك فروم': "هو الجواب على مشكلة الوجود الإنسانيّ"(5).
وقد جعل العرب للحبّ مقامات تتألّف من سبعة عشر درجة، تبدأ بـ'الهوى' وصولا إلى 'الهيام' الذي هو جنون العشق. وانطلاقا من هذه التّصنيفات، يمكن القول إنّ ديوان سنية مدّوري يتنزّل في هذا الإطار العامّ، منه ما هو ذاتيّ (حبّ الحبيب، الوالدين، الأبناء)، ومنه ما هو موضوعيّ (حبّ الوطن، الشّعر، القيم النّبيلة، ورموز الشّهداء(6).
اضمحلالُ التماثليّ في الذاكرة الحيّة - من التجربة الجسدية (الدماغ) إلى الذكاء الاصطناعي التوليدي : مقاربة أنثروبولوجية ـ فكرية - العربي الحميدي
استهلال
لم يعد التحوّل الرقمي اليوم مجرّد انتقالٍ من وسيطٍ إلى آخر، بل تحوّلًا في بنية الإدراك ذاتها. ففي زمن الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي التوليدي، لم تعد الذاكرة تُخزَّن فقط، بل تُعاد صياغتها، وتُقترَح، بل وتُنتَج أحيانًا بمعزلٍ عن التجربة الأصلية.
تسعى هذه الورقة إلى إعادة قراءة ظاهرة اضمحلال الذاكرة التماثلية في ضوء هذا الواقع الجديد، حيث لم يعد الانتقال من الجسد إلى الآلة هو الحدث الأبرز، بل الانتقال من «ذاكرة محفوظة» إلى «ذاكرة مُولَّدة». وتعتمد هذه الورقة على مقاربة تجمع بين الفكر والأنثروبولوجيا، مع استحضار تجربة ذاتية طويلة داخل عوالم الحاسوب، بوصفها مختبرًا حيًّا لتحوّل الذاكرة من أثرٍ معيش إلى بنية قابلة للتوليد وإعادة التشكيل.
1. مدخل نظري: من الذاكرة كديمومة إلى الذاكرة كاحتمال
كانت الذاكرة التماثلية تُفهم بوصفها ديمومةً حيّةً، حيث لا تُستعاد الذكرى كما كانت، بل يُعاد تشكيلها داخل نسيج الحاضر. إنها ذاكرة متجذّرة في الجسد «الدماغ»، تُصاغ عبر الإحساس، وتتغذّى من النسيان بقدر ما تتغذّى من الحفظ.
أمّا في السياق الرقمي الراهن، فقد تجاوزنا الذاكرة الثنائية بوصفها مجرّد ترميز (0/1)، لنصل إلى مرحلة تصبح فيها الذاكرة «نظام احتمالات». فالذكاء الاصطناعي لا يسترجع الماضي، بل يُولّد نسخًا ممكنةً منه، وفق أنماطٍ ومعطياتٍ سابقة.
هكذا، لم تعد الذاكرة استرجاعًا، بل أصبحت اقتراحًا، أو محاكاةً، أو إعادة تركيبٍ.
إننا أمام تحوّلٍ من «ذاكرة ما حدث» إلى «ذاكرة ما يمكن أن يحدث».
جون دوس باسوس: أمريكا مختطَفة! - حميد بن خيبش
لا يولد المرء أمريكيا، بل يصير كذلك حين يناضل من أجل القيم التي أرساها الآباء المؤسسون، ويُلوح بجرأة غير معهودة أحيانا، بضرورة نقد جديد للنصوص التأسيسية التي وطدت هوية أمريكا أمام العالم. ذلك أن أسطورة الأصل يجب أن يُعاد تفسيرها لتستوعب سرديات متعددة، وتمنح جواز سفر لمن أبقتهم أمريكا في الهامش، لتزج بهم في صراعاتها وحروبها الشرسة.
على الخيط المتوتر بين الكتابة والسياسة، تأرجحت مسيرة أدبية مفعمة بالجرأة والألمعية. وانبرى قلم متمرس لكشف الصدع الذي يمزق أمريكا المعاصرة، ولتجريد خطاب الحرية والديموقراطية من كلماته الرنانة. لذا فإن الضوء الكاشف الذي يُسلّط اليوم على الأعمال الأدبية للكاتب الأمريكي جون دوس باسوس، يبدو منسجما على نحو مقصود، مع اصطفاف العالم ضد جموح البيت الأبيض وساسته، وخطابه الذي يجسد النقيض تماما، حين يلوح بشعارات الحرية والديموقراطية، وحق الشعوب في تقرير مصيرها.
منذ رواياته الأولى تمكن دوس باسوس من ربط الكتابة بالسياسة ربطا وثيقا، وسعى لتفكيك السرديات التي بنتها الدعاية الحكومية، لتبرير الانضمام إلى ساحة الحرب العالمية الأولى؛ بما يعنيه ذلك من هدم لفكرة أمريكا كنظام قيم.
