أسدل الستار عن بطولة كأس العرب ( مونديال العرب المعتمد من لدن الاتحاد الدولي لكرة القدم) بعد شهر تقريبا ( من 25-11 إلى غاية 18-12-2025) من التنافس بين الفرق الوطنية العربية تطلعا إلى الظفر بالتتويج. وقد تميزت الدورة الحالية الإحدى عشرة التي أقيمت في الدوحة للمرة الثانية على التوالي بحسن التنظيم، والإقبال الجماهيري الذي فاق مليوني متفرجا، وتطور الأداء الفني والتقني للاعبين والمدربين العرب. ما يلفت النظر أكثر هو أن الدوحة حققت الإجماع العربي بمشاركة الفرق الوطنية العربية وتمثلينها، وبتوافد الجماهير العربية من كل حدب وصوب لتشجيع فريقها المفضل، وبتبادل مشاعر المحبة والأخوة وإن تتخللها بين الفينة والأخرى عبارات الهمز واللمز من باب الدعابة والحماسة التي تقتضيهما الروح الرياضية غالبا. وهكذا اجتمع العرب على كلمة سواء وتبادلوا الرأي في مختلف القضايا التي تهمهم بطريقة يطبعها الوئام والدعة والحبور، وهو ما عجزت عن تحقيقه القمم العربية منذ عقود من الزمن.
كل من مافتئ يتابع المباريات الرياضية من جيلي يشعر بهول المفارقة بين الأمس واليوم. كان من قبل يحرم من مشاهدة حتى المباريات التي تخص الفريق الوطني خاصة عندما كان يلعب خارج أرض الوطن. لكن تتوافر لديه اليوم كل الإمكانات والخدمات لمشاهدة أي مباراة في العالم قد تستأثر باهتمامه اعتمادا على الهاتف الذكي أو المذياع أو القنوات التلفزية. أيا كان مستواه الثقافي وموقعه الجغرافي ومستواه المعيشي يظفر كغيره بمتعة كرة القدم، ويشاهد المباريات ويتتبع نتائجها عن كثب بفضل التطبيقات المتوفرة، وتطور النقل التلفزي، وهيمنة الشركات والمقاولات العملاقة- وفي مقدمته "بي إن سبورتس" (beIN SPORTS)- على المشهد الكروي العالمي، وقدرتها على توفير الخدمات للمتفرج بالجودة العالية، والمهنية الفائقة، والاستجابة لمواصفات الراحة المرفقة بتعليقات الطاقم المهني وتحليلاته التقنية المفيدة من جهة، وبالثرثرة الرياضية (Bavardage sportif) التي تفرض-بحسب وجهة نظر أمبرتو إيكوUmberto Eco-على العامة التحدث باسم اللغة الموجودة سلفا عوض تطويعها للفهم والاكتشاف، من جهة ثانية تراهن الشركات العملاقة على المردودية بتسويق منتجاتها وخدماتها، وبحفز المشهرين على دعم مشاريعها ومواكباتها، وبالمراهنة على اشتراك المنخرطين لتعزيز ميزانيتها وانتظام برامجها. لا تخلو هذه المساعي- في نظر جول دو روزناي Joël de Rosnay- من مشاكل بسبب الصراع المحتدم بين رأسماليي المعرفة (Infocapitalistes) والبرونيتاريا (مستعملي "النت" بمهارةPronétaires ) لتضارب مصالحهم واختلاف مشاربهم. يراهن الطرف الأول على تطوير الصناعة الثقافية والرياضية، وتجويد المُنتْجات والخدمات سعيا إلى استقطاب مزيد من الزبناء والمشتركين، وحماية حقوق الملكية الفكرية. في حين يراهن الطرف الثاني على مجانية الثقافة والخدمات المتاحة للاستفادة من مكاسب الثورة التكنولوجية ولو باستخدام القرصنة التي غالبا ما تكبد الشركات الإعلامية الكبرى خسائر فادحة.
