1ــ توطئة
كل أديب يحلم بغد أفضل معشوشب الصباحات، رقراق المساءات، له تطلعات بلا حدود  وانتظار شاسع ومتمنيات عالقة، غير أن الظروف المعاكسة  تقف عائقا في وجه تحقيق أحلامه، فيعيش صراعا لانهائيا مع ما يريد ويبتغي ولا يدركه في ظل غياب الآليات والإمكانات، لذا لا يجد إلا الحرف وسيلة لتخفيف ذاك السيل من الهموم  الجاثم على القلب، يَقلَق ينفعل، فيُشهِر قلمه لينازل توتره الحاد على البياض.. ومن هنا ندرك أن المبدع لا يكتب من أجل تكريس الاسم أو التباهي باللقب، أو اعتلاء  المنابر مع ثلة من الأدباء في تظاهرة أدبية، وإنما جحافل أشياء كثيرة تقض مضجعه، منها ما هو ذاتي ومجتمعي وسياسي واقتصادي، ناهيك  عن بعض التجارب التي عاشها ولم تملأ قلبه بما يسر ويرضيه، دوافع كالسهام تستوطن القلب فتنتفض المشاعر ويتحرك الوجدان وتهتز الذات، فتتسربل الحروف والكلمات فاكّة عِقالها من اللسان  لتنزل دفعة واحدة ... وأديبتنا أمنة برواضي كغيرها اكْتَوت بالهموم القادمة من المجهول..

2ـــ (شظايا حارقة) نزيف منهمر  

هو عنوان الرواية  الممتدة على 215 ص من الحجم المتوسط في طبعتها الأولى سنة 2014، فقبل تقليب تربة المحتوى لابد من إلقاء نظرة على العتبة النصية  التي شملت الغلاف  والتقديم والإهداء، علما منا أن الأديبة أمنة برواضي لم تقتحم عالم الرواية بضربة مقص، بل كانت لها بدايات مع السرد القصصي، الشيء الذي شحذ القلم للركض في عوالم مختلفة  من الواقع الإنساني والبيئي والذاتي والوطني والقومي والهموم اليومية على اختلاف مشاربها بالتحليق على أجنحة التخييل، والعصارة التي بين أيدينا  (شظايا حارقة) ماهي إلا نزيف  منهمر بصيحات وتغاريد وصرخات زلزلت الجبال وانحنت لها الآفاق..

الرواية الأولى للمخرج والممثل البلجيكي لوكاس بيلفو، الحائزة على جائزة ريجين ديفورج للرواية الأولى هذا العام 2023، والمرشحة أيضا لجائزة الطحلب الذهبي.
تخوض الرواية في قضية التلاطم بين الموت والحياة، الحب والكراهية، السقوط إلى الحضيض، والانبعاث فوق سطح العذاب والتهميش.
يتناول لوكاس بيلفو قصة إمرأة أربعينية ليس لها اسم إلا السيدة، التي عاشت طفولتها في دولة لاوس في جنوب شرق آسيا، في ظروف اجتماعية واقتصادية قاسية قبل أن يغدق على عائلتها وقريتها إحسان رجل أوربي أربعيني اسمه جيلبيرت، وانتهى به الأمر أن يتكفل بها وهي مازالت في العاشرة من عمرها، ويصطحبها إلى أوربا لاستكمال تعليمها في مدارس خاصة بالبنات في انكلترا وسويسرا، وعندما تبلغ الثامنة عشرة، يقترح عليها الزواج، تقبلُ مرغمة لأن البديل كانت عودتها إلى حياة الفقر الأولى.
يُقتَلُ جيلبرت في حادث صيد في تنزانيا، وتجهد السيدة على تكذيب شائعات تورطها في قتله.
ترثُ عنه ثروة طائلة، وولع الرماية والصيد.
يضعُ القدر في طريقها رجلا أفريقيا، ماكس، توظفه كحارس شخصي، ومشرفا على قصرها، تسرُّ له برغبتها بقتل كائن بشري بعد أنْ ملَت قنصَ الطرائد الأخرى من الأرنب إلى الأسد.
لم يجد ماكس أفضل من صديقه وزميله المقاتل السابق في الفرقة الأجنبية الفرنسية، إسكندر، ذي الأصول البوسنية، والذي يعيش الآن متشردا بعد ثلاث سنوات قضاها في السجن لمشاركته في سطو مسلح، وسوء علاقته بزوجته، وفشله في رعاية ولديهما.

