الخَيَالُ التاريخيُّ هُوَ نَوْعٌ أدبيٌّ تَجْري أحداثُه في بيئةٍ مَا تَقَعُ في المَاضِي ضِمْن ظُروفِها الاجتماعية ، وخَصائصِها الحقيقية ، مَعَ الحِرْصِ عَلى بِناء عَالَمٍ تاريخيٍّ يُمْكِن تَصديقُه ، والاهتمامِ بالسِّيَاقاتِ الثقافية ، وكَيفيةِ تَفَاعُلِ الشَّخصياتِ مَعَ عَناصرِ الزَّمَانِ والمكان ، ومُرَاعَاةِ العاداتِ والتقاليدِ والبُنى الاجتماعية والمَلابس وطبيعة الكلام المَوجودة في ذلك الزمنِ البعيد .

     والأعمالُ الأدبية ذات الصِّبْغَة التاريخية يَنْبغي أنَّ تَعتمد عَلى التَّحليلِ النَّفْسِيِّ لِكَينونةِ الإنسانِ ومَشاعرِه ، وَتَقْدِيمِ التاريخِ مِنْ مَنظور الناسِ العاديين الذينَ يَتَحَرَّكُون في الواقع ضِمْن سِياقِ الأحداثِ اليومية ، مَعَ ضَرورةِ اختيارِ العالميَّة والإنسانيَّة المُشْتَرَكَة .

     والرِّوايةُ التاريخيةُ لَيْسَتْ تاريخًا ، وإنَّما هِيَ مَنظومة مِنَ الأفكارِ والمَشاعرِ بأُسلوبٍ فَنِّي وجَمَاليٍّ تَتناول جوانبَ الحَيَاةِ والفِكْرِ الإنسانيِّ في المَاضِي ، مِنْ أجْلِ رَبْطِ القُرَّاءِ المُعَاصِرِين بالتَّجَارِبِ المُعَاشَةِ في تِلْك الفَترةِ الزَّمنيةِ التي مَضَتْ وانقَضَتْ ، وَمَرَّتْ عَلَيها سَنَوَات طويلة .

     والرِّوائيُّ لَيْسَ مُؤرِّخًا ، وإنَّما هُوَ صانعٌ للأحداثِ المُتَصَوَّرَةِ وَالوَقائعِ المُتَخَيَّلَةِ ضِمْن نَسَقٍ أدبيٍّ يُعيدُ تَكوينَ الزَّمَانِ وَبِنَاءَ المَكَانِ ، وَيُفَسِّرُ العَلاقاتِ الإنسانية بَيْنَ الشَّخصيات ، ولا شَكَّ أنَّ هَذه العَلاقاتِ تَتَأثَّر بالأحداثِ التاريخية ، ولكنْ يَنْبغي التَّركيز عَلى المَشاعر الإنسانية المُشْتَرَكَة العابرةِ للحُدُودِ التاريخيةِ والجُغرافية ، والكاسرةِ لِكُلِّ القوالب الجاهزة .

     إنَّ الخَيَالَ التاريخيَّ هُوَ أدَبٌ مُسْتَوْحى مِنَ التاريخِ ، وَلَيْسَ إعادةَ سَرْدٍ للأحداثِ التاريخية ، والهَدَفُ لَيْسَ نَقْلَ التفاصيلِ بشكلٍ مُتَسَلْسِل ، وإنَّما ابتكارُ شَخصياتٍ تَأثَّرَتْ بالتاريخِ ، والعملُ على تَحليلِ أفكارِها ، واستنباطِ مَشاعرِها ، وإظهارِ أحلامِها ، وتَفْكِيكِ ذِكرياتِها ، وتَفْسيرِ صِرَاعَاتِها . والتاريخُ لَيْسَ إلا إطارًا جامعًا لِكُلِّ هَذه العَناصرِ والتَّراكيبِ . وَمَهْمَا كانَ التاريخُ مُثيرًا للاهتمامِ ، وَمُغْرِيًا بالبَحْثِ ، فإنَّ الرِّواية التاريخية هي قِصَّة تَدُور أحداثُها في التاريخ ، وَلَيْسَتْ قِصَّةً عَن التاريخ .