المنهج النقدي بين إحسان عباس وإريك أورباخ - إبراهيم أبو عواد
لَيْسَ النَّقْدُ الأدبيُّ مُجرَّد أدواتٍ إجرائية تُسْقِطُها القِراءةُ على النُّصُوصِ ، بَلْ هُوَ رُؤيةٌ للعَالَمِ ، وَمَوْقِفٌ مِنَ اللغةِ ، وطَريقةٌ في مُساءلةِ التاريخِ والإنسانِ معًا . وَمِنْ هُنا تَتجلَّى أهميةُ المُقارَنةِ بَيْنَ نَاقِدَيْن يَنْتميان إلى فَضَاءَيْن ثقافِيَّيْن مُخْتَلِفَيْن ، لكنَّهما يَلتقيان عِندَ جَوْهَرٍ واحدٍ ، وَهُوَ البَحْثُ عَنْ مَعنى الأدبِ في سِياقِه الإنسانيِّ الواسعِ .
إحسان عَبَّاس ( 1920_ 2003 ) الناقدُ الفِلَسْطِينيُّ المَوْسُوعيُّ، وإريك أُورباخ ( 1892_ 1957 ) العَالِم اللغوي الألماني الكبير ، يُمثِّلان نَمُوذَجَيْن مُتَكَامِلَيْن لِفَهْمِ النَّصِّ الأدبيِّ عَبْرَ التاريخِ، بَيْنَ خُصوصيةِ التُّراثِ وكَوْنِيَّةِ التَّجْرِبَةِ الإنسانية .
انبثقتْ تَجْرِبَةُ عَبَّاس مِنْ قلبِ الثفافةِ العربية ، مُتَّكِئَةً على تُراثٍ مُمْتَدٍّ ، ومَشحونةً بأسئلةِ النَّهْضَةِ ، والهُوِيِّةِ، وإشكالاتِ القِراءةِ الحَديثةِ للقَديمِ ، وَقَدْ كانَ ابْنَ المَدرسةِ التُّراثيةِ الصارمةِ في أدواتِها ، الحَديثةِ في أسئلتها . وَجَمَعَ بَيْنَ التَّحقيقِ العِلْمِيِّ للنُّصُوصِ ، والوَعْيِ النَّقْدِيِّ المُتَجَدِّد . أمَّا أورباخ ، فَقَدْ تَشَكَّلَتْ رُؤيته في رَحِمِ الفيلولوجيا ( فِقْه اللغة ) الأوروبية ، حَيْثُ النُّصُوص تُقْرَأ بِوَصْفِها وثائق ثقافية ، تَكشِف عَنْ تَحَوُّلاتِ الوَعْيِ الإنسانيِّ عَبْرَ العُصورِ .
يَخْتلفُ المُنْطَلَقُ الحَضاريُّ ، لكنَّ القلقَ المَعرفيَّ واحدٌ : كَيْفَ نَفْهَمُ الأدبَ ؟ ، وكَيْفَ نَقرأ النَّصَّ في ضَوْءِ التاريخِ دُون أنْ نَخْتزله في التاريخِ ؟ . يَرى عَبَّاس أنَّ النَّصَّ الأدبيَّ كِيَانٌ لُغَوِيٌّ مُستقِل ، لا يُفْهَمُ إلا عَبْرَ لُغَتِه وبيئته ، لكنَّه في الوَقْتِ نَفْسِه نِتَاجُ سِياقٍ ثقافيٍّ واجتماعيٍّ ، لذلكَ كانَ حريصًا على التَّوَازُنِ بَيْنَ التَّحليلِ الداخليِّ للنَّصِّ والوَعْيِ الخارجيِّ بِظُرُوفِ إنتاجِه . وَلَمْ يَكُن التاريخُ عِندَه سُلطةً قاهرةً على النَّصِّ ، بَلْ أُفُقًا يُضِيءَ دَلالاتِه .
مَنَحَ أورباخ التاريخَ مَكانةً مَركزيةً في فَهْمِ الأدبِ ، لكنَّه لَمْ يَتعاملْ مَعَهُ كَخَلْفيةٍ جامدةٍ ، بَلْ كَقُوَّةٍ دِيناميَّةٍ تَتجسَّد في الأُسلوبِ ، وَطَرائقِ تَمثيلِ الواقعِ . واللغةُ عِندَه لَيْسَتْ أداةً مُحَايِدة ، بَلْ هِيَ سِجِلٌّ لِتَحَوُّلاتِ الرُّؤيةِ الإنسانيةِ . وَمِنْ هُنا جاءتْ تَحليلاتُه العميقةُ للفُروقِ بَيْنَ النُّصُوصِ .
