"فِي بَلَدِ العُمْيَانِ يَصِيرُ الأَعْوَرُ مَلِكًا" (2)
يُعَدُّ خُوسِيه سَارَامَاغُو ((Jose Saramago)) ، الكَاتِبُ البُرْتُغَالِيُّ المَوْلُودُ سَنَةَ 1922، وَالَّذِي وَصَفَهُ هَارُولْد بْلُوم بِأَنَّهُ "أَكْثَرُ الرِّوَائِيِّينَ مَوْهِبَةً"، مَشْهُورًا بِكُتُبِهِ المُثِيرَةِ لِلْجَدَلِ الَّتِي تُقَدِّمُ "رُؤًى تَخْرِيبِيَّةً لِلْأَحْدَاثِ التَّارِيخِيَّةِ، مَعَ التَّشْدِيدِ عَلَى البُعْدِ الإِنْسَانِيِّ-اللَّاهُوتِيِّ الشِّعْرِيِّ (Theopoetic human aspect)، كَمَا يُمْكِنُ تَفْسِيرُ بَعْضِ أَعْمَالِهِ بِوَصْفِهَا اسْتِعَارَاتٍ رَمْزِيَّةً". تُعَدُّ رِوَايَةُ  "العَمَى"  (Blindness) وَاحِدَةً مِنْ أَشْهَرِ أَعْمَالِ خُوسِيه سَارَامَاغُو، الَّذِي نَالَ جَائِزَةَ نُوبِلَ فِي الأَدَبِ عَامَ 1998 عَنْ مُجْمَلِ إِنْتَاجِهِ الأَدَبِيِّ. وَتَدُورُ أَحْدَاثُ الرِّوَايَةِ حَوْلَ وَبَاءٍ غَامِضٍ مِنَ العَمَى يَجْتَاحُ المُجْتَمَعَ، فَيُفْضِي إِلَى انْهِيارِ النِّظَامِ الاجْتِمَاعِيِّ، وَانْتِشَارِ الفَوْضَى، وَتَآكُلِ القِيَمِ الإِنْسَانِيَّةِ تَحْتَ وَطْأَةِ الخَوْفِ. وَتَكْشِفُ الرِّوَايَةُ كَيْفَ يُمْكِنُ لِلْمِحْنَةِ أَنْ تَدْفَعَ الإِنْسَانَ إِلَى التَّخَلِّي عَنْ أَخْلَاقِهِ، وَأَنْ تُظْهِرَ الجَوَانِبَ الأَكْثَرَ ظُلْمَةً فِي الطَّبِيعَةِ البَشَرِيَّةِ.

تَبْدَأُ الرِّوَايَةُ فِي اللَّحْظَةِ الَّتِي يُصَابُ فِيهَا رَجُلٌ بِالعَمَى المُفَاجِئِ أَثْنَاءَ قِيَادَةِ سَيَّارَتِهِ فِي أَحَدِ شَوَارِعِ المَدِينَةِ، وَعَلَى الأَثَرِ انْتَشَرَ هَذَا المَرَضُ بِسُرْعَةٍ هَائِلَةٍ بَيْنَ السُّكَّانِ، وَقَدْ وَصَفَهُ المُصَابُونَ بِهِ بِأَنَّهُ "عَمًى أَبْيَضُ"، إِذْ تَغْمُرُهُمْ قَشَاعَةُ رُؤْيَةٍ بَيْضَاءَ كَثِيفَةٍ، كَأَنَّهَا بَحْرٌ مِنَ الحَلِيبِ. وَسُرْعَانَ مَا يَنْتَشِرُ الوَبَاءُ بِصُورَةٍ مَجْهُولَةِ الأَسْبَابِ، وَقَدْ تَحَوَّلَ إِلَى وَبَاءٍ كَارِثِيٍّ أَصَابَ مُعْظَمَ أَفْرَادِ المُجْتَمَعِ.

