1.
«وعلى الكاتب الصبر على الملازمة والاجتهاد في النّصيحة والوفاء للوزير في حال الدّولة والنكبة، والمواساة له بنفسه في حال اليسرة، والعسرة، والرجاء، والشدة، وكتمان أسراره، وطي أخباره، وتزيين أموره بكل ما يجد السبيل إليه.
ومتى ظفر الناس بعيبٍ من عيوب صاحبه، اجتهد في ستر ذلك وتغطيته والتأول فيه حتى يخرجه من العيب فيه، كما يحكى عن بعضهم، وقد قال بعض «رسل الملوك إني رأيت في مذهبكم مساكين يشكون الجوع ويسألون الناس في الطريق. فقد كان ينبغي لملككم أنْ يغنيهم عن ذلك.» فقال له: «إنّ ملكنا لرأفته رعيته، ومحبته لمنافعهم، علّى في رعيته قوما في أموالهم حقوق لله-عز وجل- لا يستحقون من الله-عز وجل- الثواب في الآخرة إلا بإخراجها. فلو أغنى المساكين، لما وجد الأغنياء الّذين في أموالهم الحقوق من يدفعون ذلك إليه. فكان ثوابهم يبطل. فترك ملكنا هؤلاء المساكين على أحوالهم، إنما هو لهذا المعنى، ولتعرض الأغنياء للثواب، بمواساتهم».
فأول لملكه فيما عابه به رسول عدوه تأولا حسنا أخرجه من العيب به. فكذلك ينبغي أن يكون كاتب الوزير له فيما يحمل به أمره، ويزيل به عيبا إنْ لحقه»[1]
«وعلى الوزير إذا فعل الكاتب جميع ما ذكرناه، ولزم ما وصفناه، أن يكفيه مؤونته، ويزيد على الكفاية بالإحسان إليه، فإن الله –عز وجل- يقول: «للذين أحسنوا الحُسنى، وزيادة» والحسنى: المكافأة. والزيادة: هي الزيادة على الاستحقاق في المجازاة»[2]
2.
«فقام رجل مِنْ عُرْض الناس، فقال: أيها الملك، أتضع الخراج الباقي على الإنسان الفاني، وعلى كَبد تموت، وعلى زَرْع يجِفّ، ونهر يَذْهب، وعَيْن تغور؟ فقال كِسْرى: يا ذا الكلْفة المشئوم، مِن أيّ طبقات النّاس أنتَ؟ فقال: أنا رجلٌ من الكتّاب؛ فقال كِسْرى لِكُتّابه: اضربوه بالدُّويّ حتّى يموت. فضربه الكتّابُ، تَبَرِّياً إلى كِسْرى من رأيه، حتّى مات، وقالوا: نحن راضون بما صنع الملك. فصُنِّفت الوضائع على أصناف الغلّات والنّخل والشجر»[3]
فاتحة:
يقول العمري في مقاله "الوظيفة البلاغيّة والرؤية البيانيّة"[4] إنّه سيعمل على إظهار «مدى استفادة الجابري من قضايا مركزية في البلاغة»[5] وأنّ قراءته ستكون «إيجابية تبرز جوانب القوة، وتسقي البذور الواعدة، وتسائل ما تراه مثيرا للتساؤل[6]» ويوضّح أنّ تقديم التّراث كان بالنّسبة للجابري «مسؤوليّة سياسيّة» «وليس رفاهية علمية، أو رياضة أكاديمية[7]»، ويضع تناوله للتّرسّل في الخطاب السّياسي أُنموذجا لقدرته على تحليل النّصوص تحليلا يعتمد على خبرته الفلسفيّة النّقديّة واحتكاكه القويّ بالتّراث العربي". لكن القارئ لا يجد في مقال العمري عمّا كتبه الجابري في التّرسّل غير الطّمس والإتيان بمآخذ مختلطة لا تتوجّه على الفيلسوف. ونحن نضع تلك المآخذ موضع المناقشة، ونرتّبها تحت المحاور الأساسيّة التّالية: (1) ضعف التّأصيل في معالجة القضايا البلاغيّة؛ (2) تحميل المسؤوليّة كاملة لبلاغة ابن المقفع والكُتّاب المترسّلين في ترسيخ قيم الطّاعة؛ (3) تغييب المقام؛ (4) تغييب القصد؛ (5) ترك الواجب الأكاديمي القاضي بالجمع بين التّرسّل و"التّوقيعات"؛ (6) مقتل ابن المقفع حجّة على وقوفه ضد "الطّاعة"، عكس مُدّعى الجابري. وهي محاور نفرِّعها هي الأخرى لمناقشة لمزٍ كثير مدسوس في ثنايا مقال العمري.
- ضعف التّأصيل، أو استعمال "القضايا البلاغيّة" دون معالجة نظريّة:
- صيغة المأخذ: