هل التقطت أذناك يوما صوت صراخ الصخور؟ وهل سمعت يوما أنين الحجارة؟
أصختُ السمع ذات صباح وأنا أقف في انتظار الحافلة إلى صوت وجيب الحجارة المكدسة أكواما كأوصال جمل مقطوعة يتردد عبر أرجاء المدينة مخترقا شوارعها وأنهجها وجدرانها. كان أنينا يقطع نياط القلب ويفتت ما تآلف من أجزاء الروح فيُخيّل لمن يسمعه من بعيد أنه نواح ناقة نحر جزار عنيد قاسي القلب جزورها أمام عينيها. صدى آهات تلك الصخور يمرق عبر الفضاء ويرحل إلى كل الأرجاء يقض مضجع البنايات المجاورة، يأتيها محمولا على أكف الهواء كتأوهات أساف ونائلة.
أكوام من الحجارة المكدسة تحتضن إحداها الأخرى كثكالى مكلومة أو كأرامل حيرى تبحث كل منها في حضن الأخرى عن مُواسٍ يخفف عنها ما ألمّ بها من وجع ويكفكف دمعها المنهمر بلا توقف. كل حجارة تنوح منفردة بعد أن كانت يوما متماسكة تعانق إحداها الأخرى في حميمية ومودة مشيّدة بناية تتوسط المدينة وتضخ دماء الحياة في شرايينها. بناية كانت في ما مضى تقف في عنفوان وشموخ متحدية الزمان ومانحة للمكان ألقا فريدا ورائحة متميزة ترفرف فوق هامتها راية البلاد الحمراء بنجمتها وهلالها الأبيضين لتذكر العابرين دوما "إنّي هنا".
حوصر البناء ذات صباح خريفي جارح، ونزل من السيارة رباعية الدفع أعضاء لجنة ببدلاتهم السوداء الضيقة وربطات أعناقهم الملونة وأحذيتهم اللماعة، تلهو أصابعهم بأزرار هواتفهم الجوالة يقلبون الصور والرسوم يبحثون عن تصاميم جديدة لبناءات عملاقة لأنهم أعجز ما يكونون عن وضع مثل تلك التصاميم. جالوا حول البناية وهي جاثمة، قاسوا أبعادها، تهامسوا، خلصوا نجيا، تشاوروا، تدانوا ثم تباعدوا، أعادوا قيس الأبعاد ودققوا الحساب...وأخيرا وقعوا على وثيقة الإعدام. أزت أقلامهم على الورق بكل القسوة التي يمكن لقلب بشر أن يحملها. بلغ صدى صرير أقلامهم مسامع تلك الصخور فارتج البناء ودمدمت الحجارة كسجين أُعلم بحلول موعد تنفيذ حكم الإعدام عليه. وقّعوا بأيادٍ مرتعشة وهم يفكرون في ارتفاع أرقام أرصدتهم الضاجة بالخيرات. وقّعوا وهم يقدّرون حجم انتفاخ جيوبهم بعد الانتهاء من الأشغال متناسين تاريخ مدينة حافلا بكل ألوان الفرح وضاجا بالحياة والناس.