وَفِي مُوَاجَهَةِ هَذِهِ الكَارِثَةِ الوَبَائِيَّةِ، قَامَتِ السُّلُطَاتُ بِعَزْلِ المُصَابِينَ وَوَضْعِهِمْ فِي مُصَحٍّ مَهْجُورٍ، وَقَدْ أَحَاطُوهُ بِحِرَاسَةٍ عَسْكَرِيَّةٍ مُشَدَّدَةٍ، وَقَامَ الحُرَّاسُ بِمُعَامَلَةِ المُصَابِينَ بِطَرِيقَةٍ وَحْشِيَّةٍ يَنْدَى لَهَا الجَبِينُ خَجَلًا، وَقَدْ أَخَذَتْ هَذِهِ المُعَامَلَةُ صُورَةَ تَجْوِيعٍ وَقَتْلٍ وَاسْتِلَابٍ وَاغْتِصَابٍ دَمَوِيٍّ.

وَفِي دَاخِلِ المُصَحِّ العَسْكَرِيِّ تَبْدَأُ مُعَانَاةُ المُصَابِينَ عَلَى صُورَةِ انْهِيارٍ سِيكُولُوجِيٍّ أَخْلَاقِيٍّ جَمَاعِيٍّ، وَفِي ظِلِّ الأَوْضَاعِ المَزْرِيَّةِ الَّتِي أَحَاطَتْ بِهِمْ، تَلَاشَى القَانُونُ، وَتَفَكَّكَتِ القِيَمُ الأَخْلَاقِيَّةُ، وَانْهَارَتِ المَعَايِيرُ الإِنْسَانِيَّةُ فِي التَّعَامُلِ وَالتَّفَاعُلِ، وَظَهَرَتْ مَوْجَةٌ مِنَ العُنْفِ وَالعُدْوَانِيَّةِ وَالاسْتِغْلَالِ وَالأَنَانِيَّةِ بَيْنَ المُصَابِينَ. وَبَدَأَ الصِّرَاعُ عَلَى الطَّعَامِ وَالمَوَارِدِ، وَظَهَرَتْ عِصَابَاتٌ دَمَوِيَّةٌ دَاخِلَ المُصَحِّ مِنْ أَجْلِ الهَيْمَنَةِ وَالسَّيْطَرَةِ عَلَى الطَّعَامِ، وَقَامَتْ هَذِهِ العِصَابَةُ بِفَرْضِ سَطْوَتِهَا اللَّاأَخْلَاقِيَّةِ عَلَى الآخَرِينَ، وَصَادَرَتْ مُمْتَلَكَاتِهِمْ، وَامْتَدَّ هَذَا العُنْفُ لِيَأْخُذَ طَابَعَ الاعْتِدَاءِ عَلَى النِّسَاءِ وَمُحَاوَلَةِ اغْتِصَابِهِنَّ، ثُمَّ مُطَالَبَتِهِنَّ بِتَقْدِيمِ أَجْسَادِهِنَّ مُقَابِلَ الغِذَاءِ. وَعَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ المُتَوَحِّشَةِ تَحَوَّلَ المَكَانُ إِلَى نَمُوذَجٍ مُصَغَّرٍ لانْهِيارِ الحَضَارَةِ وَسُقُوطِ المَعَايِيرِ الأَخْلَاقِيَّةِ.