         عندما نطرق باب الاسترجاع النصّي، فنحن نطرق زمنيته أيضاً، ولكن بما أنّنا بزمنيّة مختلفة، تكون حالات الماضي المتقلبة غير ثابتة في نسق معيّن، ومن هنا نستنتج بأنّ حالات الفلاش باك متوفرة من خلال الاسترجاع النصّي – الزمني، وفي الوقت نفسه ألا يشتغل الفلاش باك بمصدر متقدّم، فهو مختصّ بحالات نفسيّة ونصّية مرتبطة بالحالات الآنية.

لقد استطاع الكاتب الفلسطيني غسان كنفاني أن يبني روايته من خلال شخصية المحامي (صالح)، وجعله البؤرة الحركيّة للشخصيات المرتبطة به. ونستطيع أن نتوقف في عدّة مناطق بخصوص الحالة الزمنيّة واسترجاعها النصّي، ومنها الزمنيّة الداخليّة والتي تكمن أهمّيتها بالتقاء العناصر وتفعيلها في الداخل النصّي ومنها: زمن الحدث (زمن القصة، المدلول أو المضمون السردي)، زمن الحكاية (الدال أو الملفوظ أو النصّ السردي ذاته) وزمن القراءة. أمّا الزمنيّة الخارجية فتتعلّق بالكاتب والقارئ والتاريخ، ولكن نحن في مهمّة نصّية وفي استرجاع ما نستطيعه في زمن الحدث والكتابة من جهةٍ، وفي الاسترجاع النصّي من جهةٍ ثانية.

في رواية (الشيء الآخر، من قتل ليلى الحايك) نلاحظ أنّ هناك تبدّلات زمنيّة، منها التبدّلات الاسترجاعيّة، أي العودة إلى زمن الحدث، ومنها الآنية، وقد تكون وليدة اللحظة، و(اللحظة تعتبر من الزمنيّة ذات الوحدة القصيرة)، ومن خلال هذه التبدّلات يقودنا النّصّ إلى وحدات زمنيّة صغرى، وهي تلك الوحدات ذات العلاقة مع المقاطع السرديّة.

(لقد قدّم المتهم القضية بسرعةٍ كبيرة، إنّني أتساءل أمام المحكمة إن كانت كلّ الأوراق التي قدّمها بعد وفاة والد ليلى قد جمعت بهذه السرعة بمجرّد المصادفة... لدينا قناعة بأنّ هذه الأوراق كانت معدّة منذ زمن بعيد. " 1 ". حين ذهب محجوب السيّد، والد المغدورة ليلى، إلى الأرجنتين قبل نصف قرن تقريباً كان مجرّد فلاح مغامر لا يعرف أحداً – وقد وجد في بيت سيّدة أرجنتينيّة في مقتبل العمر، أرملة ووحيدة، ملجأ أمضى فيه سنواته الأولى الصعبة – وقد أشرفت تلك السيّدة الفقيرة النبيلة على الشاب الشرقي الحائر إلى درجة لم ينسها محجوب رغم كلّ شيء، طوال عمره. " 2 ".

قبل الجريمة بيوم واحد شعر المتّهم، كما جاء، بأنّ الضحية التي كانت تصرّ على الاستمرار بقضية الإرث حتى النهاية بدأت تميل إلى إنهائها بتسوية، ولكن لم يخطر على باله إطلاقاً أنّ السيدة النبيلة كانت تريد أن تعطي الإرث كله إلى مشروع خيري. " 3 ).

