مُنذ عُقود ، يتكرَّر السؤال في الأوساط الثقافية العربية : لماذا لم يحصل أدونيس ( وُلد 1930 ) على جائزة نوبل للآداب رغم حضوره العالمي وترجماته الواسعة ؟ . ويكاد هذا السؤالُ يتحوَّل إلى مُسلَّمة ضِمنية تفترض أنَّه يستحق الجائزةَ ، وأنَّ عدم منحه إيَّاها هو تقصير أوْ تحيُّز . غَيْرَ أنَّ مُقارَبة هذا السؤال بجدية تستدعي مراجعة نقدية عميقة لتجربته ، بعيدًا عن الهالة التي أحاطتْ باسمه ، والنظر في أعماله بوصفها نصوصًا قابلة للفحص لا أصنامًا ثقافية .
يُقَدَّم أدونيس غالبًا كشاعر حداثي كبير ، لكنَّ جُزءًا كبيرًا من إنتاجه يُعاني من غُموض مُفرِط لا يَنتج عن كتافة دَلالية بِقَدْرِ ما يَعكس انفصالًا عن التجربة الإنسانية المُباشرة . الكثيرُ مِن نُصوصه تبدو مشغولة باللغة ذاتها أكثر من انشغالها بالمعنى ، وكأنَّها تُمارس نوعًا من " الكتابة عن الكتابة " . هذا النمط قد يُثير الإعجابَ في إطار نُخبوي محدود ، لكنَّه يفقد قُدرته على التأثير الواسع الذي يُعَدُّ أحد معايير التقدير العالمي . والأدبُ العظيم _ حتى في أكثر تجلياته حداثةً _ يحتفظ بخيط تواصل مع الإنسان العادي . أمَّا في تجربة أدونيس فنجد ميلًا واضحًا إلى الانغلاق داخل شبكة من الرموز والإحالات الثقافية المُعقَّدة التي تتطلَّب قارئًا متخصصًا لفكِّ شيفراتها . هذا لا يُعَدُّ ميزة ، بَلْ يُفَسَّر على أنَّه عَجْز عن بناء خطاب إنساني شامل ، وهو ما يَجعل أعماله أقل قُدرة على اختراق الثقافات المختلفة مُقارَنةً بأدباء عالميين آخَرين .
لا يُمكن فصل شِعر أدونيس عن مواقفه الفكرية التي أثارتْ جدلًا واسعًا ، فقد تبنَّى خطابًا نقديًّا حادًّا تجاه التراث العربي والإسلامي ، لكنَّه في الوقت نَفْسِه لَمْ يُقَدِّمْ بديلًا فكريًّا متماسكًا . هذا التناقضُ جعل مشروعه قائمًا على الهدم لا البناء ، وهو ما يُضعِف مِن قيمة " المشروع الأدبي المتكامل " الذي تَبحث عنه لجان الجوائز الكُبرى.ورغم ترجمة أعماله إلى لغات عديدة ، فإنَّ تأثير أدونيس في الأدب العالمي ضعيف ومحدود . والحُضورُ الأكاديمي أو الاحتفاء النقدي لا يكفيان ، إذْ إنَّ الجائزة غالبًا ما تذهب إلى مَنْ يَترك أثرًا عميقًا في الوعي الإنساني العام، لا في دوائر نقدية ضيقة فقط. وهُنا يَظهر الفرقُ بين الانتشار الشكلي والتأثير الحقيقي .
فليني و التحليل النفسي: نحو منظور جديد للسينما - نورالدين بوخصيبي
منذ نشأتها مع الأخوين لوميير، اعتُبرت السينما بصفة عامة مرآةً للواقع، وسيلةً لتصوير ما نعيشه ونراه. غير أن المخرج الإيطالي فيديريكو فليني يعتبر من السينمائيين القلائل الذين قلبوا هذه المعادلة رأسًا على عقب: بالنسبة له، لا يوجد الواقع الحقيقي خارج ذواتنا، بل في داخل كل منا، في الأحلام، والهواجس، في تلك الصور الهاربة التي تزورنا ليلًا وتفلت منّا مع أول خيط من الصباح، ثم ما تلبث أن تعود لتختفي من جديد.
لم يكن فليني مجرد راوٍ للحكايات، بل كان مستكشفًا لمتاهات النفس، يغوص في أعماقها ليحوّل مادتها الخام، الحلم، الرغبة، القلق، إلى صور سينمائية آسرة، أقرب إلى الطقوس منها إلى السرد التقليدي.
كيف تم هذا الانتقال إذن في سينما هذا الفنان العالمي الكبير من سينما " واقعية مباشرة " إلى حد ما، إلى سينما أكثر التصاقا بعوالم الحلم والسحر والخيال؟ لكن السؤال الأساسي الذي نطرحه في هذه المقالة هو التالي: ماذا عن تأثير التحليل النفسي بصفة خاصة في هذا التحول الذي باشره فليني من سينما " الواقع " إلى سينما الحلم و الخيال كما سيتجسد ذلك بصفة خاصة في فيلمه العجائبي " ثمانية و نصف"؟ ما هو الدور الذي لعبه التحليل النفسي في هذا التحول؟
إرنست بيرنهارد: حين يصبح الحلم مادة للفن
تقودنا هذه الرحلة إلى شخصية أساسية قلّما تُذكر خارج الدوائر المتخصصة: إرنست بيرنهارد (1896 – 1956) المحلل النفسي الألماني الذي فرّ من النازية ليستقر في روما، ويصبح من أبرز ممثلي مدرسة كارل غوستاف يونغ في إيطاليا.
لم يكن بيرنارد معالجًا تقليديًا، بل كان يرى النفس بوصفها فضاءً رمزيًا حيًا، تعبره الأساطير والصور البدئية. بالنسبة له، اللاوعي، على عكس تصور سيغموند فرويد، ليس مجرد مستودع للعُقد، بل خزان خصب للخيال.
أما من "معلّقات" للشعر العربي الحديث؟! - محمد المهذبي
ربما أمكن القول اليوم، بعد عقود من تراكم الانتاج الشعري، وتعاقب موجات من التجارب المختلفة، بأنّ الشعر العربي الحديث قد نجح في إبداع قصائد تتحدّى الفناء، وتستحقّ تخليدها منقوشة على جدران الأبديّة. والمقصود هنا بالشعر العربي الحديث، ذلك الشعر الذي انطلق من الوعي بالاختلاف عن التراث، مثلما تجلّى ذلك في شعر المهجريّين أو جماعة الديوان، وصولا إلى قصيدة النثر، ومرورا بجماعة أبولو ثمّ الشعر الحرّ. أي إنّ لدينا مُدَوَّنَةً شعريّة تجاوز عمرها القرن من الزمن وكان لها تأثيرها الكبير وأسماؤها البارزة. بل يمكن أن يمتدّ تعريف الشعر الحديث، استنادا إلى المعيار الزمني، ليشمل الإحيائيين أو الكلاسيكيين الجدد مثل أحمد شوقي أو حافظ إبراهيم أو خليل مطران وغيرهم. فهم حتّى وإن اتُّهموا باتّباع الشعر القديم، فقد استطاع شعرهم أن يصل إلى وجدان القارئ العربي المعاصر. فهناك إذن من شعراء عصرنا من تركت أعماله أثرا لا ينمحي في الذائقة الشعرية لدى أجيال مختلفة وحتّى في الرأي العام، بفضل قصائد تحدّت النسيان، قبل أن يبلغ صداها إلى العالم، وإن بشكل محدود، بواسطة الترجمة أو أعمال المستشرقين.
لقد سعى العرب القدامى إلى تخليد القصائد الاستثنائية من خلال تعليقها على أستار الكعبة، وتلك فكرة قد لا نجد مثيلا لها في العالم. ولعلّ ما يميّز فكرة المعلّقات أنّها كانت تَنْشُدُ تأبيد القصائد الشعرية بوضعها في مكان مقدّس. فالشاعر ليس مجرّد لسان للقبيلة، بل هو الذي يرتقي بالوعي الجمعي إلى سماء الخلود. ويصبح الشعر هنا بالضرورة رؤية للكون تتجاوز الزمان والمكان، ويقترب من الماورائيات أو يشير إليها. إنّ المعلّقات هي ديوان الحبّ والحرب، والحكمة والهَوَى، والبقاء والفناء. وقد لا نجانب الصواب إن قلنا إنّ الشاعر وصل بفضل معلّقته إلى أقصى ما يمكن للإنسان بلوغه، قبل مرتبة النبوّة. فلعلّه كاد أيضا "أن يكون رسولا".
