في كتاب "بصمة اللّه في العالم الكُموميّ" قال أستاذ الفيزياء الفرنسيّ إيف ديبون: "إنّ الفيزياء الكموميّة قد فتحت لنا نافذة على الماورائيات وعالم الميتافيزيقا"[1]، وفي سنة 1927 في مؤتمر الفيزيائيين بسُولفاي توجّه ألبيرت إينشتين إلى نيلز بور في سياق خلافيّ حول حتميّة القوانين الكونيّة أو خضوعها لمبدأ الصّدفة واللّاحتميّة قائلاً: "إنّ الله لا يلعب النّرد" وكان ردّ بور حسب ما رُويَ ولسنا ندري إن كان من قبيل الحقيقة التّاريخية أم من قبيل الخيال والتّزيّد: "سيّد إينشتين، توقّف عن أن تُمليَ على اللّه ما يجبُ أن يفعلَ". وعندما نتقدّم قليلاً في التّاريخ الحديث نستحضر ذلك الحوار الطّريف بين ستيفان هاويكينغ والبابا يوحنّا بولس الثّاني في الفاتيكان سنة 1981، ويُروى أنّ نقاشًا دار بينهما حول الانفجار العظيم وما هي الحالة التي كان عليها الكون قبل هذا الانفجار، ومن قبيل الدّعابة انتهى الخلاف بأن قال البابا لعالم الفيزياء: "لنتّفق، اهتمّ أنت بما بعد الانفجار العظيم، واتركْ لي أنا ما قبله". وأخيرًا سنة 2013 عندما حصل الفيزيائيّ البريطانيّ بيتر هيغز بالاشتراك مع العالم البلجيكيّ فرنسوان أنجليرت على جائزة نوبل تقديرًا لاكتشافهما النّظريّ لأصل كتلة الجُسيمات دون الذرّية ما يُطلق عليه "بوزون هيغز" صدر بعدها كتاب ليون ليدرمان بعنوان "الجُسيم اللّعين"، ثُمّ عُدّل العنوان -وقد يكون لأغراض تسويقيّة- وصار "جُسيمات اللّه" تعبيرًا عن سرّ ذلك الجُسيم تحت الذّريّ الذي يعمل بوصفه ناقلاً للقُوى في الكون.

أردنا بهذا التّمهيد النّظريّ التّاريخيّ القصير أن نقف على ظاهرة أو ربّما منعرج في مسار العلوم الحديثة وتحديدًا علم الفيزياء، إذْ بعد عقود من نمذجة العلوم الطّبيعيّة قياسًا على الرّياضيات، جاءت الفيزياء الكموميّة لتحدث زلزالاً في المفاهيم الفلسفية والعلميّة التّقليديّة ففتحت الحقيقة على الاحتماليّة، ولكنّها بقدر ما أثبتت حدود العقل البشريّ وقصوره، فإنّها حرّرته نسبيّا من العنجهيّة والغرور. وقد تجلّى هذا التّحرّر وإن بدرجات متفاوتة في إعادة الاعتبار للميتافيزيقا التي سعت الفيزياء الكلاسيكيّة إلى طردها من حقل اختصاصها، فالعقل الكموميّ لا يرى الميتافيزيقا أوهامًا، بل إطارًا احتماليًّا يمكن أن يفسّر ما وراء المادّة. وحتّى لا نُبالغ، فليس كلّ الفيزياء الكموميّة تسمح بهذه الإطلالة على الأصوات الأخرى المفسّرة للوجود، بل بعضها فقط يُحاول أن تطلّ من حين لآخر بشيء من الاحتشام مرّة عندما ينسدّ الأفق العلميّ أمام ألغاز العالم الكموميّ ومرّة عندما تعجز لغة العلم نفسها عن الإحاطة بالظّاهرة والمفهوم فتنكفئ لغة الرّموز الرّياضيّة وتحضر الاستعارة ونسمع حديثًا عن الثّقوب الدّودية، وضربة البلياردو، ونظريّة الأوتار والتّأثير الشّبحيّ عن بُعد، وبَحر ديراك وغيرها من الاستعارات. وكأنّ الاستعارة هنا تسدّ فجوة أو فراغًا مّا عن شيء لا يُقال وغير قابل للقول بالمنطق الرّياضيّ والعلميّ المألوف.

