1.
«
وعلى الكاتب الصبر على الملازمة والاجتهاد في النّصيحة والوفاء للوزير في حال الدّولة والنكبة، والمواساة له بنفسه في حال اليسرة، والعسرة، والرجاء، والشدة، وكتمان أسراره، وطي أخباره، وتزيين أموره بكل ما يجد السبيل إليه.

ومتى ظفر الناس بعيبٍ من عيوب صاحبه، اجتهد في ستر ذلك وتغطيته والتأول فيه حتى يخرجه من العيب فيه، كما يحكى عن بعضهم، وقد قال بعض «رسل الملوك إني رأيت في مذهبكم مساكين يشكون الجوع ويسألون الناس في الطريق. فقد كان ينبغي لملككم أنْ يغنيهم عن ذلك.» فقال له: «إنّ ملكنا لرأفته رعيته، ومحبته لمنافعهم، علّى في رعيته قوما في أموالهم حقوق لله-عز وجل- لا يستحقون من الله-عز وجل- الثواب في الآخرة إلا بإخراجها. فلو أغنى المساكين، لما وجد الأغنياء الّذين في أموالهم الحقوق من يدفعون ذلك إليه. فكان ثوابهم يبطل. فترك ملكنا هؤلاء المساكين على أحوالهم، إنما هو لهذا المعنى، ولتعرض الأغنياء للثواب، بمواساتهم».

فأول لملكه فيما عابه به رسول عدوه تأولا حسنا أخرجه من العيب به. فكذلك ينبغي أن يكون كاتب الوزير له فيما يحمل به أمره، ويزيل به عيبا إنْ لحقه»[1]

«وعلى الوزير إذا فعل الكاتب جميع ما ذكرناه، ولزم ما وصفناه، أن يكفيه مؤونته، ويزيد على الكفاية بالإحسان إليه، فإن الله –عز وجل- يقول: «للذين أحسنوا الحُسنى، وزيادة» والحسنى: المكافأة. والزيادة: هي الزيادة على الاستحقاق في المجازاة»[2]

2.
«فقام رجل مِنْ عُرْض الناس، فقال: أيها الملك، أتضع الخراج الباقي على الإنسان الفاني، وعلى كَبد تموت، وعلى زَرْع يجِفّ، ونهر يَذْهب، وعَيْن تغور؟ فقال كِسْرى: يا ذا الكلْفة المشئوم، مِن أيّ طبقات النّاس أنتَ؟ فقال: أنا رجلٌ من الكتّاب؛ فقال كِسْرى لِكُتّابه: اضربوه بالدُّويّ حتّى يموت. فضربه الكتّابُ، تَبَرِّياً إلى كِسْرى من رأيه، حتّى مات، وقالوا: نحن راضون بما صنع الملك. فصُنِّفت الوضائع على أصناف الغلّات والنّخل والشجر»[3]

فاتحة:

   يقول العمري في مقاله "الوظيفة البلاغيّة والرؤية البيانيّة"[4] إنّه سيعمل على إظهار «مدى استفادة الجابري من قضايا مركزية في البلاغة»[5] وأنّ قراءته ستكون «إيجابية تبرز جوانب القوة، وتسقي البذور الواعدة، وتسائل ما تراه مثيرا للتساؤل[6]» ويوضّح أنّ تقديم التّراث كان بالنّسبة للجابري «مسؤوليّة سياسيّة» «وليس رفاهية علمية، أو رياضة أكاديمية[7]»، ويضع تناوله للتّرسّل في الخطاب السّياسي أُنموذجا لقدرته على تحليل النّصوص تحليلا يعتمد على خبرته الفلسفيّة النّقديّة واحتكاكه القويّ بالتّراث العربي". لكن القارئ لا يجد في مقال العمري عمّا كتبه الجابري في التّرسّل غير الطّمس والإتيان بمآخذ مختلطة لا تتوجّه على الفيلسوف. ونحن نضع تلك المآخذ موضع المناقشة، ونرتّبها تحت المحاور الأساسيّة التّالية: (1) ضعف التّأصيل في معالجة القضايا البلاغيّة؛ (2)  تحميل المسؤوليّة كاملة لبلاغة ابن المقفع والكُتّاب المترسّلين في ترسيخ قيم الطّاعة؛ (3)  تغييب المقام؛ (4) تغييب القصد؛ (5) ترك الواجب الأكاديمي القاضي بالجمع بين التّرسّل و"التّوقيعات"؛ (6) مقتل ابن المقفع حجّة على وقوفه ضد "الطّاعة"، عكس مُدّعى الجابري. وهي محاور نفرِّعها هي الأخرى لمناقشة لمزٍ كثير مدسوس في ثنايا مقال العمري. 

