يُعْتَبَر الفَيلسوفُ والرِّوائيُّ الإيطاليُّ أمبرتو إيكو ( 1932 _ 2016 ) مِنْ أبرزِ الكُتَّابِ العالميين الذينَ جَمَعُوا بَيْنَ الفَلسفةِ والرِّوايةِ،وهَذا يَتَجَلَّى بِوُضوحٍ في روايته الشَّهيرةِ " اسم الوردة " ( 1980 ) ، التي تُصنَّف كواحدةٍ مِنْ أعظمِ الأعمالِ الأدبية في القَرْنِ العِشرين .

     تَدُورُ أحداثُها في دَيْرٍ إيطاليٍّ في القَرْنِ الرابع عَشَر ، حَيْثُ تُرتَكَب سِلسلة مِنَ الجَرائمِ الغامضةِ يَذهَب ضَحِيَّتَهَا عَدَدٌ مِنَ الرُّهْبَانِ . ويَمتزِجُ في الرِّوايةِ التَّشويقُ والفَلسفةُ ، وتَختلِط فِيها عَناصرُ الجَريمةِ ومَبَادئُ التاريخِ وعِلْمُ الرُّمُوزِ ، وُصولًا إلى مُناقشةِ العَلاقةِ بَيْنَ الإيمانِ والعَقْلِ . وهَذا يُؤَكِّد أنَّ الأدبَ يُمكِن أنْ يَكُونَ وَسيلةً فَعَّالةً لطرحِ أسئلةٍ وُجوديةٍ وفِكْرية عميقة .

     عُرِفَ إيكو في بِدايةِ مَسيرته الثقافية بِمُؤلَّفاته النظريةِ في فَلسفةِ اللغةِ وَعِلْمِ الدَّلالةِ في بُنْيَةِ النَّصِّ الأدبيِّ ، ولَمْ يَبْدَأ تجربته الأدبيةَ إلا بَعْدَ أنْ قاربَ الخمسين مِنْ عُمْرِه . ويُوصَف بأنَّه رائدُ عِلْمِ السِّيميائيَّة ، وَهُوَ العِلْمُ الذي يَدْرُسُ الرُّمُوزَ والعَلاماتِ ، ويَهْدِفُ إلى فَهْمِ كَيفيةِ إنشاءِ المَعنى وتَفْسِيرِه في مُختلَف السِّيَاقَاتِ الثقافيةِ والاجتماعية .

     إنَّ الرِّوايةَ بالنِّسبةِ إلى إيكو لَيْسَتْ سَرْدًا للأحداثِ والوَقائعِ فَحَسْب ، بَلْ هِيَ أيضًا عَالَمٌ مِنَ الرُّمُوزِ التي تَدْفَعُ باتِّجاهِ التَّفكيرِ الفَلسفيِّ العَمِيقِ ، وَفَضَاءٌ مِنَ العَلاماتِ التي تُؤَدِّي إلى تَحليلِ الأشياءِ ، وتَفسيرِ الثقافةِ هُوِيَّةً وَسُلطةً ونَظريةً وتَطْبيقًا .

     والرِّوايةُ هِيَ الوِعَاءُ الحَاضِنُ للمَبادئِ الفَلسفيةِ المَنثورةِ في مُؤلَّفات إيكو غَيْرِ الأدبيَّةِ ، التي تَتَنَاوَل تفاصيلَ السِّيميائيَّة ، وَمَواضيعَ القُرونِ الوُسطى ، وأُسُسَ النَّقْدِ الثقافيِّ والاجتماعيِّ. والنَّصُّ السَّرْدِيُّ هُوَ نُقْطَةُ التَّوَازُنِ بَيْنَ الظواهرِ السِّيميائيَّة والظواهرِ الثقافية، حَيْثُ تُصبح الكَلِمَاتُ رُمُوزًا تُشكِّل نِظامًا مَنْطِقِيًّا مَعَ بَعْضِهَا البَعْض ، وتَصِير المَعَاني إشاراتٍ تَدْمُجُ هُوِيَّةَ الفِعْلِ الاجتماعيِّ مَعَ الوَقائعِ التاريخيةِ القائمةِ على الاتِّصَالِ بَيْنَ الثَّقَافَاتِ ، وَالتَّوَاصُلِ مَعَ العَناصرِ المُحيطةِ بالفَرْدِ والجَمَاعَةِ ، مِمَّا يُؤَدِّي إلى تَكوينِ إطارٍ تاريخيٍّ للأفكارِ والأشياءِ ، وتأسيسِ مَرجعيةٍ مَعرفيةٍ تَتَعَامَل مَعَ التَّجَارِبِ الإنسانيَّةِ في المُجتمعِ كأنظمةٍ عَقْلانيَّةٍ وَرُمُوزٍ لُغويَّةٍ وَمَهَارَاتٍ إبداعيَّة .

 1.مقدمة في اللسانيات التنموية
1.1.نظرة استكشافية
يقول جان بول سارتر" الإنسان هو اللغة، إن الإنسانَ هو أولا ما يقولُه"،[1] لكن اللغة تتعدى هذه المقولة وتتعدى بذلك كونها تعبيرا عن الفكر أو وسيلة للتواصل إلى كونها وسيلة الحركة الإنسانية كلها، سواء تعلق الأمر بالمجال العلمي، الاجتماعي، التربوي، الاقتصادي، أو السياسي، فاللغة وعاء ذلك كله ووسيلة ذلك كله، وإذا تراجعت اللغة توقفت الحركة الإنسانية وتوقف معها الاتصال والتواصل بل وحتى التفاهم، حتى لو كان بإمكاننا تصور مجتمع بدون نظام لغوي فلا يمكننا تصور وضع راهن لمجتمع بدون  مراكز بحث وعلوم ومؤسسات تعليمية ووسائل اتصال ومعاملات بنكية وتجارية... ولا يمكن تحقيق أي من هذه الأنشطة بدون لغة، مادام التطور والتقدم مرتبطين بالناس فإن المساهمة التي يطلب منهم تقديمها هي من خلال المشاركة في التواصل ونشر المعلومات وتبادل المعرفة والتغذية الراجعة واكتساب المهارات، وما ينبغي ملاحظته هو أنه عندما ينظر إلى الأسباب التي تؤدي إلى الفشل في تحقيق أهداف التنمية لا يتم ذكر اللغة كعامل مساهم بل يُنظر إلى التنمية من منظور ضيق يرتبط بما هو اجتماعي واقتصادي مع إهمال العامل البشري، فاللغة هي الحلقة المفقودة في محاولات النهوض بالمجتمعات البشرية. وهذا ما يجعلنا نتساءل:  كيف يمكن للغة أن تساهم في تحقيق التنمية؟ - وما دور اللغوي في ذلك؟

1.1.1.نظرة في المصطلح

 - مفهوم اللسانيات

تعد اللسانيات la linguistique من العلوم المستحدثة، حيث يوثق لظهورها بداية القرن العشرين، ورغم ذلك احتلت مكانة كبيرة في حقل العلوم الإنسانية، أطلق عليها العرب عدة تسميات من قبيل: اللسانيات، اللّسنِيات، الألسنية، وعلم اللغة العام، وفقه اللغة، وعلم اللغة، وهي تسميات لمصطلح واحد أخذ جذره اللغوي من مادة لسن، و"اللسن الكلام ولاسنه ناطقه"[2]. يعرفها الحليلي" أنها العلمُ الذي يدرس اللغات الطبيعية الإنسانية في ذاتها، مكتوبةً أو منطوقة كانت أم منطوقة فقط ... وتهدف إلى وصف وتفسير أبنية هذه اللغات واستخراج القواعد العامة المشتركة بينها والقواعد الخاصة التي تضبط العلاقات بين العناصر المؤلفة لكل لغة على حدة[3]، هذا التحديد لا ينفي انشغال العلماء والفلاسفة قديما باللغة غير أن انشغالهم هذا كان مجرد انطباعات حول اللغة أخذت صفتها العلمية مع ظهور لسانيات دو سوسير التي شكلت مهد الدراسات اللغوية التي سادت في أوروبا وأمريكا بكل اتجاهاتها إلى حدود يومنا هذا، وحسب الحليلي لا ينظر إلى موضوع اللسانيات على أنه اللغة بمعناها العام أي الملكة اللغوية والقدرة على اللغو بغض النظر عن العرق والجنس والمجتمع، وإنما هو  اللسانla langue  ذلك النسق من القواعد المجردة العامة المشتركة بين المتكلمين داخل مجتمع واحد.[4] وهذا إن دل فإنما يدل على أن أصل اللغة  عند الأفراد نابع من طبيعتهم الاجتماعية التي تلازمهم، ومن حاجاتهم إلى التواصل مع الأخر.

-مفهوم التنمية

جاء مفهوم التنمية في المعاجم العربية بمعنى الارتفاع والزيادة،[5] وارتبط هذا التعريف بالمعنى الاصطلاحي أيضا،  فتعلق حصرا بالجانب الاقتصادي والاجتماعي، فكانت العناصر المادية هي المحدد الأساس للتنمية، لكن لاحقا اتسعت الرؤية بخصوص هذا المفهوم وأصبحت أكثر شمولية، فعندما تُحدد التنميةُ بدقة بحيث ترتبط بنمو الإنتاج وارتفاع الناتج المحلي الإجمالي أو الدخل الفردي وتوزيع الثروات والاستثمارات الأجنبية، فنحن هنا أمام وضع يسمى" بالنمو الاقتصادي" وليس" التنمية الاقتصادية"، لأن الوضع الأول مرتبط بالقيمة والسلع والخدمات، بينما الوضع الثاني يرتبط برفاهية المواطنين، بحيث من الممكن تحقيق نمو اقتصادي دون تنمية اقتصادية، فقد تُسجِّل دولةٌ ما ارتفاعا في الناتج المحلي الإجمالي بينما يعيش أفرادها في فقر مدقع، لكن لا يمكن إنكار أن النمو الاقتصادي أحدُ جوانب عملية التنمية المستدامة، فهذه الأخيرة هي الغاية بينما النمو الاقتصادي مجرد وسيلة.[6]

     إنَّ العُزلة لَيْسَتْ شُعورًا نَفْسِيًّا فَحَسْب، بَلْ هِيَ أيضًا فِكْرَة حَيَاتِيَّة تَمْزُجُ بَيْنَ التأمُّلِ الوُجوديِّ وَرُوحِ الاكتشافِ ، مِنْ أجْلِ الوُصولِ إلى اليَقِينِ على الصَّعِيدَيْن المَعنويِّ والمَاديِّ . والعُزلةُ هِيَ نُقْطَةُ التَّوَازُنِ في إفرازاتِ الذاكرةِ، وَمِحْوَرُ الارتكازِ في الأسئلةِ الفَلسفيَّةِ العَميقةِ، وَفَلسفةُ التَّحَرُّرِ مِنْ حَيِّزِ المَكَانِ وَضَغْطِ الزَّمَانِ. وبالتالي ، تُصبح العُزلةُ خُلاصةً للمَشاعرِ الداخليَّة ، ودَليلًا عَلى وُجودِ الحُلْمِ المَقموعِ في عَوالمِ النِّسيان .

     وَمِنَ الذينَ نَقَلُوا العُزلةَ مِنْ المَفهومِ المَاديِّ التَّجْرِيدِيِّ إلى المَعنى الأدبيِّ الإبداعيِّ، الرِّوائيُّ الأمريكيُّ بول أوستر ( 1947 _ 2024 ) . يُعَدُّ كِتَابُهُ " اختراع العُزلة " ( 1982 ) مُذَكَّرَاتٍ عَنْ وَفَاةِ وَالِدِه ، وتَأمُّلاتٍ شخصية في فِعْلِ الكِتابةِ وَالخَسَارَةِ وَالوَجَعِ والفَقْدِ . يَنقسِم الكِتَابُ إلى جُزْأَيْن ، الجُزْءُ الأوَّلُ : صُورة رَجُلٍ خَفِيٍّ . يتناول المَوْتَ المُفَاجِئ لِوَالِدِه، حَيْثُ يُبَيِّن أوستر طبيعةَ غِيابِ وَالِدِهِ في حَيَاتِهِ وبَعْدَ مَوْتِه ، ويُعيدُ بِنَاءَ حَياةِ وَالِدِهِ مِنَ القِطَعِ الأثرية التي تَرَكَهَا وَرَاءَه . والجُزْءُ الثاني : كتاب الذاكرة . وَهُوَ سَرْدٌ بِضَميرِ الغائبِ ، حَيْثُ تَبْرُزُ المَوضوعاتُ المَوجودةُ في أعمال أوستر اللاحقة ، مِثْل : تَرتيب الأحداث ، والعَبثية ، والوُجودية ، والصُّدْفَة ، وعَلاقة الأبِ والابْنِ ، والبَحْث عَن الهُوِيَّةِ والمَعاني الإنسانيَّةِ . وَيَعتبر النُّقَّادُ " اختراع العُزلة " مِفتاحًا لِتَفسيرِ أعمال أوستر السَّرْدِيَّة والشِّعْرِيَّة ، وَهُوَ جَوْهَر أعمالِه كُلِّهَا .