مقدمة:
هناك علاقة قوية بين التاريخ والرواية الأدبية، حتى قيل: إن التاريخ هو الرواية التي حصلت، والرواية هي التاريخ الذي كان يمكن أن يحصل. وهو ما أدى إلى ظهور جنس أدبي جديد أُطلق عليه اسم الرواية التاريخية، والتي تمثل مختبراً سردياً معقداً يُعاد فيه إنتاج الماضي وتأويله.
فإذا كان التاريخ يسعى إلى الحقيقة من خلال الوثائق والشواهد والدلائل، فإن الرواية تميل إلى إعادة تأويل الحدث التاريخي الإنساني بما يتجاوز حدود الزمان والمكان. وإلى تقديم صورة أعمق وأشمل لما حدث، أو ما كان يمكن أن يحدث، من خلال أدوات السرد الروائي، وقدرتها على إثارة الأسئلة التي غالبا ما يهملها الخطاب التاريخي التقليدي. فالرواية التاريخية لا تبسط التاريخ فقط، بل تمنحه معناه الإنساني، فهي لا تقف عند حدود المحاكاة الباردة للوقائع، بل تعيد بناء الوعي بالماضي من خلال ترميم التباساته الكبرى، لتجعل القارئ يرى في التاريخ مرآة للحاضر، لا مجرد سجل لما مضى.
ومن هنا، تأتي رواية (المستعصمية) للكاتب الدكتور هشام أبو النجا، الصادرة عن دار الفاروق للنشر بالقاهرة عام 2026، لتضع وعينا التاريخي بحقبة حكم المماليك لمصر، بصفة عامة، وفترة حكم الملكة شجر الدر، بصفة خاصة، موضع المساءلة، باعتباره في معظمه مستمد من السرديات الدرامية للسينما التي تحولت إلى مراجع بديلة لإنتاج الأحكام وإصدار المغالطات التاريخية، فهي بمثابة محاولة جادة لتفكيك السرديات البصرية المشوهة التي رسختها السينما في الوعي الجمعي حول هذه المرحلة التاريخية.
حيث يتوسل الكاتب بمنهج يمزج فيه بين الخيال الروائي الخصب والأحداث التاريخية الموثقة لدى كبار المؤرخين كالمقريزي في (السلوك)، وابن تغري بردي في (النجوم الزاهرة)، والعيني في (عقد الجمان)، ليقدم نصًا يقع في منطقة التقاطع بين الوثيقة والرؤية، بهدف تطهير الذاكرة التاريخية من الشوائب والمغالطات، وتقديم بعض الإنصاف الإنساني والأدبي لملكة ظلمتها الدراما (فيلم واإسلاماه نموذجاً).

     تُعَدُّ النزعة المُتعالية من أبرز الاتجاهات الفكرية والأدبية التي دَعَتْ إلى الارتقاء بالإنسان فوق حدود المادَّةِ والمحسوس، والبحثِ عن الحقيقة في أعماق النَّفْس، واتصالها بالكَون والطبيعة. وقد ارتبطَ هذا الاتجاه بالفيلسوف والأديب الأمريكي رالف والدو إيمرسون ( 1803_ 1882) الذي عُدَّ رائد الحركة المُتعالية في الأدب الأمريكي خلال القرن التاسع عشر . ولَم يكن تأثير هذه الفلسفة مقتصرًا على البيئة الأمريكية، بل امتدَّ إلى عدد من الأدباء والمفكرين في أنحاء مختلفة مِن العالَم ، ومِن بَينهم الأديب اللبناني ميخائيل نعيمة (1889_ 1988 ) الذي تأثرَ بأفكار إيمرسون خلال دراسته في أمريكا، وانعكسَ ذلك بوضوح في إنتاجه الفكري والأدبي.

     تقوم النزعة المُتعالية على الإيمان بأنَّ الإنسان يمتلك قُدرةً فِطرية على إدراك الحقائق الكُبرى دون الاعتماد الكامل على الحواس أو القوانين المادية. وتدعو إلى التأمل في الطبيعة، والعَودةِ إلى الذات باعتبارها مَصدرًا للحكمة والمعرفة الرُّوحية، كما تؤكد على حركةِ الفرد واستقلالِه الفكري.

     يُعَدُّ إيمرسون الأب الرُّوحي للنزعة المُتعالية في أمريكا. فقدْ دعا في مقالاته ومُحاضراته إلى الثقة بالنَّفْس، والاستقلالِ الفكري، وعدمِ الخضوع للأفكار الجاهزة والتقاليدِ الجامدة. وكانَ يَرى أنَّ الإنسان يستطيع أن يكتشف الحقيقةَ مِن خِلال التأمل الذاتي، والتفاعلِ العميق معَ الطبيعة.

     وقدْ تجلَّتْ هذه الرؤية في كتاباته التي جعلتْ من الطبيعة كِيانًا حيًّا يربط الإنسانَ بالكَون، ويَمنحه شعورًا بالانسجام الرُّوحي. كما أكَّدَ أنَّ لكلِّ إنسان طاقة داخلية قادرة على تحقيق الكمال الإنساني إذا تحرَّرتْ من قيود المادية والأنانية.