  • ضعف التّأصيل، أو استعمال "القضايا البلاغيّة" دون معالجة نظريّة:
  • صيغة المأخذ:

سعى الأدب الإيراني منذ أوائل ستينيات القرن الماضي وحتى قيام الثورة الإسلامية، إلى إرساء صلة واعية بتاريخ الأمة الفارسية وواقعها. وفي ظل الحالة المزرية للبلد آنذاك، والاحتكاك بالنظام البهلوي الذي جعل الأدباء عرضة للملاحقة السياسية والحظر الفكري، تشكلت موجة للأدب الملتزم، قادها كتاب ذوو ميول يسارية صرفوا حماسهم للدفاع عن المحرومين، وتميزت كتاباتهم بالاحتجاج، ورفض التضييق الحكومي على الحيز الاجتماعي والسياسي، وإحياء ذاكرة الأمة التي سعت التفسيرات الرسمية للنظام إلى طمسها.

داخل هذا المعترك برز اسم الأديبة سيمين دانِشوَر، ليقدم لعالم الأدب تفاصيل المجتمع الإيراني في فترة تاريخية عصيبة، التأم فيها الشعور القومي مع إحدى أوجه الصراع بين الحداثة والتقاليد. ويُعتبر عملها الروائي الأبرز "سووشون"، نموذجا للكتابة الروائية التي دمجت التراث الفارسي بالتقنيات السردية الحديثة، لتروي للعالم فظاعة الحرب من منظور المهزومين والمنسيين.

تعد "سُووَشون"(*) أول رواية نسائية حديثة باللغة الفارسية. وتدور أحداثها في مدينة شيراز خلال الاحتلال الإنجليزي، لترسم الفضاء الاجتماعي السائد آنذاك، وتنقل معاناة شعب مزقته تداعيات الحرب العالمية الثانية بشتى تعقيداتها. غير أن حس المظلومية لم يمنع الكاتبة من إبداء تشريح قاس للبنى التقليدية داخل المجتمع، ونقد الأوضاع الداخلية التي عمقت من أزماته، كقضايا المرأة، والنظام الطبقي، والتوتر المستمر بين مكونات النسيج القبَلي.

نستكشف أحداث الرواية بعيني زاري. امرأة إيرانية متعلمة تمارس أدوارها التقليدية كزوجة وأم، لكن يتخلل هذه الحياة لحظات ارتياب ويأس، نجمت عن تعقيدات زواجها من يوسف المثالي والصريح، والذي سيُعرض حياة الأسرة للخطر جراء مواقفه من الاحتلال.

بعد أن سيطرت قوات الحلفاء على أجزاء من إيران، سعت للاستيلاء على جميع المحاصيل المتاحة لإطعام جيوشها المتمركزة هناك. إلا أن يوسف الذي يمثل طبقة ملاك الأراضي، يرفض التعاون وتسليم المحاصيل، خشية أن يموت الفلاحون جوعا. تكسر معارضته فرضية تواطؤ الملاك مع القوى الأجنبية، بينما يبرز موقف شقيقه كممثل للطموح السياسي الذي أظهره بعض المتعاونين من أبناء البلد، لتأمين امتيازات ومناصب في الحكومة المحلية:

كَوّرت الصحراء الموريتانية حُبيبات رملها شِعرا لأمد طويل، بفعل الشفاهية التي ركن إليها المجتمع البدوي القديم. غير أن العقود الأخيرة شهدت وعيا أدبيا متزايدا بضرورة التطلع إلى فضاء السرد، وإثبات حضور روائي وقصصي، يمنح للأدب الموريتاني لغته الخاصة، ويعزز حضوره في المنظومة السردية العالمية، بما يعرضه من رؤى ومضامين مستلهمة من عمق الصحراء وسحرها، وروح البداوة المتغلغلة في نسيج المجتمع.