     لَقَدْ قَامَ أوستر _ مِنْ خِلالِ شخصيةِ الأبِ _ باختراعِ العُزلةِ شُعورًا وسُلوكًا ، عَبْرَ الحَفْرِ في الذاكرةِ ، والغَوْصِ في المَاضِي الذي لا يَمْضِي ، وَتَفْسِيرِ مَعنى الخَسَارَةِ ، واسترجاعِ الذِّكْرَيَاتِ اعتمادًا على المُقْتَنَيَاتِ التي تَرَكَهَا هَذا الأبُ الذي يَتَّصِفُ بِالغُموضِ والخَفَاءِ والغِيَابِ.إنَّهَا رِحْلَة بَحْث مُضْنية عَنْ أبٍ مَعْزُولٍ ، وَغَامِضٍ ، وَغَرِيبِ الأطوارِ ، وَغَيْرِ مَرْئيٍّ ، وَلَمْ يَكُنْ حاضرًا بِما فِيه الكِفَاية في حياة أُسْرته .

     ولا يُمكِن حَصْرُ مَفهومِ العُزلةِ في الروابطِ الأُسَرِيَّةِ والعَلاقاتِ الاجتماعيَّةِ ، فالعُزلةُ مَنظومةٌ إنسانيَّة على تَمَاس مُباشر مَعَ الشَّخصيةِ والهُوِيَّةِ،وهَذا يَتَّضِح في كِتاب" مَتاهة العُزلة " ( 1950 ) للأديب المَكْسيكي أوكتافيو باث ( 1914 _ 1998 / نوبل 1990 ) ، وَهُوَ يُعْتَبَر أهَمَّ أعمالِه على الإطلاق . وقد أشادت به الأكاديمية السويدية عندما منحته جائزة نوبل . وحاولَ فيه باث أن يَتَحَرَّى عَنْ شخصية الإنسان المَكْسيكي ، وَيَسْبُر أغوارَها .

1ــ توطئة
كل أديب يحلم بغد أفضل معشوشب الصباحات، رقراق المساءات، له تطلعات بلا حدود  وانتظار شاسع ومتمنيات عالقة، غير أن الظروف المعاكسة  تقف عائقا في وجه تحقيق أحلامه، فيعيش صراعا لانهائيا مع ما يريد ويبتغي ولا يدركه في ظل غياب الآليات والإمكانات، لذا لا يجد إلا الحرف وسيلة لتخفيف ذاك السيل من الهموم  الجاثم على القلب، يَقلَق ينفعل، فيُشهِر قلمه لينازل توتره الحاد على البياض.. ومن هنا ندرك أن المبدع لا يكتب من أجل تكريس الاسم أو التباهي باللقب، أو اعتلاء  المنابر مع ثلة من الأدباء في تظاهرة أدبية، وإنما جحافل أشياء كثيرة تقض مضجعه، منها ما هو ذاتي ومجتمعي وسياسي واقتصادي، ناهيك  عن بعض التجارب التي عاشها ولم تملأ قلبه بما يسر ويرضيه، دوافع كالسهام تستوطن القلب فتنتفض المشاعر ويتحرك الوجدان وتهتز الذات، فتتسربل الحروف والكلمات فاكّة عِقالها من اللسان  لتنزل دفعة واحدة ... وأديبتنا أمنة برواضي كغيرها اكْتَوت بالهموم القادمة من المجهول..