في زمنِ الرقمنة الجارفة، حيثُ يصبحُ العالمُ الافتراضيُّ فضاءً خصبًا للتعبير عن أفراح الذات وأتراحها، عن همومها وتوجساتها، عن آمالها وآلامها، يبرزُ اسمُ عبد الحق الديوري كواحدٍ من روَّادِ الإبداعِ الذين اختاروا الفضاءَ الرقميَّ المفتوحَ لينثروا فيهِ أجملَ ما جادت به قريحتهم من لآلئ الكلمات، وكنوز المعاني، وجواهر البديع والبيان. وكيف لا يكونُ كذلكَ وهو ابنُ واحة زيز؟ ترعرعَ في أحضانِها، ونشأَ تحتَ ظلال نخيلها، وتربَّى بينَ جدران بيوتها الطينية. فتشبَّعَ بثقافتها الأصيلة، وتفاعلَ مع طبيعتها المتأرجحة بين الجمال والقسوة، ومع أبنائها الذينَ صاغتهم تجاربُ الحياةِ العميقة. عاشقٌ للحياةِ والفنِّ والسفر، مُولَعٌ بالجمالِ والكلمة والحكمة، جعلَ من الكتابةِ وَطَنًا للروح ومرآة للذات، ومن الإنسانِ قضيةً وجوديةً لا تفارقُ وجدانَه.

في نصوصِه الشذرية، ينسابُ حنينٌ صافٍ كجدولِ الواحة الخضراء والمثمرة، حاملاً بين سطورِه وجه الإنسان الصافي، والملهم والمشاكس أحياناً، وبذورَ الأملِ والسلام. اختارَ الديوري أن يركب الغيمة المستحيلة، فيُزيِّنَ جسدَ الكلمةِ في الفضاءِ الأزرق، الذي صارَ لهُ موطئَ روحٍ ودارًا. لم يبخلْ على القارئِ بجزءٍ من ذاتِه، ففتحَ نوافذَ قلبهِ على مصراعيها، يُشرِكُهُ انطباعاتِه وقلقَهُ وأحلامَه. فالكتابةُ عندهُ ليست ترفًا فكريًّا، ولا منصّةً للتباهي أو مرآةً للذات، بل هيَ ضرورةٌ وجوديةٌ لا تقبلُ المساومة. يقولُ في ذلكَ :

أنا لا أحب كل ما أكتب،

 كما لا أستلذ كل ما آكل.

 لكن تدفعني إلى الفعلين حاجة النفس، للتنفيس والبقاء !

إنَّها شهادةٌ صادقةٌ تُجسِّد الكتابةَ كفعلِ مقاومةٍ؛ مقاومةِ اليأسِ بالكلمةِ، وترميمِ الذاتِ بالبوح، وتطهيرِ الجروحِ بإشراقِ المعنى (الكلمة شفاء). فكما أنَّ الجسدَ يطلبُ القوتَ ليدفعَ الجوعَ، فإنَّ الروحَ تطلبُ الكلمةَ لتدفعَ الظلامَ عنها. وكما أنَّ الطعامَ قد يكونُ مُرّاً أحياناً، لكنَّه ضروريٌّ لاستمرارِ الحياةِ، فإنَّ الكتابةَ – حتى حين لا تُرضي صاحبَها – تظلُّ وسيلة للتداوي، وجسراً يعبرُ به الإنسان من وحشةِ الصمتِ إلى فسحةِ التعبيرِ.