ما يميز المشوار الأدبي للروائي الموريتاني امبارك ولد بيروك هو إصراره على تقديم الصحراء برؤية صحراوي، كما يقول، لكن بلغة موليير التي عشقها منذ صغره. ففي أطار بشمال موريتانيا نشأ المؤلف داخل أسرة جمعت بين روح البداوة القبلية وكتابات فولتير وهوغو. إذ تهيأت للصبي فرصة اطلاع على الأعمال الأدبية الفرنسية بفضل الأب الذي كان يعمل مدرسا في المدرسة الاستعمارية.

في رواية (طبل الدموع)، والتي حازت على جائزة أحمدو كوروما بجنيف سنة 2016، يعرض ولد بيروك لملحمة صحراوية تتصادم فيها الحداثة مع أعراف القبيلة وعاداتها التي تبدأ بالتأرجح إزاء أحداث العالم المعاصر.

داخل قبيلة أولاد محمود تنشأ ريحانة الجميلة. غير أن مستقبلها الذي يُفترض أن يكون مشرقا سرعان ما أظلم حين اختفى حبيبها المهندس ذو الشخصية الآسرة، ليُسلم الشابة الحامل إلى مأساة العار وغضب القبيلة.

تتطور أحداث الرواية عبر تيارين زمنيين مما يوحي بتقاطع حكايتين داخل نواة النص. ترصد الأولى حاضر ريحانة التي أضحت (أما عازبة) بحسب الاصطلاح المتداول، بينما تعرض الثانية لما طبع حياة الفتاة الساذجة من أحداث. فهروب البطلة لم يكن فقط تجنبا للفضيحة وإنما تمردا على إذعان القبيلة لماضيها المفعم بالتمييز والذكورة، لذا تسرق ريحانة طبل القبيلة لتُحدث شرخا في إيقاع الحياة داخلها. أما الرجال الذي اصطفوا على حافة هذا العمل الروائي المميز، فجلهم يود اختراق جسد ريحانة لشحذ أنانيته ونزواته، باستثناء عبد محرر يواسي آلامها.

لَيْسَ التاريخُ سِجِلًّا للأحداثِ فَحَسْب ، بَلْ هُوَ أيضًا مِرْآةٌ للنَّفْسِ الإنسانية ، ومَنظومةٌ لفهمِ صِراعات المُجتمعاتِ وهُوِيَّاتها . وفي الأدب ، يَتحوَّل التاريخُ إلى تَجْرِبة فَنِّية تَتحرَّك بَيْنَ الذاكرةِ والخَيَالِ مِنْ جِهةٍ ، وَبَيْنَ الواقعِ الماديِّ والرُّوحِ المَعنويةِ للأحداثِ مِنْ جِهةٍ أُخرى .
في الأدبِ الفِلَسْطينيِّ ، يَتجلَّى التاريخُ في تَجْرِبة الاحتلالِ والنَّكْبةِ والتَّهْجير ، وَهُوَ حالةٌ مُستمرة مِنَ الألَمِ والمُواجَهة . الأديبُ والصحفيُّ غَسَّان كَنَفَاني (1936_ 1972 ) لَمْ يَكُنْ يَكتبُ التاريخَ بِمَعناه التقليدي ، بَلْ كانَ يُحوِّله إلى تَجْرِبة إنسانية شخصية وجَمَاعِيَّة في الوَقْتِ نَفْسِه . ففي كِتاباته، يُصْبحُ التاريخُ مَسْرَحًا للألَمِ الفَرْدِيِّ والجَمَاعِيِّ ، وعَيْنًا تَرى المَأساةَ ، وتَبحثُ عَن العَدالة .
لكنْ مَا يُميِّز كنفاني هو الطريقة التي يُعالج بها التاريخَ عَبْرَ الذاكرةِ والغِيابِ . فالأماكنُ المُهدَّمةُ، والمَنازلُ التي هُجِّرَ أهْلُها ، والأسماءُ التي تتلاشى ، لَيْسَتْ مُجرَّد رُموز ، بَلْ هِيَ عَلامات على انكسار الإنسان الفِلَسْطينيِّ ، وتَشَظِّي هُوِيَّته . والتاريخُ عِند كنفاني لَيْسَ سَرْدًا فَحَسْب ، بَلْ هُوَ أيضًا بُنيةٌ عاطفية تَغمُر القارئَ في مَأساةِ شعبٍ يُصارع النِّسيانَ والاحتلالَ . إنَّه تاريخٌ يَنْزِف ، تاريخٌ يعيشُ في الأحلامِ والكوابيسِ ، تاريخٌ يَتحوَّل إلى فِعْلِ مُقَاوَمةٍ أدبي .
على الجانبِ الآخَر مِنَ المُحيطِ الأطلسي ، نجدُ الروائي الأمريكي وليام فوكنر ( 1897 _ 1962 ) الذي استعارَ التاريخَ مِنَ الجنوبِ الأمريكي بعد الحربِ الأهلية ، مُحاولًا فهم أثر العُبودية والانقسامِ الاجتماعيِّ على النَّفْسِ الإنسانية .