2ـــ (شظايا حارقة) نزيف منهمر  

هو عنوان الرواية  الممتدة على 215 ص من الحجم المتوسط في طبعتها الأولى سنة 2014، فقبل تقليب تربة المحتوى لابد من إلقاء نظرة على العتبة النصية  التي شملت الغلاف  والتقديم والإهداء، علما منا أن الأديبة أمنة برواضي لم تقتحم عالم الرواية بضربة مقص، بل كانت لها بدايات مع السرد القصصي، الشيء الذي شحذ القلم للركض في عوالم مختلفة  من الواقع الإنساني والبيئي والذاتي والوطني والقومي والهموم اليومية على اختلاف مشاربها بالتحليق على أجنحة التخييل، والعصارة التي بين أيدينا  (شظايا حارقة) ماهي إلا نزيف  منهمر بصيحات وتغاريد وصرخات زلزلت الجبال وانحنت لها الآفاق..

الرواية الأولى للمخرج والممثل البلجيكي لوكاس بيلفو، الحائزة على جائزة ريجين ديفورج للرواية الأولى هذا العام 2023، والمرشحة أيضا لجائزة الطحلب الذهبي.
تخوض الرواية في قضية التلاطم بين الموت والحياة، الحب والكراهية، السقوط إلى الحضيض، والانبعاث فوق سطح العذاب والتهميش.
يتناول لوكاس بيلفو قصة إمرأة أربعينية ليس لها اسم إلا السيدة، التي عاشت طفولتها في دولة لاوس في جنوب شرق آسيا، في ظروف اجتماعية واقتصادية قاسية قبل أن يغدق على عائلتها وقريتها إحسان رجل أوربي أربعيني اسمه جيلبيرت، وانتهى به الأمر أن يتكفل بها وهي مازالت في العاشرة من عمرها، ويصطحبها إلى أوربا لاستكمال تعليمها في مدارس خاصة بالبنات في انكلترا وسويسرا، وعندما تبلغ الثامنة عشرة، يقترح عليها الزواج، تقبلُ مرغمة لأن البديل كانت عودتها إلى حياة الفقر الأولى.
يُقتَلُ جيلبرت في حادث صيد في تنزانيا، وتجهد السيدة على تكذيب شائعات تورطها في قتله.
ترثُ عنه ثروة طائلة، وولع الرماية والصيد.
يضعُ القدر في طريقها رجلا أفريقيا، ماكس، توظفه كحارس شخصي، ومشرفا على قصرها، تسرُّ له برغبتها بقتل كائن بشري بعد أنْ ملَت قنصَ الطرائد الأخرى من الأرنب إلى الأسد.
لم يجد ماكس أفضل من صديقه وزميله المقاتل السابق في الفرقة الأجنبية الفرنسية، إسكندر، ذي الأصول البوسنية، والذي يعيش الآن متشردا بعد ثلاث سنوات قضاها في السجن لمشاركته في سطو مسلح، وسوء علاقته بزوجته، وفشله في رعاية ولديهما.