إنَّ الهُوِيَّةَ في العملِ الأدبيِّ تَتَشَكَّل مِنَ الأحلامِ الفَردية ، والطُّمُوحاتِ الجَماعية ، والتَّجَارِبِ الشَّخصية ، والإفرازاتِ الثقافيةِ ، والعواملِ النَّفْسِيَّة ، مِمَّا يُؤَدِّي إلى وَضْعِ العَملِ الأدبيِّ في أقْصَى مَدَاه ، وإعادةِ إنتاجِ السُّلطة المَعرفية مِنْ مَنظورٍ اجتماعيٍّ قادر على اكتشافِ دَوافع الشَّخصيات ، ودَلالةِ الألفاظ ، والأُطُرِ المَرجعية للمَعَاني والصُّوَرِ الفَنِّية .
والهُوِيَّةُ لَيْسَتْ بُنْيَةً ثابتةً ، أوْ نَسِيجًا خَطِّيًّا ، وإنَّما هِيَ شَبَكَة مُعَقَّدَة مِنَ السُّلوكياتِ والمَشاعرِ وأنماطِ التَّفكير ، وأساليبِ التَّعبيرِ . وهَذا يَنعكس بشكلٍ واضح على اللغةِ ، باعتبارها الحاضنة الاجتماعية للأفكارِ ، والرَّافعة الثقافية للشَّخصيات .
والعَمَلُ الأدبيُّ هُوَ أفضلُ تَعبيرٍ عَن الهُوِيَّة بِكُلِّ تَفَاصِيلِهَا الحَيَوِيَّة ، وَتَعْقِيدَاتِهَا الاجتماعيَّة ، وتَجَلِّيَاتِهَا المَعنويَّة ، وتَفْسِيرَاتِهَا المَادِيَّة . وفي وَاقِعِ الأمْرِ ، إنَّ الهُوِيَّةَ هُوِيَّاتٌ كثيرة ومُتَعَدِّدَة ، تَرْتَدِي أقنعةً كَثيرةً وَفْقَ طَبيعةِ الذِّكْرَيَاتِ ، ومَاهِيَّةِ الرَّغَبَاتِ ، وحَقيقةِ الأفكارِ .
وَمِنَ الكُتَّابِ الذينَ اهْتَمُّوا بِمَسألةِ الهُوِيَّة، الرِّوائيُّ اللبناني الفرنسي أمين معلوف ( وُلِدَ في بيروت 1949 ، وانتقلَ نهاية السَّبْعينيات إلى فرنسا). في كِتابه ( الهُوِيَّات القاتلة / 1998 ) ، وهو مَجموعة مَقالات صَحَفِيَّة ، تَحليلٌ اجتماعيٌّ وتاريخيٌّ لِمَفهومِ الهُوِيَّة الفَرْدِيَّة والجَمَاعِيَّة ، والأهواءِ التي تُثيرها ، وانحرافاتِها القاتلة ، وكَيفيةِ تَحَوُّلِ بَعْضِ الجَمَاعَاتِ المُتعايشة مَعًا إلى مُتعادية تَعتمد على العُنْفِ والإقصاءِ . والكِتَابُ يَطْرَحُ أسئلةً عديدة : لماذا لا يَستطيع هؤلاء الناسُ تَقَبُّلَ انتماءاتهم المُتعددة ؟ ، لماذا يُجْبَرُونَ باستمرار على اختيار أحَدِهَا ؟ . يُحَاوِلُ مَعلوف الإجابةَ عَنْ هَذا السُّؤالِ : " بسبب عادات التفكير والتعبير المُتجذرة فِينا جميعًا، وبسبب المفهوم الضَّيِّق ، والإقصائيِّ ، والمُتَعَصِّب ، والتَّبسيطي ، الذي يَختزِل كُلَّ هُوِيَّةٍ إلى انتماء واحد " .

