• تمهيد:
    قاربتُ الديوان انطلاقاً من الإجراء الإحصائي المشفوع باجتهادنا في  التأويل معضوضاً  باستيعابنا للحظات السيميائية القادرة على إضاءة المتن الشعري الموسوم بعنوان (ولدتُ في ظهيرة الضجيج) للشاعرة المغربية (وفاء أم حمزة اجليد) التي راكمتْ في الساحة الثقافية، لحدّ الآن،  ثلاثة إصدارات هي بالترتيب الزمني:
  • انْڭولْ كلمْتِي، و هو إضمامة في فنّ الزجل
  • أغنيات أحفظها عن الملائكة، ديوان في قصيدة النثر
  • ولدتُ في ظهيرة الضجيج، ديوان في قصيدة النثر
  • و ديوان قيد الطبع بعنوان (صافْلُو) في قصيدة النثر
  • مدخل منهجي:

يهتم الإجراءُ الإحصائي بـ (تتبع السمات الأسلوبية و معدّل تواترها وتكرارها في النص)1. ذلك أنّ أحد أهدافنا من هذه المقاربة هو جعل الأرقام تنطق بالدلالة. من هنا تتبعُنا للظواهر المعجمية في الديوان و تراكماتها داخل ثنائية القصدية و عدم القصدية، في احترازٍ منهجي نقول فيه إننا لا نستنطق المفردات المتراكمة و المترددة داخل معتقل القاموس الفارض أنساقَهُ الماهوية المرتبطة بالحدود و التعريفات، و إنما نستنطقها داخل سياق الديوان ككل و داخل القصيدة كجزء من هذا الكل، باعتبارهما رؤيا تتجاوز الحدود المعجمية، علماً أن الوقوف عند مخرجات الأرقام لا يقدم الدرس النقدي في شيء إذا اكتفى بعملية العدّ و الرّصد من أجل العدّ و الرّصد فقط... الإحصاء إجراء تقني يمثل وساطة لا غاية.

الإجراء الإحصائي في دراستنا هذه لا قيمة له إلّا داخل المنهج التأويلي السيميائي الذي حرصنا في مقاماته على دمغه بشرطين:

  • شرط العلامة الفائضة، و يتعلق الأمر بدراسة العلامة في ذاتِها و في تداعياتها. مثال ذلك رصد علامة (الماء) داخل ذاتها بما هي ملفوظة عبر الفونيمات التالية (م – ا – ء )، ثم في تداعياتها بما هي ظلال قد تنبع من الاشتقاق مثل (المياه – مائيّ...) و قد تتأتـّى من المعنى في تعبيراته المختلفة مثل ( الغيم – السحاب – البحر – أغسل ... و ما جاور ذلك).

هذه التداعيات هي في عمق التحليل تأسيسٌ لممكناتِ وجودٍ مجازية تصنعها الذات المؤوّلة على شكل دلالة. و مثال ذلك قول الشاعرة:

كان يمكن أن أكون نورسة – 2

     إنَّ الشِّعْرَ الغِنائيَّ لَيْسَ تَجْميعًا عَبَثِيًّا للقِيَمِ العاطفيَّة، وإنَّما هُوَ تَعْبيرٌ عَن العَواطفِ الخالصة ، وتَجسيدٌ للمَشاعرِ الإنسانية النبيلة . ويَمْتاز بِحَرارته وخَيَالاتِهِ وتأثيرِه في المُتَلَقِّي ، وتَجَاوُزِ الواقعِ ، وكَشفِ أسرارِ الذات الإنسانية ، والمُوازنةِ بَيْنَ أفراحِها وأحزانِها .

     والشِّعْرُ الغِنائيُّ لَيْسَ مَحصورًا في الغَزَلِ وَوَصْفِ مَحاسنِ المَرأة ، بَلْ هُوَ رُمُوزٌ معرفية ، وَرُؤيةٌ وُجودية ، وأفكارٌ اجتماعية ، وهَكذا تَتَّسِعُ اللغةُ الشِّعريةُ لِتَشْمَلَ المَشاعرَ الحاملة للعَلاقات الاجتماعية ، وَتَحْتَضِنَ المواضيعَ المُتَغَيِّرَةَ والأحوالَ المُتَقَلِّبَةَ في حَياةِ الإنسانِ ، وتُعيدَ صِيَاغَةَ التفاصيلِ الحَيَّة في التُّرَاثِ ، وَتَدْمُجَ التَّجْرِبَةَ الذاتيةَ معَ التَّجْرِبَةِ الاجتماعية باستخدامِ الصُّوَرِ الفَنِّية المُدْهِشَةِ ، والإيقاعِ الكَلِمَاتيِّ شَدِيدِ الوَقْعِ في النَّفْسِ الإنسانية .