     السِّجْنُ هُوَ العَالَم المُغلَق الذي يفرض على الإنسانِ مُواجهةَ ذاتِه بلا هَوادة. وقد كانَ لِكُلٍّ مِن الروائي الأردني أيمن العتوم ( وُلِدَ 1972 ) والروائيِّ الروسي فيودور دوستويفسكي ( 1821_ 1881) تَجْرِبة فريدة تتجاوز الجُدرانَ والأقفالَ لتُصبح تَحليلًا للنَّفْسِ البشرية ، وَمِرْآةً للرُّوحِ ، ومُخْتَبَرًا لِتَجْرِبةِ الحريةِ والمُعاناةِ والوجود . ففي مُواجهةِ السِّجْنِ ، لا تتوقف العُقوبةُ عِند القُيودِ الجسدية ، بَلْ تمتدُّ لتصل إلى أعماقِ الفِكْرِ ، وتكشفَ عن قُوَّةِ الرُّوحِ وضَعْفِها على حَدٍّ سَواء .

     عِند العتوم ، يَظهر السِّجْنُ كفضاء مفتوح على الانكسارِ والتمرد ، فضاء يَختبر حُدودَ الصبرِ والإرادةِ الإنسانية . السجينُ هُنا لَيْسَ مُجرَّد جسدٍ محبوس ، بَلْ هُوَ كائنٌ مَشحون بالأسئلةِ الوجودية ، يَبحثُ عن مَعنى في عَالَم يرفضُ تقديمَ إجابات سهلة .

     العتوم يُصوِّر السِّجْنَ كَمِرْآةٍ صارخة للحِرْمان مِن الحُرية، لكنَّه في الوقتِ ذَاتِه ساحة لاكتشافِ الذات، حَيث يَختبر الإنسانُ حُدودَ خَوْفِه ، وألَمَ الفقد ، ومَرارةَ الوَحْدة . التَّجْرِبةُ هُنا لَيْسَتْ مُجرَّد تَحَمُّل للعُقوبة ، بَلْ هِيَ صِراعٌ داخلي معَ النَّفْسِ ، ومُواجَهةٌ معَ الظِّل ، ورِحلةٌ نَحْوَ فهم أعمق للوجود .

     أمَّا عِند دوستويفسكي ، فإنَّ السِّجْنَ يتحوَّل إلى مُخْتَبَر نَفْسي وفلسفي . العُقوبةُ الجسدية تُصبح وسيلةً للكشفِ عن أعماقِ النَّفْسِ البشرية ، والصِّراعِ بين الخَيْرِ والشَّر ، والصِّدامِ بَين الإيمانِ واليأس ، والمُواجَهةِ بين الرَّغبةِ في الحياةِ والخَوْفِ مِن المَوْتِ الرمزي . التِّجْرِبةُ السِّجْنيةُ عِنده لَيست حادثةً حياتيةً فَحَسْب ، بَلْ أيضًا تَجْرِبة وجودية عميقة تهزُّ القِيَمَ والمُعْتَقَدَات ، وتضعُ الإنسانَ أمامَ ذَاتِه الصافية ، بلا أيِّ سِتارٍ أوْ مُوَارَبَة .

     يُعَدُّ الأدبُ مِرآةً للثقافات والمُجتمعات ، ويعكس في كثير مِن الأحيان صِراعَ الإنسان معَ التحوُّلات الكُبرى في مُحيطه الحضاري والاجتماعي . وفي هذا الإطار يَظهر الصِّراعُ الحضاري كموضوع مِحْوري في الأدب العربي والعالمي .

     الروائي السوداني الطيب صالح ( 1929 _ 2009 ) ، والروائي الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز ( 1927 _ 2014 ) ، كِلاهما تناول قضية الصِّراع الحضاري ، والصِّدام بين القديم والحديث ، كُلٌّ بأُسلوبه الخاص ، ومَنظوره المُتميز .

     عاش الطيب صالح تَجْرِبة الاحتكاك المُباشر بين الثقافة العربية والأفريقية التقليدية مِنْ جِهة ، والتأثيرات الغربية الحديثة مِنْ جِهة أُخْرى ، خاصَّة بعد فترة دراسته في جامعة الخرطوم ، وعمله في الخارج . هذه الثنائية الثقافية شَكَّلَتْ خَلفيةً أساسيَّة لأعماله الأدبية ، التي غالبًا ما تتناول التفاعلَ بين الإنسان التقليدي في مجتمعه المحلي والحداثةِ الغربية التي تجتاح المجتمعات ، كما تتناول صِراع الهُوِيَّة والانتماء في مُواجهة الاستعمار الثقافي والمعرفة الغربية .