«نحب الذكريات لأنها لا تتغير ولا تشيخ، بينما نحن نتغيّر ونشيخ»  (الرواية ص 213)

تقديم..
... وأنا أمسك الظرف بيسراي وأفتحه بيمناي لأخرج ما به، هاجمني هجوم من يدعوني إلى عناق أدبي، عنوان الرواية التي وصلتني هدية من الشاعرة والأديبة والروائية فاتحة مرشيد، «ليلة مع رباب (سيرة سيف الراوي)» الصّادرة في طبعتها الأولى 2025 عن المركز الثقافي للكتاب.

أثارني العنوان وهيّج ما بداخلي من أسئلة مفاتيح محتملة للرواية، ووضعني قبل الإبحار في عوالمها السردية، أمام تساؤلات أولية عِدّة، هذه العتبة المفتوحة على كل التأويلات والغامضة، في الآن نفسه، رغم وُضوح علاماتها الفنية والجمالية التي يفصح عنها الغلاف.

قلّبت الصّفحات 220، وأنا أتساءل موظفاً ما ملكت من معرفة بسيطة في عالم الرواية، قارئاً يشاغب على النقد، لأحلّ لغز عتبة «ليلة مع رباب» التي كشفت لي عن بعض أسرارها، من تكون رباب هذه؟ لماذا ليلة وليست ليالي؟ ومن يكون هذا الذي يحلم بليلة واحدة مع رباب؟  ومن سيف هذا؟ وهل هي سيرة "سيف" أو سيرة القارئ؟

 اتّسع العنوان ليفتح للقراءة الأولية الكاشفة تأويلاتها، في محاولة لاقتحام معاقلها وفضّ أسرارها الخفية، وسبر أغوار لغة سردها.

عتبة بمثابة باب قلعة الرواية؛ حيث يتحصّن الباب تحت تفسيرات وتأويلات تتعدّد بتعدّد الفاتحين والمغامرين، والمُتعطّشين لِلَذّة الفتح المبين، حين يقفون عند مداخلها منتشين بنصرهم وهم قد خرجوا بإحساس غير الذي دخلوا به، إحساس يمتزج، لا محالة، باللذة والألم، بالحب والكره، بالقوة والضّعف، بالانتصار والهزيمة وهو قدر الفاتحين.

أول الفتح..

دخلت «ليلة مع رباب» قارئا أتحسّسُ معاقلها وخباياها، وأتلمّسُ طريقا إلى شخوصها وفضاءاتها وأحداثها لأجد لي مكانا، ليس ببعيد، للمراقبة، من دون تدخّل، محاولاً الخروج منها برصيد وافر من الأحاسيس والملاحظات والترميمات والإرشادات، راجيا أن تُضفي على الرواية مُسحة من جميل شغفٍ يُحفّز قرّاء محتملين لولوج عالم هذه الرواية.

يُعْتَبَر الشاعرُ السوري نِزار قَبَّاني ( 1923 دِمَشْق _ 1998 لندن ) أَحَدَ أبرز وأشهر الشُّعَراء العرب في القرن العشرين ، وَهُوَ أكثرُ شُعراء العربية إنتاجًا وشُهرةً ومَبِيعًا وجَمَاهيرية ، بسبب أُسلوبه السَّهْل المُمْتَنِع ، وشَفَافيةِ شِعْرِه ، وغِنائيته ، وبساطته ، وسُهولة الوُصول إلى الجُمهور ، مِمَّا جَعَلَه يَحْظَى بِشَعبية واسعة في العَالَمِ العربي .
أَصْدَرَ أَوَّلَ دَواوينه عام 1944 ، بِعُنوان ( قالتْ لِيَ السَّمْراء ) ، وَقَدْ نَشَرَه خِلال دِراسته الحُقُوق ، حَيْثُ قامَ بطبعه عَلى نَفَقَتِه الخَاصَّة ، وَقَدْ أثارتْ قصائدُ دِيوانِه الأوَّلِ _ الذي ضَمَّ قصائد جريئة في الغَزَلِ والتَّغَنِّي بِجَسَدِ المَرْأةِ ومَفَاتِنِهَا _ جَدَلًا واسعًا ، وَذَاعَ صِيتُهُ بَعْدَ نَشْرِ الدِّيوان كَشَاعِرٍ إبَاحِيٍّ . وَقَدْ هُوجِمَ مِنْ قِبَلِ الشَّرائحِ المُحَافِظَةِ التي اعْتَبَرَتْهُ شِعْرًا إبَاحِيًّا هَدَّامًا . والصَّرَاحَةُ الجِنْسِيَّةُ في البيئة الدِّمَشْقِيَّة المُحَافِظَة كَانَتْ تَعَدِّيًا واضحًا على العاداتِ والتقاليدِ والقِيَمِ، لَمْ يَجْرُؤْ عَلَيْهِ سِوَى شَابٍّ صَغِير السِّنِّ .
يَقُولُ قَبَّاني بأسى عَمَّا جَرَى حِينَ صُدور ذلك الدِّيوان: " أَحْدَثَ وَجَعًا عَمِيقًا في جَسَدِ المَدينةِ التي تَرْفُضُ أنْ تَعترفَ بِجَسَدِهَا أوْ بأحلامِها، لَقَدْ هَاجَمُوني بِشَراسةِ وَحْشٍ مَطْعُون ، وكانَ لَحْمِي يَوْمَئِذٍ طَرِيًّا " .
وفي هذا الدِّيوانِ ، تَتَعَدَّد الأصواتُ الشِّعْرية ، وتَتكاثرُ الاتِّجَاهاتُ الوِجْدانية والحِسِّية ، والقَصائدُ تَتَرَاوَحُ في خِطَابِهَا بَيْنَ العَاشِقِ وَالعَاشِقَةِ ، بَيْنَ البَغِيِّ والفَتَاةِ الضَّحِيَّةِ ، بَيْنَ مُتَسَوِّلِ المُتعةِ العابرةِ وَالواقعِ الهَشِّ الذي قَدْ يُفْضِي لاستجداءِ العاطفةِ .