تعج رواية " زَهْر الصَّبَّار" للروائية التونسية رشيدة الفارسي بأحداث ووقائع تعكس ما يتخبط فيه محيط الراوية من مشاكل وأزمات يفرزها واقع يطوقه الفقر ، وتحاصره الحاجة والعوز مما يغرق ساكنته في أدران الرذيلة بشتى مظاهرها من تعاطي لشرب الخمر ، وارتماء في حمأة الدعارة مقابل امتشاق آخرين لرهان تحدي مخالف بنهج مسلكيات مغايرة عبر الكد والجد للخروج من مأزق وضع مزري لتحقيق مرامي تتجسد في بلوغ مراتب أفضل كفيلة بضمان عيش كريم ، وحياة ميسورة .
وكان حضور الشخوص داخل متن الرواية لافتا ، إن لم نقل طاغيا ومهيمنا ، مقارنة بالمكان الذي اقتصر بشكل كبير على حي شخصية " زهرة " المهمش والمنسي . وكذلك الشخصيات ومنها زهرة التي برزت بصورة مسترسلة لم يكد يخلو منها فصل من فصول الرواية ، ووالدها البشير العساس الذي تكلفت زهرة بتتبع ونقل تفاصيل وسلوكات من حياته ، كما تناوب على الحكي كل من فتحية وصابر وإن ظلت زهرة ممسكة بخيوط الرواية ، وسير أحداثها ، كما جاء على لسان فتحية : " أنا فتحية / أعلن على الملأ / سأتمرد على زهرة بنت البشير العساس / وعلى الراوية وعلى الجميع . " ص 124،وعلى لسان صابر كذلك : " أنا صابر . / أنا صابر ولد منيرة بنت هنية " الشطاحة " . / هل أتمرد أنا أيضا على زهرة وأقول الحكاية حكايتي والوجع وجعي والغربة غربتي . " ص124. فزهرة هي من افتتحت الحكي منذ الفصل الأول : " أنا زهرة / زهرة بنت البشير بن نصر العساس " ص 14، معلنة عن سرد حكايتها : " الحكاية حكايتي بكل ما في الفصول من أرق وتوجس وعطالة وصخب ورجاء وتحفز للتجاوز وتطلع إلى الدنيا الكبيرة . " ص 17، واصفة ومعبرة عن مسار حياتها المليء بالمطبات والمثبطات ولم تستسلم لذلك ، بل أبانت عن عزم قوي ، وإرادة ثابتة صمدت أمام كل الأنواء ،والقلاقل ، والمعوقات إلى أن حققت مبتغاها الدراسي .

لا يقتصر غلاف رواية من يُكمل وجه الجنرال نفسه على تقديم لوحة إتيان دينيه مراقبة الهلال كعنصر زخرفي أو مجرد إشارة ثقافية عابرة، بل يمكن اعتباره بمثابة عتبة تأويلية تمهّد منذ اللحظة الأولى لإشكالية مركزية في النص: الشهادة على ما لا يُرى كاملاً. فإذا ما نظرنا إلى اختيار اللوحة، نجد أن الأمر ليس اعتباطيًا، فاللوحة لا تعرض الحدث نفسه، أي الهلال، وإنما تركز على فعل المشاهدة والأجساد المصطفة في انتظار، حيث يتحول كل فرد إلى شاهد محتمل على حدث غائب بصريًا. ونحن كمتلقين، لا نرى الهلال مباشرة، بل نرى وجوهًا تراقب، وهو ما يدفعنا للتفكير في شروط الرؤية نفسها لا في موضوعها.

هذا التركيز على الشهادة في غياب المشهود يجد صدى واسعًا في بنية الرواية، إذ لا يُعرض الماضي كحقيقة مكتملة أو حدث يمكن استعادته ـ أحداث مولاي بوعزة في هذه الحال، بل يظهر كأثر ممزق، متفرق، مثقل بالصمت والاقتطاع. فالرواية لا تكتفي بسرد ما حدث، بل تبيّن كيف يُقال ما يُقال عن الحدث، وكيف تتحول الذاكرة من مجال للمعرفة إلى مساءلة أخلاقية ضمن حدود السرد والتأويل.

