في كتاب "بصمة اللّه في العالم الكُموميّ" قال أستاذ الفيزياء الفرنسيّ إيف ديبون: "إنّ الفيزياء الكموميّة قد فتحت لنا نافذة على الماورائيات وعالم الميتافيزيقا"[1]، وفي سنة 1927 في مؤتمر الفيزيائيين بسُولفاي توجّه ألبيرت إينشتين إلى نيلز بور في سياق خلافيّ حول حتميّة القوانين الكونيّة أو خضوعها لمبدأ الصّدفة واللّاحتميّة قائلاً: "إنّ الله لا يلعب النّرد" وكان ردّ بور حسب ما رُويَ ولسنا ندري إن كان من قبيل الحقيقة التّاريخية أم من قبيل الخيال والتّزيّد: "سيّد إينشتين، توقّف عن أن تُمليَ على اللّه ما يجبُ أن يفعلَ". وعندما نتقدّم قليلاً في التّاريخ الحديث نستحضر ذلك الحوار الطّريف بين ستيفان هاويكينغ والبابا يوحنّا بولس الثّاني في الفاتيكان سنة 1981، ويُروى أنّ نقاشًا دار بينهما حول الانفجار العظيم وما هي الحالة التي كان عليها الكون قبل هذا الانفجار، ومن قبيل الدّعابة انتهى الخلاف بأن قال البابا لعالم الفيزياء: "لنتّفق، اهتمّ أنت بما بعد الانفجار العظيم، واتركْ لي أنا ما قبله". وأخيرًا سنة 2013 عندما حصل الفيزيائيّ البريطانيّ بيتر هيغز بالاشتراك مع العالم البلجيكيّ فرنسوان أنجليرت على جائزة نوبل تقديرًا لاكتشافهما النّظريّ لأصل كتلة الجُسيمات دون الذرّية ما يُطلق عليه "بوزون هيغز" صدر بعدها كتاب ليون ليدرمان بعنوان "الجُسيم اللّعين"، ثُمّ عُدّل العنوان -وقد يكون لأغراض تسويقيّة- وصار "جُسيمات اللّه" تعبيرًا عن سرّ ذلك الجُسيم تحت الذّريّ الذي يعمل بوصفه ناقلاً للقُوى في الكون.
أردنا بهذا التّمهيد النّظريّ التّاريخيّ القصير أن نقف على ظاهرة أو ربّما منعرج في مسار العلوم الحديثة وتحديدًا علم الفيزياء، إذْ بعد عقود من نمذجة العلوم الطّبيعيّة قياسًا على الرّياضيات، جاءت الفيزياء الكموميّة لتحدث زلزالاً في المفاهيم الفلسفية والعلميّة التّقليديّة ففتحت الحقيقة على الاحتماليّة، ولكنّها بقدر ما أثبتت حدود العقل البشريّ وقصوره، فإنّها حرّرته نسبيّا من العنجهيّة والغرور. وقد تجلّى هذا التّحرّر وإن بدرجات متفاوتة في إعادة الاعتبار للميتافيزيقا التي سعت الفيزياء الكلاسيكيّة إلى طردها من حقل اختصاصها، فالعقل الكموميّ لا يرى الميتافيزيقا أوهامًا، بل إطارًا احتماليًّا يمكن أن يفسّر ما وراء المادّة. وحتّى لا نُبالغ، فليس كلّ الفيزياء الكموميّة تسمح بهذه الإطلالة على الأصوات الأخرى المفسّرة للوجود، بل بعضها فقط يُحاول أن تطلّ من حين لآخر بشيء من الاحتشام مرّة عندما ينسدّ الأفق العلميّ أمام ألغاز العالم الكموميّ ومرّة عندما تعجز لغة العلم نفسها عن الإحاطة بالظّاهرة والمفهوم فتنكفئ لغة الرّموز الرّياضيّة وتحضر الاستعارة ونسمع حديثًا عن الثّقوب الدّودية، وضربة البلياردو، ونظريّة الأوتار والتّأثير الشّبحيّ عن بُعد، وبَحر ديراك وغيرها من الاستعارات. وكأنّ الاستعارة هنا تسدّ فجوة أو فراغًا مّا عن شيء لا يُقال وغير قابل للقول بالمنطق الرّياضيّ والعلميّ المألوف.