     والصُّورةُ الشِّعريةُ هِيَ حَجَرُ الأساسِ في بِنَاءِ القصيدةِ الغِنائية ، والزَّمَنُ الحقيقيُّ القادر عَلى تَكثيفِ الأفكارِ في لَحظةٍ لُغَويةٍ واحدة شديدة التَّركيز ، والرابطةُ الوُجودية بَيْنَ الإنسانِ والأرضِ ، والعَلاقةُ المَصيرية بَيْنَ خَيَالِ الإنسانِ وَمَشَاهِدِ الطبيعة ، والصِّلَةُ المَنطقيةُ بَيْنَ اللغةِ والرَّسْمِ ، باعتبار أنَّ اللغةَ هِيَ الرَّسْمُ بالكَلِمَاتِ ، والرَّسْمُ هُوَ الكِتَابَةُ بالألوان . كَمَا أنَّ الصُّورةَ الشِّعْرية تُحَقِّقُ التَّوَازُنَ بَيْنَ التَّجْرِبَةِ النَّفْسِيَّةِ والتَّجْرِبَةِ الاجتماعية ، اعتمادًا عَلى البِنَاءِ اللغويِّ المُتَمَاسِك ، واستنادًا إلى مَصادرِ المَعرفةِ التي تَتَكَاثَر باستمرار نَتيجة البَحْثِ عَن المَعْنى . مِمَّا يُؤَدِّي إلى إعادةِ اكتشافِ جَوْهَرِ الشِّعْرِ بِوَصْفِهِ عَملية تَزَاوُج بَيْنَ ذَاتِيَّةِ الشاعرِ وَتَجْرِبَتِهِ الوِجْدَانِيَّة ، وَالغَوْصِ في أعماقِ العَواطفِ بِكُلِّ أبعادِها المَعنوية والمادية .

     وَيَرتبطُ الشِّعْرُ الغِنائيُّ بشكلٍ وثيق بالمُوسيقى ، والإيقاعُ والنَّغَمُ والتَّنَاغُمُ الصَّوْتِيُّ هِيَ عناصر أساسيَّة في بِنَائِهِ المَعْنَوِيِّ وهَيْكَلِهِ الرَّمْزِيِّ ، وَيَتَميَّزُ بِرَهَافَةِ الأُسلوبِ ، وَنَقَاءِ الإحساسِ ، وَشَفَافِيَّةِ الصُّورةِ ، والصَّفَاءِ العاطفيِّ. وكُلُّ هَذه المُكَوِّنَاتِ مُجْتَمِعَةً تُمثِّل رُوحَ التَّعبيرِ الفَنِّي ، وتُجسِّد قُدرةَ الفِعْلِ الشِّعْرِيِّ عَلى حَمْلِ المَشاعرِ الشَّخْصِيَّة، ونَقْلِ التَّجَارِبِ الحَيَاتِيَّة، وتَكثيفِ المَعَاني المُتَشَظِّيَةِ دَاخِلَ فِكْرَةٍ واحدة، مِنْ أجْلِ تَسْهِيلِ تَركيزِ الانطباعِ لَدَى المُتَلَقِّي ، اعتمادًا على العُمْقِ اللغويِّ ، والتراكيبِ المُوحِيَة ، وَسَلاسَةِ الأفكارِ ، وَالصِّدْقِ الشُّعُورِيِّ ، والذَّاتِيَّةِ في التَّعبير ، وَهَذا مِنْ شَأنِهِ تَجذيرُ الهُوِيَّةِ الثقافية، وتَرسيخُ سُلطةِ النَّصِّ الأدبيِّ ، وتَثبيتُ القِيَمِ الاجتماعية ، لَيْسَ بِوَصْفِهَا أنظمة استهلاكية مُعَاشَة ، بَلْ بِوَصْفِهَا حالات إبداعية مُتَجَدِّدَة وَمُتَدَفِّقَة .