لقد دخلت المعلّقات مجال الخلود في الوجدان العربي باعتبارها نموذجا لا يُضاهى لإتقان الشعر ونقاء اللغة وفرادة الصور والمعاني. وصمدت تلك القصائد أمام الدراسات الحديثة سواء منها الاستشراقيّة أو العربيّة التي حاولت التشكيك في حقيقتها التاريخيّة. وربما غاب عن المشكّكين أنّ المعلّقات قد أفلتت من قيود الزمان والمكان، مثل مارد خرج من قمقمه، ولا سبيل إلى إرجاعه إليه. ولعلّها تستحقّ من أجل ذلك أن يتمّ إدراجها في "سجّل ذاكرة العالم" لدى منظمة اليونسكو، ضمن مبادرة عربيّة مشتركة، حتّى وإن لم تبق من المعلّقات مخطوطات أو نقوش أثريّة. فلا شكّ أنّ المعلّقات باقية خالدة، في الذاكرة العربية، باعتبارها مصدرا لإلهام الأجيال القادمة والبشريّة بأسرها.
أسئلة الذّات والوجود في رواية "ظلّ الإله" لنضال الفرشيشي - د. عبد الرزّاق السّومري
في كتاب "بصمة اللّه في العالم الكُموميّ" قال أستاذ الفيزياء الفرنسيّ إيف ديبون: "إنّ الفيزياء الكموميّة قد فتحت لنا نافذة على الماورائيات وعالم الميتافيزيقا"[1]، وفي سنة 1927 في مؤتمر الفيزيائيين بسُولفاي توجّه ألبيرت إينشتين إلى نيلز بور في سياق خلافيّ حول حتميّة القوانين الكونيّة أو خضوعها لمبدأ الصّدفة واللّاحتميّة قائلاً: "إنّ الله لا يلعب النّرد" وكان ردّ بور حسب ما رُويَ ولسنا ندري إن كان من قبيل الحقيقة التّاريخية أم من قبيل الخيال والتّزيّد: "سيّد إينشتين، توقّف عن أن تُمليَ على اللّه ما يجبُ أن يفعلَ". وعندما نتقدّم قليلاً في التّاريخ الحديث نستحضر ذلك الحوار الطّريف بين ستيفان هاويكينغ والبابا يوحنّا بولس الثّاني في الفاتيكان سنة 1981، ويُروى أنّ نقاشًا دار بينهما حول الانفجار العظيم وما هي الحالة التي كان عليها الكون قبل هذا الانفجار، ومن قبيل الدّعابة انتهى الخلاف بأن قال البابا لعالم الفيزياء: "لنتّفق، اهتمّ أنت بما بعد الانفجار العظيم، واتركْ لي أنا ما قبله". وأخيرًا سنة 2013 عندما حصل الفيزيائيّ البريطانيّ بيتر هيغز بالاشتراك مع العالم البلجيكيّ فرنسوان أنجليرت على جائزة نوبل تقديرًا لاكتشافهما النّظريّ لأصل كتلة الجُسيمات دون الذرّية ما يُطلق عليه "بوزون هيغز" صدر بعدها كتاب ليون ليدرمان بعنوان "الجُسيم اللّعين"، ثُمّ عُدّل العنوان -وقد يكون لأغراض تسويقيّة- وصار "جُسيمات اللّه" تعبيرًا عن سرّ ذلك الجُسيم تحت الذّريّ الذي يعمل بوصفه ناقلاً للقُوى في الكون.