وتبعاً لذلك، فإن الفضاء النصي عند الديوري يقوم على عدة مبادئ، منها المكاشفة عن الذات، والاختزال، والتكثيف والانزياح، بعيدًا عن النسقِ التقليديِّ والتحليلِ العقلانيِّ الجاف. فهي لا تخضعُ لقيودِ المنطق، بل تتدفَّقُ كقطعٍ موسيقيةٍ حُرَّة، تحملُ في طياتها شحناتٍ عاطفيةً مكثَّفة. على حدِّ تعبير بنسالم حميش، فإنَّ نصوصَه لا تتيه في متاهاتِ الفلسفةِ المعقَّدة، ولا تُثقلُ كاهلَ القارئ بألفاظٍ متعالية، بل هي أقربُ إلى القصيدةِ الغنائية؛ تسعى إلى كلمةٍ صادقةٍ موجعة، مقتصدةٍ في ألفاظها، وعميقةٍ في دلالاتها. ورغمَ أنَّ هذا النوعَ من الكتابة قد يبدو للوهلةِ الأولى مُشتَّتًا أو غيرَ مترابط، فإنَّه يخفي في أعماقه وحدةً عضويةً متماسكة، تُمزجُ بين الذاتي والموضوعي، بين البوحِ والرؤية. فشذراتُ الديوري ليست مجرَّدَ كلماتٍ مبعثرة، بل هي لآلئُ تُشكِّلُ عقدًا سرديًّا فريدًا، يحملُ بصمةَ كاتبٍ يُحسنُ تحويلَ الشظايا إلى فنٍّ، والقلقَ إلى جمال.

بعد خمسة إصدارات شعرية ينتقل الشاعر المغربي عبد القادر محمد الغريبل إلى مجال الكتابة السردية بإصدار باكورته القصصية " جرذان قذرة وعزلة " ، والتي تندرج في نوع القصة القصيرة . وقد وفق الكاتب ، بشكل كبير، في تشكيل نصوص تمثلت العناصر الأساسية للسرد القصير من شخوص ، وأحداث ، ووصف ، واسترجاع ، بل جرب ، وببراعة ، أدوات القص الموجز ، في النصوص الثلاثة الأخيرة ( المراهنة ، المخاطرة والمجازفة ) من خلال ما وظفه من اقتصاد لغوي ، وتكثيف دلالي ، وتلميح؛ وهي عناصر معتمدة في لون القصة القصيرة جدا، مع تجريب أشكال تعبيرية أغنت متن المجموعة ، ونوعت من نهجها القصصي الذي اكتسى طابع الانفتاح في نهاية نصوص ظلت معلقة على أفق احتمالات متعددة تستعصي على الحسم والتحديد كما في قصة " قيد التذكر " ، فرغم إصابة الحاجة زينب ب " الزهايمر " فإنها ظلت تتذكر دجاجاتها التي كرست جل وقتها وجهدها لمنحها الكثير من العناية ، والاهتمام والرعاية . وفي قصة " البئر " حيث سقط بوسلهام ( المرضي ) في البئر بعد أن تعتعه السكر ، ونالت منه الخمرة ليتساءل، بعد أن استرجع وعيه ، كيف زاغ عن درب خبر مسالكه ، وتاه في طريق بعيد عن مقر سكناه ، فما فتئ يصرخ ويستغيث ليختتم النص ب ( بستان ) كفضاء مفتوح على نهايات ذات حمولات متعددة القراءات والأبعاد . وفي سياق النهج القصصي المعروف فقد اعتمد القاص على شخوص لبناء الأحداث ، وتسيير دفة الوقائع كما في قصة " قيد التذكر " حيث برزت شخصية الحاجة زينب التي حازت طابعا محوريا في سير مجريات الحكي ، مع ذكر أبنائها وبناتها دونما أي تأثير يذكر . وفي قصة " البئر " التي تضمنت شخصيات بائع الخمر بابا علي ( البغل الحرون ) ، وصديقه بوسلهام ( المرضي ) ، وشخصيات أخرى كالعياشي ، وسي أحمد ( المجنون ) ، وخالتي زهرة ، والحاج المعطي ، ولالة رحمة . وكلها شخصيات ارتبطت بأماكن كبيت عمي العياشي ، وبستان سي أحمد ، ودار خالتي زهرة ، وبستان الحاج المعطي ، وجنان لالة رحمة . وعلى النزعة الواقعية كما في قصة " بطاقة " ، وقصة " البئر" ، وقصة " ولي الأمر " وكلها تصور أحداثا مستقاة من صميم الواقع ، وما يعج به من اختلالات وأعطاب .