وعبر السرد الخيالي سيُجري دوس باسوس تحديثا حقيقيا لهوية أمريكا، كاشفا عن الهوة السحيقة بين الجريمة الأساسية وتبريرها الخطابي، الذي شكل برأيه، بداية عصر التلاعب اللغوي. إن كلمات رنانة من قبيل الديموقراطية والحرية، بل وحتى أمريكا نفسها، ليست سوى عبارات رومانسية مبتذلة، تخفي في طياتها انسحاق الأمل، والطبيعة الأفقية لعالم يُخلف وعوده باستمرار.
لماذا لم يفز أدونيس بجائزة نوبل للآداب ؟ - إبراهيم أبو عواد
مُنذ عُقود ، يتكرَّر السؤال في الأوساط الثقافية العربية : لماذا لم يحصل أدونيس ( وُلد 1930 ) على جائزة نوبل للآداب رغم حضوره العالمي وترجماته الواسعة ؟ . ويكاد هذا السؤالُ يتحوَّل إلى مُسلَّمة ضِمنية تفترض أنَّه يستحق الجائزةَ ، وأنَّ عدم منحه إيَّاها هو تقصير أوْ تحيُّز . غَيْرَ أنَّ مُقارَبة هذا السؤال بجدية تستدعي مراجعة نقدية عميقة لتجربته ، بعيدًا عن الهالة التي أحاطتْ باسمه ، والنظر في أعماله بوصفها نصوصًا قابلة للفحص لا أصنامًا ثقافية .
يُقَدَّم أدونيس غالبًا كشاعر حداثي كبير ، لكنَّ جُزءًا كبيرًا من إنتاجه يُعاني من غُموض مُفرِط لا يَنتج عن كتافة دَلالية بِقَدْرِ ما يَعكس انفصالًا عن التجربة الإنسانية المُباشرة . الكثيرُ مِن نُصوصه تبدو مشغولة باللغة ذاتها أكثر من انشغالها بالمعنى ، وكأنَّها تُمارس نوعًا من " الكتابة عن الكتابة " . هذا النمط قد يُثير الإعجابَ في إطار نُخبوي محدود ، لكنَّه يفقد قُدرته على التأثير الواسع الذي يُعَدُّ أحد معايير التقدير العالمي . والأدبُ العظيم _ حتى في أكثر تجلياته حداثةً _ يحتفظ بخيط تواصل مع الإنسان العادي . أمَّا في تجربة أدونيس فنجد ميلًا واضحًا إلى الانغلاق داخل شبكة من الرموز والإحالات الثقافية المُعقَّدة التي تتطلَّب قارئًا متخصصًا لفكِّ شيفراتها . هذا لا يُعَدُّ ميزة ، بَلْ يُفَسَّر على أنَّه عَجْز عن بناء خطاب إنساني شامل ، وهو ما يَجعل أعماله أقل قُدرة على اختراق الثقافات المختلفة مُقارَنةً بأدباء عالميين آخَرين .
لا يُمكن فصل شِعر أدونيس عن مواقفه الفكرية التي أثارتْ جدلًا واسعًا ، فقد تبنَّى خطابًا نقديًّا حادًّا تجاه التراث العربي والإسلامي ، لكنَّه في الوقت نَفْسِه لَمْ يُقَدِّمْ بديلًا فكريًّا متماسكًا . هذا التناقضُ جعل مشروعه قائمًا على الهدم لا البناء ، وهو ما يُضعِف مِن قيمة " المشروع الأدبي المتكامل " الذي تَبحث عنه لجان الجوائز الكُبرى.ورغم ترجمة أعماله إلى لغات عديدة ، فإنَّ تأثير أدونيس في الأدب العالمي ضعيف ومحدود . والحُضورُ الأكاديمي أو الاحتفاء النقدي لا يكفيان ، إذْ إنَّ الجائزة غالبًا ما تذهب إلى مَنْ يَترك أثرًا عميقًا في الوعي الإنساني العام، لا في دوائر نقدية ضيقة فقط. وهُنا يَظهر الفرقُ بين الانتشار الشكلي والتأثير الحقيقي .
فليني و التحليل النفسي: نحو منظور جديد للسينما - نورالدين بوخصيبي
منذ نشأتها مع الأخوين لوميير، اعتُبرت السينما بصفة عامة مرآةً للواقع، وسيلةً لتصوير ما نعيشه ونراه. غير أن المخرج الإيطالي فيديريكو فليني يعتبر من السينمائيين القلائل الذين قلبوا هذه المعادلة رأسًا على عقب: بالنسبة له، لا يوجد الواقع الحقيقي خارج ذواتنا، بل في داخل كل منا، في الأحلام، والهواجس، في تلك الصور الهاربة التي تزورنا ليلًا وتفلت منّا مع أول خيط من الصباح، ثم ما تلبث أن تعود لتختفي من جديد.
لم يكن فليني مجرد راوٍ للحكايات، بل كان مستكشفًا لمتاهات النفس، يغوص في أعماقها ليحوّل مادتها الخام، الحلم، الرغبة، القلق، إلى صور سينمائية آسرة، أقرب إلى الطقوس منها إلى السرد التقليدي.