     حِين يتحوَّل الشعرُ مِن غِناءٍ ذاتي إلى صرخةِ تاريخٍ، ومِن تأمُّل فردي إلى موقف وجودي، يَظهر الشعراءُ الذينَ لا يكتبون القصيدةَ بوصفها زينة لغوية، بلْ بوصفها سِلاحًا رُوحيًّا، وأداةَ مُقاومةٍ.

     وَمِنْ بَين أهمِّ هؤلاء الشعراء، يَبْرز الشاعرُ الفِلَسطيني سميح القاسم ( 1939_ 2014 ) ، والشاعرُ الروسي فلاديمير ماياكوفسكي ( 1893_ 1930 انتحار )، بوصفهما صَوْتَيْن ثوريين انطلقا من بيئتين مختلفتين، لكنَّهما التقيا في جَوهر الرؤية الشعرية: الإيمان بأنَّ الكلمة قادرة على هَزِّ العالَم.

     عاشَ القاسم تجربةَ الاحتلال والقهر والاقتلاع، فكانتْ قصيدته ابنة الأرض الفِلَسطينية الجريحة، بَينما عاشَ ماياكوفسكي اضطرابات روسيا الثَّوْرية وانفجاراتها الاجتماعية والسياسية، فصارَ شِعْرُه مِرآةً لعصرٍ يبحث عن ولادة جديدة. ورغم اختلافِ الجُغرافيا والتاريخ، فإنَّ النبرة الثورية لدى الشاعرَيْن تكشف تشابهًا عميقًا في البِنْيَة النَّفْسية والفنية والفكرية.

     لَم يكن التمردُ عند القاسم موقفًا عابرًا، بلْ كانَ جَوهرَ تَكوينه الشعري، فهو شاعر يَرى في الصمتِ خيانةً، وفي الكلمة مسؤولية أخلاقية. لذلك، جاءتْ قصائده حادَّة، وصاخبة، ومليئة بنداءات التحدي والصمود. لقدْ خاطبَ المُحْتَلَّ مباشرة، وخاطبَ شَعْبَه، وخاطبَ التاريخَ نَفْسَه، كأنَّه يريد أن يثبت أن الفِلَسطيني لا يُهزَم ما دامَ قادرًا على الكلام.

     في قصائده تتحوَّل الذاتُ الفردية إلى رمز جَمَاعي، ويصبح الشاعرُ صُورةً للشعبِ بأكمله. الكِبرياءُ هُنا لَيست شُعورًا ذاتيًّا، بلْ هِيَ حالة مُقاومة. والنبرةُ المرتفعة، والإيقاعُ الحاسم، والجُمَلُ القصيرة المُتدفقة، كُلُّها تجعل القصيدةَ أقرب إلى خِطاب ثَوْري يُلْقَى في ساحةِ نضالٍ.

     أمَّا ماياكوفسكي، فقدْ كانَ يَرى الشعرَ فِعلًا تغييريًّا مباشرًا. لقد تمرَّدَ على الأشكال الشعرية التقليدية، واللغةِ الهادئة، والنُّخبةِ الثقافية، وكتبَ شِعرًا يُشبِه الانفجارَ. كانَ يُريد للكلمة أن تكون مِطرقة، وللقصيدةِ أن تكون طلقة. ولهذا جاءتْ قصائدُه ممتلئة بالصُّراخ، والاستفزاز، والطاقةِ العنيفة التي تهزُّ القارئَ.

في غياب المعايير والقيم، والقواعد العامة التي تنظم الحياة الاجتماعية، فإن البلد، أي بلد بدون شك، يصبح عرضة لقطاع الطرق. وحين نتفحص العالم الروائي للكاتب الإيفواري أحمدو كوروما، فإن تلك الحقيقة تبدو مفجعة إلى حد بعيد. إن قطاع الطرق في نصوص كوروما يتقاسمون كل شيء: الثروة، والأرض، والشعب، بينما العالم بأسره يتغاضى عن ذلك، ويسمح لهم بقتل الأبرياء من أطفال ونساء بلا رادع.