     رَفْضُ الجَوائزِ الأدبية مِنْ قِبَلِ بَعْضِ الكُتَّابِ لَيْسَ حالةً مِزاجيَّةً أوْ حَرَكَةً عَفْوِيَّة ، بَلْ هُوَ سِيَاسة مَنهجية قائمة عَلى مَوْقَفٍ وُجوديٍّ مُسْبَقٍ ، وَفَلسفةٍ مَعرفية ، وقَنَاعَةٍ ذاتيَّة . وفي بَعْضِ الأحيان ، قَدْ يُجْبَرُ الكاتبُ عَلى رَفْضِ الجائزة مِنْ قِبَلِ السُّلطة الحاكمة لاعتبارات سِيَاسية بعيدة كُلَّ البُعْدِ عَن الأدبِ والثقافة .

     مِنْ أبرزِ الكُتَّابِ المعروفين برفضِ الجوائز ، الكاتبُ المَسرحي الأيرلندي جورج بِرْنارد شو ( 1856 _ 1950 ) . يُعْتَبَر أحَدَ أشهر الكُتَّاب المَسْرحيين في العَالَم ، وهو الكاتب الوحيد في التاريخ الذي حازَ على جائزة نوبل للآداب ( 1925 ) ، وجائزة الأوسكار لأحسن سيناريو ( فيلم بيجماليون في عام 1938 ) .

     فَجَّرَ بِرْنارد شو مُفاجأةً مِنَ العِيَار الثقيل ، حَيْثُ رَفَضَ جائزةَ نوبل حِينَ أُعْلِنَ فَوْزه به ، مُقَلِّلًا مِنْ قِيمتها ، وَمُتَهَكِّمًا مِنْ صَانِعِهَا : (( قَدْ أغْفِرُ لنوبل اختراعَه للدِّيناميت ، لَكِنَّني لا أغْفِرُ لَهُ اختراعَ جائزة نوبل )) .

     ولكنَّه قَبِلَهَا عام 1926 بعد ضُغوطات كثيرة ، وقال : (( إنَّ وطني أيرلندا سَيَقْبَل هذه الجائزة بسرور , ولكنَّني لا أستطيعُ قَبول قِيمتها المادية . إنَّ هَذا طَوْقُ نَجَاةٍ يُلْقَى بِه إلى رَجُلٍ وَصَلَ فِعْلًا إلى بَرِّ الأمان , ولَمْ يَعُدْ عليه مِن خطر )) .

     وَقَدْ تَبَرَّعَ بقيمة الجائزة لإنشاء مؤسسة تُشَجِّع نَشْرَ أعمال كِبار مُؤلِّفي بِلاد الشَّمَالِ باللغة الإنجليزية .

     وَالفَيلسوف والأديب الفرنسي جان بول سارتر( 1905_1980) رَفَضَ جائزة نوبل للآداب ( 1964 ) ، فَهُوَ يَعْتبر أنَّه لا يَسْتحق أيُّ شخص أن يُكَرَّم وَهُوَ عَلى قَيْدِ الحَيَاة ، كما رَفَضَ أيضًا وِسَامَ جَوْقَةِ الشَّرف في 1945 . كانتْ هَذه التَّكريمات بالنِّسْبَةِ إلَيْهِ تَقْييدًا لِحُرِّيته ، لأنَّها تَجْعَل مِنَ الكَاتِبِ مُؤسَّسَةً . وظلَّ هذا المَوْقِفُ شهيرًا ، لأنَّه يُوضِّح مِزَاجَ المُثَقَّف الذي يُريد أنْ يَكُونَ مُسْتَقِلًّا عَن السُّلطةِ السِّياسية .

     وفي عام 1976 ، قَبِلَ سارتر تكريمًا وحيدًا في حَيَاته ، وهو الدُّكتوراة الفَخْرية مِنْ جامعة أُورُشَلِيم العِبْرِيَّة ، وَقَدْ تَلَقَّاها مِنْ سِفَارَةِ إسرائيل بباريس . لَقَدْ قَبِلَ هذه الجائزة فقط لأسباب سياسية ، " لِخَلْقِ رابط بَيْنَ الشَّعْبِ الفِلَسْطِينيِّ الذي أتَبَنَّاهُ وإسرائيل صَدِيقتي " .

