السرقة في الفكر والأدب، قديمة قدم الكتابة وربما امتدت قبل ذلك، عندما كان التقليد الشفاهي سائدا، فهي فعل تجريمه مر بمراحل، فقد كانت العقوبة بمثابة فضيحة بها يصمت القائل ويهان بعدم الانتباه إليه وتجاهل ما سوف يقول مهما كانت جدته فيه واجتهاده.
لكن السرقة الأدبية والفكرية، لا تستفحل إلا في عهود الانحطاط، لأسباب يمكن إيجازها فيما يلي:
أولا: خشونة الفاعل وتراجع القيم، بتراجع وضع أهل الفكر والأدب كحصيلة لغياب القراءة مع ما يعنيه ذلك من تجاهل للأصيل من جهة، ولندرته، يتحايل أشباه الكتاب على التطاول عليه بالنهل من فتوحاته، عليها يؤسسون لوجودهم الفكري أو الأدبي.
ثانيا: تتفيه الفكر والأدب بالحط من أهله، وجعلهم يبدون كتجار الممنوعات بسعيهم للسرقة وكل ما يمس بالفضيلة، التي باسمها يكتبون ولها ينتصرون، وبهذا التبخيس ينصرف الناس عن أهل الفكر، ويصطفون إلى جانب أهل الثروات وجامعيها ممن يزعجهم كل ما هو رمزي، وخصوصا من كانت جهالتهم دافعا لتحصيل الثروات وحتى ما به تعتبر المتع مشروطة به ومحصلة له.
ثالثا: التماهي مع من نالوا الشهرة، لا يدفع فقط لتقليدهم، وإن كان التقليد كنوع من المحاكاة حاضر، لا يمكن إلغاؤه كمرحلة في الكتابة والفن، يتم تجاوزه والتأصيل لما يتم إبداعه لاحقا، لكن الفاصل بين التقليد والسرقة، قد يضيق فتنمحي الحدود ويقع الكاتب أو الفنان في المحظور.
رابعا: ضعف الرقابة في المجالات الأكاديمية وانتشار نموذج الاستشهاد بالكبار، مفكرين ونقاد وحتى أدباء، يخلق عادة الظهور بمظهر الحافظ أكثر من المبدع والمضيف في أفق التجديد، وهكذا تستقوي العادة بالتجاهل لتفرض المزيد من السرقات، التي سرعان ما تنسى وتعتبر خطأ عابرا شبيها بتناص أو تلاقي أفكار وعبارات مهما قويت آليات التشهير بسراق الفكر والأدب.
خامسا: التباهي، نوع من التسامي ومحاولة الظهور بمظهر ربما كان مكروها، أو عجز السارق على أن يكونه، وهي حالة شبه مرضية، تصيب الإنسان العادي، لكنه قد تطال حتى من لهم نصيب من المعرفة، التي يعتبرونها تقنية شبيه بحرفة يخلقون بها مجدا للتعرف على ذواتهم من خلال إبداعات الغير، يأسا من قدرتهم أو شكا في مواهبهم وميولاتهم الأدبية أو الفكرية والنقدية.
طبيعة بناء المسرحيات بين إبسن وبريخت - إبراهيم أبو عواد
يُعْتَبَرُ الكاتبُ النرويجي هنريك إبسن ( 1828 _ 1906 ) مِنْ أهَمِّ كُتَّابِ المَسْرَحِ عَلى مَرِّ التاريخ ، ويُعْرَف بـِ " أبو المَسْرَحِ الحديث " . تَمتازُ نَظَرْتُهُ إلى الحَياةِ بالعُمْقِ والشُّمُولِ ، وَيَمْتاز مَسْرَحُهُ بِدِقَّةِ المِعمارِ والاقتصادِ معَ تَعبيرٍ شاعريٍّ دقيق .