تَمَيَّزَ مَنْهَجُ عَبَّاس بِصَرامةٍ عِلْميةٍ واضحة ، خاصَّةً في مَجالِ التَّحقيقِ والنَّقْدِ التاريخيِّ ، لكنَّه لَمْ يَقَعْ في جُمودِ المَدرسةِ التَّقليدية . كانَ مُنْفَتِحًا على المَناهجِ الحَديثةِ ، دُون أنْ يَستسلمَ لَهَا بشكلٍ أعمى . تَعَامَلَ مَعَهَا بِوَصْفِها أدواتٍ قابلة للتَّطْويع ، لا قَوالِب جاهزة تُفْرَضُ عَلى النَّصِّ فَرْضًا .
زفيتان تودروف : مقولات المحكي الأدبي ـ تواصلات 8 - ترجمة: مصطفى ناجي
دراسة "الأدبية" لا "الأدب": تلك هي الصيغة التي أعلنت، منذ حوالي خمسين سنة، عن ظهور أول نزعة حديثة في الدراسات الأدبية: الشكلانية الروسية. تريد هذه الجملة لجاكوبسن أن تعيد تحديد موضوع البحث؛ ومع ذلك فقد أسيئ فهم دلالتها الحقيقية خلال وقت طويل. إنها تهدف إلى استبدال دراسة محايثة بمقاربة متعالية (سيكولوجية أو فلسفية) كالتي كانت سائدة حتى ذلك الحين: لا يقتصر الأمر في أي حال من الأحوال على وصف العمل الأدبي، وليس هذا غاية الممارسة العلمية، (ونحن هنا بصدد ممارسة علمية حقا). الأصوب أن نقول إننا لا نعكس العمل الأدبي على نوع آخر من الخطابات، بل نعكسه على الخطاب الأدبي. إننا لا ندرس العمل الأدبي وإنما ندرس احتمالات الخطاب الأدبي التي جعلته ممكنا: هكذا يمكن أن تصبح الدراسة الأدبية علما للأدب.
المعنى والتأويل. لكن مثلما يجب علينا أن نبدأ بدراسة الألسن les langues من أجل معرفة اللغة le langage، كذلك تقتضي معرفة الخطاب الأدبي معرفته من خلال أعمال أدبية ملموسة. وهنا تطرح مشكلة: كيف نختار من بين الدلالات المتعددة التي تبرز أثناء القراءة، تلك التي تتعلق بالأدبية؟ كيف نعزل المجال المتعلق بالأدب بشكل خاص مع ترك الموضوعات التي تدخل ضمن علم النفس والتاريخ لمجالات دراستها الخاصة. ولكي نسهل عملية الوصف هاته، نقترح أن نحدد مفهومين أوليين: المعنى والتأويل.
المعنى (أو الوظيفة) داخل عمل أدبي معناه أن يكون هذا المعنى قابلا للدخول في علاقة مع عناصر أخرى ضمن هذا العمل، ومع العمل الأدبي في كليته. (1) إن معنى مجاز معين هو أن هو أن يتعارض مع صورة (أدبية) أخرى، أو أن يكون أكثر كثافة منها بدرجة أو عدة درجات. إن دلالة حوار داخلي ما قد تكون المساهمة في وصف شخصية ما. لقد كان فلوبير يفكر في معنى عناصر العمل الأدبي حين كتب ما يلي: "لا يوجد في كتابي وصف معزول أو مجاني؛ كل العناصر تخدم شخصياتي، ولها تأثير بعيد أو مباشر على الحدث". لكل عنصر في العمل الأدبي معنى أو عدة معاني (ما لم يكن هامشيا)، وهي معاني محدودة العدد، ويمكن ضبطها بصفة تامة.