وفي هذا السياق، تصبح إشارة بول ريكور إلى الشهادة ذات دلالة خاصة، فهو يميّز بين الرؤية بوصفها فعل معاينة والشهادة بوصفها فعل قول والتزام، ليس بمعنى الفصل الصارم بينهما، بل باعتبار أن الشهادة تُفعل المعنى رغم غياب الحدث، في توتر دائم بين الثقة في الشاهد والشك في قوله. الماضي، وفق ريكور، لا يُستعاد كحقيقة مكتملة، بل يُعاد بناؤه عبر السرد والشهادات الجزئية  .ومن هذا المنطلق، يمكن اعتبار الغلاف استعارة مركزة لبنية الرواية نفسها: كما أن الهلال لا يُرى لكنه يُنتظر ويُشهد عليه، فإن الماضي لا يُستعاد، بل يُستدعى عبر أصوات لا تدّعي الاكتمال. أما الجنرال، الذي يوحي عنوان الرواية بوجهه الناقص، فيمثل السلطة التي تدّعي الكمال مقابل شهادات هشّة لكنها مقاومة، لا تدّعي الحقيقة لكنها تمنع محوها.

     يُعَدُّ الشِّعْرُ مِرْآةً للرُّوحِ الإنسانية ، وأداةً للتعبيرِ عَنْ أعماقِ الفِكْرِ والمَشاعرِ ، ووسيلةً للتواصلِ بَيْنَ الأجيالِ والثقافات . وَمِنَ الذينَ جَسَّدُوا قُدرةَ الشِّعْرِ على التَّجديدِ والابتكارِ الرَّمزيِّ ، الشاعرُ العربيُّ أبو تَمَّام  ( 188 ه _ 231 ه / 803 م _ 845 م ) ، والشاعرُ الأمريكي الإنجليزي تي إس إليوت ( 1888 م _ 1965 م ) . وهُما رَمْزَان لِرُوحِ التَّجديدِ الشِّعْرِيِّ في سِيَاقَيْن تاريخِيَّيْن وثقافِيَّيْن مُخْتَلِفَيْن ، إلا أنَّ تَجْرِبتهما تتقاطعُ في السَّعْي إلى تَوسيعِ لُغةِ الشِّعْرِ ، وإغناءِ الرَّمزيةِ التَّعْبيريةِ التي تَعتمدُ على الصُّوَرِ اللغويةِ الدقيقة ، والأفكارِ المُعقَّدة ، والعواطفِ المُكثَّفة .

     أبو تَمَّام شاعرُ العَصْرِ العَبَّاسي ، عُرِفَ بِقُدرته الفائقة على الابتكارِ الشِّعْري ، حَيْثُ جَمَعَ بين المَوروثِ الجاهليِّ والرُّوحِ العَبَّاسِيَّةِ الجديدة ، مُحَقِّقًا ثَوْرَةً فَنِّيةً في بُنيةِ القصيدةِ وأساليبِها . وَقَد اتَّسَمَ شِعْرُه بالتَّرَفِ اللغويِّ ، والتجديدِ في الصُّوَرِ ، إذْ لَمْ يَكتفِ بالتصويرِ الحِسِّي التقليدي ، بَلْ سَعَى إلى صِناعةِ رُموزٍ مُعقَّدة تُعبِّر عَن المَعاني الأخلاقيةِ والفلسفيةِ والاجتماعية .

     اعتمدَ أبو تَمَّام على الرُّموزِ الطبيعية ، مِثْلَ : الليل ، والقَمَر ، والرِّيح ، لَيْسَ فَقَط كعناصر وَصْفية ، بَلْ كَرُموز تَحمِل دَلالات نَفْسِيَّة ورُوحِيَّة . الليلُ يَرمُزُ إلى الغُموضِ الداخلي ، والقَمَرُ يَرْمُزُ إلى الجَمالِ المِثالي ، والرِّيحُ تَرْمُزُ إلى تَغَيُّرِ الأحوالِ وَتَقَلُّباتِ الحياة . كما امتازَ أُسلوبُه بالاعتمادِ على التَّوريةِ واللمحةِ الذكية ، وهذا أعطى النُّصُوصَ بُعْدًا فِكريًّا إضافيًّا ، يَجعل القارئَ مُتفاعلًا معَ الرُّموزِ على مُستوياتٍ مُتعددة ، لا عَلى مُستوى المَعْنى المُباشِر فَقَط .