وَصَفَ النُّقَّادُ كُلَّ مَسرحية مِنْ مَسرحيات إبسن بالقُنبلة المَوقوتة ، فَكُلٌّ مِنها تُفَجِّر قضيةً مَا ، وتُثير رُدودَ فِعْلٍ عنيفة ، فقد اختار إبسن تَمزيقَ الأقنعةِ كُلِّهَا ، وكَشْفَ الزَّيْفِ الاجتماعيِّ ، داعيًا إلى الاعتدالِ والوسطية بعيدًا عن التَّطَرُّف .
انتهج إبسن المُنْعَطَفَ الواقعيَّ في أعماله ، فَقَدْ تَطَرَّقَ إلى قضايا واقعية وخطيرة يُعاني مِنها المُجتمع الأوروبي، كما تَنَاوَلَ قضايا إنسانيَّة خالدة تُشْغِلُ الإنسانَ عَبْرَ العُصور،مِثْل: قَضِيَّة مَاهِيَّة الحقيقة، والفارق بَين الحَقيقةِ والواقع ، أو الصِّرَاع بَين الواقعِ والمِثال، وقضية النِّفَاقِ الاجتماعيِّ، وغَيْرها مِن القضايا التي تُثيرها أعمال إبسن المَسرحية ، والتي لَيْسَ بالضَّرورة أن تَضَعَ لَهَا حُلُولًا .
تَتَّسِمُ مَسْرَحِيَّاتُ إبسن بالواقعيَّةِ الدِّرَامِيَّة ، وَتَناولِ القضايا الاجتماعيةِ والأخلاقيةِ المَحْظورة ، مِثْل مَكَانَةِ المَرْأةِ ، والزَّواجِ ، والمُشكلاتِ النَّفْسِيَّة ، والفَسادِ السِّياسيِّ والاقتصاديِّ ، والنِّزاعِ بَيْنَ الفَرْدِ والمُجتمع . بالإضافة إلى الاهتمام العميق بالشخصيات وتطويرها النَّفْسِي والفِكْري .
اتَّبَعَ إبسن في مَسْرَحِهِ أُسلوبًا دِراميًّا مُمَيَّزًا عُرِفَ بالمَنهجِ الانقلابيِّ ، بمعنى أن تبدأ المسرحية بموقف في الحاضر، ثُمَّ تتوالى أحداثٌ مِنَ الماضي في العَودةِ ، لِتَنْسِجَ النِّهايةَ المَأساويَّة لأبطال المسرحية . أي إنَّ الأحداثَ الماضية تَتَكَشَّفُ تدريجيًّا لبناءِ النِّهايةِ المأساويَّة والكارثية للشَّخْصِيَّات .
رمزية الحياة والموت في أدب تشيخوف - إبراهيم أبو عواد
يُعْتَبَرُ الكاتبُ الرُّوسِيُّ أنطون تشيخوف ( 1860 _ 1904 ) أعظمَ كاتب قِصَّة قصيرة في التاريخ . كَتَبَ المِئات مِنَ القصص القصيرة التي اعْتُبِرَ الكثير منها إبداعات فَنِّية كلاسيكيَّة ، كَمَا أنَّ مَسْرحياته كانَ لها تأثير عظيم على دراما القَرْنِ العِشرين ، وَتَعَلَّمَ مِنها الكثيرُ مِنْ كُتَّابِ المَسْرحيات المُعاصِرين .
قامَ بابتكاراتٍ إبداعيَّة أثَّرَتْ بِدَوْرِها على تطوير القِصَّة القصيرة الحديثة ، وَتَتَمَثَّل أصالتُها بالاستخدامِ المُبَكِّرِ لِتِقنية تَيَّار الشُّعُورِ الإنسانيِّ الدَّاخِلِيِّ ، وتَوظيفِ التفاصيلِ الدقيقة الظاهرة ، وَتَجميدِ الأحداثِ الخارجيَّة في القِصَّة، لإبرازِ النَّفْسِيَّة الداخليَّة للشَّخْصِيَّات .
