أختنق ...
الأرض بداخلي تنصهر، تتمرغ في وحلها، كأنه بركان عظيم يتكاثف أمام طوفان الموت. أرتطم في حلقي وجوعي يصدمني، يفجر ينابيع العطش. بينما يسافر الماء مع اليباب. كل ما حولي ظلام دامس، وكمقطع من قصيدة تبدأ معدتي في الصفير، تنادي وتنادي، لحظتئذ أسمعها كصرير ليلة كابية السواد، تدفع من بداخلها إلى الانفجار، الاختناق حتى الهذيان.
أذوب ...
كأنني جائع، كأنني أختنق، أو كأن الأرض ما عادت تحملني. فضاء يسافر بي إلى أفق صحراوي رهيب، صحراء من السحب الغامقة، لكنها كغبار ينزف دون أن تسقط معها طائرتي التي تقلني وأقلها، داخل تلك الأرض الصحراوية القاحلة هواء متسكع يفر كمجنون أمام تلك السفينة الهوائية العجيبة، تفر كمجهول تطارده قرية بحثت عن غريمها لعقود طويلة من الزمن، وها أنا ذا في أرض الله الصحراوية ذات الفضاء الخانق، أمامي اللاشيء وحده، أمامي الفراغ وأغنية أحبها، تحيطني أسيجة من جنون. الطائرة تغرق في بركان من جوع، وأنا أتيه على أعتاب قصيدة تتهادى مع صوت رنان. أتنفس الصعداء، أحقاً أنني خرجت الآن، أو قبل الآن بزمن بعيد، أحقاً أن الأرض ما عادت تلك التي وطأتها لوقت قاتل، حقير، أحقاً أن الأرض ما عادت صحراء قاحلة هذوت معها لشهور عجاف، يراودني سؤال حد الاختناق: كيف خرجت؟! وهل سأفكر بالعودة إليها مرة أخرى؟ ولا ادري بماذا كنت أفكر حين راودتني ( إليها ) تلك؟
***
سألتني يوماً حبيبتي:
لماذا ستتركنا؟
.............
وهل ستعود لو خرجت قدماك من غزة؟


انتظر عائدا من يم كان قد اشتاق إليه مند زمن غابر،في ثناياه عثر على محياه المفقود،تحسس وجهه الملتوي في أعماق ذات مازالت تتشكل عبر صيرورة الزمن. كان الوجه قد غادر صاحبه ذات ليلة بعد أن انتشت ثملة بنبيذ عنب عرصة جدته،ليلة حولت الوجود لقناعات مشروخة تعيد البدايات الأولى للجزئيات ، تنفتح على جنيالوجيا الذات المهووسة بتراكمات القطائع الراجعة في تعاليها الدائم وسموها نحو اللاتناهي ، في شظاياه ضياع الفكر وتيه العقل وجنون المنطق.. يأتيها البحر ليأخذها معه،تأسرها أمواج الريبة ليل نهار، آه من مفارقات السؤال ومن تعايش نجوم الليل مع إشراق النهار . كيف للذات أن تقبل بتساكن عداء الأضداد وتمازج الانشطار ، سواد البياض وانسداد التراخي تمدد الانصهار المنسكب على مرايا الوجود.

-1-