صحيحٌ لكلّ فصل من فصول السنة طقوسٌ مميّزة في الاستجمام، ولكنّ فصل الصيف له نواميس خاصة في القراءة والسفر والدّعة، فهو الفصل الذي يجعلني في حِلّ من التزامات الشغل وضوابطه. ولهذا أرى الصيف إغواء بالرحيل في الكتب، والرحيل في الجغرافيا أيضا، وكلاهما عندي انعتاق. وقد يقول قائل لكلّ فصل قراءاته ولكلّ موسم آدابه، ولكن في عرفي لا ارتباط للفصول والمواسم بنوعية القراءة. ولذلك أتحيّرُ من مكتبات إيطاليا، حين توزع أشهر السنة وفصولها على نوعيات مخصّصة من الكتب والمؤلفات، تُعرض دوريا على القراء. فهناك موسم لكتب الفاشية، وآخر لكتب الشواه (المحرقة)، وثالث لشواغل السياسة الداخلية واستتباعاتها الدولية، وغيرها من تدفقات النشر المرتبطة بالأحداث والوقائع التي تشغل الرأي العام؛ وضمن سياق دورة الماركتينغ تلك، هناك كتب الكلاسيكيات التي تعود دوريا تبعًا للفصول والمواسم، وكأنّ أصحابها يبعثون من مراقدهم من جديد. في حين ثمة كتّاب أحياء يُدفعون قسرًا إلى الواجهة وبإلحاح لغرض تكريسهم. أُدرك جيدا اشتغال ماكينة النشر في الخلف التي تُظهر من تريد وتحجب من تريد، ولكن ذلك حديث آخر عن صناعة النجوم في الفكر الآداب.

أعود إلى عُرف القراءة لديّ، غالبا على مدار السنة ما أنتهز فرصة المطالعة كلّما وجدت متّسعا من الوقت خارج ضوابط التدريس، وإن كان الشغل لديّ بدوره على صلة وثيقة بالقراءة ومتابعة الجديد، ولكن في هذا الجانب القراءة هي نوع من الفعل الإلزامي. وعلى العموم في تقليد القراءة معي ثمة ضربان من القراءة: إحداهما إلزامية على صلة بالدرس والبحث والترجمة والكتابة، والأخرى اختيارية للمتعة والانعتاق، أي لأدنوَ من فهم العالم والترويح عن النفس. فلست من صنف جمّاعي الكتب وتكديس الوثائق، للفرجة أو للتخزين أو للاستعراض، بل أحاول أن أَلْتهم في التوّ ما تقع عليه يديّ ولا أعرف للادّخار في ذلك سبيلا.

وكما هو الصيف إغواء بالرحيل في الكتب والقراءة الماتعة، هو أيضا إغواء بالرحيل في الجغرافيا لدى شقّ آخر من السائحين والحالمين، وكأنّ في الرحيل شفاء للروح من فَقْد دفين في الذات، يلازمها منذ مراحل الطفولة الأولى. ولعلّ الرحيل في ما دأبتُ عليه، فرصة للانبعاث والتعمّد ثانية، وذلك منذ أن هجرت مرابع الطفولة واخترت روما مقاما. ولا أسمّي مقامي الروماني دار الهجرة، أو مقام الاغتراب، أو بلد المنفى، كما يقول البعض، لأنني حين أخلو بنفسي لا أجد شيئا من ذلك الإحساس، ربما لأني في علاقتي بالمقام والرحيل على مذهب ذلك الرجل الذي يرى "أنّ من يجد وطنه حلوًا ليس إلا عاطفيا مبتدئا، وأما من يجد في كل أرض أرضه فهو إنسان صلب، ووحده الذي بلغ الكمال هو الذي يكون العالم كلّه، بالنسبة إليه، كالبلد الغريب".