     مِنْ جِهة أُخرى ، نشأ ماركيز في مجتمع يَرزح تحت آثار الاستعمار الإسباني ، وأزماتِ التحديث السياسي والاجتماعي في أمريكا اللاتينية . استخدمَ الواقعيةَ السِّحْرية كأداة أدبية لتسليط الضوء على صِراعات مُجتمعه ، مُجَسِّدًا الصِّدام بين التقاليد والعصر الحديث ، وبين الفقرِ والقُوَّة، وبين الفردِ والمُجتمع .

     في أعمال الطيب صالح ، يَظهر الصِّراعُ الحضاري غالبًا كَصِراع هُوِيَّة ، حيث يَكُون البطلُ مُمَزَّقًا بين انتمائه إلى أرضه وَعُمْقِه الثقافي، وبين جاذبيةِ الحداثة الغربية التي تتجاوز حُدودَ المعرفةِ والسُّلطةِ .

القلقُ الوجودي لَيْسَ حالةً نَفْسية عابرة ، بَلْ هو سُؤال الكائنِ حين يضعُ رأسَه على حَافةِ المَعنى ، وينظر في هُوَّةِ الوجودِ دُون وسائط مُطمئنة . وفي الشِّعْرِ ، يتحوَّل هذا القلقُ إلى لُغةٍ ، ونَبْرَةٍ ، وجسدٍ لُغوي يَرتجف وهو يُحاول تسميةَ مَا لا يُسَمَّى .
في هذا الأُفق ، تلتقي تَجْرِبتان شِعْريتان مُتباعدتان جُغرافيًّا وثقافيًّا ، لكنَّهما مُتجاورتان رُوحيًّا : تَجْرِبة الشاعرةِ السُّوريةِ سَنِيَّة صالح ( 1935_ 1985 )، وتَجْرِبة الشاعرةِ الأمريكية سيلفيا بلاث ( 1932 _ 1963 انتحار ) . كِلْتاهُما كَتَبَتَا مِن قلبِ القلقِ ، لا بِوَصْفِه فِكرةً فلسفية مُجرَّدة ، بَلْ بِوَصْفِه مُعاناة يَومية ، وجُرْحًا مَفتوحًا في الذات .
عِند سَنِيَّة صالح ، يَنْبُع القلقُ مِن هَشاشةِ الكائنِ في عَالَمٍ عَرَبيٍّ مُضطرب ، وشُعورٍ عميق بالاغترابِ داخل الجسدِ واللغةِ والمصير . هِيَ لا تكتب عَن القلق ، بَلْ تَكتُب بِه ، كأنَّ القصيدة نَفْسَها كائنٌ قَلِق ، يتقدَّم ويتراجع . يَتلعثم أحيانًا، ويَصرخ أحيانًا أُخْرَى . وَشِعْرُها لا يبحثُ عَن خَلاصٍ نِهائي ، بَلْ يكتفي بِتَعريةِ الجُرْح ، والوُقوفِ طويلًا أمامَ الأسئلةِ الكُبرى : المَوْت ، الوَحْدة، الحُب ، الأُمُومة ، الزمن الذي يَنهش الرُّوحَ بصمت .
أمَّا سيلفيا بلاث ، فيتخذ القلقُ عِندها طابعًا أكثر حِدَّةً واندفاعًا أقرب إلى الانفجارِ الداخلي . قلقُها وُجودي لكنَّه أيضًا نَفْسي ، يتشابك معَ الاكتئابِ والهُوِيَّةِ الأُنثويةِ والضغطِ الاجتماعي . قصيدتها لا تَمْشي على حافةِ الهاوية فقط ، بَلْ تقفز أحيانًا داخلها مُحاوِلةً أن تفهم السقوطَ ذاتَه . الذاتُ عِندها ساحةُ صِراعٍ عنيف بين الرغبةِ في الحياةِ والرغبةِ في التلاشي ، بين الصوتِ والرغبةِ في الصمتِ الأبدي .