تَتَجَلَّى الرَّمزيةُ في أدبِهِ وقِصَصِهِ مِنْ خِلالِ استخدام عناصر حِسِّية لتمثيلِ مفاهيم مُجَرَّدَة ، والتركيزِ عَلى تَعقيدِ الطبيعةِ البَشرية ، وتناقضاتِ المُجتمعِ الإنسانيِّ . وتشيخوف يَسْتخدم الرُّمُوزَ للتَّعبيرِ عَن الهَشَاشَةِ الوُجوديةِ ، والفَراغِ الداخليِّ للشَّخصيات في إطارٍ واقعي ، وإظهارِ جَوهرِ المَشاعرِ الإنسانيةِ والأفكارِ العَميقةِ ، واستكشافِ مَواضيع التَّغْيير والنِّضَالِ مِنْ أجْلِ التَّكَيُّفِ معَ المَشْهَدِ الاجتماعيِّ الجديد .
حَوَّلَ تشيخوف صُوَرَ الطبيعةِ إلى رُمُوز تَعْكِسُ مَشاعرَ الشَّخصياتِ وتَجَارِبَها ، وَتَنْقُل حَالَتَهَا العاطفيَّة . وغالبًا مَا يُظْهِرُ التناقضَ بَيْنَ جَمالِ الطبيعةِ وَقَسْوَةِ المُجتمعِ الإنسانيِّ . كَمَا أنَّه حَوَّلَ السُّخريةَ إلى رَمزية أدبية لنقدِ الأعرافِ والتقاليدِ المُجتمعية .
إنَّ أدبَ تشيخوف قائم عَلى فِكرةِ البَحْثِ عَنْ مَعْنى في عَالَمٍ قاسٍ وَخَشِنٍ وَغَيْرِ مُبَالٍ ، مِمَّا يَعْكِسُ ضَعْفَ الإنسانِ وَضَيَاعَه في مَتاهةِ الحَياة . واعتمدَ في أعمالِه عَلى صِدْقِ الوَصْفِ ، والإيجازِ،والمَوضوعيَّة، وَتَصويرِ الأشخاصِ والأشياء بِدِقَّةٍ، وَتَجَنُّبِ الأحكامِ المُباشِرةِ أو المُبَالَغَات، مَعَ قُدرة عَلى طَرْحِ أسئلةٍ فلسفية عميقة ، وَالمَزْجِ بَيْنَ الحِسِّ الكُوميديِّ والأحاسيسِ المُوجعة والساخرة ، خاصَّة في تناول الأحداثِ اليوميةِ والطَّبَقَاتِ الاجتماعية ، والحِرْصِ عَلى التَّأمُّلِ في المَصِيرِ البَشَرِيِّ ، حَيْثُ تَنَاوَلَ تَساؤلاتٍ حَوْلَ قَدَرِ الإنسانِ ، والعَدالةِ ، وَقِيمةِ العَمَلِ ، مِنْ خِلال قِصَص تُسَلِّط الضَّوْءَ عَلى تفاصيلِ الحَياةِ العاديَّة .
تتناولُ أعمالُ تشيخوف مواضيع عالميَّة كالحُبِّ ، والمَوْتِ ، والبَحْثِ عَنْ جَدوى الحَياةِ وَحَقيقةِ الوُجودِ ، وَتُقَدِّمُ فهمًا عميقًا للحالةِ الإنسانيةِ، وتَعقيداتِ العلاقاتِ بَيْنَ الناسِ .