تُعْتَبَر رواية مِئة عام مِن العُزلة (1967) للروائي الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز ( 1927_ 2014 / نوبل 1982 ) مِن أهَمِّ الأعمالِ الأدبية العالمية على الإطلاق ، حَيْثُ يَرْوي سِيرةَ عائلة بوينديا على مَدى عِدَّة أجيال في مَدينة خيالية تُدْعَى ماكوندو . وَتَعتمد الرِّوايةُ على أُسلوب الواقعية السِّحْرية، حَيْثُ يَمتزج الواقعُ بالخَيالِ ضِمْنَ إطارٍ أدبيٍّ حَالِمٍ .
تُمثِّل الرِّوايةُ إعادةَ تَفْسيرٍ للتاريخِ الكُولومبي، حَيْثُ تَطْرَح أفكارًا جديدةً في كَيفيةِ تأويلِ الأحداثِ اليومية ، وَالوَقائعِ الحياتية ، وَرَبْطِ البُنى المَعِيشية الخُرافية بِالدَّهْشَةِ العَقليةِ والانبهارِ الوِجْدَانيِّ ، وَالهُروبِ مِنْ ضَغْطِ الواقعِ الماديِّ إلى صِناعةِ عَالَمٍ غَرائبيٍّ قادر على إثارةِ الأسئلةِ المصيرية، وتَكوينِ التَّأمُّلاتِ العميقة . وهَكذا يَتِمُّ تَشييدُ فَلسفةِ الحِكاياتِ عَلى الذُّهُولِ وخَلْطِ السِّحْرِ بالواقعِ، والانتقالِ مِنْ حُلْمٍ إلى حُلْمٍ في فَضَاءَاتٍ لُغَوِيَّة ، والقَلَقِ مِنْ خَسَارَةِ الحُلْمِ في ظِلِّ التَّغَيُّرَاتِ المُتَسَارِعَةِ في الزَّمَانِ الافتراضيِّ والمَكَانِ الخَيَالِيِّ ، مِمَّا يُؤَدِّي إلى نَقْلِ الأحكامِ العقليةِ والأفعالِ الاجتماعيةِ مِنْ رَتَابَةِ الحَياةِ اليومية إلى الحَقيقةِ الكَامنةِ في التَّأمُّلِ الرُّوحِيِّ والتَّفسيرِ المَادِيِّ والتَّجْرِبَةِ الإنسانية .
إنَّ القَضايا المُخْتَلِطَةَ في التاريخِ ، وَالمَسَائِلَ المُتَشَابِكَةَ في الحَضَارَةِ ، تُشكِّل سُلطةً ذات طبيعة تَرَاتُبِيَّة عَلى الصَّعِيدَيْن: العائليِّ والمُجْتَمَعِيِّ، وتُمثِّل هُوِيَّةً ذات طبيعة مَركزية عَلى المُسْتَوَيَيْن: المَعنويِّ والماديِّ . وهَذه الأمُورُ مُجْتَمِعَةً تَتَجَسَّدُ في عائلة بوينديا في كُلِّ أجيالِها ، وتَفاصيلِ حَيَاتِهَا ، وَتَحَوُّلاتِ أفكارِها ، ومَسَارَاتِ أحلامِها . وهَذه العَائِلَةُ الخَيَالِيَّةُ المُتَصَوَّرَةُ ذِهْنِيًّا وأدَبِيًّا، صَنَعَتْ أُسْطُورَتَهَا الخَاصَّة في اللغةِ المُدْهِشَةِ السَّاحِرَةِ ، والأُسْلُوبِ المُحْكَمِ الجَذَّابِ . واللغةُ كَمَادَّةٍ خَام ، والأُسْلُوبُ كَتَيَّارٍ حَامِلٍ للحِكَايَاتِ المُتَشَعِّبَةِ ، كِلاهُمَا يَقُومُ عَلى دِقَّةِ الوَصْفِ وَالبَرَاعَةِ في اقْتِنَاصِ اللحظةِ الإبداعية .

