تسجّى.
كان الانتظار قد أدرك من الصّبر حوْلا وأيّاما عسيرة. غلّق التّقى أبواب الحواسّ، وفتّح عليه بابَ "الرّيان"[1] يدخله الخيال من أيّ نعمة شاء، فيستعين القلب باليُسر القادم على العسر المقيم، ويتأسّى الجسد الذي صام عن زينة الدّنيا ورذائلها المحبّبة إليه حتى ذوى قبل الأوان.
اللّحيةُ حتّى منحدر أضلع شُدّت بجلدة البطن الضّامر. والقميص الذي كان في صُرّة الصّدقات الأخيرة أوسع من جسمه المنخول، وأطول من قامته النّاشفة. بدا فيه كغريق يخبط في بحر السّماء المتلاطم ولا جذع من الأرض يطفو فيُنجيه ولا غصن من الجنّة يتدلّى فيرفعه.
من تحت الكُمّ الأبيض، تطلّ أصابعه ناحلة سمراء قاتمة كديدان تخرج من جوف الطّين الحمئ، يمشّط بعضُها مرج الشّعر الرّماديّ على صدر بُرّزت تضاريسه، وتذهل الأخرى على حبّات السّبحة تمرّرها إلى الخلف خرزة تلو خرزة. شفته ذات الصّدوع خشعت هي الأخرى ترتّل تسابيح خاوية الرّوح سوى ما درجت عليه من انتظام صارم برمجه التّكرار.
تتوقّف شفتاه عن الحركة. تحفّ ريح العصر المقرور من فراغات ما بين خشبات الباب المخلّع فترجف ركب خميسة، وتسكن يداه. يرشق عينيه الذّاويتين في السّقف. أعمدة من فروع الكالبتوس تتمدّد عرضيّا على مستطيل جداريّ من قوالب الآجرّ المقوّى بطبقة رقيقة من ملاط تشقّقت جوانبها، وتندّت زواياها العليا بفعل القطر المستمرّ مدى الشّتاءات الغابرة. يشدّ الأعمدة خليط من القشّ والطين والحصى لتسقف غرفتين متلاصقتين. يُسَرّ "خميس" لما يرى.. مروج الوهم خُضْرا ومزهرة تينع بين تقاطعات أعمدة السّقف، والفنار المتدلّي أعمى الفتيل غدا، بغتة، يشعّ بنور باهر، لم ير له من قبل مثيلا.. يبرق فرح شاحب في أثلام الفم القائظ وعلى حوافّ السّواد المنيخ على وجنتين تحدّبتا لفرط النّحول.. تتباعد شفتاه في هيئة من يتهيّأ للكلام ولا يدرك جهدا لحرف واحد فيظلّ الفرح معلّقا على صفّ بنيّ من أسنان دبغها التّبغ، مترقرقا على جناح ريح آسنة تصاعدت من جوف اجتاف لطول الجوع الطّوعيّ.. أدواح السّندس تُهزهِزه ما بين رفق ولين، أنهار الخمر تجري من تحته، والحور يحففن به..