أردنا بهذا التّمهيد النّظريّ التّاريخيّ القصير أن نقف على ظاهرة أو ربّما منعرج في مسار العلوم الحديثة وتحديدًا علم الفيزياء، إذْ بعد عقود من نمذجة العلوم الطّبيعيّة قياسًا على الرّياضيات، جاءت الفيزياء الكموميّة لتحدث زلزالاً في المفاهيم الفلسفية والعلميّة التّقليديّة ففتحت الحقيقة على الاحتماليّة، ولكنّها بقدر ما أثبتت حدود العقل البشريّ وقصوره، فإنّها حرّرته نسبيّا من العنجهيّة والغرور. وقد تجلّى هذا التّحرّر وإن بدرجات متفاوتة في إعادة الاعتبار للميتافيزيقا التي سعت الفيزياء الكلاسيكيّة إلى طردها من حقل اختصاصها، فالعقل الكموميّ لا يرى الميتافيزيقا أوهامًا، بل إطارًا احتماليًّا يمكن أن يفسّر ما وراء المادّة. وحتّى لا نُبالغ، فليس كلّ الفيزياء الكموميّة تسمح بهذه الإطلالة على الأصوات الأخرى المفسّرة للوجود، بل بعضها فقط يُحاول أن تطلّ من حين لآخر بشيء من الاحتشام مرّة عندما ينسدّ الأفق العلميّ أمام ألغاز العالم الكموميّ ومرّة عندما تعجز لغة العلم نفسها عن الإحاطة بالظّاهرة والمفهوم فتنكفئ لغة الرّموز الرّياضيّة وتحضر الاستعارة ونسمع حديثًا عن الثّقوب الدّودية، وضربة البلياردو، ونظريّة الأوتار والتّأثير الشّبحيّ عن بُعد، وبَحر ديراك وغيرها من الاستعارات. وكأنّ الاستعارة هنا تسدّ فجوة أو فراغًا مّا عن شيء لا يُقال وغير قابل للقول بالمنطق الرّياضيّ والعلميّ المألوف.
تجربة السجن بين أيمن العتوم وفيودور دوستويفسكي - إبراهيم أبو عواد
السِّجْنُ هُوَ العَالَم المُغلَق الذي يفرض على الإنسانِ مُواجهةَ ذاتِه بلا هَوادة. وقد كانَ لِكُلٍّ مِن الروائي الأردني أيمن العتوم ( وُلِدَ 1972 ) والروائيِّ الروسي فيودور دوستويفسكي ( 1821_ 1881) تَجْرِبة فريدة تتجاوز الجُدرانَ والأقفالَ لتُصبح تَحليلًا للنَّفْسِ البشرية ، وَمِرْآةً للرُّوحِ ، ومُخْتَبَرًا لِتَجْرِبةِ الحريةِ والمُعاناةِ والوجود . ففي مُواجهةِ السِّجْنِ ، لا تتوقف العُقوبةُ عِند القُيودِ الجسدية ، بَلْ تمتدُّ لتصل إلى أعماقِ الفِكْرِ ، وتكشفَ عن قُوَّةِ الرُّوحِ وضَعْفِها على حَدٍّ سَواء .
عِند العتوم ، يَظهر السِّجْنُ كفضاء مفتوح على الانكسارِ والتمرد ، فضاء يَختبر حُدودَ الصبرِ والإرادةِ الإنسانية . السجينُ هُنا لَيْسَ مُجرَّد جسدٍ محبوس ، بَلْ هُوَ كائنٌ مَشحون بالأسئلةِ الوجودية ، يَبحثُ عن مَعنى في عَالَم يرفضُ تقديمَ إجابات سهلة .
العتوم يُصوِّر السِّجْنَ كَمِرْآةٍ صارخة للحِرْمان مِن الحُرية، لكنَّه في الوقتِ ذَاتِه ساحة لاكتشافِ الذات، حَيث يَختبر الإنسانُ حُدودَ خَوْفِه ، وألَمَ الفقد ، ومَرارةَ الوَحْدة . التَّجْرِبةُ هُنا لَيْسَتْ مُجرَّد تَحَمُّل للعُقوبة ، بَلْ هِيَ صِراعٌ داخلي معَ النَّفْسِ ، ومُواجَهةٌ معَ الظِّل ، ورِحلةٌ نَحْوَ فهم أعمق للوجود .
أمَّا عِند دوستويفسكي ، فإنَّ السِّجْنَ يتحوَّل إلى مُخْتَبَر نَفْسي وفلسفي . العُقوبةُ الجسدية تُصبح وسيلةً للكشفِ عن أعماقِ النَّفْسِ البشرية ، والصِّراعِ بين الخَيْرِ والشَّر ، والصِّدامِ بَين الإيمانِ واليأس ، والمُواجَهةِ بين الرَّغبةِ في الحياةِ والخَوْفِ مِن المَوْتِ الرمزي . التِّجْرِبةُ السِّجْنيةُ عِنده لَيست حادثةً حياتيةً فَحَسْب ، بَلْ أيضًا تَجْرِبة وجودية عميقة تهزُّ القِيَمَ والمُعْتَقَدَات ، وتضعُ الإنسانَ أمامَ ذَاتِه الصافية ، بلا أيِّ سِتارٍ أوْ مُوَارَبَة .
