انتظرت حتى اختفت قدماي في عمق التراب . الحافلة الحمراء المرقعة في جهاتها الأربعة ، يبدو أنها لن تصل أبدا . تذكرت مهزلة الثقب الواسع ، الذي بدأت تتفاقم رائحته الكريهة ، في أسفل الكرسي الجلدي .. كرسي سائق الحافلة طبعا ..فكرت في ركوب سيارة الأجرة الصغيرة . لا أثر للسيارات ، و بدلا منها رأيت عربات ممسوخة ، يجرها آدميون .. أو هكذا بدت لي ، أنا على الأقل .
جاءتني فكرة ، و هي محاولة الحفر في التربة ، حيث وجدت جسدي، كما لو نبت مزهوا كقصبة فارعة ، في شارع المدينة هذا الصباح . و لما التصقت أصابعي الصلبة بوجه التراب ، عند مستوى ركبتي اليسرى، أصبت بخيبة أمل ، لأنني وجدت أصابعي عارية من مخالبي ، التي أمضيت دهرا طويلا معتنيا بها ، من أجل ظرف قاس كهذا . قلت ما الفائدة من جسد مشدود إلى تربة صلبة ؟ و ما الفائدة أيضا من أصابع خالية من أظافر كأصابعي ؟ . فأدخلت يدي اليمنى داخل قميصي لأجذب خنجرا كانت تلازمني في أسفاري ، لأقطع بها ما تبقى من مهزلتي .. أقطع أصابعي العشرة ، و أرميها قطعة قطعة للكلاب الضالة .. و بدل أن أخرج الخنجر بقيت يدي ملتصقة بصدري. دون أن أفهم ماذا يحصل لي ..أنا الذي لم أكن أنوي، سوى الوصول مبكرا، إلى مكان عملي ، لأقوم بواجبي أحسن قيام ..ككافة البشر في العالم كله .
في ذكرى رحيل شقيقي، محمد الإدريسي الرغيوي.. وذكرى آخر درس تعلمته منه..
وماذا يعني أن يموت أحد ما؟
عندما أدركت أن المسير عبر العتمة يكلفها شيئا من الخوف المصحوب بخيالات واسعة لمخلوقات ليلية تتسع باتساع مساحات خيالها الجامح؟
المكان /وحدة إذاعية متنقلة تغطي أحداث الحضور المبتث عبر الأثير لأشباح الغياب
ملمس الحجر ناعم...
وسط مجموعة من الأوساخ المتراكمة قرب البيوت التي تنطق بالرفاهية و النعيم،كان أحمد يفتش بيديه و رجليه عما يصلح له أو لأحد أفراد عائلته الفقيرة.كان يتنقل بخفة متناهية و يبحث بسرعة شديدة ،خوفا من عيون متلصصة عليه من هنا أو هناك.التفت لصديقه الذي توحد مع الأزبال من كثرة البحث و صاح:
الحصار محكمة حلقاته ، الفقر ، الفقر ينتشر فتجف العقول . الحصار ، في الحصار يقف وسط السوق أمام صناديق الطماطم الممنوعة ، يجأر بأعلى صوته .. وفي الحصار يزداد الفقر قبحا ، وفي الفقر تفرغ الجيوب فتتصلب الأعصاب .