     تُعْتَبَر الكاتبة الكندية أليس مونرو ( 1931 _ 2024 ) سَيِّدَةَ القِصَّةِ القَصيرة بِلا مُنَازِعٍ ، وأوَّلَ مُؤلِّفة للقِصَصِ القصيرة تَحْصُل على جائزة نوبل للآداب ( 2013 ) ، وأوَّلَ كندية تَفُوز بِهَا، كَمَا أنَّها فازتْ بجائزة البوكر ( 2009 ) . تُلَقَّبُ بـِ " تشيخوف الغرب " نِسْبَةً إلى الكاتبِ الروسي أنطون تشيخوف ( 1860 _ 1904 ) أعظم كاتب قِصَّة قصيرة في التاريخ ، وَنَظَرًا لِمَا تَتَّسِمُ بِهِ كِتاباتُها مِنْ حِسٍّ إنسانيٍّ ، وَنَظْرَةٍ إلى أعماقِ النَّفْسِ ، فَهِيَ تُوَثِّقُ التَّجْرِبَةَ البشرية بكثيرٍ مِنَ التسامحِ في تَصويرِها لِتَعقيداتِ الحياةِ والعَلاقاتِ ، وأيضًا بسبب قُدرتها على استعراضِ مُكَوِّنَاتِ الحَياةِ في المَناطقِ الريفية ، عَلى صَفَحَاتٍ مَحدودة ، لِتَخْتَزِلَ فِيها كثيرًا مِنَ المَعَاني والأفكارِ والصُّوَرِ عَن الحَياةِ والناسِ، وَتَدْمُجُهَا جَميعًا بِأُسلوبٍ أنيق، في قِصَّة قصيرة مَليئة بتفاصيل مُتناغِمة .

     تَتَحَدَّثُ مُعْظَمُ قِصَصِها عَن الحُبِّ والصِّراعِ والحَياةِ في الريفِ ، وَتَتَضَمَّنُ نُصُوصُها وَصْفًا مُتَدَاخِلًا لأحداثٍ يَومية ، لكنَّها تُبْرِزُ القَضَايا الوُجودية . وَتُوصَفُ مونرو بأنَّها بارعةٌ في التَّعبيرِ في بِضْع صَفَحَاتٍ قصيرة عَنْ كُلِّ التَّعقيدِ المَلْحَمِيِّ للرِّواية . وَتَتَمَيَّزُ كِتاباتُها ببساطةِ الأُسلوبِ وَعُمْقِ المَضمونِ ، والكَشْفِ عَن تناقضاتِ الحَيَاةِ ، والجَمْعِ بَيْنَ السُّخريةِ والجِدِّيةِ في آنٍ مَعًا .

     وقالت الأكاديميَّةُ السويدية : " مونرو تَتَمَيَّزُ بِمَهارة في صِياغة الأُقْصُوصَةِ التي تُطَعِّمُها بأُسلوبٍ واضح وواقعيَّةٍ نَفْسِيَّة " . وتابعتْ تَقُول : " إنَّ قِصَصَها بِمُعظمها تَدُور في مُدُنٍ صغيرة ، حَيْثُ غالبًا مَا يُؤَدِّي نِضَالُ الناسِ مِنْ أجْلِ حَياةٍ كَريمة إلى مَشَاكِل في العَلاقاتِ ، وَحُدُوثِ نِزَاعاتٍ أخلاقية ، وَهِيَ مَسألة تَعُود جُذورُها إلى الاختلافاتِ بَيْنَ الأجيال ، أو التناقضِ الذي يَعْتَري مَشاريعَ الحَيَاةِ " .