وظيفة القصة بين الترميم الرمزي والتناقض المفهومي: قراءة نقدية في تصور الكاتب لدور السرد والإبداع - العربي الحميدي
ينطلق هذا المقال من نصٍّ يطرح فيه القاص والروائي مصطفى لغتيري سؤالًا اعتبره جد معقد: ماذا أريد من قصتي؟، ليقدّم تصورًا شاملًا لوظيفة القصة بوصفها أداة جمالية ومعرفية تسعى إلى سدّ ثغرات العالم الواقعي وبناء عالم موازٍ أكثر اكتمالًا. غير أن هذا التصور، على غناه، يسقط في تناقض مفهومي حين يحصر وظيفة الترميم الرمزي في "القصاصين خاصة، والمبدعين عامة".
يسعى المقال إلى تحليل هذا التناقض، وبيان أبعاده الدلالية والفكرية، واقتراح صيغة أكثر اتساقًا مع منطق الخطاب الإبداعي والإنساني.
حسب معرفتي المتواضعة لم يعد السرد الأدبي، في التصورات النقدية الحديثة، مجرّد حكاية تُروى أو متعة جمالية تُستهلك، بل غدا فعلاً معرفيًا ورمزيًا يسهم في مساءلة الواقع، وإعادة تشكيله، وملء فجواته الدلالية. من هذا المنطلق، يطرح الكاتب سؤالًا يبدو بسيطًا في صيغته، لكنه عميق في دلالته: ماذا أريد من قصتي؟
هذا السؤال لا يحيل إلى نوايا تقنية تتعلق بالأسلوب أو البناء فحسب، بل يتجاوزها إلى تصور فلسفي لدور القصة في العالم. غير أن هذا التصور، حين ينتقل من المستوى الجمالي إلى مستوى التحديد الوظيفي، يكشف عن تناقض داخلي يستدعي القراءة والتحليل.
القصة بوصفها بنية دلالية متعددة المستويات
يقدّم الكاتب تصورًا للقصة يقوم على ازدواجية أساسية؛ الوضوح في المستوى السطحي، والعمق في المستويات التأويلية. فالقصة الجيدة، في نظره، يجب أن تكون في متناول القارئ العادي، وفي الوقت نفسه قابلة لتعدد القراءات، بحيث يجد كل قارئ فيها ما لا يجده غيره.
هذا التصور ينسجم مع مقولات النقد التأويلي الذي يرى النص الأدبي بنية مفتوحة، لا تُستنفد في قراءة واحدة. كما ينسجم مع فكرة "النص الحي" الذي يكتسب معناه من تفاعل القرّاء معه، لا من نية المؤلف وحدها.
تجليات القص القصير عند الكاتب عبد الرحيم التدلاوي - محمد محضار
يعتبر عبد الرحيم التدلاوي من الكتاب المغاربة الذين لم يوفهم النقد الأدبي حقهم من الاعتبارية الواجبة لقلم فذ غزير الإنتاج، حقق تراكما إبداعيا خاصة في الجنس الأدبي المسمى القصة القصيرة جدا والذي أصبح العـــديد من المتـــهافتــــين عـــلى كتابـــة الـــــقــــصة القــــصيرة جــــدا، يســــتسهلون أمــــر كتــــابــــــتها، ويـــــخوضون في بـــحر لا يـــــعرفـــون حــــدود قراره، والنتيجة أن ما ينشرونه لا يرقى إلى المستوى المطلوب، ولا يعدو أن يكون عبارة عن خواطر هي أقرب للإنشــــاءات، وقــــد ســـــاعد على شيــــوع هذه الظاهرة غير الصحية، سهولـــة النشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والمواقع الالكترونية.
عبد الرحيم التدلاوي استطاع أن يُشَكّل الاستثناء إلى جانب مجموعة قليلة من كتاب هذا الجنس الأدبي، على امتداد عقدين من الزمن، ويغني المكتبة المغربية بالعديد من العناوين التي نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر : كأنه حدث، نمارق، سفك الحروف، رنين الانكسار، المشهد الأخير، شفاه الورد، الحافة، هذا دون أن ننسى مساهماته النقدية القيمة لكتابات العديد من المبدعين المغاربة والعرب على السواء، أكانت شعرا أم نثرا.