كان على كوروما أن يقاتل من أجل الحلم الإفريقي بصوته وقلمه، وأن يندد بما تتعرض له أفريقيا السوداء بعد الاستقلال من خيانة النخب، وتنصيب الديكتاتوريات العسكرية تحت وطأة الحرب الباردة، والصراعات القبلية الدامية التي ابتليت بها القارة السمراء لسنوات عديدة.

سنة 2000 نشر كوروما روايته اللاذعة "الله غير ملزم" Dieu n’est pas obligé. ظهرت الترجمة العربية سنة 2003 بقلم عدنان محمد، تحت عنوان "الله يفعل ما يشاء". ويشكل هذا العمل شهادة على المعاناة المريرة للأطفال الذي جُنّدوا كمقاتلين، في الحروب الأهلية التي شهدتها ليبيريا وسيراليون خلال تسعينيات القرن الماضي. والشاهد في النص طفل في العاشرة يدعى بيراهيما.

منذ السطور الأولى للرواية سيُصدم القارئ من وحشية السرد بضمير المتكلم. قرر بيراهيما الذي بلغ من العمر ستة عشر عاما، أن يجيب على سؤال طرحه عليه ابن عمه الدكتور مامادو، بينما كان جالسا في المقعد الخلفي لسيارة دفع رباعي:

" يا صغيري بيراهيما، أخبرني بكل شيء، أخبرني بكل ما رأيت وفعلت؛ أخبرني كيف حدث كل ذلك.."

غير أن بيراهيما المراهق لا يملك سوى رؤية جزئية للأحداث، أما الكاتب الذي يبدو للوهلة الأولى أنه محا نفسه طواعية أمام البطل، فيكشف عن نفسه بقوة، خاصة حين يعرض للتطور السياسي في سيراليون، ويقدم للقارئ أحكاما وتحليلات تتجاوز قدرة طفل شارك في الحرب القبلية الدائرة. ويبدي نقمته على كبار الشخصيات في القارة الإفريقية ممن يعتبرهم مسؤولين عن الفوضى العارمة.

بقدر حاجتنا إلى مراجَعات ذاتية، نحن نحتاج إلى مراجِعين قادمين من "أقصى المدينة"، ملمّين بلساننا، وعلى دراية بأحوالنا، لقراءة نثرنا وشعرنا. وتلك مهمّة اضطلع بها باقتدار الإيطالي سيموني سيبيليو، المنتمي إلى جيل المستعربين الجدد، في تناول المنتوج الشعري العربي، في كتاب صادر بالإيطالية هو عبارة عن فهرس مفصّل. جاء الكتاب بعنوان: "الشعر العربي بوجهيه الحديث والمعاصر" (معهد الشرق بروما)، وعماد صاحبه في ذلك، التحليل النقدي من منظور غربي وبأدوات غربية، وذلك على مستوى شمولي في النظر والتقييم، وعلى مستوى انتقاء العيّنات.

حرص المؤلف في عمله على الإحاطة بخارطة الشعر العربي الواسعة والمتشعّبة، مبرِّرا اختياره بما يرنو إلى تقديمه للقارئ الإيطالي من قراءة ضافية. وذلك من خلال عرض خلاصة تحليلية ميسّرة للشعر العربي في الفترتين الحديثة والمعاصرة. وضمن هذا الهدف الرئيس يستحضر المؤلف الجدل الدائر حول الشعر وفي الشعر، وما طرأ على القصيدة العربية عامة من أحوال وأطوار. ويشير إلى أنّ الحاجة إلى مصنّف من هذا النوع، جاءت أيضا جراء غياب خلاصة جامعة في الإيطالية، وإن توفّرت النصوص والدواوين المترجَمة لشعراء فرادى. ويشير المؤلف إلى أنّ ثمة نقصًا في وجود مصنّف "عضوي" يجمع بين الفترتين -الحديثة والمعاصرة- ويربط بينهما، ولذا جاء الكتاب مسعى لتجاوز ذلك النقص.