     وَيَظْهَرُ التَّجديدُ الشِّعْري الرَّمْزي عِندَ أبي تَمَّام أيضًا في تَوظيفِ اللغةِ لتجاوزِ حُدودِ التقليد ، مُستفيدًا مِنْ إيقاعِ القصيدةِ المُوسيقي ، وتِقنياتِ الوزنِ والقافية ، لإيصالِ المَعاني بِطُرُقٍ مُبتكَرة ومُؤثِّرة . هذا الاستخدامُ الذكيُّ للرُّموزِ جَعَلَ مِنْ أبي تَمَّام شاعرًا لا يُنْسَى ، وشَكَّلَ إرثًا شِعريًّا أثَّرَ في شُعَراء لاحِقِين مِثْلَ المُتَنَبِّي .

يميل الديوان منذ عتبته الأولى وإلى آخر نفس فيه إلى بناء مناخ شعري جنائزي يتأسس على حضور الموت بوصفه الخلفية الصامتة التي تتحرك فوقها التجربة كلها. ويتخذ من الفقد مدخلا لقراءة الذات واستعادة توازنها. يقدم الشاعر هذا الموت باعتباره طاقة خفية تتسرب إلى الصور واللغة والإيقاع، فتنشأ طبقة وجدانية مشوبة بقلق متواصل لا ينفصل عن رغبة ملحة في القبض على ما ينفلت.
وهوما يمنح القارئ الفرصة لمتابعة مسار شعوري وشعري يزاوج بين الانطفاء والرغبة في التقاط آخر ضوء. هذه البنية العميقة للمعنى تمنح النصوص نبرة مشبعة بقلق وجودي يفتح القصائد على طبقات تأويلية واسعة .
عتبات النصوص :
عن الغلاف :
تقول مالكة عسال عنه:
"بغض النظر على أن الغلاف هو الجامع للأوراق، فهو عنصر من العتبات النصية، التي قد ترشد القارئ إلى بوابة المحتوى، فبمجرد إلقاء القارئ لمحة سريعة عليه قد يتوقع ما تتحدث عنه مواضيع الكتاب، لذا يولي المؤلف اهتمامه الكبير للغلاف من حيث اختيار اللوحة والألوان، كي يستدرج لبّ القراء، وشاعرنا محمد محضار بذلَ قصارى جهوده ليُخرج الغلاف في حلة فنية تبهر " [1]
يقدّم غلاف كتاب "عريس الألم" صورة بصرية وأدبية متكاملة تعكس عالم الشاعر الداخلي المفعم بالتوتر والتجربة الإنسانية. تتصدر الغلاف الأمامي لوحة تجريدية حافلة بالألوان الساخنة، ويوحي تفاعل الأزرق والبرتقالي والأسود والبني والأصفر فيها بصراع وجداني مكثف. وينسجم هذا الحس البصري مع العنوان المكتوب بخط أزرق بارز، كأنه إشارة طريق تنبه القارئ إلى كثافة الدلالة، وكأن اللون نفسه امتداد للانفعال الداخلي. كما أن اختيار كلمة نصوص أسفل العنوان يؤكد أن العمل ليس بوحا ذا خط واحد، بل فسيفساء من الشذرات والبوح والتأملات الذاتية، بما تحمله من جراح مولِّدة للوجع..
عن العنوان :
نجد أن العنوان يتكون من كلمتين متنافرتين كون كل منهما تحمل معنى مناقضا لمعنى الأخرى؛ فكلمة "عريس" تحمل في طياتها معنى الفرح، والعرس مناسبة لإعلان هذه المشاعر، في حين، نجد كلمة الألم واضحة المعنى لا تحتاج لتفسير، بيد أن عملية الجمع بين هذه العنصرين المتنافرين كان بهدف خلق جدلية بين بعدي الفرح والألم، تلك الثنائية التي تستغرق نصوص العمل ككل، فضلا عن أن الجمع بينهما يقوي بعد الجرح، ويقوي دلالة الوجع لا سيما وأن العرس قد تم تسبيقه وتأخير الألم، والمتأخر يبقى وقعه في النفس أكثر..