"حومة باب الخوخة" سرد الذات والمدينة والوطن عبر مرآة أنثوية - عبد الغفور مغوار
مقدمة
حين ننخرط في قراءة رواية "حومة باب الخوخة" للمبدع مولاي أحمد صبير الإدريسي، فإننا نغوص في عوالم متداخلة: عالم الذات والآخر، الذاكرة والنسيان، المكان والزمان، الأنثوي والذكوري، المحلي والكوني. الرواية تبني عالما كاملا ولا تروي حكاية فحسب، هذا العالم يعيش في تفاصيله القارئ كما يعيش أبطالها في أزقة فاس العتيقة. إنها رواية-مدينة، ورواية-ذات، ورواية-وطن، تكتب نفسها عبر تقاطعات رمزية وفنية ونفسية عميقة.
منذ العتبات الأولى، يعلن النص عن مشروعه الطموح: تحويل الحارة الشعبية ("الحومة") إلى كيان سردي حي، وشخصية خناتة (المستوحاة من الأديبة المغربية الراحلة خناتة بنونة) إلى أيقونة للأنثى والوطن معا. وهذا المشروع لا ينفصل عن السياق الثقافي والتاريخي للمغرب، بل يصبح جزءا من سردية كبرى تعيد كتابة التاريخ من الأسفل، من خلال أصوات المهمشين والمهمشات، بعيدا عن الخطابات الرسمية والنخبوية.
الرواية، بهذا المعنى، تنتمي إلى ما يمكن تسميته "الجدارية السردية"، حيث تدمج بين الأجناس الأدبية (السيرة، الرواية، القصة، الشعر)، وبين المستويات الزمنية (الماضي والحاضر، الذاكرة والنسيان)، وبين الفضاءات (الداخل والخارج، الحميم والعام). وهي بذلك تقترح نموذجا سرديا مغايرا، لا يكتفي بالوصف أو السرد، بل يبني عالما متكاملا، يحيل إلى واقع المدينة المغربية (فاس) وإلى واقع المرأة المغربية (خناتة) في آن.
في هذه الدراسة، سنحاول قراءة الرواية عبر محاور متعددة، تجمع بين التحليل السردي والسيميائي والاجتماعي والأنثروبولوجي. سنبدأ من العتبات السردية وبنية الحكي، مرورا بتحول الحومة إلى كائن حي، وفاس كأنثى، وشخصياتها المؤسسة (الحاج أحمد، خناتة، الأم، الفتية الخمسة ...)، وصولا إلى الرموز الكبرى (باب الخوخة، السطح، الطاجين، الغربة والعودة، الموسيقى والملحون).
ولأن الرواية لا تنفصل عن سياقها الثقافي، سنعتمد مقارنات مع أعمال عربية وعالمية مشابهة (مثل أعمال نجيب محفوظ، عبد الرحمن منيف، الطيب صالح، إميل زولا، باتريك موديانو، وغيرهم)، لاستجلاء فرادة النص وخصوصيته.
هدفنا من هذه القراءة المتأنية هو الكشف عن الآليات السردية والرمزية التي تجعل من "حومة باب الخوخة" نصا مفتوحا على تأويلات متعددة، وقادرا على مخاطبة قارئ اليوم وقارئ الغد، في المغرب وخارجه. كما نهدف إلى إبراز كيف استطاع مولاي أحمد صبير أن يكتب مدينة كاملة من خلال حومة واحدة، وأن يكتب وطنا من خلال امرأة واحدة، وأن يكتب التاريخ من خلال الذاكرة.
وبهذا دراستنا ستكون محاولة لفهم كيف يصبح الأدب مرآة للذات والمجتمع، وكيف يتحول النص الروائي إلى فضاء للبحث عن الهوية والمعنى في عالم متقلب وغير ثابت.
فلسفة العبث عند ألبير كامو - إبراهيم أبو عواد
يُعْتَبَر الأديبُ والفَيلسوفُ الفرنسي ألبير كامو ( 1913_ 1960 / نوبل 1957 ) ، ثاني أصغر حائز على جائزة نوبل للآداب بعد الكاتب البريطاني كِبلنغ ، كما أنَّه أصغر مَنْ مَاتَ مِنْ كُلِّ الحائزين على جائزة نوبل للآداب .