شهدت الساحة الأدبية على مر أزمنة مضت اتجاهات نقدية سعت إلى دراسة النصوص الأدبية وتناولتها من جوانب شتى، فارتبط النقد العربي في محطاته المتأخرة بالمنجز الغربي ونقل مناهجه وحاول تطويعها لتناسب الإبداع العربي،  وقد مر النقد عبر هذه الأزمنة بالعديد من التحولات المنهجية بدءا بالنقد الانطباعي الذي عادة ما كان يلامس الشعر وبلاغته، مرورا بالمناهج الموضوعية التي جندت أدواتها الإجرائية وفق تصورات محددة لدراسة النصوص،  كالمناهج السياقية/الحديثة (التاريخي، والاجتماعي، والنفسي) والتي تناولت دراسة النصوص و نقدها استنادا على مشيرات خارجية، ثم المناهج النسقية (الحداثية)التي اهتمت بالبحث  داخل النص  نفسه، فسعت البنيوية كنموذج لها إلى تأسيس مذهب نقدي يعتمد في شرعيته على منهج علمي تجريبي، وتبنت النموذج اللغوي كمدخل للمقاربة البنيوية للنصوص الأدبية، وحينما تأكد قصور النموذج اللغوي في تحقيق المعنى، واكتشف أنه يعجز عن تقديم نموذج عام للتطبيق على جميع النصوص بنفس القدرة، سقط المشروع البنيوي لتنبثق من عباءته مناهج ما بعد الحداثية، حيث انفتح النقد الأدبي على العديد من النظريات الجديدة من حيث الأسس والمبادئ، وانفتح أيضا على القارئ الذي همشته البنيوية/ الحداثية، فأصبح مصدرا إبداعيا لا متناهي القراءات وبالتالي الدلالات،  وأصبح نقد ما بعد البنيوية يجسد مبادئ نقدية مستمدة من تراكمات فلسفية للفكر الإنساني، فجاء ثائرا متمردا على مقولات الفكر الحداثي الغربي، وأعلن في مرحلة نضج المنهج البنيوي على ظهور المنهج التفكيكي بآلياته المبتكرة في مجال تحليل النصوص، مسيطرا على السياقات النقدية، محاولا دمج الوعي المعاصر في عمليات توليد المعنى، وبالتالي تجدد هذا الأخير وتغيره المستمر نتيجة عدم استقرار الحركية الزمكانية لهذا الوعي. واستنادا على هذا التحول الدياكروني للمناهج النقدية، ارتأيت التوقف عند المنهج التفكيكي، ومعاينة الأسس والمبادئ الفلسفية التي قام عليها، والوقوف على جملة الآليات الإجرائية التي توسل بها.

- الأسس والمبادئ

خلال القرن 17 أقامت التجريبية فلسفتها على إمكانية المعرفة اليقينية عن طريق الاعتماد على الحواس والثقة في المعرفة، والقول بتأسيس المعرفة على سلطة الحواس يعني الشك في سلطة اليقين، واستمرت التجريبية كمنهج لتحقيق المعرفة اليقينية إلى أن شككت الفلسفة المثالية مع كانط في قدرة الخارج وحده على تحقيق تلك المعرفة، وأصبحت التجريبية موضع الشك قابله يقين قدرة العقل بمقولاته الميتافيزيقية[1] العليا، بعدها بدأت دورة جديدة للثنائية( الشك واليقين) ظهرت فيها البنيوية وازدهرت لفترة من الزمن في أحضان العلم والتجريب، وفي منتصف القرن الماضي ( بعد الحرب العالمية الثانية)انعكست الثنائية من جديد وعاد الشك الفلسفي من جديد، ولكنه شك في كل شيء، وفي خضم هذه الثنائية، انبثقت التفكيكية[2].

يُعْتَبَر الفَيلسوفُ والرِّوائيُّ الإيطاليُّ أمبرتو إيكو ( 1932 _ 2016 ) مِنْ أبرزِ الكُتَّابِ العالميين الذينَ جَمَعُوا بَيْنَ الفَلسفةِ والرِّوايةِ،وهَذا يَتَجَلَّى بِوُضوحٍ في روايته الشَّهيرةِ " اسم الوردة " ( 1980 ) ، التي تُصنَّف كواحدةٍ مِنْ أعظمِ الأعمالِ الأدبية في القَرْنِ العِشرين .

     تَدُورُ أحداثُها في دَيْرٍ إيطاليٍّ في القَرْنِ الرابع عَشَر ، حَيْثُ تُرتَكَب سِلسلة مِنَ الجَرائمِ الغامضةِ يَذهَب ضَحِيَّتَهَا عَدَدٌ مِنَ الرُّهْبَانِ . ويَمتزِجُ في الرِّوايةِ التَّشويقُ والفَلسفةُ ، وتَختلِط فِيها عَناصرُ الجَريمةِ ومَبَادئُ التاريخِ وعِلْمُ الرُّمُوزِ ، وُصولًا إلى مُناقشةِ العَلاقةِ بَيْنَ الإيمانِ والعَقْلِ . وهَذا يُؤَكِّد أنَّ الأدبَ يُمكِن أنْ يَكُونَ وَسيلةً فَعَّالةً لطرحِ أسئلةٍ وُجوديةٍ وفِكْرية عميقة .