     ظَلَّتْ مونرو عَلى يَقينٍ مِنْ أنَّ القِصَّة القصيرة لَيْسَتْ أقَلَّ شأنًا مِنَ الرِّوايةِ ، لَذلك حَرَصَتْ عَلى كِتابةِ القِصَصِ بعاطفةٍ مُفْعَمَةٍ بالصِّدْقِ والتَّحْليلِ النَّفْسِيِّ ، معَ الاعتمادِ عَلى الحَبْكَةِ الجَيِّدةِ ، وَعُمْقِ التفاصيل . والأبطالُ في قِصَصِ مونرو فَتَيَاتٌ وَسَيِّدَاتٌ يَعِشْنَ حَيَاةً تَبْدُو عاديَّةً ، لَكِنَّهُنَّ يُصَارِعْنَ مِحَنًا مُؤلمة، كالتَّحَرُّشِ، أو الزَّوَاجِ المَأسَاوِيِّ ، أو مَشاعرِ الحُبِّ المَقموعة ، أوْ مَتَاعِبِ الشَّيْخُوخة .

الاغترابُ _ في المَنظورِ الأدبيِّ والنَّسَقِ الفَلسفيِّ _ لَيْسَ انتقالًا مِنْ مَكانٍ إلى مَكانٍ ، أو الابتعادِ عَن الأحبابِ والأصدقاءِ.إنَّهُ شُعورُ الفَرْدِ بالعُزلةِ،والانفصالِ عَن ذَاتِهِ والعَناصرِ المُحيطة بِه ، أي إنَّ الإنسانَ يَنفصِل عَنْ جَوْهَرِه ، وَيَشْعُر بالغُربةِ وَهُوَ مَوجود بَين الناسِ ، وَيَعْجِز عَنْ إيجادِ مَعْنى حقيقيٍّ للأحداثِ اليومية والتفاصيلِ الحَياتية ، نَتيجة أسباب نَفْسِيَّة واجتماعيَّة واقتصاديَّة .

     والاغترابُ مُرتبطٌ بالمَسؤوليةِ والحُرِّيةِ للإنسانِ في اختيارِ قِيَمِهِ وأفعالِه ، مِمَّا قَدْ يُسبِّب لَهُ القَلَقَ والارتباكَ والاضطرابَ ، وهَذا يَعُودُ إلى عوامل كثيرة ، مِنْهَا : فِقْدَان القِيَم الرُّوحِيَّة ، والتَّغَيُّرات الاجتماعية السَّريعة ، وضُغوط الحَياة الحَديثة ، والابتعاد عَن الطبيعة .

     وَتُعْتَبَر قَصَائدُ الشاعرةِ الأمريكية إميلي ديكنسون ( 1830 _ 1886 ) أفضلَ تَعبير عَن الاغترابِ ، حَيْثُ عَكَسَتْ شُعورَ المُثقفين الأمريكيين بالاغتراب بعد الحرب الأهلية ( 1861 _ 1865 ). عَاشتْ في عُزلة معَ أُخْتِها وأُمِّها ، حيث كانت تُفَضِّل كِتابةَ العَالَمِ عَنْ بُعْد ، فانسحبتْ مِنْهُ لِتَتأمله . وَوَجَدَتْ ذَاتَها في عُزلتها ، كَمَا أنَّها لَمْ تَتَزَوَّجْ . وقد قال أحدُ الشُّعراء الأمريكيين إنَّ العُزلة التي اختارتها إميلي لِنَفْسِها في بَيْتِ أبيها وفي غُرْفتها الخاصَّة، لَمْ تَكُنْ هُروبًا مِنَ الحَياة ، بَلْ إنَّ الأمر عَلى عَكْسِ ذلك، فقد كان اعتزالُها مُغَامَرَةً إلى قلب الحياة التي اختارتْ أن تَكْتشفها وتُروِّض مَجهولَها ، تلك الحياة الشاسعة الخَطِرة ، كثيرة الآلام ، ولكنِ الأصيلة .