إنَّ ريتا في شِعْر محمود درويش ( 1941_ 2008 ) لَيْسَت اسمًا عابرًا في قصيدة حُب ، بَلْ هِيَ جُرح مفتوح في ذاكرة الشاعر، واستعارةٌ مُعقَّدة تختلط فيها المَرأةُ بالوطن ، والعاطفةُ بالتاريخِ ، والابتسامةُ بالبُندقية .
ريتا لَيْسَتْ شخصيةً شِعرية عاديَّة ، إنَّها واحدة من أكثرِ الرُّموز الشِّعْرية إثارةً للجدل . فَهِيَ حبيبة يهودية ، أحبَّها الشاعرُ في شبابه داخل فِلَسْطين المُحتلة . وقدْ كُشِفَ لاحقًا أنَّ الشخصية الحقيقية التي تقفُ خلف الاسم هي امرأة إسرائيلية تُدعَى تمار بن عامي ( 1947 _ 2026 ) . نشأتْ في حَيفا ، وَتَعَلَّمَت الرقصَ ، وانضمَّتْ في عام 1962 إلى فِرْقة تَجمع بين راقصِين يهود وعَرَب ، كما كانتْ عُضْوًا في حِزبِ الشبابِ الشيوعي . وَتَعَرَّفَتْ على مَحمود درويش في سِن السادسة عشرة ، واستمرَّت العلاقةُ خمس سنوات حتى حرب 1967 . وَقَدْ خَدَمَتْ في البحرية الإسرائيلية ، ثُمَّ أصبحتْ مُصمِّمة رقصات ومُدَرِّسَة .
حرصَ محمود درويش على إبقاء ريتا في فضاءِ الشِّعْر ، لا في أرشيفِ السِّيرة ، فهو لَمْ يُرِدْ لها أنْ تُخْتَزَلَ في قِصَّة حُب عابرة ، بَلْ أنْ تبقى رمزًا مُتحركًا يتجاوزُ الشخصَ إلى المَعنى .
العاشقان يَفصلُ بَينهما صِراع سِياسي وعسكري . لَيست المُشكلةُ في اختلافِ الدِّينِ أو الثقافةِ فَحَسْب ، بَلْ أيضًا في واقعِ الاحتلالِ الذي يَجعل الحُبَّ فِعْلًا مُستحيلًا . ريتا هُنا تَنتمي إلى الجِهة المُحتلة التي تَحمل السِّلاحَ، وهُنا تَكمُن المُفارَقةُ المُؤلمة:كيف يُمكن للقلبِ أنْ يُحِبَّ مَنْ يقفُ على الضَّفَّةِ الأُخْرَى مِنَ الصِّراع ؟.
إنَّها صُورة الحُب في زمنِ الانقسام ، حيث لا يَكُون الصِّراعُ فِكرةً نظريةً مُجرَّدة ، بَلْ يَكُون واقعًا يوميًّا يَخترقُ العاطفةَ ويُشوِّهها . ريتا تَتحوَّل مِن امرأةٍ إلى هُوِيَّة ، وَمِنْ حبيبة إلى سُؤال أخلاقي وسِياسي .

1.
«
وعلى الكاتب الصبر على الملازمة والاجتهاد في النّصيحة والوفاء للوزير في حال الدّولة والنكبة، والمواساة له بنفسه في حال اليسرة، والعسرة، والرجاء، والشدة، وكتمان أسراره، وطي أخباره، وتزيين أموره بكل ما يجد السبيل إليه.

ومتى ظفر الناس بعيبٍ من عيوب صاحبه، اجتهد في ستر ذلك وتغطيته والتأول فيه حتى يخرجه من العيب فيه، كما يحكى عن بعضهم، وقد قال بعض «رسل الملوك إني رأيت في مذهبكم مساكين يشكون الجوع ويسألون الناس في الطريق. فقد كان ينبغي لملككم أنْ يغنيهم عن ذلك.» فقال له: «إنّ ملكنا لرأفته رعيته، ومحبته لمنافعهم، علّى في رعيته قوما في أموالهم حقوق لله-عز وجل- لا يستحقون من الله-عز وجل- الثواب في الآخرة إلا بإخراجها. فلو أغنى المساكين، لما وجد الأغنياء الّذين في أموالهم الحقوق من يدفعون ذلك إليه. فكان ثوابهم يبطل. فترك ملكنا هؤلاء المساكين على أحوالهم، إنما هو لهذا المعنى، ولتعرض الأغنياء للثواب، بمواساتهم».