     عُرِفَ إيكو في بِدايةِ مَسيرته الثقافية بِمُؤلَّفاته النظريةِ في فَلسفةِ اللغةِ وَعِلْمِ الدَّلالةِ في بُنْيَةِ النَّصِّ الأدبيِّ ، ولَمْ يَبْدَأ تجربته الأدبيةَ إلا بَعْدَ أنْ قاربَ الخمسين مِنْ عُمْرِه . ويُوصَف بأنَّه رائدُ عِلْمِ السِّيميائيَّة ، وَهُوَ العِلْمُ الذي يَدْرُسُ الرُّمُوزَ والعَلاماتِ ، ويَهْدِفُ إلى فَهْمِ كَيفيةِ إنشاءِ المَعنى وتَفْسِيرِه في مُختلَف السِّيَاقَاتِ الثقافيةِ والاجتماعية .

     إنَّ الرِّوايةَ بالنِّسبةِ إلى إيكو لَيْسَتْ سَرْدًا للأحداثِ والوَقائعِ فَحَسْب ، بَلْ هِيَ أيضًا عَالَمٌ مِنَ الرُّمُوزِ التي تَدْفَعُ باتِّجاهِ التَّفكيرِ الفَلسفيِّ العَمِيقِ ، وَفَضَاءٌ مِنَ العَلاماتِ التي تُؤَدِّي إلى تَحليلِ الأشياءِ ، وتَفسيرِ الثقافةِ هُوِيَّةً وَسُلطةً ونَظريةً وتَطْبيقًا .

     والرِّوايةُ هِيَ الوِعَاءُ الحَاضِنُ للمَبادئِ الفَلسفيةِ المَنثورةِ في مُؤلَّفات إيكو غَيْرِ الأدبيَّةِ ، التي تَتَنَاوَل تفاصيلَ السِّيميائيَّة ، وَمَواضيعَ القُرونِ الوُسطى ، وأُسُسَ النَّقْدِ الثقافيِّ والاجتماعيِّ. والنَّصُّ السَّرْدِيُّ هُوَ نُقْطَةُ التَّوَازُنِ بَيْنَ الظواهرِ السِّيميائيَّة والظواهرِ الثقافية، حَيْثُ تُصبح الكَلِمَاتُ رُمُوزًا تُشكِّل نِظامًا مَنْطِقِيًّا مَعَ بَعْضِهَا البَعْض ، وتَصِير المَعَاني إشاراتٍ تَدْمُجُ هُوِيَّةَ الفِعْلِ الاجتماعيِّ مَعَ الوَقائعِ التاريخيةِ القائمةِ على الاتِّصَالِ بَيْنَ الثَّقَافَاتِ ، وَالتَّوَاصُلِ مَعَ العَناصرِ المُحيطةِ بالفَرْدِ والجَمَاعَةِ ، مِمَّا يُؤَدِّي إلى تَكوينِ إطارٍ تاريخيٍّ للأفكارِ والأشياءِ ، وتأسيسِ مَرجعيةٍ مَعرفيةٍ تَتَعَامَل مَعَ التَّجَارِبِ الإنسانيَّةِ في المُجتمعِ كأنظمةٍ عَقْلانيَّةٍ وَرُمُوزٍ لُغويَّةٍ وَمَهَارَاتٍ إبداعيَّة .

 1.مقدمة في اللسانيات التنموية
1.1.نظرة استكشافية
يقول جان بول سارتر" الإنسان هو اللغة، إن الإنسانَ هو أولا ما يقولُه"،[1] لكن اللغة تتعدى هذه المقولة وتتعدى بذلك كونها تعبيرا عن الفكر أو وسيلة للتواصل إلى كونها وسيلة الحركة الإنسانية كلها، سواء تعلق الأمر بالمجال العلمي، الاجتماعي، التربوي، الاقتصادي، أو السياسي، فاللغة وعاء ذلك كله ووسيلة ذلك كله، وإذا تراجعت اللغة توقفت الحركة الإنسانية وتوقف معها الاتصال والتواصل بل وحتى التفاهم، حتى لو كان بإمكاننا تصور مجتمع بدون نظام لغوي فلا يمكننا تصور وضع راهن لمجتمع بدون  مراكز بحث وعلوم ومؤسسات تعليمية ووسائل اتصال ومعاملات بنكية وتجارية... ولا يمكن تحقيق أي من هذه الأنشطة بدون لغة، مادام التطور والتقدم مرتبطين بالناس فإن المساهمة التي يطلب منهم تقديمها هي من خلال المشاركة في التواصل ونشر المعلومات وتبادل المعرفة والتغذية الراجعة واكتساب المهارات، وما ينبغي ملاحظته هو أنه عندما ينظر إلى الأسباب التي تؤدي إلى الفشل في تحقيق أهداف التنمية لا يتم ذكر اللغة كعامل مساهم بل يُنظر إلى التنمية من منظور ضيق يرتبط بما هو اجتماعي واقتصادي مع إهمال العامل البشري، فاللغة هي الحلقة المفقودة في محاولات النهوض بالمجتمعات البشرية. وهذا ما يجعلنا نتساءل:  كيف يمكن للغة أن تساهم في تحقيق التنمية؟ - وما دور اللغوي في ذلك؟