     وَالشاعر النمساوي راينر ريلكه ( 1875_ 1926 ) تُعْتَبَر حَيَاتُه مِثَالًا واضحًا عَلى الغُربةِ والاغترابِ والتَّهميشِ والإقصاءِ، في حِقْبَة اتَّسَمَتْ بِتَوَالي الأزماتِ الاقتصادية، وسَيطرةِ الرَّأسماليَّة، وَالتَّوَسُّعِ الاستعماريِّ . وَقَدْ جاءتْ أعمالُه الشِّعْرية والنثرية ورسائلُه تَعْبِيرًا عَنْ إحساسِه الحَياتيِّ العَميقِ بالاغتراب ، وانكفاءِ الفِكْرِ والحَياةِ الرُّوحِيَّة ، وانعزالِها عَن العَالَمِ الخارجيِّ ، مِمَّا وَلَّدَ حَالَةً مِنَ الحَسَاسِيَّةِ المُفْرِطَةِ التي أنتجتْ بِدَوْرِها انطوائيةً صَعْبَة .

مقدمة:
ليست "الأكاسيا" في هذا العمل شجرة فقط، بل رمزا شاسعا لجغرافيا داخلية تنبت بين الحنين والخذلان، بين الحرف والنداء. في مؤلفه "يسألونك عن الأكاسيا"، لا يقدم الأديب المغربي محمود أبو القاسم ديوانا شعريا بالمعنى المألوف، بل يطلق كائنا لغويا هجينا، يتراوح بين القصيدة، الخاطرة، التأمل والمكاشفة الحية.

وهذه الدراسة النقدية الممتدة في ستة محاور، ليست احتفاء مجردا بتجربة صديق عزيز وأديب أصيل، بل محاولة للاقتراب من روح نصوصه، وتحليل أدواته، وتقويم معمار كتابته، مع استحضار تفاعلاتها الممكنة مع أعلام الشعر الفرنسي الحديث وغيرهم من المبدعين العرب الكبار.

لم يكن الهدف من هذه القراءة تثبيت رأي، بل فتح أسئلة: عن الذات، عن الوطن، عن اللغة، عن جدوى الشعر حين يصبح الحياة نفسها. لذلك، فهي قراءة للقارئ كما للشاعر… بحثا عن ذلك النبض الصادق الذي يتلعثم، لكنه لا يكذب.

المحور الأول: "يسألونك عن الأكاسيا" بين إرادة الكتابة وكتابة الإرادة: انبثاق الذات وتمرد النص

- تمهيد: الكتابة لا كمهنة بل كحالة نجاة

في زمن تسلعت فيه الكتابة وتحالفت مع الاستعراض، يخرج علينا الأديب اللبيب محمود أبو القاسم من قلب الجنوب المغربي، لا ليعرض منتجا قابلا للترتيب في خانة أجناسية، بل ليعلن حالة وجودية كاملة تحت عنوان بسيط: "يسألونك عن الأكاسيا". عنوان في ظاهره تأملي نباتي، وفي جوهره محاولة للتماهي مع شجرة بالغة التناقض: صلبة في جذرها، شائكة في قشرتها، رقيقة حين تنثر زهورها على التراب.

ولعل أول ما يفاجئ القارئ أن الأكاسيا هنا ليست مجازا فقط، بل هي أداة مواجهة ناعمة بين كاتب قرر ألا يلبس خوذة الشعر ولا درع الخطابة، وبين واقع قاحل فكريا واجتماعيا. فالكتابة بالنسبة له ليست مهنة أو هواية بل حالة نجاة.

1- من "عناقيد الحصرم" إلى "الزاك": نظام داخلي يرفض التصنيف

يأتي هذا العمل في هيئة كولاج نثري مفتوح، لا يستجيب لمعيار التجنيس الصارم. وإذا تتبعنا فهرس المؤلف الذي يضم تسعة وتسعين عنوانا فرعيا، نلاحظ تنويعا دلاليا وجنسيا لافتا، وهذا الجدول يعطي فكرة نموذجية لا عمومية:

في غضون السنة الماضية (2024)، طلع علينا مارسيلو جاك دي مورايس، أستاذ الأدب الفرنسي في الجامعة الفيدرالية في ريو دي جانيرو، بمقال بعنوان “جان كريستوف بايلي: الأسماء المشتركة والرواية الواقعية”، منشور على موقع journals.openedition.org كما سبق له أن نشر العديد من المقالات النقدية الأدبية في مجلات أكاديمية ومجموعات بحثية في البرازيل وفرنسا. صدرت له عدة كتب، وترجم أعمال العديد من الكُتّاب الفرنسيين إلى الإسبانية، ومنهم مؤخرا جورج باطاي، وليليان جيرودون، ومارييل ماسيه، وجان كريستوف بايلي.
في بداية مقاله عن هذا الأخير، قال دي مورايس:
“لطالما ركّزت أعمال جان كريستوف بايلي، التي أصبحت اليوم واسعة الانتشار، على حدود الغموض بين الأنواع الأدبية. مقالاته، نثره، قصائده ومسرحياته، تستكشف وتُشوّش موارد رسمية واستراتيجيات بلاغية ومجالات تخصصية، انطلاقا من ثيمات ومواضيع ذات اهتمام متنوع للغاية: من بينها، “ملكة اللامحدودية” في اللغة منذ الرومانسية الألمانية؛ وشروط ظهور المعنى في الشعر والنثر والدراما من جهة، وفي الصور من جهة أخرى، لا سيما في التصوير الفوتوغرافي والرسم؛ وتجارب مشاركة المشترك والانفصال منذ تغيّر المكان وانسيابية الحدود الجغرافية والهوياتية؛ أو بالأحرى، أنماط الوجود الحسي للجمادات، وكذلك الحيوانات والنباتات”.
بشكل عام، يبدو أن بايلي يتساءل في عمله عن أشكال الحياة وأنظمة العلاقات الفردية التي تأتي منها هذه الأشكال إلى اللغة – وإلى كل واحد منا – كأسماء وجمل، وتنتشر أو تصبح لا نهائية إلى ما لا نهاية، وتشكل أو تؤدي، على هذا النحو ما يسميه مع نوفاليس هذه “الرواية الضخمة” التي هي دائما بدون ناشر وحيث نوجد ونعيش معا.
يتركز اهتمام دي مورايس في هذا المقال على استكشاف بعض خطوط القوة الحاضرة في أعمال بايلي، مع الوقوف بشكل خاص على نهج يبدو أنه يخترق كل تجاربه الكتابية، بينما يبقى بالنسبة له الشرط الأساسي للقصيدة – أو توسعها – كما يحدده ويمارسه في نصوص مختلفة: الحفاظ على اللغة “في حالة اضطراب”، كمنطقة استقبال، كاتصالات، كأصداء، وجعل التلاعب بها من قبل العبارة حركة مقاومة لـ”دافع الإغلاق” تحت اسم “المنفتح”، وهذا يعني ما ينادي علينا من المجهول. باختصار، بالنسبة له، الأمر يتعلق بـ”كشفٍ لا نهاية له”، وبـ”نزع جوهر” المنفتح ، وبإعادة فتح العالم في ظل اللغة، وبـ”نزع تسميته”، إذا استخدمنا هنا المصطلحات والتعبيرات التي يستخدمها غالبًا للحديث عن كتاباته. وبذلك، يتعلق الأمر بإعادة اكتشاف أساطيره ونشرها، أساطير العالم – بكل معاني اسم “الأسطورة”، والتي سيعود إليها كاتب المقال لاحقا – وبإعادة استدعاء الأصوات التي تنبعث من العالم وإعادة تمثيلها. وهكذا نستطيع أن ننتج هذه التجربة المتعلقة بالمعنى التي تظهر في كثير من الأحيان عند بايلي تحت عنوان فقدان الاتجاه، هذا الإحساس بإعادة اكتشاف معنى للواقع في نضارته وكثافته، في ألفته الغريبة، وعلى حدود تبديده.