تنقسم أعمال كامو إلى مجموعتَيْن أسماهُما : حَلْقة التَّمَرُّد ، وَحَلْقة العَبَثِ ، فَكَانَ أوَّلَ مَنْ أطلقَ تَسمية " العَبَث " التي صارت تيارًا أدبيًّا وفلسفيًّا نالَ شُهرةً كبيرةً في الخَمْسِينِيَّات مِنَ القَرْنِ العِشرين .
والعَبَثُ وَفْق مَنظورِ كامو هُوَ شُعُورُ القَلَقِ المُتَوَلِّد عن الإحساس بِوَطأةِ التاريخ . هذا الإحساسُ بعبثية الحياة يُولِّد التَّمَرُّدَ الذي يُمْكِن أن يَكُونَ فرديًّا في بداية الأمر ، ثُمَّ يَتَحَوَّل إلى تَمَرُّد جَمَاعِيٍّ .
تَمَرَّدَ كامو على آليَّة الحياة المِيكانيكية،فالإنسانُ يَعِيشُ على وَتِيرة واحدة إلى أنْ يَصْحُوَ يَومًا، ويَشْعُر بأنَّه غريب ووحيد في هذا العَالَمِ ، وأنَّ الزمن هو العَدُوُّ الذي يُبدِّد جُهُودَه ، ويَرْمِيه في أحضانِ الموت . وهَذه هي الحقيقة التي يُفْتَرَض أنْ يَتَصَدَّى لها هذا الإنسانُ ، فلا أخلاقياتُه ولا جُهوده ولا ذكاؤه ، تُجْدِي نَفْعًا أمامَ هَذا العَالَمِ العَبَثِيِّ المَلِيء باللاعَقْلانيين .
والحُرِّيةُ التي يَظُنُّ أنَّه يَتَمَتَّع بِها وَهْمِيَّة ، فَهُوَ عَبْدٌ للأحكامِ المُسْبَقَةِ والعاداتِ ، وَتَبْقَى العَلاقاتُ البشرية زائفة، والتواصلُ مَفقودًا، وسُوءُ الفَهْمِ هُوَ المُسَيْطِر، فتزداد الفَجْوَةُ بَين الناس . والإنسانُ الصامتُ هُوَ الضَّحِيَّةُ والمُجْرِمُ المُدَان .
لَقَدْ ثارَ كامو على الأعرافِ والأيديولوجيات القائمة على الاستعبادِ والتَّخويف ، كما نَدَّدَ بأُسطورة التطوير والتَّقَدُّم التي تَخْدَع الناسَ مُتَذَرِّعة بِوُعود مُسْتقبلية ، لِتَبريرِ ظُلْمِ الحاضر، وشَرْعَنَةِ الرُّضوخِ والاستسلامِ ، بَدَلًا مِنْ إيجاد ظُروف أفضل. وَكَرِهَ كامو الهُروبَ أو الانتحار، وَوَجَدَ نَفْسَه في التَّمَرُّدِ على القِيَمِ الاجتماعيةِ والعَقائدِ الدِّينية ، وكذلك في مُواجَهة المَوْت ، وَتَقَبُّلِ الوَضْعِ الإنسانيِّ دُون عَقْد الآمال على الغَدِ أوْ عَلى حَياةٍ أُخْرَى .
شعرية الاحتفاء بجمالية المكان والقيم من خلال قصيدتي: محمد بنيس: - "فاس عن فاس نأت" 1 و 2 - "ورقة البهاء" - د. ا محمد برغوت
كانت الأمكنة الأثيرة على نفوس الشعراء والأدباء والفنانين في كل مراحل التاريخ الإبداعيي ملهمة لتفجير مشاعر الارتباط المتجذر بها، والشوق والحنين إلى مراتعها، واستدعاء فضاءاتها الساكنة في أعماقهم، والتي تحرضهم على الاعتزاز بالانتساب إليها، والإعراب عن الأحاسيس المولدة للأشجان على ما قد يصيبها من إهمال وعدم الاهتمام بتجديد نسغها.