1.1.1.نظرة في المصطلح

 - مفهوم اللسانيات

تعد اللسانيات la linguistique من العلوم المستحدثة، حيث يوثق لظهورها بداية القرن العشرين، ورغم ذلك احتلت مكانة كبيرة في حقل العلوم الإنسانية، أطلق عليها العرب عدة تسميات من قبيل: اللسانيات، اللّسنِيات، الألسنية، وعلم اللغة العام، وفقه اللغة، وعلم اللغة، وهي تسميات لمصطلح واحد أخذ جذره اللغوي من مادة لسن، و"اللسن الكلام ولاسنه ناطقه"[2]. يعرفها الحليلي" أنها العلمُ الذي يدرس اللغات الطبيعية الإنسانية في ذاتها، مكتوبةً أو منطوقة كانت أم منطوقة فقط ... وتهدف إلى وصف وتفسير أبنية هذه اللغات واستخراج القواعد العامة المشتركة بينها والقواعد الخاصة التي تضبط العلاقات بين العناصر المؤلفة لكل لغة على حدة[3]، هذا التحديد لا ينفي انشغال العلماء والفلاسفة قديما باللغة غير أن انشغالهم هذا كان مجرد انطباعات حول اللغة أخذت صفتها العلمية مع ظهور لسانيات دو سوسير التي شكلت مهد الدراسات اللغوية التي سادت في أوروبا وأمريكا بكل اتجاهاتها إلى حدود يومنا هذا، وحسب الحليلي لا ينظر إلى موضوع اللسانيات على أنه اللغة بمعناها العام أي الملكة اللغوية والقدرة على اللغو بغض النظر عن العرق والجنس والمجتمع، وإنما هو  اللسانla langue  ذلك النسق من القواعد المجردة العامة المشتركة بين المتكلمين داخل مجتمع واحد.[4] وهذا إن دل فإنما يدل على أن أصل اللغة  عند الأفراد نابع من طبيعتهم الاجتماعية التي تلازمهم، ومن حاجاتهم إلى التواصل مع الأخر.

-مفهوم التنمية

جاء مفهوم التنمية في المعاجم العربية بمعنى الارتفاع والزيادة،[5] وارتبط هذا التعريف بالمعنى الاصطلاحي أيضا،  فتعلق حصرا بالجانب الاقتصادي والاجتماعي، فكانت العناصر المادية هي المحدد الأساس للتنمية، لكن لاحقا اتسعت الرؤية بخصوص هذا المفهوم وأصبحت أكثر شمولية، فعندما تُحدد التنميةُ بدقة بحيث ترتبط بنمو الإنتاج وارتفاع الناتج المحلي الإجمالي أو الدخل الفردي وتوزيع الثروات والاستثمارات الأجنبية، فنحن هنا أمام وضع يسمى" بالنمو الاقتصادي" وليس" التنمية الاقتصادية"، لأن الوضع الأول مرتبط بالقيمة والسلع والخدمات، بينما الوضع الثاني يرتبط برفاهية المواطنين، بحيث من الممكن تحقيق نمو اقتصادي دون تنمية اقتصادية، فقد تُسجِّل دولةٌ ما ارتفاعا في الناتج المحلي الإجمالي بينما يعيش أفرادها في فقر مدقع، لكن لا يمكن إنكار أن النمو الاقتصادي أحدُ جوانب عملية التنمية المستدامة، فهذه الأخيرة هي الغاية بينما النمو الاقتصادي مجرد وسيلة.[6]

     إنَّ العُزلة لَيْسَتْ شُعورًا نَفْسِيًّا فَحَسْب، بَلْ هِيَ أيضًا فِكْرَة حَيَاتِيَّة تَمْزُجُ بَيْنَ التأمُّلِ الوُجوديِّ وَرُوحِ الاكتشافِ ، مِنْ أجْلِ الوُصولِ إلى اليَقِينِ على الصَّعِيدَيْن المَعنويِّ والمَاديِّ . والعُزلةُ هِيَ نُقْطَةُ التَّوَازُنِ في إفرازاتِ الذاكرةِ، وَمِحْوَرُ الارتكازِ في الأسئلةِ الفَلسفيَّةِ العَميقةِ، وَفَلسفةُ التَّحَرُّرِ مِنْ حَيِّزِ المَكَانِ وَضَغْطِ الزَّمَانِ. وبالتالي ، تُصبح العُزلةُ خُلاصةً للمَشاعرِ الداخليَّة ، ودَليلًا عَلى وُجودِ الحُلْمِ المَقموعِ في عَوالمِ النِّسيان .