منذ زمن بعيد ظل سجين أسئلة متناسلة، لا يكاد يجد جوابا لواحدٍ منها حتى تحاصره أُخَرٌ أَكْثر غُموضاً فيجد نفسه فريسة لعملية تكرار مُمِلَّة، في البَدء كانت الأسئلة وجودية محضة، لكن مع تقدُّمِه في العمر حضر الهاجس الاجتماعي بكل تجلياته وترتّبَ عن ذلك تَخبُّط نفسيٌّ قويٌّ، زاده حجم السؤال المعجون والمموه بتلاوين متضاربة تَجمعُ بين الغُموض والمجهول، وتدمج بين المعقول والسوريالي، وبالتالي تنامت درجة ضيَّاعه في بحر بلا قرار، وصارت سِدرة المنتهى بالنسبة له الخروج من وجع التَّوجسَات وقهر الهلوسات.
عندما سألته زوجته عن سر شُروده وهذيانه المُتكرر، لم يجد ما يردّ بِه عليها واِكتفى بابتسامة شَاحبة وغير مُقنعة، قالت له بإلحِاح:
" تَمتّع بما تبقى لك من عُمْرٍ، ولا تشغل بالك بالهرطقات، فلست بقادر على تغيير المسار والتأثير على ما كانَ وما هو كائن وسيكون"
لم يحفل بكلامها رغم اِيمانه برجاحته، وعقلانِيته، لأن هُناك شَيئا داخله يمنعه من القُبول بالأمر الواقع، والاِستسلام لسطوةِ الغُموض. ثم أسند ظهره للخلف ونظر إليها بعيون ذَابلة، وعادت به ذاكرته سنوات إلى الخلفِ، شاءتِ الأقدارُ أن يتعرَّف عليها صدفة في طريقهما من الرباط إلى مدينتهما، ومن يومها تعددت لقاءاتهما، ولم يعد أحدهما يطيق البعد عن الأخر، كان يهرول لانتظارها كل مساء قرب مقر عملها، فتحتضنهما شوارع المدينة وأزقتهما، وهما في حالة انتشاء متقدمة، حتى إذا أحسا بالتعب، هرعا إلى مقهى الحديقة الكائن وسط الغابة المَخْزنِيّة، وطلبا مشروبا ساخنا، أو باردا حسب الأجواء، ثم يندمجا في الحديث، تحدثه عن نفسها، عن أحلامها وطموحاتها، ويحدثها هو عن ولعه بها وارتياحه لوجودها معه، وعندما يأتي المساء يفترقا، ليتكرر اللقاء في اليوم الموالي، وهكذا دواليك حتى قررا دخول القفص الذهبي، فتزوجا، وتدرّجا في دروب الحياة صعودا وهبوطا، ورُزقا بالذرية الصالحة، ثم ركبا قطار الحياة المتجه إلى حيث لا يعلمان.

كانت تتسابق كل صباح، مع نسمات الريح التي تتماوج مع خصلات شعرها، وتراقب طلوع الشمس الذي يبدو لها كحدث كبير يحدث فرحا غير مفهوم بداخلها. كانت أمنيتها أن تظل للحظات تحت أشعة الشمس الوهاجة حتى تستطيع أن تستقبل اليوم بنفس جديد. لكن ظروف عملها كانت كالسيف على رقبتها. التوقيت مهم في عملها. أصحاب البيت الذي تشتغل عندهم يرفضون أي تأخير أو تهاون مهما كان السبب.
من أحب اللحظات الى قلبها، ان تمشي والشمس ماتزال تستيقظ من سباتها الليلي. وتعشق تلك اللحظة التي تقف فيها عند الجسر وتهيم مع رائحة الشجر وصوت المياه ونور الشمس. كانت كعاشق ينتظر حبيبته. وتبتسم وتحضن كل الأشعة التي تخترق جسدها النحيل وتعيد اليه توازنه وحيويته. بديعة، هذا هو اسمها. فهي بديعة في التعامل مع الآخرين. هي من أسرة فقيرة، عملت كمساعدة بالبيت المتواجد في الطرف الآخر من المدينة. لكي تساعد عائلتها التي تتكون من أخ صغير وأب مقعد وأم تعبت من الخدمة في البيوت. كأنها تعيد حياة أمها رغما عنها. فتضطر عند كل صباح، أن تقطع الجسر من أوله الى آخره، لكي تصل الى مكان عملها.
كان صباحا ليس ككل الصباحات، وصلت عند الجسر واستقبلتها الشمس كاستقبال الضيف بعد سفر طويل. عادة، يكون الجسر صامتا الا من خرير المياه، وحفيف الأشجار. لا أثر لقدم بشري في تلك الساعة المبكرة. لكن هذا الصباح، رأت شابا، طويل القامة وقوي البنية. يخترق صمت المكان. واقفا لا يتكلم ولا يحرك ساكنا. كأنه يحمل سرا خطيرا.. في لحظة، بدأ يقترب من النهر دون أن ينتبه اليها. فتقدمت بديعة بشكل تلقائي نحوه وسألته:

" رَأَيْتُ الْعَبَثَ وَ لَمْ تَضِقْ يَدايَ بِسُكونِ الْجِهاتِ الْنَّائِمَةِ. وَ رَأَيْتُ خَرائِطَ الْفَرَحِ تُعِدُّها بِمَكْر، ثَعالِبُ الْوَقْتِ الْعابِرِ فاتَّسَعَتْ بُقَعُ السَّفَرِ في قدمِي. ولَمَّا رُمْتُ انْتِشالَ الْحُقولِ مِنْ ضُباحِ الْكائِناتِ اللَّوْلَبِيَّة فَرَّتْ مِنْ أَصابِعي كُلُّ الدّالِياتِ. سَقَطَ الدَّمْعُ في جَيْبِي الْمُعَلَّقِ فِي فَهارِسِ النِّسْيانِ، فَتَّشْتُ في قاعِهِ عَنْ دُرَيْهِماتٍ أسُدُّ بِها ثُقوبَ الْحُقولِ الْمَسْلوخَة فَلَمْ أَجِدْ رَنيناً، وَوَجَدْتُ بَقايا مَخالِب، وَ نُتْفاتٍ مِنْ زَغَب، وَ حُشاشَةً مِنْ روح، وَ بَعْضَ أحْلام كانتْ دَفِينَة. "

ماذا تَقول أيّها الْمعْقُوفُ في يدِ الكلام؟ وهل أنتَ شاعرٌ فقدَ بوصلةَ البيان أم حاكٍ تاهَ عنهُ غزالُ المَجاز؟
انا الحاكِي و الْمحكِيُّ عنه. و أمّا العبثُ أعلاهُ فبعضُ السّلوك. و أمّا الجهاتُ النّائمَة فبعضُ السّكوت. و أمّا خرائطُ الْفرح فبعضُ الانْفِراجِ في سيماءِ العسْف و الخسْفِ و...
هل أنتَ تشْرَحُ لي؟ و هل بدوْتُ لك جاهلاً بمسارِب الْكلام؟
سيدي... لا تقلق و لا تندفع فليس قصدي أيُّ إهانة أو ما شابه. كلّ ما في الأمرِ أن الرّغبةَ في الكتابة انزاحتْ نحو التغميضِ الدّلاليّ بِقصدٍ يُنيخُ بالمحْكِي في أرْضِ النّخبة. و لا أرانِي جانَبْتُ صواباً إذْ ضيّقْتُ أفقَ الاستِقْبال. أليسَ من حقّي و أنا الحاكِي أن أختارَ قُرّائي؟
سأتركُكَ إلى نخبَتِكَ و أغادِرُ حماكَ. وليس مطلوباً منّي أن أذعِن لهذيانِك...
لك ما تشاء...
قال الحاكي:

"هذه أرضنا يا أبي، هذه مرابعنا، هذا حقلنا وهذا كوخنا، هذه طفولتي وذكرياتي...لا أريد أن أترك كل شيء وأرحل"...ظل الفتى يبكي ويستغيث وهو يتعثر خلف والده الذي يمشي مصمما دون أن يصغي لنداءات صغيره، يقوده قلبه المنفطر حزنا وألما. يحث الخطى محكما شد يده الغليظة على معصم الطفل الذي لم ينقطع عن البكاء منذ انطلقا، ودموعه المنهمرة تغسل وجهه الصغير وتزيل ما علق بهما من القذى وتنزع بقايا النوم من مآقيه. دموعه الغزيرة حجبت عنه رؤية الطريق أمامه وحرمته من إلقاء نظرة الوداع الأخيرة على كوخهم الذي ولد فيه منذ سبع سنوات ودرج في ساحته وتنشّق روائح أزهار اللوز والزيتون والسرو وتعطر بطيبها. دموعه المنهمرة حجبت عنه رؤية أثار أقدامه فوق هذه التربة الناعمة.

رجل تصميم والده، وذو صبر وبأس شديدين. إذا قرر أمرا فلا يردعه عنه رادع. يُقصي إمكانات فشله ولا يأبه لخساراته. يمضى نحو غايته بلا تردد، يسلك الطرق الوعرة والموحشة دون خوف كأن بين جنبيه قلبَ أسد. يجدُّ في السير الآن بقامته المديدة وكتفيه العريضتين أمام ابنه الصغير. يمسك بإحدى يديه صرة لا أحد يعلم ما بداخلها، ويشد بالأخرى معصم ابنه ويجره وراءه دون أن يلتفت إلى دموعه، ودون أن يصغي إلى توسلاته. ولم يفلته إلا بعد أن قطعا مسافة طويلة وأدرك أن لا مهرب للفتى سوى اللحاق به. أنسته وحشةُ الطريق وقسوةُ والده البكاءَ.