إضاءة :
كم نحن بحاجة ماسة للحفر في المتن الشعري والغنائي الإنشادي للتعبيرات الشعبية المغربية التي طالها الإهمال والتناسي. إنه إرث المغاربة الأحرار الذي أبدعه بسطاء المواطنين و الحرفيين و الصناع التقليديين المعبرين بشعرهم وزجلهم و نظمهم الشعبي عما كابدوه من هموم حياتهم ، وما صاغوه من أغراض شعرية لفن الملحون باعتباره أحد التعبيرات الجمالية التي رأت النور في بيئة خاصة ، مذيبة وملهبة لم تعقهم مع ذلك عن الإفصاح بنظم الكلام المعسول ، والصدح بإنشادهم المصقول عن آمالهم وأحلامهم وتصوراتهم للحياة والأحياء ؛ إنها بيئة : "تافيلالت" ، مرتع الإنشاد والطرب، والمروءة والعجب .

  • عن فن الملحون ونشأته :

يرجع الدارسون وفق موسوعة :  "معلمة المغرب " (2)  إلى ظهور البوادر الأولى من شعر الملحون بالمغرب إلى العهد الموحدي في القرن الثاني عشر ويعتبر هذا الفن رافدا أساسيا للذاكرة الفنية المغربية، اتخذ من لهجة المغاربة الأحرار أداته المعبرة عن مشاعر بسطاء القوم من الحرفيين والصناع التقليديين، و قد رأى النور بمنطقة : " سجلماسة "  و " تافيلالت " تحديدا، ثم تطور وانتشر بعد ذلك في المدن التاريخية التي اتخذتها الأسر الحاكمة  في العهود الماضية عواصم لها ك: مراکش و فاس ومکناس وكذا مدينة سلا.

و الملحون شعر شفهي له حفاظه ورواته ومطربوه المنشدون لأشعار شيوخه بفصاحة في الأداء وبيان في الايصال وفق ايقاعات دقيقة بواسطة آلات موسيقية تقليدية من صنع الحرفيين و المغاربة الشعبيين.

و يمكن اعتبار فن الملحون ؛ توثيق للذاكرة الجماعية، وحفظ لتراثها الشفهي من الضياع عبر تسجيلها صوتيا . وهو يختزل بعضا من مقومات الثقافة ؛ المغربية / العربية / الأمازيغية / الاندلسية ،

و مظاهر حياتها الأصيلة.

وقد أدرج هذا الفن أخيرا في القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية بمنظمة اليونيسكو في دورتها الثامنة عشرة ، بتاریخ : 6 دجنبر 2023 .