وهذا ما حرض كبار الشعراء والمبدعين عامة على الاحتفاء بجمالية مدنهم التي نشأوا في أحضانها، وإشادتهم بالقيم التي اكتسبوها في كل مراحل طفولتهم أو شبابهم بها.
وهذا الرجوع إلى استدعاء الصور الهاربة للأماكن المألوفة هي ما سادت في أشعار القدماء والمحدثين معا، و يؤكد : "غاستون باشلار" أن المكان كان و ما يزال مركز اجتذاب دائم في الفن عموما، وذلك لأنه يركز الوجود في حدود تحميه". وهذه الحدود المحفورة في ذاكرة الشعراء والأدباء والفنانين كفترات ساكنة في الوجدان وفي الجهاز العصبي، هي ما تحرك مشاعر الإنسان عامة رغم تباعد الزمان.
- فاس عن فاس نأت "2"
بوح شعري حول مراتع طفولة الشاعر : "محمد بنيس" وامتنان للبيئة التي تفتقت فيها أكمام زهرات عمره ، وعرفان بمكانة فاس: التاريخية/الحضارية/الثقافية/الدينية... التي ألهمت شعراء المغرب والمشرق على السواء.
وتتمفصل القصيدة إلى نصين متكاملين ( 1 و 2 ) أو لوحتين متناظرتين :
- النص الأول : إشادة بحاضرة فاس، مقصد العلماء والأولياء ، وحصن المقاومين الأشداء ، ومنارة علمية/دينية/اجتماعية/فنية.
- النص الثاني : وصف يتقطر حسرة على ما آل إليه واقعها الحالي من إهمال وجحود ونكران.
ويمكن القول إجمالا أن القصيدة بشقيها ( 1 و 2 ) مندرجة في شعرية الاحتفاء بالحيز الجغرافي والإنساني الساكن في وجدان الشاعر يوحي بالذكرى واستدعاء الصور الهاربة من فترات طفولته المنسربة بين تجاعيد السنين.
تشريح النقد الثقافي (الغذامي نموذجا) - خالد الغيلاني
طوّر النقاد الثقافيون الذين ظهروا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، مثل "جوناثان سويفت"، "جون روسكين"، وخاصة "ماثيو أرنولد"، النقد الثقافي كما نمارسه اليوم، معقدين بشكل كبير المفاهيم القديمة للثقافة والتقاليد والقيمة. فأما "جوناثان سويفت" فيسخر السمات التقليدية في أدب الرحلات البريطانية في القرن الثامن عشر، من أجل السخرية من النزعة القومية التي كانت حاضرة في بريطانيا خلال الحقبة الاستعمارية، وذلك في روايته الأشهر "رحلات غوليفر". يظهر "غوليفر"، بطل القصة، قدرة محدودة على النسبية الثقافية طوال الرواية؛ إذ يرى في الثقافات التي يصادفها من منظور عدسته التي تحمل طابع التحامل الشخصي. ويُصوّره "سويفت" على أنه راوٍ متحيّز ليُبرز عبثية ونفاق القيم الإمبريالية، حيث تُشكّل كل أرض يزورها تحديًا جديدًا لأيديولوجيته القومية.
كان "سويفت" نفسه ضحية للاضطهاد الاستعماري؛ فكونه أيرلنديًّا، اختبر بنفسه خضوع بلاده للإمبريالية الإنجليزية، وهو ما شكّل الخلفية التي استندت إليها المضامين المناهضة للإمبريالية في الرواية. خلال القرن الثامن عشر، استخدمت إنجلترا الفتوحات الإمبريالية لترسيخ مكانتها كقوة سياسية واقتصادية وأكاديمية عظمى. ويجسّد "غوليفر" القيم التي كانت سائدة في الدولة البريطانية الموحدة حديثًا، حيث يستخدمه "سويفت" كوسيط لانتقاد مظاهر القمع الكامنة في التوسع الإمبريالي للتاج البريطاني.