فأول لملكه فيما عابه به رسول عدوه تأولا حسنا أخرجه من العيب به. فكذلك ينبغي أن يكون كاتب الوزير له فيما يحمل به أمره، ويزيل به عيبا إنْ لحقه»[1]

«وعلى الوزير إذا فعل الكاتب جميع ما ذكرناه، ولزم ما وصفناه، أن يكفيه مؤونته، ويزيد على الكفاية بالإحسان إليه، فإن الله –عز وجل- يقول: «للذين أحسنوا الحُسنى، وزيادة» والحسنى: المكافأة. والزيادة: هي الزيادة على الاستحقاق في المجازاة»[2]

2.
«فقام رجل مِنْ عُرْض الناس، فقال: أيها الملك، أتضع الخراج الباقي على الإنسان الفاني، وعلى كَبد تموت، وعلى زَرْع يجِفّ، ونهر يَذْهب، وعَيْن تغور؟ فقال كِسْرى: يا ذا الكلْفة المشئوم، مِن أيّ طبقات النّاس أنتَ؟ فقال: أنا رجلٌ من الكتّاب؛ فقال كِسْرى لِكُتّابه: اضربوه بالدُّويّ حتّى يموت. فضربه الكتّابُ، تَبَرِّياً إلى كِسْرى من رأيه، حتّى مات، وقالوا: نحن راضون بما صنع الملك. فصُنِّفت الوضائع على أصناف الغلّات والنّخل والشجر»[3]

فاتحة:

   يقول العمري في مقاله "الوظيفة البلاغيّة والرؤية البيانيّة"[4] إنّه سيعمل على إظهار «مدى استفادة الجابري من قضايا مركزية في البلاغة»[5] وأنّ قراءته ستكون «إيجابية تبرز جوانب القوة، وتسقي البذور الواعدة، وتسائل ما تراه مثيرا للتساؤل[6]» ويوضّح أنّ تقديم التّراث كان بالنّسبة للجابري «مسؤوليّة سياسيّة» «وليس رفاهية علمية، أو رياضة أكاديمية[7]»، ويضع تناوله للتّرسّل في الخطاب السّياسي أُنموذجا لقدرته على تحليل النّصوص تحليلا يعتمد على خبرته الفلسفيّة النّقديّة واحتكاكه القويّ بالتّراث العربي". لكن القارئ لا يجد في مقال العمري عمّا كتبه الجابري في التّرسّل غير الطّمس والإتيان بمآخذ مختلطة لا تتوجّه على الفيلسوف. ونحن نضع تلك المآخذ موضع المناقشة، ونرتّبها تحت المحاور الأساسيّة التّالية: (1) ضعف التّأصيل في معالجة القضايا البلاغيّة؛ (2)  تحميل المسؤوليّة كاملة لبلاغة ابن المقفع والكُتّاب المترسّلين في ترسيخ قيم الطّاعة؛ (3)  تغييب المقام؛ (4) تغييب القصد؛ (5) ترك الواجب الأكاديمي القاضي بالجمع بين التّرسّل و"التّوقيعات"؛ (6) مقتل ابن المقفع حجّة على وقوفه ضد "الطّاعة"، عكس مُدّعى الجابري. وهي محاور نفرِّعها هي الأخرى لمناقشة لمزٍ كثير مدسوس في ثنايا مقال العمري. 

  • ضعف التّأصيل، أو استعمال "القضايا البلاغيّة" دون معالجة نظريّة:
  • صيغة المأخذ:

سعى الأدب الإيراني منذ أوائل ستينيات القرن الماضي وحتى قيام الثورة الإسلامية، إلى إرساء صلة واعية بتاريخ الأمة الفارسية وواقعها. وفي ظل الحالة المزرية للبلد آنذاك، والاحتكاك بالنظام البهلوي الذي جعل الأدباء عرضة للملاحقة السياسية والحظر الفكري، تشكلت موجة للأدب الملتزم، قادها كتاب ذوو ميول يسارية صرفوا حماسهم للدفاع عن المحرومين، وتميزت كتاباتهم بالاحتجاج، ورفض التضييق الحكومي على الحيز الاجتماعي والسياسي، وإحياء ذاكرة الأمة التي سعت التفسيرات الرسمية للنظام إلى طمسها.

داخل هذا المعترك برز اسم الأديبة سيمين دانِشوَر، ليقدم لعالم الأدب تفاصيل المجتمع الإيراني في فترة تاريخية عصيبة، التأم فيها الشعور القومي مع إحدى أوجه الصراع بين الحداثة والتقاليد. ويُعتبر عملها الروائي الأبرز "سووشون"، نموذجا للكتابة الروائية التي دمجت التراث الفارسي بالتقنيات السردية الحديثة، لتروي للعالم فظاعة الحرب من منظور المهزومين والمنسيين.