الصراع الحضاري بين الطيب صالح وغابرييل غارسيا ماركيز - إبراهيم أبو عواد
يُعَدُّ الأدبُ مِرآةً للثقافات والمُجتمعات ، ويعكس في كثير مِن الأحيان صِراعَ الإنسان معَ التحوُّلات الكُبرى في مُحيطه الحضاري والاجتماعي . وفي هذا الإطار يَظهر الصِّراعُ الحضاري كموضوع مِحْوري في الأدب العربي والعالمي .
الروائي السوداني الطيب صالح ( 1929 _ 2009 ) ، والروائي الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز ( 1927 _ 2014 ) ، كِلاهما تناول قضية الصِّراع الحضاري ، والصِّدام بين القديم والحديث ، كُلٌّ بأُسلوبه الخاص ، ومَنظوره المُتميز .
عاش الطيب صالح تَجْرِبة الاحتكاك المُباشر بين الثقافة العربية والأفريقية التقليدية مِنْ جِهة ، والتأثيرات الغربية الحديثة مِنْ جِهة أُخْرى ، خاصَّة بعد فترة دراسته في جامعة الخرطوم ، وعمله في الخارج . هذه الثنائية الثقافية شَكَّلَتْ خَلفيةً أساسيَّة لأعماله الأدبية ، التي غالبًا ما تتناول التفاعلَ بين الإنسان التقليدي في مجتمعه المحلي والحداثةِ الغربية التي تجتاح المجتمعات ، كما تتناول صِراع الهُوِيَّة والانتماء في مُواجهة الاستعمار الثقافي والمعرفة الغربية .
مِنْ جِهة أُخرى ، نشأ ماركيز في مجتمع يَرزح تحت آثار الاستعمار الإسباني ، وأزماتِ التحديث السياسي والاجتماعي في أمريكا اللاتينية . استخدمَ الواقعيةَ السِّحْرية كأداة أدبية لتسليط الضوء على صِراعات مُجتمعه ، مُجَسِّدًا الصِّدام بين التقاليد والعصر الحديث ، وبين الفقرِ والقُوَّة، وبين الفردِ والمُجتمع .
في أعمال الطيب صالح ، يَظهر الصِّراعُ الحضاري غالبًا كَصِراع هُوِيَّة ، حيث يَكُون البطلُ مُمَزَّقًا بين انتمائه إلى أرضه وَعُمْقِه الثقافي، وبين جاذبيةِ الحداثة الغربية التي تتجاوز حُدودَ المعرفةِ والسُّلطةِ .
القلق الوجودي بين سنية صالح وسيلفيا بلاث - إبراهيم أبو عواد
القلقُ الوجودي لَيْسَ حالةً نَفْسية عابرة ، بَلْ هو سُؤال الكائنِ حين يضعُ رأسَه على حَافةِ المَعنى ، وينظر في هُوَّةِ الوجودِ دُون وسائط مُطمئنة . وفي الشِّعْرِ ، يتحوَّل هذا القلقُ إلى لُغةٍ ، ونَبْرَةٍ ، وجسدٍ لُغوي يَرتجف وهو يُحاول تسميةَ مَا لا يُسَمَّى .
في هذا الأُفق ، تلتقي تَجْرِبتان شِعْريتان مُتباعدتان جُغرافيًّا وثقافيًّا ، لكنَّهما مُتجاورتان رُوحيًّا : تَجْرِبة الشاعرةِ السُّوريةِ سَنِيَّة صالح ( 1935_ 1985 )، وتَجْرِبة الشاعرةِ الأمريكية سيلفيا بلاث ( 1932 _ 1963 انتحار ) . كِلْتاهُما كَتَبَتَا مِن قلبِ القلقِ ، لا بِوَصْفِه فِكرةً فلسفية مُجرَّدة ، بَلْ بِوَصْفِه مُعاناة يَومية ، وجُرْحًا مَفتوحًا في الذات .
عِند سَنِيَّة صالح ، يَنْبُع القلقُ مِن هَشاشةِ الكائنِ في عَالَمٍ عَرَبيٍّ مُضطرب ، وشُعورٍ عميق بالاغترابِ داخل الجسدِ واللغةِ والمصير . هِيَ لا تكتب عَن القلق ، بَلْ تَكتُب بِه ، كأنَّ القصيدة نَفْسَها كائنٌ قَلِق ، يتقدَّم ويتراجع . يَتلعثم أحيانًا، ويَصرخ أحيانًا أُخْرَى . وَشِعْرُها لا يبحثُ عَن خَلاصٍ نِهائي ، بَلْ يكتفي بِتَعريةِ الجُرْح ، والوُقوفِ طويلًا أمامَ الأسئلةِ الكُبرى : المَوْت ، الوَحْدة، الحُب ، الأُمُومة ، الزمن الذي يَنهش الرُّوحَ بصمت .