إنَّ الهُوِيَّةَ في العملِ الأدبيِّ تَتَشَكَّل مِنَ الأحلامِ الفَردية ، والطُّمُوحاتِ الجَماعية ، والتَّجَارِبِ الشَّخصية ، والإفرازاتِ الثقافيةِ ، والعواملِ النَّفْسِيَّة ، مِمَّا يُؤَدِّي إلى وَضْعِ العَملِ الأدبيِّ في أقْصَى مَدَاه ، وإعادةِ إنتاجِ السُّلطة المَعرفية مِنْ مَنظورٍ اجتماعيٍّ قادر على اكتشافِ دَوافع الشَّخصيات ، ودَلالةِ الألفاظ ، والأُطُرِ المَرجعية للمَعَاني والصُّوَرِ الفَنِّية .
والهُوِيَّةُ لَيْسَتْ بُنْيَةً ثابتةً ، أوْ نَسِيجًا خَطِّيًّا ، وإنَّما هِيَ شَبَكَة مُعَقَّدَة مِنَ السُّلوكياتِ والمَشاعرِ وأنماطِ التَّفكير ، وأساليبِ التَّعبيرِ . وهَذا يَنعكس بشكلٍ واضح على اللغةِ ، باعتبارها الحاضنة الاجتماعية للأفكارِ ، والرَّافعة الثقافية للشَّخصيات .
والعَمَلُ الأدبيُّ هُوَ أفضلُ تَعبيرٍ عَن الهُوِيَّة بِكُلِّ تَفَاصِيلِهَا الحَيَوِيَّة ، وَتَعْقِيدَاتِهَا الاجتماعيَّة ، وتَجَلِّيَاتِهَا المَعنويَّة ، وتَفْسِيرَاتِهَا المَادِيَّة . وفي وَاقِعِ الأمْرِ ، إنَّ الهُوِيَّةَ هُوِيَّاتٌ كثيرة ومُتَعَدِّدَة ، تَرْتَدِي أقنعةً كَثيرةً وَفْقَ طَبيعةِ الذِّكْرَيَاتِ ، ومَاهِيَّةِ الرَّغَبَاتِ ، وحَقيقةِ الأفكارِ .
وَمِنَ الكُتَّابِ الذينَ اهْتَمُّوا بِمَسألةِ الهُوِيَّة، الرِّوائيُّ اللبناني الفرنسي أمين معلوف ( وُلِدَ في بيروت 1949 ، وانتقلَ نهاية السَّبْعينيات إلى فرنسا). في كِتابه ( الهُوِيَّات القاتلة / 1998 ) ، وهو مَجموعة مَقالات صَحَفِيَّة ، تَحليلٌ اجتماعيٌّ وتاريخيٌّ لِمَفهومِ الهُوِيَّة الفَرْدِيَّة والجَمَاعِيَّة ، والأهواءِ التي تُثيرها ، وانحرافاتِها القاتلة ، وكَيفيةِ تَحَوُّلِ بَعْضِ الجَمَاعَاتِ المُتعايشة مَعًا إلى مُتعادية تَعتمد على العُنْفِ والإقصاءِ . والكِتَابُ يَطْرَحُ أسئلةً عديدة : لماذا لا يَستطيع هؤلاء الناسُ تَقَبُّلَ انتماءاتهم المُتعددة ؟ ، لماذا يُجْبَرُونَ باستمرار على اختيار أحَدِهَا ؟ . يُحَاوِلُ مَعلوف الإجابةَ عَنْ هَذا السُّؤالِ : " بسبب عادات التفكير والتعبير المُتجذرة فِينا جميعًا، وبسبب المفهوم الضَّيِّق ، والإقصائيِّ ، والمُتَعَصِّب ، والتَّبسيطي ، الذي يَختزِل كُلَّ هُوِيَّةٍ إلى انتماء واحد " .

«نحب الذكريات لأنها لا تتغير ولا تشيخ، بينما نحن نتغيّر ونشيخ»  (الرواية ص 213)

تقديم..
... وأنا أمسك الظرف بيسراي وأفتحه بيمناي لأخرج ما به، هاجمني هجوم من يدعوني إلى عناق أدبي، عنوان الرواية التي وصلتني هدية من الشاعرة والأديبة والروائية فاتحة مرشيد، «ليلة مع رباب (سيرة سيف الراوي)» الصّادرة في طبعتها الأولى 2025 عن المركز الثقافي للكتاب.

أثارني العنوان وهيّج ما بداخلي من أسئلة مفاتيح محتملة للرواية، ووضعني قبل الإبحار في عوالمها السردية، أمام تساؤلات أولية عِدّة، هذه العتبة المفتوحة على كل التأويلات والغامضة، في الآن نفسه، رغم وُضوح علاماتها الفنية والجمالية التي يفصح عنها الغلاف.

قلّبت الصّفحات 220، وأنا أتساءل موظفاً ما ملكت من معرفة بسيطة في عالم الرواية، قارئاً يشاغب على النقد، لأحلّ لغز عتبة «ليلة مع رباب» التي كشفت لي عن بعض أسرارها، من تكون رباب هذه؟ لماذا ليلة وليست ليالي؟ ومن يكون هذا الذي يحلم بليلة واحدة مع رباب؟  ومن سيف هذا؟ وهل هي سيرة "سيف" أو سيرة القارئ؟

 اتّسع العنوان ليفتح للقراءة الأولية الكاشفة تأويلاتها، في محاولة لاقتحام معاقلها وفضّ أسرارها الخفية، وسبر أغوار لغة سردها.