وقد اخترت مجموعته " سفك الحروف " كنموذج قيم، يستحق المقاربة والقراءة بتؤدة وبُعد نظر.
تقع مجموعة سفك الحروف في حوالي 53صفحة، وتتضمن 91نصا قصصيا، أغلب النصوص تصنّف في خانة القصر، تتميز بالحركية والدينامية واللغة الشعرية الشاسعة المعنى.
قبل الولوج إلى متن المجموعة القصصية، لا بد من المرور عبر عتبة أو عتبات هذه المجموعة، والغلاف هو أول ما يجذب انتباهنا في هذه العتبات. لون الغلاف بنفسجي باهت (أرجواني) وهو لون يدل على الحنين إلى الماضي، ويوحي بالهدوء والسكينة، تتوسط هذا الغلاف لوحة فنية تمثل آنيتين بلون نحاسي تُدلق الحروف من إحداهما إلى الأخرى في مشهد سريالي، وإن كانت أغلب الحروف قد احتضنتها الآنية المستقبلة فإن هناك حروفا أخرى قد سقطت على الرمال مما يوحي بأن المشهد يرتبط بالصحراء وله علاقة بالجزيرة العربية التي ولدت بين أحضانها الحروف العربية وتطورت بصيغتها الحالية، إذا انتقلنا من الغلاف إلى العنوان : "سفك الحروف" سَفْكُ مصدر لفعل سفك بمعنى أراق وصبّ وأسال، فنحن نقول: سفكُ الدماء، ونقول أيضا سفك المياه، وكل السوائل، ولكن الأكيد أن مصدر سفْك ارتبط في أغلب الأحيان بالدّماء يقول تعالى:
الروحانية بين جبران وطاغور - إبراهيم أبو عواد
تَتميَّز الرُّوحَانِيَّةُ عِندَ الكاتب اللبناني الأمريكي جُبْرَان خَليل جُبْرَان ( 1883_ 1931 ) بِعُمْقِها الفَلسفيِّ، وقُدرتِها عَلى تَجاوزِ الماديَّاتِ ، والتَّعبيرِ عَن الحَنينِ إلى مَا هُوَ أسْمَى وأرْقَى في النَّفْسِ البشرية . وَهُوَ يَرى أنَّ الرُّوحَانِيَّة لَيْسَتْ مُجرَّد شُعورٍ أوْ طُقوسٍ تقليدية ، بَلْ هِيَ حالةُ وَعْيٍ مُتكاملة ، تَجْمَعُ بَيْنَ التَّأمُّلِ والفَهْمِ العَميقِ للذاتِ والتواصلِ معَ العَالَمَيْن الداخليِّ والخارجيِّ .
يَصِفُ الرُّوحَانِيَّةَ بأنَّها رِحْلة داخلية نَحْوَ مَعرفةِ النَّفْسِ ، واكتشافِ المَعْنى الحقيقيِّ للحَياةِ . وَيُشيرُ إلى أنَّ الإنسانَ يَعيشُ صِرَاعًا دائمًا بَيْنَ الرَّغَبَاتِ الدُّنيويةِ والبَحْثِ عَن السَّلامِ الداخليِّ ، وأنَّ مَنْ يَسْلُكُ طَريقَ الرُّوحَانِيَّةِ يَستطيعُ تَجاوزَ هذه الصِّراعاتِ ، والوُصولَ إلى حالةٍ مِنَ التَّوَازُنِ والصَّفَاءِ النَّفْسِيِّ .
كَمَا يَرى أنَّ الرُّوحَانِيَّة تَتَجَلَّى في الحُبِّ والعَطَاءِ والتسامحِ ، فَهِيَ لا تَقْتَصِر على الانعزالِ أو التَّأمُّلِ فَقَط ، بَلْ تَتطلَّب أيضًا التواصلَ الإنسانيَّ العميقَ ، والمُشارَكةَ في تَجَارِبِ الآخَرِين . وَوَفْقَ رُؤيته ، فإنَّ الإنسانَ الرُّوحَانِيَّ يَعيشُ في تَنَاغُمٍ معَ نَفْسِهِ ومعَ العَالَمِ ، ويَستطيعُ أنْ يَرى الجَمَالَ في كُلِّ شَيْءٍ ، حتى في الألَمِ والمُعَاناة ، باعتبارها جُزْءًا مِنْ تَجْرِبَةِ الحَياةِ التي تَصْقُلُ الرُّوحَ .