أمَّا سيلفيا بلاث ، فيتخذ القلقُ عِندها طابعًا أكثر حِدَّةً واندفاعًا أقرب إلى الانفجارِ الداخلي . قلقُها وُجودي لكنَّه أيضًا نَفْسي ، يتشابك معَ الاكتئابِ والهُوِيَّةِ الأُنثويةِ والضغطِ الاجتماعي . قصيدتها لا تَمْشي على حافةِ الهاوية فقط ، بَلْ تقفز أحيانًا داخلها مُحاوِلةً أن تفهم السقوطَ ذاتَه . الذاتُ عِندها ساحةُ صِراعٍ عنيف بين الرغبةِ في الحياةِ والرغبةِ في التلاشي ، بين الصوتِ والرغبةِ في الصمتِ الأبدي .
من هي ريتا في شعر محمود درويش ؟ - إبراهيم أبو عواد
إنَّ ريتا في شِعْر محمود درويش ( 1941_ 2008 ) لَيْسَت اسمًا عابرًا في قصيدة حُب ، بَلْ هِيَ جُرح مفتوح في ذاكرة الشاعر، واستعارةٌ مُعقَّدة تختلط فيها المَرأةُ بالوطن ، والعاطفةُ بالتاريخِ ، والابتسامةُ بالبُندقية .
ريتا لَيْسَتْ شخصيةً شِعرية عاديَّة ، إنَّها واحدة من أكثرِ الرُّموز الشِّعْرية إثارةً للجدل . فَهِيَ حبيبة يهودية ، أحبَّها الشاعرُ في شبابه داخل فِلَسْطين المُحتلة . وقدْ كُشِفَ لاحقًا أنَّ الشخصية الحقيقية التي تقفُ خلف الاسم هي امرأة إسرائيلية تُدعَى تمار بن عامي ( 1947 _ 2026 ) . نشأتْ في حَيفا ، وَتَعَلَّمَت الرقصَ ، وانضمَّتْ في عام 1962 إلى فِرْقة تَجمع بين راقصِين يهود وعَرَب ، كما كانتْ عُضْوًا في حِزبِ الشبابِ الشيوعي . وَتَعَرَّفَتْ على مَحمود درويش في سِن السادسة عشرة ، واستمرَّت العلاقةُ خمس سنوات حتى حرب 1967 . وَقَدْ خَدَمَتْ في البحرية الإسرائيلية ، ثُمَّ أصبحتْ مُصمِّمة رقصات ومُدَرِّسَة .
حرصَ محمود درويش على إبقاء ريتا في فضاءِ الشِّعْر ، لا في أرشيفِ السِّيرة ، فهو لَمْ يُرِدْ لها أنْ تُخْتَزَلَ في قِصَّة حُب عابرة ، بَلْ أنْ تبقى رمزًا مُتحركًا يتجاوزُ الشخصَ إلى المَعنى .
العاشقان يَفصلُ بَينهما صِراع سِياسي وعسكري . لَيست المُشكلةُ في اختلافِ الدِّينِ أو الثقافةِ فَحَسْب ، بَلْ أيضًا في واقعِ الاحتلالِ الذي يَجعل الحُبَّ فِعْلًا مُستحيلًا . ريتا هُنا تَنتمي إلى الجِهة المُحتلة التي تَحمل السِّلاحَ، وهُنا تَكمُن المُفارَقةُ المُؤلمة:كيف يُمكن للقلبِ أنْ يُحِبَّ مَنْ يقفُ على الضَّفَّةِ الأُخْرَى مِنَ الصِّراع ؟.
إنَّها صُورة الحُب في زمنِ الانقسام ، حيث لا يَكُون الصِّراعُ فِكرةً نظريةً مُجرَّدة ، بَلْ يَكُون واقعًا يوميًّا يَخترقُ العاطفةَ ويُشوِّهها . ريتا تَتحوَّل مِن امرأةٍ إلى هُوِيَّة ، وَمِنْ حبيبة إلى سُؤال أخلاقي وسِياسي .