(هناك نوع من الرجال هم في الواقع اشبه بالملائكة. بيد أني لست منهم )جوزيف كونراد – الإعصار
ارض شاسعة تمتد أمام البصر لا يحدها شئ أبدا .. تعطلت سيارتي في طريق ترابي مقطوع .. لا غيري هنا ، لم يمر أحد منذ ساعات .. خمنت ان الآخرين سلكوا طريقا آخر ربما يعرفونه جيدا يقيهم هذا التيه الصحراوي الممل .. أو انهم قد مروا من هذا الطريق ولم ارهم ، ربما ..
تندفع حوصلتي كما الطير ، ابلل رأسي بأخر قطرات الماء وأطفئ ظمأ روحي عندها تتطاير كلمات أخي فوق رأسي كخيط دخان وتتقافز فتوحي بأن كل من عليها فان .. كل من عليها يرجع إليها .. أول مرة منذ سنوات ، اندهش !
لم يثرني أي شئ منذ قرأت خبر ضبط جودي فوستر في مطار بوسطن وهي تهرب الكوكائين تحت ملابسها الداخلية .. أثارني وتصورت بأنها لا تستطيع النوم دون جرعة مخدرة فما كان منها إلا أن تخبئها في منطقة مثيرة ظل يتقاتل عليها البشر منذ بدء الخليقة ..
لم يثرني أي مشهد آخر منذ سنوات .. الطريق يمر بصخور وأدغال وأوحال ثم يبدأ الرمل يغطي مساحة الأرض القصية .. ليتني اعرف طريقا آخر ، مررت بكل مآسي المكان ، تسلقت صخور جثمت منذ ان وجدت ، واجتزت الأوحال وأنا اردد أناشيد الفروسية والبطولة ، رباه كم رجلا استطاع اجتياز المكان منذ خلق ؟
العائلة السعيدة
(1)
كان النهر يتلوي متألما ، تدخل له خاصرة هنا وتبرز الأخرى هناك ليمتص في كبرياء قساوة الطعنات التي أنهكته فكسا الاصفرار ماءه ، وغزا الجفاف جوانبه و تجرأت الطحالب فطمعت في تمكين مستعمراتها على شفتيه ولم يجد ما يستر به هوانه فراح يحفر بين الصخور أخاديد عميقة ليندس في باطن الأرض بعد أن جرد من عنفوانه
قالت: حرُمتَ عليّ شرعاً، فكيف تتمسح لاختراق المسافة بيننا خلسة عن وجهك في المرآة ؟
منذ أن سمع من أمه تلك العبارات القاسية التي سممت حياته : إنك ولد زائد عن الحاجة ، لقد حاولت مرات عدة وأنت في بطني أن أتخلص منك بكل الطرق والوسائل ، لقد تناولت من الأعشاب والأدوية ما يكفي للقضاء على أمة من الأمم إلا أنك كنت ولدا منحوسا ولم يؤثر فيك كل ما تناولته من أدوية ، كأنك كنت مصرا على أن تعيش عالة على نفسك وعلى الآخرين ، لم يكن بد من أن تولد ، لكنك لم تشأ أن تترك الفراغ لإخوتك ، لقد اقتسمت معهم الطعام والشراب وزاحمتهم في الهواء وفي المكان الضيق الذي ما فتئنا ندفع بعضنا بعضا فيه ... كلما تذكر هذه الكلمات اسودت الدنيا في عينيه ... كان في أحيان كثيرة يلجأ إلى التساؤل ، يسأل نفسه ... وهل كان في إمكانه أن يسأل غير نفسه ، لكن أسئلته كانت عقيما ، بحيث إنها لم تكن تلد أجوبة ... أسئلة تشبه الاستنساخ ، كما قرأ عنه وكما فهمه ، أسئلة تلد أخرى ... الاختلاف أمر مهم وضروري ... توالد الأسئلة وتكاثرها ينسخ بعضها بعضا يزيد من ألمه ومعاناته ، يشعره بالعجز ... هذا العجز الذي زاده المرض قسوة وشدة ، كانت الحيرة تملأ عليه كل كيانه ، كيف يمكن لأم أن تكون بهذه القسوة ؟ قلب الأم مركز الحنان والعطف ورمز الدفء ، كيف يصير حجرا ؟ ما ذنبي ؟ تساءل في قرارة نفسه ، ماذا صنعت حتى تكون حياتي بهذه الدرجة من التفاهة ؟ هل لوجودي معنى ؟ هل من حق أمه أن تمنعه من الحياة ؟ هل من حقها أن تقرر إن كان زائدا عن الحاجة أو كان وجوده ضروريا ؟ ما جدوى أن تخبره بذلك بعد أن ولدته ؟
غرفة المكتب صغيرة ، أو هي كبيرة ، لكنها مزدحمة بأجساد الموظفين . يجلسون متقاربين ، متقاربة دائما وجوههم ، الأكتاف ، الأفواه ، السيقان ، الأيدي . تختلط أنفاسهم مع همساتهم ، تمتزج تمتمتهم مع نحنحاتهم ، يتداخل كلامهم مع غمغمتهم ، في صوت واحد لزج مشوش متذمر ينوء بالشكاوي التي لا تفنى ، كأنها سرمدية ، مشاكل العمل ، البيت ، الراتب ، الأولاد . كل أزماتهم الصعبة المستعصية الكثيرة تجمعت في هذا المكان على سعته الضيقة بهم ، لم تتجمع الشكاوي للبحث عن حلول ، إنما بالعادة تقال وبالتعود تثار في محاولة لتخفيف ضيق الصدور.. المكتب على ضيقه هو المكان الوحيد الذي يريح صدورهم ويفضفض ما بها من كروب ، ربما لوجود آذان تسمع و فقط تسمع ما في ثنايا حناياهم من هموم ، هذه الآذان هي آذانهم ، و الأفواه هي أفواههم .. وحين تجتمع مشاكلهم تبدو مشكلة واحدة كبيرة ثخينة مجدولة وحول جسد واحد ضخم مبرومة .
منذ عام كامل وهو يهاتفها كلَّ أسبوع ليسألها عن أحوالها ويدعوها للقاء في عطلة نهاية الأسبوع. ولكنّها كانت تتهرب من ذلك اللقاء باختلاق العذر تلو الآخر: مرّة لديها امتحان في كلّيّتها، ومرّة لا بدّ أن تسافر لزيارة أهلها، ومرّة ستأتي أُمّها لرؤيتها، ومرّة عليها أن تكتب رسالتها الجامعيّة. وفي كلّ مرّة يحتضن إحباطه وفشله معه إلى فراشه البارد، كما يحتضن الجريح جراحه، ليحلم بأنوثة جسدها.