مراوحا بين الهرولة والجري واللهاث كان الفتى يتبع والده. ولم يجد سبيلا لنسيان ألم اللحظة سوى بالارتماء بين أحضان الماضي مثلما كان يرتمي بين أحضان والده العائد من رحلات صيد محمّلا بما يتمكن من قنصه من طيور وأرانب برية. ما أجمل تلك اللحظة التي يطل فيها والده من بين الأشجار بطوله الفارع وهو يعلق البندقية على كتفه، وقد شد إلى نطاقه صيده الثمين، فيجرى الفتى نحوه وقد تعلقت نظراته بتلك الكائنات الضعيفة التي تتدلى أجسادها الصغيرة فترتطم رؤوسها بفخذ والده. يجري ويداه تلوحان في الفضاء فيكاد يمسك بالهواء في فرح طفولي غامر. يجري نحو والده تاركا خلفه والدته التي تظل تحرسه بقلبها وتسنده بدعواتها له حتى لا يتعثر ويسقط. وعندما يدنو كل منهما من الأخر يغرس الأب ركبتيه في التراب ويفتح ذراعيه مغريا الصغير بالوصول إلى حضنه فتتسع خطواته حتى تكاد رجلاه لا تلامسان التراب كطائر صغير يتدرب على الطيران. يحمله والده بعد أن يغمر كل منهما الآخر بالقبلات ويعودان إلى الكوخ فينعمان بطيب العيش.

غاب عن المدينة بعد أن غابت المدينة..
تركنا زياد بعد ان تغيّر لون كلّ شيء وطعم كل شيء، تركنا في مللٍ وعجزٍ وانتظارٍ بائسٍ لشيء نجهله.. تركنا مقاوماً وبعضنا مقاومين!
تركنا مختلفين: قال ما عنده ورحل!
تركنا زياد "بلا ولا شي" هكذا معلّقين بخيطِ أملٍ مات لأجله ومن أجله، أملٌ بغدٍ فيه النّهار يصحو باكراً.. تغنّي فيه فيروز من أوله الى آخره، تغنّي للقدس، في القدس، الحرّة، عاصمة فلسطين الديمقراطية!
هذا الحلم: الأمل، نحياه كوصيتكَ لنا وعهدنا لك. سنكمل العزفَ فالنوتة ما زالت لم تُختَم بعد: سنرفع صوت البيانو ونغنّي رغم النشاز.
نغنّيكَ ونغنّي لكَ: رسالة حبّ ونمشي في جنازتكَ ضاحكين على سخافة العالم، وسادية الموت الذي اختاركَ أنتَ دون غيرك ليبقي المشوّه حيا أمامنا، بل ويتكاثر!.
وداعًا زياد،