     وَمِنَ الذينَ نَقَلُوا العُزلةَ مِنْ المَفهومِ المَاديِّ التَّجْرِيدِيِّ إلى المَعنى الأدبيِّ الإبداعيِّ، الرِّوائيُّ الأمريكيُّ بول أوستر ( 1947 _ 2024 ) . يُعَدُّ كِتَابُهُ " اختراع العُزلة " ( 1982 ) مُذَكَّرَاتٍ عَنْ وَفَاةِ وَالِدِه ، وتَأمُّلاتٍ شخصية في فِعْلِ الكِتابةِ وَالخَسَارَةِ وَالوَجَعِ والفَقْدِ . يَنقسِم الكِتَابُ إلى جُزْأَيْن ، الجُزْءُ الأوَّلُ : صُورة رَجُلٍ خَفِيٍّ . يتناول المَوْتَ المُفَاجِئ لِوَالِدِه، حَيْثُ يُبَيِّن أوستر طبيعةَ غِيابِ وَالِدِهِ في حَيَاتِهِ وبَعْدَ مَوْتِه ، ويُعيدُ بِنَاءَ حَياةِ وَالِدِهِ مِنَ القِطَعِ الأثرية التي تَرَكَهَا وَرَاءَه . والجُزْءُ الثاني : كتاب الذاكرة . وَهُوَ سَرْدٌ بِضَميرِ الغائبِ ، حَيْثُ تَبْرُزُ المَوضوعاتُ المَوجودةُ في أعمال أوستر اللاحقة ، مِثْل : تَرتيب الأحداث ، والعَبثية ، والوُجودية ، والصُّدْفَة ، وعَلاقة الأبِ والابْنِ ، والبَحْث عَن الهُوِيَّةِ والمَعاني الإنسانيَّةِ . وَيَعتبر النُّقَّادُ " اختراع العُزلة " مِفتاحًا لِتَفسيرِ أعمال أوستر السَّرْدِيَّة والشِّعْرِيَّة ، وَهُوَ جَوْهَر أعمالِه كُلِّهَا .

     لَقَدْ قَامَ أوستر _ مِنْ خِلالِ شخصيةِ الأبِ _ باختراعِ العُزلةِ شُعورًا وسُلوكًا ، عَبْرَ الحَفْرِ في الذاكرةِ ، والغَوْصِ في المَاضِي الذي لا يَمْضِي ، وَتَفْسِيرِ مَعنى الخَسَارَةِ ، واسترجاعِ الذِّكْرَيَاتِ اعتمادًا على المُقْتَنَيَاتِ التي تَرَكَهَا هَذا الأبُ الذي يَتَّصِفُ بِالغُموضِ والخَفَاءِ والغِيَابِ.إنَّهَا رِحْلَة بَحْث مُضْنية عَنْ أبٍ مَعْزُولٍ ، وَغَامِضٍ ، وَغَرِيبِ الأطوارِ ، وَغَيْرِ مَرْئيٍّ ، وَلَمْ يَكُنْ حاضرًا بِما فِيه الكِفَاية في حياة أُسْرته .

     ولا يُمكِن حَصْرُ مَفهومِ العُزلةِ في الروابطِ الأُسَرِيَّةِ والعَلاقاتِ الاجتماعيَّةِ ، فالعُزلةُ مَنظومةٌ إنسانيَّة على تَمَاس مُباشر مَعَ الشَّخصيةِ والهُوِيَّةِ،وهَذا يَتَّضِح في كِتاب" مَتاهة العُزلة " ( 1950 ) للأديب المَكْسيكي أوكتافيو باث ( 1914 _ 1998 / نوبل 1990 ) ، وَهُوَ يُعْتَبَر أهَمَّ أعمالِه على الإطلاق . وقد أشادت به الأكاديمية السويدية عندما منحته جائزة نوبل . وحاولَ فيه باث أن يَتَحَرَّى عَنْ شخصية الإنسان المَكْسيكي ، وَيَسْبُر أغوارَها .