استعاد المنهج التحليلي المعتمَد أهمّ الثيمات التي حضرت في الشعر العربي. ليغرق الكاتب أحيانا، ودون وعي، في تقسيم غربي، يتوزع بين الكلاسيكي والحديث، والحال أن الكلاسيكي بمدلوله العربي هو النهضوي. ولكن هذا لا يقلّل من أهمية الكتاب في ما يثيره من قضايا حول تحولات الشعر العربي، وأنّ الشاعر العربي ما عاد لسان الجمهور، بل غدت اللغة مأواه الحصين. مفسّرا ذلك بأن الخيبات السياسية والاجتماعية والحضارية، قد أعادت الشاعر العربي إلى تعريف دوره وتحديد مهمّته. ففي مرحلة أولى تماهى الشاعر مع عمقه الحضاري، وذهب إلى جذور الأشياء بالعودة إلى التراث الفينيقي والكنعاني والفرعوني، لتتراجع تلك المغامرة ويقنع الشاعر باللّغة وطنًا وهاجسًا له.

ولو تمعّنا فحوى الكتاب، نلحظ أن  القسم الأول (71 صفحة) قد حام تحديدًا حول عرض مضامين الشعر ومفاهيمه الكبرى، مع توضيح مساراته على مدى القرن. حاول فيها المؤلف تتبّعَ خصوصيات "الحديث" و"المعاصر" في الشأن. وفي خضمّ ذلك يشير سيبيليو إلى أن مسألة التحقيب في الشعر العربي خلال الفترة المدروسة، تأتي لديه بمنأى عن المنظور الغربي وتقسيماته المعهودة للحديث والمعاصر. يحاول الباحث سيبيليو أن يستمدّ التحقيب المعتمَد في الكتاب من داخل الانشغالات الشعرية العربية، متتبّعًا تحولات القصيدة، بما انطبعت فيها من خاصيات "الحديث" و"التجديدي" و"المعاصر" و"الحداثي" إلى مصاف بلوغ "ما بعد الحداثي"، وهي نعوت ومعايير وتحقيبات سائلة ومائعة، على حدّ قوله.

يعد مفهوم الجنسانية من أكثر المفاهيم إثارة للجدل في الفكر الغربي الحديث. فعندما أعلن سيغموند فرويد أن الأنوثة تمثل «قارة سوداء»، كان يعترف بعجزه أمام لغز الجنسانية الأنثوية. أما جاك لاكان فقد ذهب أبعد من ذلك حين أطلق عبارته الشهيرة: «لا توجد علاقة جنسية» (Il n’y a pas de rapport sexuel).
لا تقدم كريستيفا نظرية مستقلة خالصة في الجنسانية، بالمعنى الذي نجده عند فرويد أو لاكان؛ فهي تعالجها ضمن مشروع أوسع يتعلق باللغة، والجسد، والهوية. لكنها تقدم، مع ذلك، رؤية مختلفة تعيد توجيه الاهتمام من مركزية الأب والفالوس (القضيب) نحو دور الأمومي والجسد في تشكل الذات.
تهدف هذه المقالة إلى استكشاف مفهوم الجنسانية عند كريستيفا من خلال ثنائية السيميائي والرمزي، ومن خلال المفاهيم الأخرى الأساسية في نظريتها، مع الوقوف، بصفة خاصة، عند تأثير هذه النظرية، من خلال المفاهيم الناظمة لها، في المقاربات النقدية المعاصرة للسينما.
وبخصوص السينما، تجدر الإشارة إلى أن كريستيفا نفسها لم تكن منظرة سينمائية، ولم تطور نظرية متكاملة للسينما، وإنما كان اهتمامها الأساسي موجها إلى التحليل النفسي، واللغة، والأدب، والفلسفة، والثقافة. (1) وصحيح أنها كتبت أحيانا عن الفن والتمثلات الثقافية، لكنها لم تترك لنا ما يمكن اعتباره «نظرية سينمائية كريستيفية».
لكن عددا من الباحثين في الدراسات السينمائية، وخاصة النسوية منها، اكتشفوا أن مفهوم النبذ - الاشمئزاز عند هذه الفيلسوفة والمحللة النفسية الكبيرة يمتلك قدرة تفسيرية هائلة في تحليل بعض أنواع الأفلام، وخصوصا أفلام الرعب. ومن هؤلاء تبرز، بصفة خاصة، الناقدة والمنظرة السينمائية الأسترالية باربارا كريد، التي سنتوج هذه المقالة بالوقوف، في الأخير، عند نظريتها السينمائية، بعد إبراز المعالم والتجليات الأساسية في نظرية الجنسانية عند كريستيفا.