تكتسب أعماله أهمية خاصة في ظل التوجّه المتزايد نحو التحليل ما بعد الاستعمار، إذ تقدّم الانتقادات التي طرحها في "رحلات غوليفر" رؤية صارمة وصادقة للتحاملات المتجذّرة في مجتمع قومي استعماري. وبينما تتضمّن التحليلات الحديثة للأدب البريطاني في الحقبة الاستعمارية عادةً منظور ما بعد الاستعمار، تميل التحليلات التاريخية لأعمال "سويفت" إلى تجريده من الأبعاد السياسية، متجاهلة المنظور الاستعماري الجوهري الذي كتب من خلاله.
وهذا ما يدعونا إلى دمج التحليل الأدبي لرواية "رحلات غوليفر" مع نظرية ما بعد الاستعمار الحديثة، بهدف تحديد الغرض من سخرية "سويفت"، والتأثيرات التي تخلّفها هذه السخرية على مجال الدراسات الأدبية لما بعد الاستعمار.
تقوم رواية غوليفر على نقد الاستعمار البريطاني ونقد القومية البريطانية والغرور السياسي وتقرير النسبية الثقافية: كيف أن ما يبدو "غريبًا" في ثقافة ما قد يكون " عاديًّا " في أخرى مع شيء من النظرة التشاؤمية للطبيعة البشرية خاصة في الجزء الأخير من الرواية وهذا أمر طبيعي بما أن المؤلف إيرلنديٌّ خاضع هو ومجتمعه لقوة استعمارية طاغية لا يجد أحد منها فكاكًا ولا عنها خلاصًا، كل هذا بلا ريب يدخل في مسألتنا هذه من أوسع أبوابها ويعد أرضية صلبة له ومقدمات محترمة لما عرف بعد بالنقد الثقافي ونحن لا نجادل في أهميته ولا في دوره الكبير في تشريح المجتمعات ولا في تحديد مكامن المشكلات ولا في معرفة الحالة الاجتماعية السائدة ربما يندرج ذلك كله تحت علم النفس الاجتماعي ولكنه من باب النص الثقافي عندما نتعامل مع النصوص كأجساد ثقافية عندما يقوم الطبيب (الأديب الثقافي) بوضع سماعته الأدبية عليها لمعرفة ما هو أبعد من النص الظاهر وهو عمل جيد ولكنه يحرمنا من القيمة الجمالية، فالنقد الثقافي قد يكون هو عدو الجمال فأنت عندما يضع لك الطاهي طعامًا شهيًّا في أبهى صورة وأجمل تكوين وألذ طعم وتكون أنت نباتيًّا تأخذك الرأفة بالحيوان وتقوم بإلقاء محاضرة عن حق الحيوان في الحياة فهذا قد يكون حقًّا ولكنك ستحرم المجتمعين من سعادة حقيقية وفرها هذا الطاهي المحترف أما "أرنولد" فكان أحد الآباء المؤسسين الأوائل لهذا الاتجاه النقدي في القرن التاسع عشر رغم أن مصطلح "النقد الثقافي" لم يكن مستخدمًا في عصره بالشكل الذي نعرفه اليوم فتجد نقده للطبقة الوسطى الإنجليزية في كتابه "الثقافة والفوضى" (1869) عندما كانت بريطانيا تمرّ بتغيرات اقتصادية واجتماعية ضخمة نتيجة للثورة الصناعية، فظهرت طبقة وسطى قوية ذات نفوذ اقتصادي كبير، لكنها من وجهة نظر "أرنولد" كانت تفتقر إلى الذوق الثقافي والتفكير العقلاني.