عتبة بمثابة باب قلعة الرواية؛ حيث يتحصّن الباب تحت تفسيرات وتأويلات تتعدّد بتعدّد الفاتحين والمغامرين، والمُتعطّشين لِلَذّة الفتح المبين، حين يقفون عند مداخلها منتشين بنصرهم وهم قد خرجوا بإحساس غير الذي دخلوا به، إحساس يمتزج، لا محالة، باللذة والألم، بالحب والكره، بالقوة والضّعف، بالانتصار والهزيمة وهو قدر الفاتحين.

أول الفتح..

دخلت «ليلة مع رباب» قارئا أتحسّسُ معاقلها وخباياها، وأتلمّسُ طريقا إلى شخوصها وفضاءاتها وأحداثها لأجد لي مكانا، ليس ببعيد، للمراقبة، من دون تدخّل، محاولاً الخروج منها برصيد وافر من الأحاسيس والملاحظات والترميمات والإرشادات، راجيا أن تُضفي على الرواية مُسحة من جميل شغفٍ يُحفّز قرّاء محتملين لولوج عالم هذه الرواية.

يُعْتَبَر الشاعرُ السوري نِزار قَبَّاني ( 1923 دِمَشْق _ 1998 لندن ) أَحَدَ أبرز وأشهر الشُّعَراء العرب في القرن العشرين ، وَهُوَ أكثرُ شُعراء العربية إنتاجًا وشُهرةً ومَبِيعًا وجَمَاهيرية ، بسبب أُسلوبه السَّهْل المُمْتَنِع ، وشَفَافيةِ شِعْرِه ، وغِنائيته ، وبساطته ، وسُهولة الوُصول إلى الجُمهور ، مِمَّا جَعَلَه يَحْظَى بِشَعبية واسعة في العَالَمِ العربي .
أَصْدَرَ أَوَّلَ دَواوينه عام 1944 ، بِعُنوان ( قالتْ لِيَ السَّمْراء ) ، وَقَدْ نَشَرَه خِلال دِراسته الحُقُوق ، حَيْثُ قامَ بطبعه عَلى نَفَقَتِه الخَاصَّة ، وَقَدْ أثارتْ قصائدُ دِيوانِه الأوَّلِ _ الذي ضَمَّ قصائد جريئة في الغَزَلِ والتَّغَنِّي بِجَسَدِ المَرْأةِ ومَفَاتِنِهَا _ جَدَلًا واسعًا ، وَذَاعَ صِيتُهُ بَعْدَ نَشْرِ الدِّيوان كَشَاعِرٍ إبَاحِيٍّ . وَقَدْ هُوجِمَ مِنْ قِبَلِ الشَّرائحِ المُحَافِظَةِ التي اعْتَبَرَتْهُ شِعْرًا إبَاحِيًّا هَدَّامًا . والصَّرَاحَةُ الجِنْسِيَّةُ في البيئة الدِّمَشْقِيَّة المُحَافِظَة كَانَتْ تَعَدِّيًا واضحًا على العاداتِ والتقاليدِ والقِيَمِ، لَمْ يَجْرُؤْ عَلَيْهِ سِوَى شَابٍّ صَغِير السِّنِّ .
يَقُولُ قَبَّاني بأسى عَمَّا جَرَى حِينَ صُدور ذلك الدِّيوان: " أَحْدَثَ وَجَعًا عَمِيقًا في جَسَدِ المَدينةِ التي تَرْفُضُ أنْ تَعترفَ بِجَسَدِهَا أوْ بأحلامِها، لَقَدْ هَاجَمُوني بِشَراسةِ وَحْشٍ مَطْعُون ، وكانَ لَحْمِي يَوْمَئِذٍ طَرِيًّا " .
وفي هذا الدِّيوانِ ، تَتَعَدَّد الأصواتُ الشِّعْرية ، وتَتكاثرُ الاتِّجَاهاتُ الوِجْدانية والحِسِّية ، والقَصائدُ تَتَرَاوَحُ في خِطَابِهَا بَيْنَ العَاشِقِ وَالعَاشِقَةِ ، بَيْنَ البَغِيِّ والفَتَاةِ الضَّحِيَّةِ ، بَيْنَ مُتَسَوِّلِ المُتعةِ العابرةِ وَالواقعِ الهَشِّ الذي قَدْ يُفْضِي لاستجداءِ العاطفةِ .