تعد "سُووَشون"(*) أول رواية نسائية حديثة باللغة الفارسية. وتدور أحداثها في مدينة شيراز خلال الاحتلال الإنجليزي، لترسم الفضاء الاجتماعي السائد آنذاك، وتنقل معاناة شعب مزقته تداعيات الحرب العالمية الثانية بشتى تعقيداتها. غير أن حس المظلومية لم يمنع الكاتبة من إبداء تشريح قاس للبنى التقليدية داخل المجتمع، ونقد الأوضاع الداخلية التي عمقت من أزماته، كقضايا المرأة، والنظام الطبقي، والتوتر المستمر بين مكونات النسيج القبَلي.

نستكشف أحداث الرواية بعيني زاري. امرأة إيرانية متعلمة تمارس أدوارها التقليدية كزوجة وأم، لكن يتخلل هذه الحياة لحظات ارتياب ويأس، نجمت عن تعقيدات زواجها من يوسف المثالي والصريح، والذي سيُعرض حياة الأسرة للخطر جراء مواقفه من الاحتلال.

بعد أن سيطرت قوات الحلفاء على أجزاء من إيران، سعت للاستيلاء على جميع المحاصيل المتاحة لإطعام جيوشها المتمركزة هناك. إلا أن يوسف الذي يمثل طبقة ملاك الأراضي، يرفض التعاون وتسليم المحاصيل، خشية أن يموت الفلاحون جوعا. تكسر معارضته فرضية تواطؤ الملاك مع القوى الأجنبية، بينما يبرز موقف شقيقه كممثل للطموح السياسي الذي أظهره بعض المتعاونين من أبناء البلد، لتأمين امتيازات ومناصب في الحكومة المحلية:

كَوّرت الصحراء الموريتانية حُبيبات رملها شِعرا لأمد طويل، بفعل الشفاهية التي ركن إليها المجتمع البدوي القديم. غير أن العقود الأخيرة شهدت وعيا أدبيا متزايدا بضرورة التطلع إلى فضاء السرد، وإثبات حضور روائي وقصصي، يمنح للأدب الموريتاني لغته الخاصة، ويعزز حضوره في المنظومة السردية العالمية، بما يعرضه من رؤى ومضامين مستلهمة من عمق الصحراء وسحرها، وروح البداوة المتغلغلة في نسيج المجتمع.

ما يميز المشوار الأدبي للروائي الموريتاني امبارك ولد بيروك هو إصراره على تقديم الصحراء برؤية صحراوي، كما يقول، لكن بلغة موليير التي عشقها منذ صغره. ففي أطار بشمال موريتانيا نشأ المؤلف داخل أسرة جمعت بين روح البداوة القبلية وكتابات فولتير وهوغو. إذ تهيأت للصبي فرصة اطلاع على الأعمال الأدبية الفرنسية بفضل الأب الذي كان يعمل مدرسا في المدرسة الاستعمارية.

في رواية (طبل الدموع)، والتي حازت على جائزة أحمدو كوروما بجنيف سنة 2016، يعرض ولد بيروك لملحمة صحراوية تتصادم فيها الحداثة مع أعراف القبيلة وعاداتها التي تبدأ بالتأرجح إزاء أحداث العالم المعاصر.

داخل قبيلة أولاد محمود تنشأ ريحانة الجميلة. غير أن مستقبلها الذي يُفترض أن يكون مشرقا سرعان ما أظلم حين اختفى حبيبها المهندس ذو الشخصية الآسرة، ليُسلم الشابة الحامل إلى مأساة العار وغضب القبيلة.

تتطور أحداث الرواية عبر تيارين زمنيين مما يوحي بتقاطع حكايتين داخل نواة النص. ترصد الأولى حاضر ريحانة التي أضحت (أما عازبة) بحسب الاصطلاح المتداول، بينما تعرض الثانية لما طبع حياة الفتاة الساذجة من أحداث. فهروب البطلة لم يكن فقط تجنبا للفضيحة وإنما تمردا على إذعان القبيلة لماضيها المفعم بالتمييز والذكورة، لذا تسرق ريحانة طبل القبيلة لتُحدث شرخا في إيقاع الحياة داخلها. أما الرجال الذي اصطفوا على حافة هذا العمل الروائي المميز، فجلهم يود اختراق جسد ريحانة لشحذ أنانيته ونزواته، باستثناء عبد محرر يواسي آلامها.