 إنَّ المَنْفَى لَيْسَ مَحصورًا في إطارٍ زَمَانيٍّ ، أوْ حَيِّزٍ مَكَانيٍّ ، وَذَلِكَ بِسَبَبِ تأثيرِهِ العَمِيقِ في الشُّعُورِ والوِجْدَانِ ، واشتمالِهِ عَلى آلامِ الغُربةِ وَالحَنِينِ إلى الوَطَنِ ، واحتوائِهِ عَلى مَعَاني الاستلابِ والاغترابِ ، رُوحًا ومَادَّةً ، فِكْرًا ومُمَارَسَةً . وَالمَنْفَى لا يَحْمِلُ فَلسفةَ الانتقالِ في الزَّمَانِ فَحَسْب ، بَلْ أيضًا يَصْنَعُ زَمَانَهُ الخاص الذي يَقُومُ عَلى صُوَرِ الذاكرةِ المُحَاصَرَةِ . وَالمَنْفَى لا يُمَثِّلُ فِكْرَةَ الاقتلاعِ مِنَ المَكَانِ فَحَسْب ، بَلْ أيضًا يَصَنَعُ مَكَانَه الخاص الذي يَقُومُ عَلى أحلامِ الوَطَنِ المَفْقُودِ . وهَكذا يُصبح المَنْفَى هُوِيَّةَ مَنْ لا هُوِيَّة لَه ، ويُصبح التاريخُ عِبْئًا عَلى الحَضَارةِ ، وتُصبح الحَضَارَةُ إعادةَ تأويلٍ للتاريخ . فالتاريخُ الشَّخْصِيُّ للفَرْدِ يَطْرَحُ تَساؤلاتٍ عَن قِيمَةِ الإنسانِ بِدُون وَطَنٍ ، والتاريخُ العَامُّ للمُجْتَمَعِ يَطْرَحُ تَسَاؤلاتٍ عَن مَعْنَى الزَّمَانِ بِلا مَكَانٍ . لذلكَ صَارَ المَنْفَى نَوَاةً مَركزيةً في الشِّعْرِ والفِكْرِ عَلى حَدٍّ سَوَاء ، فالشاعرُ الفِلَسْطِينيُّ محمود دَرْويش ( 1941 _ 2008 ) وَظَّفَ المَنْفَى في شِعْرِهِ كَقِيمَةٍ لُغويةٍ وَحَقيقةٍ مُتَشَظِّيَةٍ . يَقُولُ درويش في قصيدته ( رسالة مِنَ المَنْفَى ) : (( مِنْ أيْنَ أبْتَدِي ؟ / وَأيْنَ أنْتَهِي ؟ / وَدَوْرَةُ الزَّمَانِ دُونَ حَد )) .

     صَارَ المَنْفَى عَمليةَ دَوَرَان في حَلْقَةٍ مُفْرَغَةٍ ، لا تُعرَف البِدَايةُ ، ولا تُعرَف النِّهَايَةُ . إنَّهُ مَتَاهَةٌ وُجودية ، والإنسانُ فِيهَا ضَائعٌ وحَائِرٌ ، وَدَوْرَةُ الزَّمَانِ مَفتوحةٌ بِلا حُدُودٍ ، وَتَضْغَطُ عَلى المَشاعرِ والأفكارِ ، وَالوَقْتُ دائمًا طَوِيلٌ عَلى الشخصِ المُعَذَّبِ ، حَيْثُ إنَّهُ يُعَاني في كُلِّ لَحْظَةٍ، وَيَتَمَنَّى لَوْ يَمَرُّ الوَقْتُ سريعًا وَيَنْقَضِي كَي يَرتاحَ مِنَ الألَمِ والعَذابِ ، فالثَّوَاني بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ كَالدَّبَابيسِ المَغروسةِ في جِلْدِه . وَشِدَّةُ الوَخْزِ تَمْنَعُهُ مِنَ الاستمتاعِ بِعُمْرِهِ ، وَشِدَّةُ الألَمِ تَجْعَلُهُ عَاجِزًا عَن قَضَاءِ الوَقْتِ مَعَ أحْبَابِه . حَتَّى هَؤلاء الأحباب لَيْسَ لَهُمْ وُجُود في الواقعِ، فَهُمْ غَائبونَ أوْ مُغَيَّبُون . وَالمَنْفَى قَادِرٌ عَلى تَوليدِ الاغترابِ بشكلٍ مُستمر في الإطارِ الزَّمَانيِّ ، وإنتاجِ الغِيَابِ بشكلٍ دائم في الحَيِّزِ المَكَانيِّ. لذلك ، كانَ المَنْفَى هُوَ الغِيَاب الذي لا يَغِيب ، والمَاضِي الذي لا يَمْضِي .