جنسانية كريستيفا: بين السيميائي والرمزي
تطرح جوليا كريستيفا الجنسانية، لا بوصفها دافعا بيولوجيا كما هو الشأن عند سيغموند فرويد، ولا بوصفها علاقة مستحيلة كما عند جاك لاكان، بل بوصفها عملية ديناميكية مستمرة تنشأ من التفاعل الصراعي بين الفضاء الأمومي ما قبل اللغة، وهو ما تطلق عليه السيميائي (sémiotique)، وبين النظام الرمزي، مما يجعلها مصدرا للإبداع والقلق الوجودي في آن واحد.

     لَيس الألمُ دائمًا صرخةً مُدَوِّية، ولا الحُزن دمعة تسيل على الخد. أحيانًا، يرتدي الوجعُ قناعَ السُّخرية، ويختبئ خلف ابتسامة ساخرة تفضح العَالَمَ أكثر مِمَّا تفضح صاحبَها.

     في تاريخ الأدبِ الحديث يبرز اسمان استطاعا أن يُحوِّلا الألمَ إلى لغة ساخرة جارحة: الشاعر السوري محمد الماغوط ( 1934_ 2006 ) في الشرق، والشاعر الأمريكي من أصل ألماني تشارلز بوكوفسكي (1920_ 1994 ) في الغرب. ورغم اختلافِ الجُغرافيا والثقافةِ واللغة، فإنَّهما التقيا عند نقطة إنسانية عميقة، نقطةِ الإنسان المكسور الذي لَم يجد وسيلةً للدفاع عن نَفْسِه سِوى السُّخرية.

     كانَ الماغوط يكتب وكأنَّه يجرح الورقَ بسكين. لَم يكن شاعرًا يبحث عن الزخارف البلاغية، بلْ إنسانًا يطارد الحقيقةَ العارية وسط الخرابِ العربي. قصائدُه ونُصُوصُه مليئة بالخوفِ والقهر والهزائم السياسية والاجتماعية، لكنَّه لَم يواجهها بالخُطَب الحماسية، وإنَّما بالسُّخرية السوداء التي تَجعل القارئَ يضحك للحظة، ثُمَّ يكتشف أنَّ الضحكة خرجتْ من مكان مَوجوع في داخله.

     أمَّا بوكوفسكي فقدْ جاءَ مِن عالَم مختلف، عالَم الحانات الرخيصة، والشوارع القاسية، والوظائف المُرهِقة، والعلاقات المُحطَّمة. كانَ يكتب عن البشر المنسيين الذين يعيشون على هامشِ المجتمع الأمريكي. لَم يكن بَطَلُ قصصه ثائرًا أوْ أُسطوريًّا، بلْ رَجلًا مهزومًا يُحاول النجاةَ مِن الأيام. ومِن خِلال هذه الهزيمة اليومية صَنَعَ أدبًا ساخرًا يكشف زَيْفَ الأحلامِ الكُبرى التي يبيعها المجتمعُ لأفراده.

     السُّخريةُ عند الماغوط لَيست ترفًا أدبيًّا، بلْ وسيلة للبقاء. إنَّها صرخة خافتة ضِد الاستبداد والخوف والفقر. كانَ يَرى أن الواقع العربي بلغ من القسوة حدًّا يَجعل البكاءَ وَحْدَه عاجزًا عن التعبير، لذلك اختارَ الضحكَ المُر. عندما يَسخر من السُّلطة أو الشعاراتِ أو الهزائمِ، فإنَّه لا يبحث عن النُّكتة بِقَدْرِ ما يبحث عن الحقيقة المختبئة خلف الأقنعة.