الزمن جزء من كينونة الإنسان وجزء من صميمه، فنحن لا نتحرّك في الزمن، بل نصنع ذاكرتنا منه، ونشتقّ منه معنى لما كنّا وما نريد أن نكون، نعم إنه الزمن، لطالما شعرت أنه ليس ما نراه في عقارب الساعة أوحركة التعاقب الليل والنهار، بل ما نعيشه في عمقنا عندما ننتظر شيئًا بشغف، أو حين نفقد شيئًا فنشعر أن الوقت كان هشًّا، متفلّتًا.
حينما نبحث في أعمال كل من ديان بونومانو وألبرت تساو وويليام فرايدمان من بين آخرين، كيف يُشفّر الدماغ الزمن، وكيف أن خلايا دقيقة تترتب بداخلنا لتسجّل اللحظات وتضع لها علامة...إلخ، أو حين نقرأ أن الزمن الحقيقي لا يُقاس بالساعات، بل يُعاش داخليًا كتيار شعوري متدفّق لا يمكن تقسيمه أو تثبيته رياضيًّا كما صاغه هنري برجسون، وأن الإنسان لا "يوجد" إلا من خلال الزمن، لأن الماضي يُشكّل ذاكرته، والمستقبل يُحرّك مقاصده، والحاضر هو لحظة اختيار تؤسّس فعل الوجود، مما يجعله يحمل بداخله توترًا دائمًا بين ما كان وما سيكون، مما يمنحه القدرة على التفكير، الإبداع، والتأويل، كما أوضح مارتن هايدغر... يخطر ببالي سؤال مزعج: لماذا رغم كل هذا الإدراك الداخلي، نستهين بالزمن في حياتنا؟
أنا لا أتحدّث هنا كعالمة أعصاب أو كفيلسوفة، بل كإنسانة تمرّ بي الأيام وكأنني أطاردها وهي تفرّ، أنا أعلم أن الزمن مكوّن منّا كما هو مكوّن لنا، لكنه يتسرّب من بين أفعالنا، من بين تأجيلاتنا، من بين ساعات نضيعها في عبارات "فيما بعد أو لاحقا..". إننا نعرف الزمن علميًا، لكن لا نعامله كما نعرفه.
إن كل لحظة تمرّ هي فرصة لا تتكرّر لبناء معنى، لكننا نختار في معظم الوقت أن نعيش في الماضي، أوالهروب إلى مستقبل مجهول، في المقابل تذوب في روتيننا اليومي "الآن" تلك اللحظة التي يدعونا هايدغر إليها لنفهمها كمساحة للاختيار، فلا نسمع صوتها فتنفلت منا أو بالأحرى نحن من نغفل عنها.
هذه الملزمة ليست بحثًا، بل تذكيرٌ لنفسي قبل أن أدرك كل لحظة كنبض في الوعي، أنا أعرف الزمن جيدًا، أعرف كيف يمرّ، وكيف يُخلّد، وكيف يُنسى، قرأت عنه كثيرا، كيف ترصده أدمغتنا، وحاولت أن أكتشف كيف تُشفّره الخلايا لتكوّن ذاكرتنا، لكنني وسط كل هذا الإدراك أمارسه كما لو أنه لا يعنيني، أحيانا أهدره وكأنه ليس مني ولا أُصنَع منه، أمارسه وكأنه خارج الذات، فقط يُقاس، يُؤجَّل، يُهدر، لماذا؟

دخل عبد الله إلى المنزل، وتوجّه مباشرة إلى الغرفة.. جلس وشدّ رأسه بين يديه.. سألته زوجته:
ـ ما بك ياعبد الله؟ عدت باكرا!.. وتبدو واجما ومهموما على غير عادتك؟
طلب منها أن تتركه الآن.. سيحكي لها فيما بعد عن حاله.. وبرر ذلك بأنه يشعر بصداع قوي في الرأس، ويحتاج إلى قسط من الراحة...
خرجت وعادت من المطبخ بقطعة خيار قسمتها على الطول، ووضعتها فوق جبهته، وشدتها بقطعة قماش أبيض.. أحس ببرد خفيف يتسرب إلى عروق رأسه.. تمدد وأغمض عينيه، وتظاهر بالنوم.. جلست بجانبه بعض الوقت، ثم عادت إلى عملها في المطبخ.. وبقيت تُطلّ عليه بين الحين والآخر..
لم يُصدق ما سمعه في السوق، وما شاهده مع ثلة من أصدقائه!.. الفيديو صحيح، ومنشور على صفحة الشيخ في الفايسبوك منذ أكثر من أسبوع، ولم يُحذف، ولم يُكذبه أحد..
بعد كل هذه السنين الطويلة قال الشيخ بأنه تراجع عن خطأ ارتكبه في حياته الدعوية عندما كان متشددا، فحرّم الغناء.. قال بأن الغناء إذا كان بالعربية سيستمع إليه حتى لو كان غزلا وبصوت امرأة.. وضرب مثلا بأم كلثوم وكاظم الساهر..
ارتسمت صور من الطفولة أمام عيني عبد الله قبل أن يسمع أول شريط كاسيت للشيخ.. كان طفلا مشاغبا يحب الرقص والموسيقى والغناء والرسم.. رأى نفسه يغني ويرقص، ويُردد ما حفظه عن الكبار مع أقرانه في الأسرة والحي والمدرسة.. حتى عندما سقط في الجامعة والتحق بالسوق ظل بشوشا يطرب للأصوات الجميلة، ويُردد معها الأغاني في الأشرطة والمذياع والتلفاز رغم التزامه الديني..