كيف تم هذا الانتقال إذن في سينما هذا الفنان العالمي الكبير من سينما " واقعية مباشرة " إلى حد ما، إلى سينما أكثر التصاقا بعوالم الحلم والسحر والخيال؟ لكن السؤال الأساسي الذي نطرحه في هذه المقالة هو التالي: ماذا عن تأثير التحليل النفسي بصفة خاصة في هذا التحول الذي باشره فليني من سينما " الواقع " إلى سينما الحلم و الخيال كما سيتجسد ذلك بصفة خاصة في فيلمه العجائبي " ثمانية و نصف"؟ ما هو الدور الذي لعبه التحليل النفسي في هذا التحول؟
إرنست بيرنهارد: حين يصبح الحلم مادة للفن
تقودنا هذه الرحلة إلى شخصية أساسية قلّما تُذكر خارج الدوائر المتخصصة: إرنست بيرنهارد (1896 – 1956) المحلل النفسي الألماني الذي فرّ من النازية ليستقر في روما، ويصبح من أبرز ممثلي مدرسة كارل غوستاف يونغ في إيطاليا.
لم يكن بيرنارد معالجًا تقليديًا، بل كان يرى النفس بوصفها فضاءً رمزيًا حيًا، تعبره الأساطير والصور البدئية. بالنسبة له، اللاوعي، على عكس تصور سيغموند فرويد، ليس مجرد مستودع للعُقد، بل خزان خصب للخيال.
أما من "معلّقات" للشعر العربي الحديث؟! - محمد المهذبي
ربما أمكن القول اليوم، بعد عقود من تراكم الانتاج الشعري، وتعاقب موجات من التجارب المختلفة، بأنّ الشعر العربي الحديث قد نجح في إبداع قصائد تتحدّى الفناء، وتستحقّ تخليدها منقوشة على جدران الأبديّة. والمقصود هنا بالشعر العربي الحديث، ذلك الشعر الذي انطلق من الوعي بالاختلاف عن التراث، مثلما تجلّى ذلك في شعر المهجريّين أو جماعة الديوان، وصولا إلى قصيدة النثر، ومرورا بجماعة أبولو ثمّ الشعر الحرّ. أي إنّ لدينا مُدَوَّنَةً شعريّة تجاوز عمرها القرن من الزمن وكان لها تأثيرها الكبير وأسماؤها البارزة. بل يمكن أن يمتدّ تعريف الشعر الحديث، استنادا إلى المعيار الزمني، ليشمل الإحيائيين أو الكلاسيكيين الجدد مثل أحمد شوقي أو حافظ إبراهيم أو خليل مطران وغيرهم. فهم حتّى وإن اتُّهموا باتّباع الشعر القديم، فقد استطاع شعرهم أن يصل إلى وجدان القارئ العربي المعاصر. فهناك إذن من شعراء عصرنا من تركت أعماله أثرا لا ينمحي في الذائقة الشعرية لدى أجيال مختلفة وحتّى في الرأي العام، بفضل قصائد تحدّت النسيان، قبل أن يبلغ صداها إلى العالم، وإن بشكل محدود، بواسطة الترجمة أو أعمال المستشرقين.
لقد سعى العرب القدامى إلى تخليد القصائد الاستثنائية من خلال تعليقها على أستار الكعبة، وتلك فكرة قد لا نجد مثيلا لها في العالم. ولعلّ ما يميّز فكرة المعلّقات أنّها كانت تَنْشُدُ تأبيد القصائد الشعرية بوضعها في مكان مقدّس. فالشاعر ليس مجرّد لسان للقبيلة، بل هو الذي يرتقي بالوعي الجمعي إلى سماء الخلود. ويصبح الشعر هنا بالضرورة رؤية للكون تتجاوز الزمان والمكان، ويقترب من الماورائيات أو يشير إليها. إنّ المعلّقات هي ديوان الحبّ والحرب، والحكمة والهَوَى، والبقاء والفناء. وقد لا نجانب الصواب إن قلنا إنّ الشاعر وصل بفضل معلّقته إلى أقصى ما يمكن للإنسان بلوغه، قبل مرتبة النبوّة. فلعلّه كاد أيضا "أن يكون رسولا".
لقد دخلت المعلّقات مجال الخلود في الوجدان العربي باعتبارها نموذجا لا يُضاهى لإتقان الشعر ونقاء اللغة وفرادة الصور والمعاني. وصمدت تلك القصائد أمام الدراسات الحديثة سواء منها الاستشراقيّة أو العربيّة التي حاولت التشكيك في حقيقتها التاريخيّة. وربما غاب عن المشكّكين أنّ المعلّقات قد أفلتت من قيود الزمان والمكان، مثل مارد خرج من قمقمه، ولا سبيل إلى إرجاعه إليه. ولعلّها تستحقّ من أجل ذلك أن يتمّ إدراجها في "سجّل ذاكرة العالم" لدى منظمة اليونسكو، ضمن مبادرة عربيّة مشتركة، حتّى وإن لم تبق من المعلّقات مخطوطات أو نقوش أثريّة. فلا شكّ أنّ المعلّقات باقية خالدة، في الذاكرة العربية، باعتبارها مصدرا لإلهام الأجيال القادمة والبشريّة بأسرها.