هي سيارة تاكسي قديمة بقدم البؤس و الشقاء ، أليق مكان لها هو متحف أثري لحفظ كرامتها مثلما تحفظ القبور كرامة الموتى ، مترهلة حتى بدت عليها كل ملامح الشيخوخة بضعفها و تلفها ، لم يبق لها الدهرقطعة واحدة معافاة ، جلد الكراسي ممزق و بان منه الإسفنج و برز ، تقطعت أطرافه بأيدي عابثة من الركاب و الدهر ، حاولت أن افتح الشباك لكني فشلت لعدم وجود مقبض لإنزال الزجاج المغلق في هذا الجو الصيفي الساخن الحار ، الشمس تسقط على جسمي لتسلقه وتلسعه كما الزمن ، و فوق هذا كله فان ماكينة الشباك خربة كالأوطان المقهورة . ثرت في وجه السائق كالحصان الهائج : دوّر على حل يا أخي ، الشمس أهلكتني و أصبحت أذوب مثل الزبدة في المقلاة و أنضح بالعرق كالبئر المالح . أعطاني كماشة قديمة صدأة كأسلحة الهزيمة ومتسخة كي أحاول فتح النافذة الزجاجية و لكني لم أنجح ، فالكماشة لا تقبض على بروز حديدي بإحكام ، عدا عن ذلك فهي تنزلق و تملص كلما ضغطت عليها بقوة . قال السائق بفخر و شموخ بأن هذه السيارة تعمل منذ عهد والد جده الذي كان يشتغل عليها سائقا على خط غزة - القاهرة في منتصف القرن المنصرم ، كان يتحدث بعز و انتماء لسيارته العتيقة و كأنه ينتمي لقبيلة عبس العتيدة بما تحفل من سؤدد حتى بدا كأنه عنترة العبسي نفسه ، و تابع القول بحزم و فخر : بعد موت والد جدي في حرب العدوان الثلاثي عمل عليها جدي بنفسه ، و عندما مات جدي في إحدى الغارات عام سبعة وستون عمل عليها أبي ، و لما مات أبي بقذيفة إسرائيلية في هذه الانتفاضة باشرت العمل عليها بنفسي .. يتحدث باندفاع و انفعال شديدين و كأني أنازعه على ملكية سيارته الخردة الهرمة المكحكحة .