وَتُعْتَبَرُ رُوحَانِيَّةُ جُبْرَان دَعْوَةً إلى التَّأمُّلِ في الحَياةِ ، والبَحْثِ عَنْ مَعْنى أعمق لِمَا نَعِيشُه ، وَهِيَ رِحْلَة نَحْوَ النُّمُوِّ الداخليِّ ، تَتجاوز الحُدودَ الماديَّة لِتَصِلَ إلى أعلى دَرَجَاتِ الوَعْيِ الإنسانيِّ .
تَتَّسِمُ الرُّوحَانِيَّةُ عِندَ الكاتبِ الهِنديِّ رابندرانات طاغور ( 1861 _ 1941/ نوبل 1913 ) بالعُمْقِ والمُرونةِ ، فَهِيَ تُركِّز على تَجْرِبَةِ الإنسانِ الداخليَّةِ ، وعَلاقَتِهِ بالعَالَمِ والطبيعةِ . وَهُوَ يَرى أنَّ الرُّوحَانِيَّةَ لَيْسَتْ مُجرَّد مُعْتَقَدَاتٍ جامدة ، بَلْ هِيَ رِحْلَة نَحْوَ فَهْمِ الذاتِ ، والانسجامِ معَ الكَوْنِ .
الكتابة كفعل تفريغ - العربي الحميدي
حين يتحول الأديب إلى صدى لذاته أو إلى قربة جوفاء
عادةً يُنظر إلى الكتابة الأدبية، منذ بدايات تشكّلها كفعل رمزي، بوصفها أحد أعمق أشكال تفريغ التجربة الإنسانية. فالكاتب، مهما كانت أدواته، يظلّ ابنًا لآلامه وأفراحه، لصراعاته الداخلية وتموّجات وجدانه. وإذا كان الأدب في جوهره تعبيرًا عن الذات في علاقتها بالعالم، فإن الأديب الذي لا يفرّغ ما يحياه من جراحٍ تستعر أو أنسٍ يتوهّج، يتحوّل إلى كائن يكتب من فراغ، فتغدو كتاباته كما "قربة جوفاء" تُصدر صوتًا ولكنها بلا ماء، وبلا حياة، وبلا روح.
هذه الورقة، من خلال تجربتي المتواضعة، أحاول مساءلة هذا التصوّر، وتفكيك العلاقة بين التجربة الحياتية والإنتاج الأدبي، وبيان كيف يتحوّل الأديب إلى وسيط حقيقي بين الحياة واللغة، أو إلى تمثال باهت يكتب ما لا يعيشه.
- الكتابة كتجسيد للتجربة الإنسانية
لا يمكن فهم فعل الكتابة خارج تجربتها الإنسانية.
الكاتب الحق يُحوّل الألم إلى معنى، ويعيد صياغة الفرح في شكل لغة، ويستدرج الذكريات إلى مساحة قابلة للتأمل.
إن الكتابة الأدبية ليست نسخًا للواقع، بل هي تحويل للمعيش إلى رموز وصور. لذلك فإن من يكتب من خارج تجربته يكتب لغة بلا جذور، خالية من حرارة الطريق، أشواكها وأحجارها التي مرّ منها.
1. الألم كمحرّك للإبداع
ما من أديب، كان صغيرًا أو كبيرًا، إلا وكان الألم جزءًا من نضج لغته.
نيتشه كتب من صراعه المستمر مع المرض والعزلة.
دوستويفسكي أبدع من تجربة السجن والفقر والانكسار.
محمد زفزاف الذي نقل واقع الحياة بكل صدق.
محمد حلمي الريشة حمل الوطن جرحًا وصاغه قصيدة.
