كنتُ أمشي بينهم كقصيدةٍ مؤجلة، كحلمٍ لم يجد بعد لغته الكاملة، بوجهٍ لا يعرف الأقنعة، وقلبٍ يرفض أن يتعلّم فنّ الاختباء. في عالمٍ كانت الوجوه فيه تتبدّل كما تتبدّل الفصول، بقيتُ ثابتًا كنجمةٍ تُقاوم الغيم، أؤمن أن الصدق ليس خيارًا بل هو قدر، وأن النقاء ليس ضعفًا بل طريقةٌ أخرى للوجود. كنتُ أرى الأشياء ببساطتها الأولى، كما تُرى السماء بعين طفل، دون أن أُدرك أن بعض الزرقة مجرّد وهمٍ يختبئ خلفه الفراغ.
لم أعرف كيف أُلوّن مشاعري بما لا أشعر، ولا كيف أقول ما لا ينبع من داخلي. كنتُ أعيش كما أنا، دون حواجز، كنافذةٍ مفتوحةٍ على كل الرياح، أستقبل الوجوه كما لو كانت حقائق، وأصغي للكلمات كما لو كانت اعترافاتٍ صادقة. كان قلبي يسبقني دائمًا، يمدّ يده قبل عقلي، ويمنح قبل أن يسأل، كأنه نهرٌ لا يعرف سوى الجريان، حتى في أرضٍ لا تشرب.
كنتُ أهب ثقتي كما تُهدي السماء مطرها، بلا تمييز، بلا حذر، معتقدًا أن كل أرضٍ ستزهر إن لامستها قطرة صدق. كنتُ أرى في العيون ضوءًا يشبه ضوئي، وأظن أن الكلمات الدافئة جذورٌ تضرب في عمق الإخلاص. لم يخطر ببالي أن بعض الوجوه تُصاغ بعناية، وأن بعض المشاعر تُرتَّب كما تُرتَّب الأدوار على خشبة المسرح. كنتُ أتعامل مع الجميع كما أتعامل مع نفسي، وكأن القلوب نسخةٌ واحدة، وكأن العالم صفحةٌ لا تعرف سوى الحبر الصافي.
فتحتُ روحي كحديقةٍ بلا أسوار، يدخلها العابرون ويقطفون منها ما يشاؤون من طمأنينةٍ وأمل، دون أن أسأل: من يستحق؟ ومن سيمكث؟ كنتُ أؤمن أن العطاء لا يحتاج إلى شروط، وأن الحبّ لا يُوزن بميزان، لكنني لم أكن أرى أن الإفراط في النقاء قد يُشبه أحيانًا السذاجة حين يُمنح لمن لا يعرف قيمته.