البنية النفسية في أدب الرعب - إبراهيم أبو عواد
أدَبُ الرُّعْبِ هُوَ نَوْعٌ أدبيٌّ يَهْدِفُ بواسطة مَجموعة مِنَ الأحداثِ المُتشابِكةِ والمَواضيعِ المُثيرةِ وَالمُفَاجآتِ الصَّادمةِ، إلى إثارةِ مَشاعرِ الخَوْفِ والرَّهْبَةِ لَدَى القارئِ مِنْ خِلال قِصَص عَن الأشباحِ ، أوْ مَصَّاصِي الدِّمَاءِ ، أو الكائناتِ الغريبة ، أو العناصر الخارقة للطبيعة ، أو القُوى الشِّريرة ، أو الأحداث العنيفة المُرَوِّعَة ، أو الشَّخصيات الشَّاذَّة .
وأدبُ الرُّعْبِ مُرتبطٌ بالنَّوَاحي النَّفْسِيَّةِ في الإنسانِ ، لذلك يَعْتمد على التَّشويقِ والغُموضِ ، لجعلِ القارئِ في حالةِ قَلَقٍ دائمٍ ، وَتَرَقُّبٍ لِمَا سَيَحْدُث . كما أنَّه يَستكشف الجوانبَ المُظْلِمَةَ في النَّفْسِ البشرية ، مِثْل : الشَّر ، والفَسَاد ، والخَوْف مِنَ المَجهول، ويَتلاعب بِمَشاعرِ القارئِ وأحاسيسِه ، حَيْثُ تَتِمُّ إثارتُه عاطفيًّا بتوظيفِ الأحداثِ المُشَوِّقَةِ والمُرْعِبَةِ في القِصَّة ، ويُركِّز عَلى إثارةِ الخَوْفِ وَبَثِّ الرُّعْبِ عَنْ طَريقِ استكشافِ العُقَدِ والمُشكلاتِ النَّفْسِيَّةِ للشَّخصياتِ، مِثْل: الجُنون، والقَلَق ، والاكتئاب ، والوَسْوَاس ، كما يُركِّز عَلى الخَوْفِ مِنَ الكائناتِ غَيْرِ البشرية والأمورِ الغامضةِ التي تتَجاوز فَهْمَ الإنسانِ ضِمْن أجواء مُظْلِمَة وأماكن مَهْجُورة .
إنَّ البُنية النَّفْسِيَّة في أدَبِ الرُّعْبِ تَقُومُ عَلى حقيقة مُفَادها أنَّ شُعورَ الخَوْفِ مِنَ المَجهولِ رَاسِخٌ في الإنسانِ فِطْرِيًّا ، وَمُتَجَذِّرٌ فِيه غَريزيًّا ، وثابتٌ في عَقْلِه وتَفْكيرِه وأعماقِه . وهَذا الخَوْفُ قَدْ يَدْفعه إلى التَّعَلُّقِ بالأوهامِ والخَيَالاتِ وَالحِرْصِ عَلى مَعرفةِ الغَيْبِ ، وَالغَريقُ يَتَعَلَّقُ بِقَشَّةٍ .
وَأدَبُ الرُّعْبِ فَقَدَ هُوِيَّتَه معَ مُرورِ الزَّمَنِ ، وَتَحَوَّلَ مِنْ إشاعةِ أجواءِ الخَوْفِ والتَّوَتُّرِ خِلال الأحداث التي يُواجهها أبطالُ أيِّ عَمَلٍ ، إلى الاعتمادِ عَلى المَشاهدِ العنيفة ، مِنْ قَتْلٍ ، واختطافٍ ، وَتعذيبٍ ، وإراقةِ دِمَاء ، واغتصابٍ بطريقة وَحْشِيَّة ، وَتَنْكِيلٍ بالجُثَثِ ، وغَيْر ذلك .