الألم، إذن، ليس حالة سلبية، بل محفّزًا للوعي وضاغطًا على اللغة كي تتجاوز سطحها وتغوص في عمق الذات.
الشيخ عسو شاعر مرموق في زمن الارتجال (1) - عدي الراضي
إنَّ دراسة الشخصيات التي كان لها حضور وازن في الماضي، إيجابيًا كان أم سلبيًا، ليست كما يظن البعض بكاءً على الأطلال أو التفاتًا عاطفيًا إلى زمن ولّى، بل هي استحضارٌ منهجي للماضي في الحاضر قصد استخلاص العبر واستنطاق الدروس. ومن هذا المنظور، يتناول هذا المقال المتواضع إحدى الشخصيات العمومية التي تركت بصمتها بقوة في مجالات منابع زيز، والأطلس الكبير الشرقي، والأطلس المتوسط، وهضبة سايس. يتعلق الأمر بالشيخ عسو، أحد أبرز شعراء القرن الماضي، الذي خلّف تراثًا شعريًا زاخرًا بالحكمة وبالأحداث التي وثّق كثير منها بأسلوب فريد، خاصة في مجال الارتجال الشعري، وهي ملكة لا يتقنها إلا القليل من الشعراء، في زمن كان الشعراء الجوالون يجوبون مناطق المغرب لإمتاع الجمهور وخلق الفرجة في القرى والبوادي ومختلف التجمعات القبلية ؛ في السهل والجبل.
كما أن تفكيك أشعار الشيخ عسو والاشتغال عليها بوصفها وثيقة تاريخية يفتح آفاقًا واسعة لفهم البنيات الذهنية والثقافية للمجتمع المغربي في فترة زمنية مفصلية. فاعتماد مقاربات حديثة في التحليل، مثل السيميائيات وعلم اللسانيات والسيميولوجيا ، وتحليل طبقات اللغة الشعرية ودراسة مضمون الأبيات وبنية الاستعارات والمجازات الموظفة، يتيح لنا استجلاء الخلفيات العميقة للنصوص الشعرية وما تختزنه من دلالات اجتماعية وثقافية. ومن خلال هذا التفكيك العلمي يمكن استخلاص معطيات أنتروبولوجية وسوسيولوجية تعكس طبيعة الذهنية السائدة في المغرب، خاصة في المجتمعات العشائرية والقبلية. إن هذه المقاربة تجعل من شعر الشيخ عسو مرآة تاريخية تُسهِم في فهم السياقات الحديثة، بوصفها امتدادًا لتراكمات الماضي وتكثيفًا لمسار أحداثه.
وحرصًا على إنصاف هذا الشاعر المرموق، ولكي لا يندثر اسمه كما اندثر كثير من شعره، جاءت هذه المحاولة البحثية لتخليد ذكراه، على أمل أن تكون خطوة أولى نحو دراسات أعمق تُحيي تراثه وتعيد قراءةإنجازاته الفنية في زمن كان الارتجال فيه معيارًا للقوة الشعرية وعلوّ الكعب الإبداعي للشعراء.
يعدّ الشيخ عسو(2) واحدًا من أبرز شعراء الإرتجال في التاريخ الشفهي الأمازيغي خلال النصف الأول من القرن العشرين، وهو امتداد حيّ لتقاليد إمديازن؛ تلك الفرقة الفنية الأصيلة التي تبلورت عبر القرون في المجال الأمازيغي المغربي، وخاصة في أعالي الأطلس الكبير الشرقي. وتتشكل هذه الفرقة من أربعة عناصر أساسية: الشيخ، وهو الشاعر وقائد المجموعة؛ وبوغانيم(3)، عازف الآلة المصنوعة من القصب والمسماة أغانيم، والذي يشتهر بلباسه المزركش وطاقيته المزيّنة بريش النعام؛ ثم إردادن، وهم منشّدو الإيقاع الذين يتولون أداء الدفوف وترديد مقاطع من القصيدة . وكانت شهرة الفرقة ترتبط باسم الشيخ نفسه، باعتباره صاحب الحكمة والقول وصوت الجماعة.